الخطبة : 0107 - الموت - الطيور . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0107 - الموت - الطيور .


1985-12-06

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر .
 اللهمَّ صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 الله ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير .

لا إله إلا الله :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ جاء في الأثر أنه :

(( إذا مرَّ الرجل بالمقبرة وقال : لا إله إلا الله ، ردَّ عليه الأموات فقالوا : يا عبد الله لو عرفت فضلها ما غفلت عنها ))

 إذاً شتَّان بين أن تقول كلمةً وتعرف أبعادها ، وتنضبط بهديها ، وبين أن تقول كلمةً هي في وادٍ وأنت في واد .
 لو قلت :
 لا إله إلا الله ، ما أطعت مخلوقاً في معصية الله .
 لو قلت :
 لا إله إلا الله ، ما غفلت عن الله .
 لو قلت :
 لا إله إلا الله ، ما استهوتك الدنيا .
 ولكن المسلمين يقولون لا إله إلا الله مئات المرّات في اليوم ، ومع ذلك لا ينضبطون بالإسلام ، ولا يستجيبون إلى الله ، ولا يعملون بالآخرة .
 فقال :

(( إذا مرَّ الرجل بالمقبرة وقال : لا إله إلا الله ، ردَّ عليه الأموات فقالوا : يا عبد الله لو عرفت فضلها ما غفلت عنها ))

الموت :

 سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه له قولٌ مأثور ، يقول :
 عجبت لمُؤَملٍ والموت يطلبه ، وغافلٍ وليس بمغفولٍ عنه ، وضاحكٍ ملء فيه ولا يدري أساخطٌ عنه الله أو راضٍ .
 مؤمل في الدنيا ، وقد نُسِجَت أكفانه وهو لا يدري ، أحلامه تحتاج إلى مئات السنين ، أحلامه تحتاج إلى ثلاثين عاماً ، ومَن يدري أن في العمر فُسْحَة ، أو في الأجل بقيَّة ..
 عجبت لثلاث ؛ لمؤملٍ والموت يطلبه ، وغافلٍ وليس بمغفولٍ عنه ، وضاحكٍ ملء فيه ولا يدري أساخطٌ عنه الله أو راضٍ .
 ويقول سلمان الفارسي :
 وبكيت لثلاث ؛ لفراق الأحبة محمدٍ وصحبه ، وبكيت لهول المَطْلَع عند سكرات الموت ، وبكيت للوقوف بين يدي الله عزَّ وجل ، لا أدري أينطلق بي إلى الجنة أم إلى النار .
 عجبت لثلاث ، وبكيت لثلاث .
 عجبت لمؤملٍ والموت يطلبه ، وغافلٍ وليس بمغفولٍ عنه ، وضاحكٍ ملء فيه ولا يدري أساخطٌ عنه الله أو راضٍ .
 وبكيت لفراق الأحبة ؛ محمداً وصحبه ، وبكيت لهول المَطْلَع عند سكرات الموت ، وبكيت للوقوف بين يدي الله عزَّ وجل ، لا أدري أينطلق بي إلى الجنة أم إلى النار .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إن ملك الموت أعرف بكم من أحدكم لأولاده ))

[ ورد بالأثر ]

 لذلك لو علمنا وقفة القبور ، ما عصينا الواحد القهّار ، لو عرفنا ما سيكون يوم العرض عن الله ، ما غفلنا عن الله لحظة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ مَن شردت عنه نفسه ، مَن أصرَّت نفسه على معصية ، مَن نفر مِن الدين فعليه بالتفكُّر بالموت ، لأن التفكر بالموت يضبط الإنسان ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( أكثروا من ذكر هذه هاذم اللذات ، مفرِّق الأحباب ، مشتت الجماعات ))

[ من شرح الجامع الصغير ]

(( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به ))

[ من الجامع الصغير عن علي ]

(( إن أكيسكم أكثركم للموت ذكرا ، وأحزمكم أشدكم استعداداً له ))

[ من الجامع لأحكام القرآن ]

(( ألا وإن مِن علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزود لسكنى القبور ، والتأهُّب ليوم النشور ))

[ من الجامع لأحكام القرآن ]

النصر :

 ثم أيها الإخوة إلى آياتٍ من سورة التوبة التي نحن في صدد تفسير بعض آياتها ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 40 ]

 أي إذا دعاك الله لنصره ، هو غنيٌ عنك ، لكنه يدعوك لتنصر دينه كي تكسب الأجر ، وتسعد بهذا النصر ، فإن أبيت فالله غنيٌ عنكم .

﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾

 تروي كتب السيرة أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان معه صاحبه الصديق رضي الله عنه في غار حراء ، وكانوا مُلاحقين ، ووصلت خيول المطاردين إلى قُرْب الغار ، خاف سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وقال :
 يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطن قدمه لرآنا .
 فقال عليه الصلاة والسلام :
 يا أبا بكرٍ ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟!
 وبعد قليل ـ فيما تروي كتب السيرة ـ أن عين المُطاردين وقعت على عين أبي بكرٍ بالذَّات ، فانخلع قلبه ، وقال :
 يا رسول الله لقد رأوني ، وإني والله ما أبكي على نفسي ، أنا واحد أما أنت أمَّة .
 فقال النبي عليه الصلاة والسلام :
 يا أبا بكر ألم تسمع قوله تعالى .

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف الآية : 198 ]

 وهذا الذي كان ، المغزى من هذه الآية :
 أن الله سبحانه وتعالى دعاك لنصره ، فقال :

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد الآية : 7 ]

كيف ننصر الله سبحانه وتعالى ؟

 كيف ننصر الله سبحانه وتعالى ؟ هنا مَوْطن الشاهد ، الله غنيٌ عنا ، هو القوي العزيز ، هو الواحد القهّار ، يدعوك لنصره بمعنى أنه يدعوك لطاعته ، فإذا أطعته ، وأطاعه فلان وفلان ، أصبحت طاعته هي السائدة ، أعنت الناس على طاعته ، إذا أطعته أنت ، أعنت من حولك على طاعته ، إذا كنت في مجلس وقمت إلى الصلاة ، وقام فلان وفلان ، وفلان ، وفلان ، هذا الضعيف يستأنس فيصلي ، إذاً أنت نصرت دين الله .
 إذا كنت تاجراً ، ورفضت علاقةً ربوية ، ورفضها فلان ، وفلان ، وفلان ، وفلان ، فهذا المؤمن الضعيف يستأنس بكم فيرفضها . فإذا فشت المعصية ، وقلَّت الطاعة ، فهذا خِذلانٌ لدين الله ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 40 ]

لطيفة قرآنية .

 الذي أريد من هذه الآية الحركة التي على كلمة ( كلمة ) .
 لو أن الله سبحانه وتعالى قال :
 وجعل كلمةَ الذين كفروا السفلى وكلمةَ الله هي العُليا .
 لفسد المعنى .
 لأنه حينما جعل كلمةَ الله السفلى أي كانت عليا فجعلها سُفلى ، وكانت كلمته سفلى فجعلها عليا ، لو أننا عطفنا ، لكن الآية ليست كذلك :

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾

 هنا وقف ..

﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ ﴾

 دائماً على الابتداء ، أي أن كلمته هي العليا دائماً ، أمره هو النافذ ..

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة يوسف الآية : 21 ]

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 18 ]

﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

[ سورة الرعد الآية : 41 ]

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾

[ سورة الأعراف الآية : 54 ]

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة هود الآية : 123 ]

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف الآية : 26 ]

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

[ سورة الفتح الآية : 10 ]

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 17 ]

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود الآية : 56 ]

 كل هذه الآيات تفسِّر معنى قوله تعالى :

﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾

 أي أن كلمة الله هي العُليا دائماً ، أمره هو النافذ ، مشيئته هي النافدة .
 أنت تريد والله يريد فإذا سلَّمت له فيما يريد كفاك ما تريد ، وإن لم تسلم له فيما يريد ، أتعبك فيما يريد ثم لا يكون إلا ما يريد .

﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 40 ]

 فأنت مخيَّر ، إن شئت أن تنصر الله عزَّ وجل كلمته هي العليا ، وإن أبيت ، فكلمة هذا الذي يأبى هي السفلى ..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 36 ]

المنافقين :

 الآية الثانية تتوجّه بالخطاب إلى المنافقين :

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 53 ]

 لو عقل الناس هذه الآية ، وفهموا أبعادها ، وفهموا ما تنطوي عليه ، وأدركوا حقيقتها ، لتغيّرت أخلاقهم .

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾

 أنفق في سبيل الله ما شئت ، ما دُمت مقيماً على معصيةٍ واحدة لن يتقبَّل هذا منك ..

﴿ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

 فما بال أناسٍ يفعلون بعض الأعمال الصالحة ، ليغطوا بها بعض انحرافاتهم الخسيسة ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وهم يحسبون أنهم أذكياء ، هذه لتلك ، وتلك لهذه ..

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ  وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ  فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

[ سورة التوبة الآيات : 53 -55]

الخلاصة :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ آيتان :

الأولى :

 إذا نصرت الله فهو غنيٌ عنك ، لكنك إذا نصرته سعدت بهذا النصر ، سعدت في الدنيا والآخرة ، إذا نصرته بمعنى " إذا أطعته " ، إذا كثر الطائعون سهلت طاعة الله عزَّ وجل ، وإذا قل الطائعون صارت شاقةً على الناس ..

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾

[ سورة محمد الآية : 7 ]

 إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هكذا ينبغي أن نكون مع الله سبحانه وتعالى ..

الثانية :

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 53 ]

 ما لم تكن استقامة الإنسان تامَّة فإن عمله ليس مجزياً ، قد يجزى في الدنيا ، مَن فعل أعمالاً صالحة كافأه الله عليها في الدنيا ، إن لم يكن مستقيماً ، فإذا كان مستقيماً ربح الدنيا والآخرة ، ربح الإقبال على الله عزَّ وجل ، ربح الاتصال به ، ربح الاستنارة بنوره ، ربح السعادة التي يجنيها مِن طاعته التامّة ، فإذا خلَّط قال عليه الصلاة والسلام :

(( ركعتان من رجل ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلِّط ))

[ من الجامع الصغير عن أنس ]

 و..

(( من لم يكن له ورعٌ يحجزه عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله ))

[ من شرح الجامع الصغير عن أنس ]

صدق النية :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كيف هذا ؟ وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام . سأريكم من خلال بعض الأحاديث الشريفة ما يؤكد هذا المعنى: أن الإنسان إن لم تصدق نيَّته ، ويستقم على أمر ربه ، فإنه لم يستفد شيئاً من الدين ، ولو طبق بعض العبادات ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( من تزوج امرأةً على صداقٍ ـ أي على مهرٍ ـ وهو ينوي أن يأكل صداقها ))

 لا أحد يعلم ، ولكن في نيته أنه لن يعطيها هذا الصداق .

(( وخدعها ، لقي الله يوم القيامة وهو زانٍ ))

 لقيه زانياً ، أو لقيه وهو زانٍ .

(( من تزوج امرأةً على صداقٍ وهو ينوي أن يأكل صداقها وخدعها لقي الله يوم القيامة وهو زانٍ ))

[ من مجمع الزوائد عن أبي هريرة ]

 ماذا فعل ؟ كان يصلي ، كان يصوم مع الناس ، حجَّ حجتين ، اعتمر ثلاث عُمرات ، ماذا فعل ؟ لم يفعل شيئاً إلا أنه نوى أن يأكل صداقها ، وقد خدعها ، هذا الإنسان يلقى الله عزَّ وجل يوم القيامة وهو زانٍ .
 حديثٌ آخر ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( من أخذ ديناً مِن أخيه ، وهو ينوي ألا يؤديه ، لقي الله يوم يلقاه سارقاً ))

[ من مجمع الزوائد عن أبي هريرة ]

 سارق ، في الدين لا يوجد حل وسط ، إما أن تأخذه كله فأنت مؤمن ، وإما خذ منه ما شئت أو فدعه ، سيان ، خذ منه ما شئت أو فدعه هذا كذاك ، لن تقطف ثمار الدين إلا إذا استقمت على أمره ، لن تجدي هذه الغدوات والرَوْحات ، لن يجدي الذهاب إلى المسجد ، لن يجدي سماع الخُطَب ، لن يجدي سماع مجالس العلم إن لم تطبّقها ، إن لم تأخذ هذا الكلام مأخذ الجد ، إن لم تنطلق إلى العمل ، إن لم تتحرك ، فإن هذا الذي تسمعه ، وذاك الذي تقرأه ، وهذا الذي تُعْجب به ، وهذا الثناء الذي تغدقه على القائل لا ينفعك شيئاً ، لا تقول : تباركنا ، هذا ليس بركةً ، البركة في التطبيق .
 لذلك أيها الإخوة المؤمنون ما لم ينوِ أحدنا أن يضبط أموره كلها ، أن يضبط علاقاته مع الله سبحانه وتعالى ، أن يضبط علاقاته في البيت ، علاقاته مع جيرانه ، علاقاته مع زبائنه ، علاقاته مع من هم أدنى منه ، علاقاته مع مَن هم أعلى منه ، ما لم ينطلق إلى تطبيق الشرع في بيته ، وعمله ، وطعامه ، وشرابه ، وعلاقاته الشخصية ، فإنه لن يستفيد مِن الدين شيئاً ، ما أحسن عبدٌ من مسلمٍ أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أم في الآخرة ، أي إذا فعلت عملاً طيباً الله ، فأغنى منك ، وأكرم منك يكافئك عليه في الدنيا ، أما إذا أردت الحياة الأبدية ، أما إذا أردت جنةً عرضها السماوات والأرض ، إن هذه الجنة ثمنها باهظ ..

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 92 ]

(( ألا إن سلعة الله غالية ))

[ من رياض الصالحين عن أبي هريرة ]

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 142 ]

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية : 2 ]

 تستطيع أن تغشَّ الناس كلهم ، أما أن تستطيع أن تحتال على الله سبحانه وتعالى !! .

﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾

[ سورة النساء الآية : 142 ]

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ  يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة القرة الآيات : 8-9 ]

 يا ربِّ كم عصيتك ولم تعاقبني ، قال : عبدي كم عاقبتك ولم تدرِ ؟!

﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾

[ سورة النساء الآية : 142 ]

 فهذا الكلام له ما وراءه ، الذهاب والمجيء ، والحضور والغياب ، والتردد على المساجد ، والسماع لدروس العلم ، إن لم يقابله تطبيقٌ عملي ، وتشميرٌ ، وأخذ جدٍ ، فإن هذا السماع لن يجدي شيئاً .

 

عبر من صدق النية :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه ، في عهده أنشئ أول أسطولٍ حربي في البحر ، وفي عهد الميمون تم غزو الجزر الثلاث : كريت ، ورودس ، وقبرص .
 مما يروي التاريخ أن عبد الرحمن بن جبيل رضي الله عنه ، وكان مِن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، مرَّ بأبي الدرداء ، وقد وصلت أنباء فتوح هذه الجزر إلى المدينة ، من أكبر الجزر قبرص ورودس وكريت ، وصلت أنباء فتوح هذه الجزر ، وكيف أن القادة المسلمين رفعوا عليها راية الإسلام ، ولم يبقَ في المدينة إلا من أخذه الفرح كل مأخذ ، وإذا بعبد الرحمن بن جبيل يمر بأبي الدرداء فيراه يبكي .
 فقال :
 يا أبا الدرداء أتبكي وقد نصرنا الله عزَّ وجل !! أهذ يوم بكاء ؟ هذا يوم فرح .
 فقال أبو الدرداء :
 نعم أبكي ، لأن هذه الجزر كان أصحابُها أولي قوةٍ وأولي بأسٍ شديد ، فلما نسوا الله مكَّننا مِن رقابهم ، وإني أخشى أن يطول بنا العهد ، فننسى الله كما نَسَوْه ، فيمكِّنهم مِن رقابنا .
 لم يفرحْ فرحاً طارئاً ، إن أصحاب هذه الجزر كانوا أقواماً أولي قوةٍ وأولي بأسٍ شديد ، لكنهم نسوا الله ، فمكننا الله مِن رقابهم ، وإني أخشى أن يطول بنا العهد ، فننسى الله كما نسوه فيمكنهم الله من رقابنا.

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد الآية : 7 ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذه الكلمة كأن سيدنا أبا الدرداء توقَّع أن المسلمين قد يضعفون ، وقد ينسوا ربه ، وقد يعصوه .

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم الآية : 59 ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ))

 فقال قائل : ومن قِلّةٍ نحن يومئذ ٍ؟
 قال :

(( بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ ، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل ، ولينزعنَّ اللّه من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفنَّ اللّه في قلوبكم الوهن ))

 فقال قائل : يا رسول اللّه ، وما الوهن ؟
 قال :

(( حبُّ الدنيا وكراهية الموت ))

[ أخرجه أبي داود عن ثوبان ]

 يوم كان المسلمون عشرة آلاف وصلوا إلى أطراف الدنيا ، ولما صار المسلمون ألف مليون لم تكن كلمتهم هي العُليا .
 أيها الإخوة المؤمنون ... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـَن أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

 

والحمد لله رب العالمين
***

 

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين .

الطيور:

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ بث الله سبحانه وتعالى في الأرض آيات دالةٍ على عظمته ، وبث في البحار كائناتٍ يزيد عدد أنواعها على المليون ، وبث في الجو كائنات يغدون ، ويروحون ، وهم يسبحون الله سبحانه وتعالى .
 هذه الكائنات التي تحلق في أجواء السماء ، ألا وهي الطيور، فيها آياتٌ باهرات .
 مَن منكم يصدق ، أن بعض أنواع الطيور ينتقل في أول الشتاء ، مِن شمال الكرة الأرضية إلى جنوبها ، برحلة تستغرق أكثر ـ من حيث المسافة ـ من عشرين ألف كيلو متر، هناك رحلات ، سبعة عشرة ألف ، عشرين ، حتى مر معي رقم أربعة وعشرين ألف كيلو متر ، هذه الرحلات التي تقطعها بعض الطيور ، كيف تطير ؟
 إن بعض أنواع الطيور يطير من دون توقف ، خمسة آلاف كيلو متر، ويطير هذه المسافة الشاسعة ، بمئةٍ وخمسة عشرة ساعة ، طيراناً متواصلاً ، من دون تزودٍ بالوقود ، أي طائرةٍ هذه التي تطير مئةً وخمسة عشر ساعة ، من دون توقف ، ومن دون تزودٍ في الوقود ؟!

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة الملك الآية : 19 ]

 يزيد طول الرحلة عن عشرين ألف كيلو متر ، مِن القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي ، من كندا إلى الجنوب ، الرحلة من شمالي إنكلترا إلى جنوب إفريقيا ، من أواسـط أوروبا إلى القطب الجنوبي ، بعض الطيور يقطع سـبعة عشر ألف كيلو متر ، في العام مرتين ، ذهابـاً ، وإياباً .
 قال بعض العلماء : لو أنَّ هذا الطير انحرف ، عن هدفه درجةً واحدة ، درجة واحدة ، لوصل إلى هدفٍ في نهاية المطاف ، بعيدٍ عن هدفه ما لا يقل عن ألف كيلو متر ، مَن الذي يُسَدِّد هذا الهدف ؟ لا يزال علماء الأرض ، في حيرةٍ ، من هذه القوة ، التي توجِّه الطيور في طيرانها .
 ظنَّ بعضهم أن بعض الظواهر الجُغرافية ، مِن أنهارٍ ، مِن بحارٍ ، مِن سواحل ، مِن جبال ، يهتدي بها الطيور ، ولكن هذه نظرية ثبت بطلانها ، لأن الطيور تطير ساعات الليل كلها ، وفي الأيام المظلمة ولا ترى شيئاً ، ومع ذلك لا تحيد عن هدفها .
قال بعضهم : لعل في الطيور رائحة شمٍ نفَّاذة ، وقد أثبت العلم عكس ذلك .
 طرح بعضهم تفسيراً لهذه النظرية ، ولكن العلماء المُحْدَثين ، اكتشفوا أن في رأس الطائر نسيجاً ، لا يزيد حجمه عن نصف ميليمتر مربع ، مؤلفاً مِن مواد تتأثر بالمغناطيسية الأرضية ، وحينما ركبوا بعض الوشائع ، وعكسوا تيار الكهرباء فيها ، ارتد الطير إلى الوراء ، وعكس اتجاهه ، ما هذا النسيج الذي بين العين والمخ في الطائر يتحسّسُ بالساحة المغناطيسية الأرضية ؟
 وعرف العلماء نظريةٌ أخرى ، وهي أن الطائر يهتدي بنجوم السماء ، أنت الإنسان الذكي ، الذي درست وحصَّلت ، ربما لا تستطيع أن تهتدي بنجوم السماء .
 لم يَبْقَ في الميدان إلا نظريتان :
 الاهتداء بنجوم السماء ، ولكن كيف ؟ لا ندري ، وأي نجمٍ هذا ؟ لا ندري .
 والنظرية الثانية :
 أن في الطائر نسيجاً يتأثر بالساحة المغناطيسية الأرضية ، حتى يقطع هذه المسافة الطويلة من دون أن يحيد عن هدفه ، لو حاد عن هدفه درجة واحدة ، لجاء في هدفٍ بعيدٍ عن هدفه ألف كيلو متر .

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة الملك الآية : 19 ]

 بعض هذه الطيور يطير طيراناً مستمراً ، خمسة آلاف كيلو متر، بعضها ثلاثة آلاف وسبعمئة كيلو متر ، بعضها ثلاثة آلاف وخمسمئة كيلو متر ، بعضها ثلاثة آلاف ومئتين كيلو متر ، بعضها ثمانمئة كيلو متر ، بعضها ألف ، لكن أطول رحلةٍ مستمرةٍ يقطعها طائرٌ خاص ، يقطع خمسة آلاف كيلو متر مِن دون توقف ، ومِن دون تزودٍ بالوقود .
 لذلك قال بعض العلماء : إن الطائر الذي خلقه الله عزَّ وجل ، أعظم مِن أية طائرةٍ صُنعت حتى الآن ، بإمكاناته ، وقدرته على الطيران ، والطاقة الهائلة ، التي يبذلها ، وتصميمه المُبدع .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة يونس الآية : 101 ]

 انظروا ، فكِّروا ، دققوا ، هذه آياتٌ قاطعةٌ على عظمة الله سبحانه وتعالى .

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت.
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا .
 اللهمَّ اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفكَّ أسرنا ، واحسن خلاصنا ، وبلّغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا.
 اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الخوف إلا منك ، نعوذ بك مِن عُضال الداء ، ومِن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين .
 اللهمَّ استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخيا وسائر بلاد المسلمين .
 اللهمَّ إنا نتوجَّه إليك في هذه الساعة المُباركة ، ساعة الإجابة ، أن تُعلي كلمة الحق والدين ، وأن تنصر الإسلام وتعز المسلمين ، وأن تأخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، وأن تسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018