الدرس : 1 - سورة البلد - تفسير الآيات 1 - 2 معانٍ يستقيها الإنسان من سورة البلد. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة البلد - تفسير الآيات 1 - 2 معانٍ يستقيها الإنسان من سورة البلد.


1985-03-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

للمُفَسِّرين في تفْسير هذه الآيات مذاهب شَتى وهذه المذاهب مُتكاملة ولَيْسَت مُتناقِضَة:

 أيها الأخوة المؤمنون، سورة اليوم هي سورة البلد وهي تبدأ بِقَوله تعالى:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ*لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ*أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ*يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً*أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ*أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ*فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ*فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ*يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ*ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ*أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ*وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ*عَلَيْهِمْ نَارٌ مُوصَدَةٌ ﴾

 يقول الإمام عليٌّ كرَّم الله وجْهَه: القرآن حمَّال أَوْجُه، لذلك للمُفَسِّرين في تفْسير هذه الآيات مذاهب شَتى، وهذه المذاهب في التفْسير مُتكاملة ولَيْسَت مُتناقِضَة.

الله سبحانه وتعالى إما أنْ يُقْسم وإما أنْ لا يُقْسِم :

 قد مرَّ بنا من قبل أنّ الله سُبحانه وتعالى إما أنْ يُقْسِم، قال تعالى:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا*وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾

[سورة الشمس: 1-5 ]

 وقوله تعالى:

﴿ وَالْفَجْرِ*َلَيَالٍ عَشْرٍ *َالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ*َاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴾

[سورة الفجر: 1-4 ]

 وإما أنْ لا يُقْسم قال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾

[سورة الواقعة: 75 ]

 وقال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ*َمَا لَا تُبْصِرُونَ ﴾

[سورة الحاقة: 38-39 ]

 وقال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴾

[سورة التكوير: 15 ]

 فهو سبحانه وتعالى إما أنْ يُقْسم وإما أنْ لا يُقْسِم.

الله تعالى لا نِهائي ولا حُدود لِقُدْرته وقُوَّتِه وعظَمَتِه أما الكَونُ فمحْدود :

 إذا أقْسَم كان هناك معْنى عظيم من قَسَمِهِ، وإنْ لم يُقْسِم كان هناك كذلك معنى عظيم من نفْيِ القَسَم، فهذا الشيء مهما بدا عظيماً وكبيراً ومُعْجِزاً بالنِّسْبة إلى الله فهو من خَلْقِهِ، ومن إبْداعه، ومُحيطٌ به، وهو ذَرَّةٌ من خلْق الله، ولذلك إذا أراد الله عز وجل أنْ ينْسِبَ الأشْياء إليه يقول: فلا أُقْسِم، قال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾

[سورة الواقعة: 75 ]

 إذ هناك بين المَجَرَّتَين ثمانية عشر ألف مليون سنة ضَوْئِيَّة، هذه المسافات التي يصْعُبُ على العقْل تَصَوُّرها قال فيها سبحانه وتعالى: لا أُقْسِمُ بها، لأنَّ الله تعالى لا نِهائي ولا حُدود لِقُدْرته وقُوَّتِه وعظَمَتِه، والكَونُ محْدود، والله غيرُ محْدود، فإذا أراد الله تعالى أنْ ينْسِبَ هذه الأشْياء إليْنا يقول:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا*وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾

[سورة الشمس: 1-5 ]

 من أنْتُم أمام الشَّمْس، سِتَّة آلاف درجة على سطْحها، وفي أعْماقِها الدرجة بالملايين، فلو أُلْقِيَت الأرضُ في الشمْس لَتَبَخَّرَتْ في ثانِيَةٍ واحدة أكبر من الأرض بِمِلْيون وثلاثمئة ألف مرَّة، والشَّمْس نجْمٌ مُتَوَسِّط، هناك كازارات يزيدُ حجْمُها عن حجْم الشَّمْس بِملايين المرات، وهناك نجْمٌ اسمهُ قَلْبُ العَقْرَب تدْخُل فيه الشَّمْس والأرض مع المسافة بينهما.

إذا أقْسَمَ الله بِبَعْض الآيات فَهُوَ ينْسِبُها إلى الإنسان وإذا لم يُقْسِمْ فهو ينْسِبُها لعظمته هو:

 إذا قال الله تعالى:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا*وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾

[سورة الشمس: 1-5 ]

 أيْ اُنْظر أيها الإنسان إلى عِظَم هذه الآية، ومن أنت أمامها؟ قال تعالى:

﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ﴾

[سورة الإسراء: 37 ]

 وقال تعالى:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى*َالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى*َمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى*ِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[سورة الليل: 1-4 ]

 صَارَ واضِحاً أنَّ الله تبارك وتعالى إذا أقْسَمَ بِبَعْض الآيات فَهُوَ ينْسِبُها إلى الإنسان، وإذا لم يُقْسِمْ فهو ينْسِبُها إلى عَظَمَتِهِ هو، فَرَبُّنا عز وجل قال:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 هناك معْنى ثالث يُسْتَنْبط من هذه الآية: أنَّ هذا الشيء إنْ رأيْتُموهُ عظيماً جداً فهو بالنِّسْبَة إليَّ صُنْعُهُ يسير، فأحْياناً حامِلَة النَّفْط، كيفَ صَنَعوها؟! تحْملُ ثلاثمئة ألف طنّ، ومن أيِّ معْدَنٍ صُنِعَتْ؟ وما سُمْكُ المعْدن؟ وما قُوَّةُ مُحَرِّكِها؟ مئة وعشرون حِصاناً قُوَّةُ مُحَرِّكِه تُعادِل تحْريك الدَّفَّة لهذه الحاملة! قلما يكون الإنسان أمام طائِرة ويراها ضخْمَةً، فالله تعالى يقول: إنَّ هذا الصُّنْع الذي يبْدو لك كبيراً، هو يسيرٌ عَلَيَّ، إذاً لا أُقْسِمُ به، المعْنى الأوَّل: إنَّني أعْظم منه، أما المعنى الثاني: صُنْعُهُ يسيرٌ:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

عدة وجوه لفهم وتفسير الآيات التالية :

 بعضُ المُفَسِّرين قال: البلد هي مكَّةُ المُكَرَّمة والبلد الحرام، فإذا سمعْنا الآيات وَجَبَ أنْ نسير في تَتِمَّة هذه الآيات وهو من روح التفْسير:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 أيْ البلد الحرام:

﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾

 مما يزيدُ حُرْمَتَهُ أنَّك فيه حُرْمَةٌ على حُرْمَة:

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

 سيدنا إبراهيم وابنه إسْماعيل:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾

 أيْ في مَشَقَّةٍ وضَعْف، وإما أنْ نفْهَمَ الآيات فهْماً آخر، وهو أنْ نسير بِعُموم اللَّفْظ، البلد هي الأرض وما فيها فالصَّحْراء غير المدينة، ترى في البلْدَة الطعام والشراب والفاكِهة والفنادق وبائع الزهور وتحْتاج إلى حقائِب، مِن معاني البلد المكان الذي تتواصل فيه حاجات الإنسان، فأكبرُ بلدٍ هي الأرض، فيها معادن قاسِيَة نسْتعْملها لِقَسْوَتِها، وأخرى نسْتَعْمِلُها لِمَتانَتِها، وفرْقٌ بين القساوة والمتانة، القساوة تَحَمُّل قِوى الضَّغْط، والمتانة تحمُّل قِوى الشدّ، وهناك معادن ثمينة تسْتعْملها كَقِيَمٍ مثل الذَهب والفِضَّة، وهناك معادن تسْتخْدِمها لِبَعْض الصِّناعات كالرصاص والنحاس، وهناك أشْباه المعادن، وهناك التربة والجبال التي هي أماكن المُتْعَة، والأنهار والبحار التي هي وسائل الإمْطار، والبُحَيْرات والأزهار والأطْيار والأسْماك والحشائِش التي هي مصادر الأدْوِيَة، وجميعُ ما يحْتاج إليه الإنسان في الأرض، فالحيوانات بِأنواعِها اللبونة والأليفة، والعناصرُ وحْدها بالمِئات، لِكُلِّ عُنْصُرٍ خواص كيميائِيَّة وفيزْيائِيَّة، وكُلُّ معْدنٍ له طريقةٌ للحُصول عليه وتصْنيعِهِ وتطْريقه، ليسَت الأرضُ كما يتوَهَّمُ الناس كَوْكَباً اِنْشَقَّ عن الشَّمْس بِحُكْم سُرْعة الدَّوران، الأرضُ فيها بُذور بِكُلِّ أنواع النباتات، زينيَّة، وأشْجارٌ للزينَة، وللثِّمار وللأخْشاب المتينة وتلك خشِنة والأخرى سهْلة التَّصْنيع، الحور والشوح والسِّنْديان وغيرها، فالأخْشاب مُنَوَّعة، والأشْجار مُنَوَّعة، والثِّمار مُنَوَّعة، وهناك المحاصيل والشُجَيْرات والغابات، وهناك نبات لِعالَم المُتْعَة كالوُرود والأغْصان وهي أنواعٌ مُنَوَّعة.

 

1 ـ المعنْى الأول لِكَلمة البلد يشْملُ الأرض وما فيها :

 المعنْى الأول لِكَلمة البلد يشْملُ الأرض وما فيها، وبعضُ المُفَسِّرين قالوا: وما عليها وما يتَّصِلُ بها، فالشِّمْسُ لها علاقةٌ بالأرض فلولا الشمس لما قامتْ حياةٌ على وَجْه الأرض والقَمَرُ له علاقةٌ بالأرض، فلولاه لما قامت حياةٌ على سطْح الأرض، وكذا الهواء والحرارة درجتُها وتَوَزُّعُها، والرِّياح سحابٌ وأمْطار، إذاً كلُّ ما حوْل الأرض وما في باطِنها وما عليها من ثَرَواتٍ ومياهٍ وطاقةٍ ومعادن:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 هذا المعْنى أخذهُ المُفَسِّرون من مُطْلق الآية، البلد مكانٌ في الأرض تتواصل فيها حاجاتك، الأرض بِأكْمَلِها، فالصحْراء ضرورِيَّة للحياة في الأرض فلوْلاها لما عاش الناس على السواحل لأنَّ الصحْراء تسْتقبل المُنْخَفَضات فمن تَنَوُّع الحرارة والبُرودة تنْشأُ الرِّياح، وينْشأُ معها السحاب والأمطار والثلوج والنبات والحيوان والإنسان، فهي جُزْءٌ أساسِيٌّ من هذا البلد، وكذا القُطْبَان جُزْءان أساسِيَّاْن من هذا البلد، وكذا المنْطقة الاسْتِوائِيَّة والمَدارِيَّة والباردة والمُعْتَدِلَة جُزْءٌ من هذا البلد، وكَوْنُ الأرض كُرة من صُنْع الحكيم العليم جُزْءٌ من هذا البلد، ودَوْرتها حول نفْسِها بِسُرْعة حكيمة جُزْءٌ من قوله تعالى:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 وهناك رُخامٌ لا يتأثَّر بِأَشِعَّة الشَّمْس، لو سُلِّطَتْ عليه الشمْس عشْر ساعات مُتواصِلة ثمَّ مَشَيْتَ عليه لرأيْتَهُ بارداً! من الذي خلق هذا الرُّخام؟ هناك موادٌ حَساسة إذا سُلط عليها الضوء انْطَلَقَ عليها إلِكْترون وهي تُسْتَخْدَمُ للتَّصْوير، فَمَن خلق هذه المادة؟ وهذه الجراثيم، والفَيْروسات والعُصَيات والبكْتيريات والأحْياء الدقيقة ووحيدة الخَلِيَّة، والحيوانات الهلامِيَّة الفِقَرِيَّة والثَّدْيِيَّة واللَّبونة والأهْلِيَّة والذَّلولة والمُتَوَحِّشَة، هل هناك حاجة من حوائج الإنسان ناقصة في هذا البلد؟! من طعامٍ إلى شرابٍ إلى مُتَعٍ، المُكَسَّرات هل هي أشياءٌ أساسِيَّة؟ لا ولكنَّها كمالٌ في الخلق، وكذا الأزْهار والتوابل والمناظر الجميلة.

 

2 ـ المعْنى الثاني البلد هو البيْتُ الحرام :

 المعْنى الثاني: البلد، الذي هو البيْتُ الحرام، الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة: 97 ]

 ما معْنى قِياماً؟ الخَيْمَة، هل تقوم بدون عمود؟! قال عليه الصلاة والسلام:" الصلاة عماد الدِّين من أقامها " فالإنسان قِيامُهُ الحقيقي ليس بِهَيْكَلِهِ العَظْمي وعضَلاته المفْتولة والمشْدودة ولا بالغِذاء الجيِّد الذي يتناوَلُهُ، ولا بالراحة التي يأخذها، ولا بِدَخْلِهِ الكبير، ولا بِبَيْتِهِ الفخْم، ولا بِمَرْكَبه الوطيد، إنما قِيامُ الإنسان بِمَعْرِفَة الله عز وجل، لأنَّ هذا العطاء ينْفذ ويميل إلى الموت، كُنْ من شِئْتَ فلا بدَّ من الموت، والموتُ إنْهاءٌ لِهذا العطاء، وكُنْ أغْنى الأغْنِياء فإذا جاء الموت يُنْهيه لك، وكن أقْوى الأقْوِياء فإذا جاء الموت يُنْهيه لك، وكُن رفيع الشأن في الحياة فإذا جاء الموت يُنْهيه لك، فالقِوام لا بِدَخْلك ولا بِصِحَّتِك ولا بِكثْرَة أوْلادك ولا بِبَيْتِك ولا بِكَثْرة تِجارتك، إنما هو بِمَعْرِفَة الله التي تُبيحُ لك الخُلود إلى الأبد، إما أنْ تعْرف الله فَتَخْلُد إلى الأبد، وإما أن تغرق في الدنيا فَتَشْقى إلى الأبد.

الحكمة من اتخاذ الله بيْتاً له في الأرض :

 ربنا عز وجل قال:

﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة: 97 ]

 طبْعاً إذا ذَهَبَ الناس إلى البيْت الحرام سِياحَةً لا يشْعرون بِشَيْء! ذهب أحدهم فقال: سبحان الله! والله ما شَعَرْتُ بِشَيْء، الله عز وجل تَعَبَّدَنا بهذه الأوامر، أوامرٌ غير معْقولة! طواف وسعْي وتقْبيل للحجر وحلْقُ الشَّعْر ولُبس لباس الإحْرام، كذا سبحان الله على جهْله! الله عز وجل تَعَبَّدَنا بهذه الأوامر، الله عز وجل يقول:

﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة: 97 ]

 هل هناك آيةً أوْضَحُ منها، ذلك أن الكعْبة والشهْر الحرام والهَدْي والقلائد إنَّما شُرِّعوا لِتَعْلموا أنَّ الله يعْلمُ، حتى يحْصل لكم العِلم بالله عز وجل، هذه هي حكمة اتخاذ الله بيْتاً له في الأرض.

السَّعْي له معنى وكذا الطواف وتقبيل الحجر الأسود له معنى :

 معنى البيْت الحرام أنَّ هذه البُقْعَة ليْست كباقي البُقع، هذه بيْتُ الله، مثلاً السفارة إذا دخلها الإنسان يُعَدُّ لاجِئاً إلى الدولة التي هي صاحِبَتُها لأنّ السفارة تُعَدُّ جزءً من أرض الدولة التي تُمَثِّلُها، وكذلك البيْتُ الحرام - مع الفارق - يُعَدُّ بيْتُ الله، وهذه الأرض التي أنت عليها ليْسَتْ لِزَيْدٍ أوْ عُبيد، إنها لله وهي بيْتُهُ، ولذلك فالإنسان إذا بَدَتْ له ملامحُ مَكَّة يقول: اللهمَّ إنَّ هذا البلد بلَدُك، وهذا الحرَمَ حَرَمُك، وهذا الأمْنَ أمْنُك، اللهمّ أنا عبْدك ابن عبْدك وابن أمتك ناصِيَتي بِيدك ماضٍ فِيَّ حُكمُك عدْلٌ فيّ قضاؤُك، فالله تعالى اتَّخَذ في الأرض بيْتاً له، فإذا أردْتَ أنْ تتَّصِلَ به اِتِّصالاً مُكَثَّفاً ومُحْكَماً، فهذا معْنى من معاني البيت الحرام، وأنت هناك تُحسّ أنَّ الله يسْمعُكَ - الله يسْمعك في كُلِّ مكانٍ وهذا لا شكَّ فيه - فإحْساسُك هناك إحْساسٌ آخر ومُتَميِّز، إنْ قُلْتَ له يا رب: اِهْدِني واهْدِ بي، تُحِسّ أنَّ الله سبحانه وتعالى اِسْتَمَع إلى هذا الدُّعاء لأنَّك في بيْتِه وليس بيتُهُ قريباً من بيتك فقد قطعْت الأمْيال الكثيرة حتى وصَلْتَ إليه:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 أيْ بِالكعْبة المُشَرَّفَة وبالبَيْت الحرام وبيْتُ الله، لماذا يصْطَفُّ الناس لِيُقَبِّلوا الحجر الأسْود؟! النبي عليه الصلاة والسلام قَبَّلَهُ وبكى كثيراً فقال له سيّدنا عمر: يا رسول الله أَتَبْكي؟! قال له: يا عمر، هنا تُذْرف العَبَرات، الحجرُ الأسْود يمين الله في أرضِه، من فاوَضَهُ فَكَأنَّما فاوَضَ كفَّ الرحمن، والإنسان أحْياناً تكون والِدَتُه في خاطِرِه دائِماً لكنَّه إذا أكَبَّ على يدَيها وَقَبَّلَها يحْصل شيئان: المعنى الحاصِل والأمر الثاني هو الاتِّصال المادي وهذا يزيد المعنى وُضوحاً وجلاءً وعُمْقاً، حينما تطوف حول الكعْبة وتدْعو بالأدْعِيَة المأثورة أو بأيِّ دُعاءٍ شِئتَ ماذا تشْعر؟ أنَّك تطوف حول البيت والطواف قبل العكوف، أحْياناً تطوف إلى أنْ تسْتقِرّ على الحقيقة فَتَعْكُفُ عليها، فالسَّعْي له معنى وكذا الطواف وتقبيل الحجر الأسود له معنى، قال تعالى:

﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة: 97 ]

إذا علِم الإنسان أنّ الله يعْلم فقد انْتهى المقْصود :

 لكن سبحان الله حينما كان الذهاب إلى الحج مشْياً على الأقْدام - تعْلمون كم هناك مِن المشْي من الشام إلى مكَّة المُكَرَّمة من مشَقَّة - أشْهُراً وكانوا يرْكبون على الجِمال، ويبْدو أنّ الثواب على قدْر المَشَقَّة، فهذا الذي مشى شهْرين حتى وصل إلى البيت الحرام بماذا يشْعر هناك؟ شُعورهُ يكون أضْعافاً مُضاعفة على من رَكِبَ طائِرَةً ولم يشْعر بِشَيء؛ ولذلك فالله سبحانه وتعالى جعل الثواب على قدْر المشَقَّة، اِلْبِس ثَوْبَ الإحْرام فإنَّك لا تعْرف قيمة المخيط من الثِّياب حتى تلْبسهُ! قِطْعَتان من القِماش، تُحِسُّ بِقيمَة الثَّوْب، وتُحِسُّ أنَك والناس في مُسْتوى واحد، لا فضْل لأحَدٍ على أحَدٍ، الناس كُلُّهم في هذا البيت، ليس هناك رُتَبٌ ولا ألْقاب ولا حُظوظ اجْتِماعِيَّة، ولا درجات ولا دَرَكات، العِباد في بيْت الله، ربنا عز وجل قال:

﴿ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة: 97 ]

 فإذا علِمْتَ أنّ الله يعْلم فقد انْتهى المقْصود، فلماذا يكذب الإنسان؟ لِقِلَّة عِلْمِه أنَّ الله يعْلم، ولماذا يعْتدي على أخيه؟ لِقِلَّة عِلْمِه أنَّ الله يعْلم، ولماذا يعْتدي على مال أخيه؟ لِقِلَّة عِلْمِه أنَّ الله يعْلم، فإذا علِمَ أنَّ الله يعْلم فالإيمان قَيْدُ الفَتْك، إذْ لا يُعْقَل للمرء وهو على مرْأى من رِجال الأمن أن يرْتَكب مُخالفة للقانون، فإذا علِمْتَ أنَّ الشرطي يُراقِبُك وأنَّك إنْ تجاوَزْتَ الإشارة فسوف يُقَدَّم في حقِّك ضبْطاً قد يكون مُتْعِباً لك، سواءً مادِياً أو معْنَوِياً، فليس من المعْقول الإقْدامُ عليه، وإذا كان الحج حصل بِشَكْلٍ كما رسمهُ الله عز وجل، تعود من هذا البيت الحرام وأنت توقِنُ أنَّ الله يعْلم:

﴿ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة: 97 ]

الكعْبة مكانٌ وفيها تَجَلِّياتٌ خاصَّة :

 لن تسْتطيع أنْ تقْتَرِفَ إثْماً ولا أنْ تعْصِيَ ولا أنْ تُخالف ولا أنْ تُقصِّر:

﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة: 97 ]

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾

[ سورة البقرة: 125 ]

 لو أنّ الكعْبة مكانٌ فقط فالله عز وجل في كُلِّ مكان، لكنَّ الكعْبة مكانٌ وفيها تَجَلِّياتٌ خاصَّة، من دخلها صادِقاً مُخْلِصاً تجلى الله على قلبه بِبَعْض هذه التَجَلِّيات بِحَسَب إخْلاصه وإنابَتِهِ وشَوْقِهِ، ومُلَخَّصُ المُلَخَّص أنَّ الذي تُحَصِّلُهُ في بلدك من اسْتِقامة وعملٍ صالح تجده هناك حاضِراً وجاهِزاً، فإذا كان للإنسانِ إساءات كبيرة، يطوف بالبيت ولا يحُسّ بِشَيْء، أنا شَبَّهْتُهُ تماماً كالسائح أدْخَلْناه إلى قصْر ثقافي، فإذا كان هناك إهْمال بالواجِبات الدِّينِيَّة وتقْصيرٌ أو إساءةٌ للناس، فهذا الأخير إذا ذهب إلى الكعْبة الحرام فهو بِمَثابة سائِحٍ لا أكثر ولا أقلّ، وإذا كان مُسْتقيماً على أمر الله فإنه يشْعُر براحَة وطُمأنينة، أما إذا كان له عملٌ صالحٌ وتضْحِيَةٌ كبيرة وبذل جزءً كبيراً من ماله وصِحَّتِه يرى الجزاء هناك، وكأنَّ الله يسْتقْبِلُه، هناك لا يُضافُ شيء ولكنَّ هذا البيْت العتيق لك عما عندك، ليس كيساً مملوءً يُفْرَغُ في خزائِنِك ولكنَّهُ مِصْباحٌ يكْشِفُ لك ما عندك! وهذا معنى من معاني هذه الآية.

هذا البلد الذي جعله الله للناس قِياماً يزيدُهُ قُدْسِيَّة وحُرْمَةً أنَّ النبي الكريم فيه :

 قوله تعالى:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 اسْتُنبط من هذه الآية شيْئان: مكَّة تُمَثِّلُ قُدْسِيَة الله عز وجل، إنها جلال فإذا ذَهَبْتَ إلى المدينة فالجمال، وليس معْقولاً أنْ تقِفَ أمام قبْرٍ وتُخاطِب صاحب القبْر وتُحِسُّ أنَّهُ يسْمعك لكِنَّك إذا ذَهَبْتَ إلى مقام النبي عليه الصلاة والسلام وقُلْتَ له: السلام عليك يا سَيِّدي يا رسول الله، من زار قبْري بعد موتي فكأنَّما زارني في حياتي، حياتي خيرٌ لكم، ومماتي خيرٌ لكم، السلام عليك يا سيّد الرسل والأنبياء ويا من وصفه الله بالخُلق العظيم - كلُّ ما تعْرفه من أوصافٍ لِهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قُلْها هناك - معْرِفَتُك لِرَسول الله تبْدو في هذه اللحْظة إذا كنت تمْتَلِك هذه المشاعر وأنت في بلَدِك ربما تقْطع عليك العبرات لِسانك، أشْهَد أنَّكَ بلَّغْت الرِّسالة وأدَّيْتَ الأمانة ونصَحْت الأمة وكَشَفْتَ الظلمة وأزَلْتَ الغُمَّة وجاهَدْتَ في الله حقّ الجِهاد، فأنت دَخَلْتَ في ضِيافته صلى الله عليه وسلَّم، فَهَل يُعْقل أنْ تخرُجَ من مقامه صلى الله عليه وسلّم كما دَخَلْتَ؟ ليس هذا معْقولاً على الإطْلاق:

﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾

 فهذا البلد الذي جعلته للناس قِياماً يزيدُهُ قُدْسِيَّة وحُرْمَةً أنَّك فيه، آيةٌ أخرى عن البيت الحرام، قال تعالى:

﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ* فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 96-97 ]

 هذا الكلام هو كلامُ ربِّ العِزَّة فما الذي بدا لك من آياته البيِّنات؟! هذا سؤال، هناك أشْخاص من أهل العلم قدْر ما دفعوا في بلدهم وجدوا من الآيات البيِّنات.

ديننا دينٌ معْقول وعِباداتنا مُعَلَّمة وليْسَتْ طُقوساً :

 يا أيها الأخوة الأكارم، إنَّ القَضِيَّة تبْدأ من هنا، من بلَدِك هناك لا يُضافُ شيءٌ ولكن يُحَرِّكُ لك ما في نفْسك، إنها عَمَلِيَّة كشْف مخْزونة، إلى أنْ ينْعقد للتوبة هناك، فإذا حصل خُشوعٌ وتوبة تُضافُ لهذا العمر الثاني صفْحَةٌ جديدة، كأنَّ الله تبارك وتعالى قَبِلَ التوبة وتاب عليك وقال: سَنَنْظُر ماذا ستَفْعَل! هناك معنى من المعاني التي أخَذَتْ لُبِّي، إذا كان هناك طالبٌ عَلَّموه أنْ يَعُدّ إلى العَشَرة، وأخذه أبوه إلى ِدَوْلَة أجْنَبِيَّة في العطلة الصِّيْفِيَّة ودخلا إلى متْحَفٍ فيه أكبر عالم بالرِّياضِيات في الأرض - أينشتاين - وَدَخَلْتَ لِغُرْفَتِهِ الخاصَّة، مقعدٌ وطاوِلَة وسُبورة وأخَذْنا هذا الطِّفْل الصغير وأقْعَدْناه على هذا الكُرسي هل تزْداد معْلوماته؟! يبْقى هذا الطِّفل الصغيرُ صغيراً، وهذا العالم عالماً كبيراً، لكن متى يسْتفيد هذا الطِّفل بهذا العالم؟! إذا اِهْتدى بِسيرَتِه، وعكف على الكُتب ودَرَسها وحَلَّلها، وسَهِرَ الليالي، وإذا سار هذا الطِّفْل بِسيرة هذا العالم يسْتفيدُ منه، فإذا كنت ممن قَبَّل الحجر الأسْود، فما الذي حصل؟ هذا التَّقْبيل رمْزٌ وخَلْفَ هذا الرمز معنى كبير! أنت عاهَدْتَ الله عز وجل على طاعَتِهِ، فإذا حصل العهْدُ والتوبة وأصبحتْ هناك صفْحة جديدة فأنت والله قد قَبَّلْتَ، فإذا عاهَدَ شخْصٌ على أنْ يستقيم وأنْ يفتح مع الله صفْحة جديدة، وما تمَكَّن أنْ يُقَبِّل الحجَر فكأنَّهُ قبَّلَهُ، وآخر قبَّلَ الحجر وزاحم بِمِنْكَبيْه الناس وآذاهم ورجع كما جاء فو الله ما قَبَّلَهُ! ديننا دينٌ معْقول وعِباداتنا مُعَلَّمة، ليْسَتْ طُقوساً! تدخل إلى الحرم النبوي الشريف فتجد المِحْراب الذي صلى فيه رسول الله، مكْتوبٌ في أعْلاه هذا المِحْراب الذي صلى فيه رسول الله، يُمكِنُ أنْ يُتاحَ لك أنْ تُصَلي فيه ركْعتين وذلك في أوْقاتٍ مُعَيَّنة، ماذا حصل؟ - لا شكَّ أنَّهُ مكانٌ مُقَدَّس - لو صَلَّيْتَ ألف ركعة خلْفَ هذا المقام وأنت مُقيمٌ على المُخالفات بقيتَ أنت أَنت والنبي هو النبي، فلا بدّ أنْ نُحَرِّرَ عُقولنا من الأوْهام، وقد تجد من يقول: أنا صَلَّيْتُ بِمُصلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فإذا كنت تتَّبِعُ سُنَّتَهُ في حياتك فَهَنيئاً لك، أما إذا كنت مُخالِفاً لِسُنَّتِهِ ومُتَّبِعاً لِهَواك فصلاتك في مُصلاه لا تزيدك ولا تُنْقصك! ولو ألف ركْعَةً، لقد كان يجْلس إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلَّم كبير المنافقين! فلما حَضَرَتْهُ الوفاة قال: أعْطوني قميص رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: هذا قميصي أعْطوه إياه، وما يُغني عنه قميصي من الله شيئاً، الآن اسْتَقَرَّ في جَهَنَّم حجر كان يهْوي فيها سبعين خريفاً! كُلُّ هذا من أجْل أخْذ الدِّين بِشَكْلٍ عميق، فإذا صَلَّيْتَ في ِمُصلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وإذا كنت تتَّبِعُ سُنَّتَهُ في حياتك فَهَنيئاً لك! فقيل لهذا الرجل: لمَ طَلَبْتَ القميص؟! فقال: إذا جاءَني الملكان في القبر وقالا لي من ربُّك أقول: الله ربي وما دينك؟ أقول: ديني الإسلام، ومن نَبِيُّك؟ أقول: هذا قميصُه! يمكن أنْ تقف على بعد متر من مقام النبي وتخْشع وتبكي وتُحِسّ أنَّك ذبتَ كالشَّمْع ولم تمْلك عبراتك ولو لمَسْتَ شباك النبي، وقد يأتي إنسان ويقترب من هذه النافذة ويُقَبِّلُها ويظُنُّ أنَّهُ نال كُلَّ شيء، فهذا نحاس وبركَةُ النبي باتِّباع سُنَّتِهِ كما فعل هؤلاء الصحابة الكرام.

المؤمن المُتَأدِّب مع الله عز وجل يعلم أن هناك طلبات لا بدّ لها من موجِبات :

 هناك حديثٌ مرَّ معي يقول فيه عليه الصلاة والسلام:

(( لن تغلب أمتي من اثني عشر ألفاً من قلة ))

[ الجامع الصغير ]

 فإذا كان من أُمَّة محمَّد اثنا عشر ألف مؤمن من نمط صحابة رسول الله الكرام لن تستطيع دُوَل الأرض أنْ تقف في وَجْهِهِم، والآن حينما تُقام الصلاة في المسجد الحرام فهناك أكثر من نِصْف مليون في كُلِّ صلاة، هاتوا لي رِجالاً كأصْحاب النبي وخُذوا كُلَّ ما وعد الله به المؤمنين، فقد وَعَدَهم بالنَّصْر قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾

[سورة الحج: 38 ]

 هذا وعْدٌ وقال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾

[سورة الفتح: 29 ]

 الاسْتِخْلاف والتَّمْكين والطُمأنينة والنَّصْر، فالقَضِيَّة أنَّ الله هو هُو ووُعوده وقوانينه هي هِي فلا تبدُّل ولا تغْيير ولا تجْديد، آياته هي هي، كُنْ في مُستوى هذه الآيات وخُذ ثِمارها، ولذلك فالدعاء الذي يُؤثِّرُ في نفْسي:" اللهم إني أسألك موجِبات رحْمتك وعزائِمَ مغْفِرَتك " أبٌ ملِكٌ قال لابنه: اُطْلب وتمنّ! قال: أحِبُّ سيارة، وطائِرَة خاصَّة وقصراً، فقال الأب: كلُّ هذا سهْلٌ، فقال الابن: اِجْعَلْني رئيس جامعة، فقال الأب: هذه تحْتاج إلى جُهْدٍ منك خُذْ دُكْتوراه وخُذْ عهْداً مني أنْ تكون رئيس جامعة، ليس كُلُّ طَلَبٍ يُنَفَّذ إذْ هناك طلبات لا بدّ لها من موجِبات، فالمؤمن المُتَأدِّب مع الله عز وجل يقول: " اللهم إني أسألك موجِبات رحْمتك وعزائِمَ مغْفِرَتك " هذا من الدعاء المأثور.

آياتٌ أُخْرى مُتَعَلِّقَة بهذا البلد الذي فَسَّره العلماء بِمَكَّة المُكَرَّمة :

 آياتٌ أُخْرى مُتَعَلِّقَة بهذا البلد الذي فَسَّره العلماء بِمَكَّة المُكَرَّمة قال تعالى:

﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾

[ سورة البقرة: 125 ]

 المثابة في اللغة: العَوْد، تقول: ثاب إلى رُشْدِهِ أيْ عاد فالإنسان إذا جاء الكعبة ورجع إلى الله تائِباً ومُنيباً، فهذا الشعور أيَحُسّ أنَّهُ قد حصل؟ يُكَلِّفُ نفسه ويغادر ويتجشَّم مشاق السّفر، فهل هذه الآيات كلامك؟ إنها كلام ربِّ العالمين، إنْ حَصَلَ لك نصيبٌ منها نقول لك: هنيئاً، هل رأيْتَ الآيات البيِّنات؟ وهل حَصَلَ لك العِلْمُ أنَّ الله يعْلم؟ وهل كان لك هذا البيتُ مثابَةً، عَوْدَةً وإنابةً ورَجْعَةً، قال تعالى:

﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾

[ سورة البقرة: 125 ]

 هذه المعاني كُلُّها مُسْتَوْحاة من كلام الله تعالى:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ*لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ*أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ*يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً*أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ*أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ*فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ*فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾

آيةٌ أُخْرى مُتَعَلِّقة بِالبَيْت الأمين :

 هناك حاجات مادِّيَّة للناس، فالله جعل الأنهار والينابيع والبِحار والأمطار والثُّلوج والوِدْيان والبُحَيْرات، والرؤوس والخُلجان، والناس لا بدَّ لهم من الهواء فَجَعَلَ الله تعالى الهواء بِنِسَبٍ ثابِتَة، وإلى الطعام والشراب فَجَعَلَ نباتات من محاصيل وخضْراوات وأشْجاراً مُثْمِرَة وفواكِه، وهم بِحاجة إلى النَّسْل فَجَعَلَ الله الزواج، وجعل الذَّكَر والأُنْثى والطُّفولة، فنِظام الطُّفولة ونظام الخلق، هذه كُلُّها حاجات، وهناك حاجات عقْلِيَّة وروحِيَّة جعل الله الكعْبَةَ البيْتَ الحرام تَلْبِيَةً لهذه الحاجات الروُّحِيَّة، فالحياةُ الدِّينِيَّة عن طريق هذا البيت، وأنت في مُصَلاك يجب أن تتجِهَ إلى هذا البيت لأنَّهُ بيت الله تعالى، وهذا البلد بلد الله، وهذه الكعْبة رمْزٌ من رُموز الله في الأرض. آيةٌ أُخْرى مُتَعَلِّقة بِالبَيْت الأمين وهي قوله تعالى:

﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾

[ سورة الحج: 32 ]

 منافع، وقد جذب نظري كلمة أجل مُسَمىًّ، فالإنسانُ إذا سُرَّ هناك فلمَ لا يُقيمُ بالبَيْت الحرام؟! خطر بِبالي شُعور وهو أنه إذا زار مُوَظَّف صغير المُدير العام، واتَّفَقوا على خُطَّة عَمَل، وقال له: عليك مآخذ؟ فقال الآخر: وما هي؟! قال: كذا وكذا، فقال: دعني وما قلت، فقال: عليك واجبات، قال له: أعاهدك على القيام بها، ودعْ هذه المآخذ، ارجعْ إلى بلدك حتى تنفِّذ العهد، فكل إنسان له في بلده عملٌ صالح يقتات منه يستطيع أن يجعله عملاً صالحاً وليس هناك حرفة في الأرض تستعصي على العمل الصالح؛ طبيب ومهندس ومحامٍ ومدرِّس وصيدلي وخبير وتاجر ومزارع، فإذا نصحت المسلمين في كل ما تُسأل عنه، تعلم أن هناك طبيباً مختصٌّاً بهذا المرض، فإنك لابدَّ أن تفيد هذا المريض وتقول له: اذهبْ إلى فلان فهو أقدر مني لمرضك، فالعمل هذا عمل صالح، والمحامي لا يتسلَّم دعوى إلا إذا علم أن موكِّله على حق، ففي سبيل إحقاق الحق له عند الله أجر كبير، والمدرِّس إذا علَم الطلاب ووجَّههم وغرس فيهم حبَّ الحق والفضيلة قلب صنعته إلى عمل صالح، والتاجر إذا باع الناس سلعة جيِّدة بأسعار معقولة ولبَّى حاجاتهم ووفَّر لهم هذه الخدمات فقد قلب عمله إلى عمل صالح، فهذا العهد مع الله عز وجل وهذه التجلِّيات وهذا الخشوع وهذا البكاء وهذا التوسُّل وهذا الترجِّي وهذه الرحمات التي يتجلَّى الله بها على قلب المؤمن إلى أجل مسمًى، والآن وقت التنفيذ انطلق ونفِّذ الذي عاهدت الله عليه، وكل إنسان بعمله، فربنا عز وجل لما جعل هذه الزيارة والحج فهو لقاء في أعلى مستوى مع الله عز وجل وعهد وتوبة وصفحة جديدة وعزيمة وطموح، ويعود المرء إلى بلده لينفِّذ بنود هذا العهد بنداً بنداً، وفقرةً فقرةً.

معانٍ يستقيها الإنسان من سورة البلد :

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾

[ سورة البقرة: 125 ]

 هذه الشعائر قال تعالى:

 

﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة الحج: 37 ]

 التقْوى، هذا النور الذي يُقْذَفُ في قلوب الحجاج والمُعْتمرين، ربنا عز وجل قال:

 

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 بعضهم قال: البلد هي الأرض ولك أنْ تمْشي في هذا الطريق إلى مسافاتٍ شاسِعَة، إنْ كنت عطشان أو جوعان أو نعْسان أو أردْتَ تصليح سيَّارتك وكان أمامك بلدة فَسَتَجِدُ فيها مُبْتَغاك، فالبلد المكان الذي توجد فيه حاجاتك، فالصحْراء في خِدْمَتِك وكذا الجبال والقطْبَان والحرّ، فلكَ أنْ تفْهَمَ البلد الأرض وما توافر فيه من حاجاتك أساسِيَّةٍ وفَرْعِيَّة إلى أقْصى الحُدود، ولك أنْ تفهم البلد البَلد الحرام والكعبة المُشَرَفة وكيف أنَّ الله سبحانه وتعالى جعلها قِياماً للناس وأمْناً، وشَهِدوا منافع لهم منها، وكانت سَبَباً لِعَوْدَتِهم إلى الله عز وجل، وسبباً في عِلْمِهم أنَّ الله يعْلم، هذه المعاني التي يسْتقيها الإنسان من كلمة:

 

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ*لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ*أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ*يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً*أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ*أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ*فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ*فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018