الدرس : سورة الليل - تفسير الآيآت 1-21 التيسير والتعسير. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : سورة الليل - تفسير الآيآت 1-21 التيسير والتعسير.


1985-04-05

 الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الله سبحانه وتعالى في السور المكيـة يقسم ببعض الآيات الكونية :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى*وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى*وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى*إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى*فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى*وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى*وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾

 الله سبحانه وتعالى في هذه السور المكيـة يقسم ببعض الآيات الكونية، وآية اليوم هي الليل:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾

 يغشى أي: يغطي، فالليل يغطي وجه الشمس، والليل يغطي النهار، والليل يستر كل شيء فلا ترى فيه شيئاً، ترتاح فيه طاقاتنا العصبية، وما منا واحد إلا ويعرف قيمة النوم، فلو بقي بلا نوم يومين متتابعين لاختل كيانه، واختل توازنه.

الليل نظام إلهي تسكن فيه الخلائق والنهار كذلك نظام إلهي ولكنه حركة وانطلاق

 فالله سبحانه وتعالى جعل الليل سكناً، فحينمـا يُغشي الليلُ النهار، أو حينما يُغشي الليلُ ضوء الشمس، أو حينما يُغشي الليلُ كل شيء في أحد نصفي الكرة الأرضية عندئذ تسكن حركة كل شيء، فإن لم يكن ليـل فماذا يحصل؟ تنقلب حياتنا إلى فوضى، فهذا نام عشر ساعات، وذاك بدأ يعمل، وهذا بدأ بالنوم عندما بدأ غيره بالعمل، وينعدم الزمن فكيف نحسب الأيام؟ لا ليل ولا نهار، ولكن ضياء مستمر، أو ظلام مستمر، تصوروا لو فقدت الأرض دورانها، ولو بقي الليل سرمداً إلى يوم القيامة، أو بقي النهار سرمداً إلى يوم القيامة فماذا يحصل؟ ينعدم الزمن، ولما عرفنا عدد السنين والحساب، ولما عرفنا أعمارنا، ولما عرفنا النظام، لاختلفنا على العمل وعلى ساعات العمل، ولكن الليل نظام إلهي تسكن فيه الخلائق، والنهار كذلك نظام إلهي، ولكنه حركة وانطلاق، قال تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً*وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ﴾

[ سورة النبأ: 10-11]

 النهار لكسب الرزق جعله مضيئاً وجعله واضحاً، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾

 فيا أيها الإنسان الكريم؛ يا أيها المؤمن: هل فكرت في هذه الآية؛ في الليل كيف أنه رحمة لنا، وأنه نظام لحياتنا، وسكنٌ لأعصابنا، وأنه آية من آيات الله على دوران الأرض حول نفسها، ولولا القمر لأصبح الليل أربع ساعات، إذاً الأرض والقمر وحجم الأرض وسرعة دورانها تسهمان في هذا التوقيت المناسب، فالليل ثماني ساعات، أو عشر ساعات، أو اثنتي عشرة ساعة، وهذا الوقت مناسب لراحة الأجسام، أيْ هو توقيت بين طاقة الإنسان وحاجته إلى النوم، وبين دورة الأرض حول نفسها، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى*وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ﴾

الليل والنهار آيتان من آيات الله عز وجل :

 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ ))

[أحمد عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ]

 لقد ظهر النهار، وظهر فيه كل شيء، وتوضحت معالم الأشياء، وتوضحت معالم الأرض، وتوضحت حاجاتنا، ودخل النور إلى بيوتنا فاستغنينا به عن ضوء الكهرباء وعن ضوء الشموع.

﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ﴾

 وقد يقول قائل: لماذا كان (يغشى) فعلاً مضارعاً، والفعل (تجلَّى) ماضياً؟ لأن النهار هو التفات نحو الشمس، والشمس مضيئة دائماً، بينما الليل هو ابتعاد عن وجهها، أو دورة الأرض حول نفسها، حيث تأتي هذه النقطة معاكسة لضوء الشمس إذاً الليل يغشى، والفعل المضارع فيه معنى الاستمرار، ولكن الشمس ساطعة مشرقة دوماً، فإذا كانت هذه النقطة على سطح الأرض في الجهة المعاكسة كان الليل، أما (تجلَّى) فيعني أنّ الشمس ساطعة دائماً، فالليل والنهار آيتان من آيات الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ﴾

[سورة فصلت: 37]

 ومن آياته أيضاً اختلاف الليل والنهار، اختلاف طولهما وثبات دورانهما، وهما أيضاً آيتان من آيات الله عز وجل.

الفروق بين الذكر والأنثى :

 قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾

 هذا النظام البديع في كون الخلائق كلها ذكراً أو أنثى بادٍ في هذه النطفة التي لقحت هذه البويضة، فلا يمكن أن تكون ذكراً أو أنثى إلا بها، فكيف أصبح الذكر ذكراً والأنثى أنثى؟ وكيف أصبح الرجل له صفات خاصة؛ بدءاً من هيكله العظمي، وله جمجمة كبيرة، وله حوض ضيق، وعضلات مفتولة، وصوت خشن، وشعر في أماكن خاصة لا ينبت لدى المرأة، وله شكل معين، وطباع معينة، وأجهزة معينة، وقدرات في فكره معينة، ونفسية معينة، وطموحات معينة، ويتقن أعمالاً معينة، والمرأة لها هيكل عظمي آخر، ارتفاع في الحوض، وصِغَر في الجمجمة، ولها أجهزة خاصة من أجل الحمل والولادة، ولها شكل خاص، وعضلات خاصة، لها توضُّع شحم خاص تحت الجلد، ولها نبرة خاصة، وعقلية خاصة، وطبع خاص، وطموحات خاصة، وأهداف خاصة، (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى)، نطفة من مني يمنى، تلقح بويضة فإذا هما مخلوقان متباينان؛ ذكر وأنثى.
 وفي بعض العلوم الحديثة تِبيان مُفصَّل للفروق الدقيقة بين الذكور والإناث؛ ذاكرة المرأة أقوى من ذاكرة الرجل، لكن محاكمة الرجل أقوى من محاكمة المرأة، والعاطفة تغلب على المرأة، بينما العقل يغلب على الرجل، واللحظة الآنية تغلب على المرأة، لكن الهدف البعيد يغلب على الرجل، والرجل يحب القيادة، بينما المرأة تحب أن تنقاد إلى زوجها، وهذا كلام عام، فلا يمنع أن ترى امرأة مترجلة، أو رجلاً مخنثاً، فهذه حالات خاصة، لكن الأصل في الزوجين أنهما متباينان في الطباع، والعادات، والتفكير، ونمط الحياة، ونمط السلوك، والنفسية، والرغبات، والطموحات، والشكل، والبنية، وفي الأعضاء.

الآية التالية تحتمل وجوهاً كثيرة في التفسير :

 قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾

 هذا المعنى الأول، وبعضهم فسر الذَّكَرَ وَالأُنْثَى، في هذه الآية أنهما آدم وحواء، والبشر كلهم انحدروا من هذين المخلوقين، وكلمة (ما) في الآية:

﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾

 تعني خَلْقَ الذَّكرِ والأنثى أيْ عظمة خلْق الذكر والأنثى، ولكنّ المعنى الثاني، ومَنْ خلق الذكر والأنثى، فكأن الله سبحانه وتعالى أقسم بذاته، قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

 ومَن خلق الذكر والأنثى؟ ومن خطّط للذكر والأنثى؟ ومَن صمّم الذكر والأنثى؟ ومن ابتدع الذكر والأنثى على غير مثال سابق؟ وبعضهم قال: ومن خلق من ذكر وأنثى، والمقصود بمن هنا المؤمنون؛ الأنبياء، والصالحون، والصديقون، وكأن الله سبحانه وتعالى أقسم بعباده المؤمنين، وهذه الآية تحتمل وجوه كثيرة؛ أولاً: خلق الذكر والأنثى. ثانياً: ومن خلق الذكر والأنثى. ثالثاً: وما خلق من ذكر وأنثى، و(مِنْ) هنا للتبعيض، أي خلق مِن ذكر وأنثى صالحين، فأقسم بذاته، أو أقسم بعباده الصالحين، أو أقسم بهذه الآية الكبرى من آياته سبحانه.
 والمجال يضيق عن التفصيل في الفروق بين الذكر والأنثى، وليس هذا منحصراً في الإنسان، لكنه ينسحب على الحيوان أيضاً، وعلى كل مخلوق ذو روح؛ ذكر وأنثى، فللذكر طباعه، وللأنثى طباعها. الناقة والجمل، الهرة وذكرها، طباع مختلفة، وهذا باب كبير من أبواب التفكير، لأن الفروق بين الذكر والأنثى لا على مستوى الإنسان فحسب بل على مستوى مخلوقات الله كافة. وربما ينسحب ذلك إلى النبات، فهناك نبات مذكر ونبات مؤنث، ولا تنعقد الثمرة إلا إذا تم التلقيح بين المذكر والمؤنث.

السعي في هذه الحياة هو نشاط الإنسان وحركته اليومية :

 قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾

 وهذه هي موضوعات القسم.

﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾

 لكن أين جواب القسم؟

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

 أي إن سعيكم في هذه الحياة هو نشاطكم، وحركتكم اليومية، انظر إلى الطرقات في الساعة الثامنة، وانظر إليها في الساعة الخامسة، تزدحم بالمارة، كلٌّ إلى عمله، وهذا إلى مكتبه، وهذا إلى دائرته، هذا إلى أرضه، وهذا إلى عقد صفقة، وهذا إلى بيع أرض، وهذا إلى شراء بيت، وهذا إلى قراءة كتاب، وهذا إلى اقتناء حاجة، وهذا إلى إقامة دعوى، وهذا إلى صلح، وهذا إلى تعلم آيات الله، وهذا إلى حفظ القرآن، وهذا إلى حضور مجلس علم، وهذا إلى طلاق زوجته، وهذا إلى اغتصاب مال جاره، وهذا إلى الكيد برفقائه:

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

 ولو نظرت إلى الناس صباحاً في المدن المزدحمة لوجدت أنه ما من واحد منهم إلا وله مسعىً ونشاط يستقل به عن أخيه:

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

سعي البشر متباين ومتفرق في نتائجه مختلف في حقيقته :

 ولكن ربما لا يبدو هذا المعنى كافياً، لكونه جواباً لقسم:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾

 فلو قلت لكم مثلاً: واللِه العظيم إنّ الأرض غير السماء، طبعاً الأرض غير السماء، واللهِ العظيم إنّ هذا غير هذا، طبعاً هذا شيء بديهي، فما المقصود إذاً من كلمة:

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى*وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى*وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى *إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

 قال بعضهم: إن سعيكم متباين متفرق في نتائجه، مختلف في حقيقته، هذه بديهة مُسلَّم بها لا يختلف فيها اثنان، لأن كل إنسان له في الحياة طريق، وله فيها مطلب، وغاية، ومبعث، ونية، ودافع، وحاجة، ونمط، ومعنى شتى أي مفترق، لكن الذي يريده الله عز وجل كجواب لهذا القسم العظيم:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى*وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى*وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى *إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

 أي شتان بين سعي وسعي، وشتان بين عمل وعمل، وشتان بين اتجاه واتجاه، وشتان بين نشاط ونشاط.

 

آيات قرآنية تبين أن سعي البشر متباين :

 

 

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

 فسعي يودي إلى المشنقة، وبعدها إلى جهنم وبئس المصير، وسعي آخر يؤدي إلى عز الدنيا والآخرة، فهل يجتمعان؟ شتّان بينهما، سعي يؤدي إلى سعادة في البيت، وسعادة في الحياة، وسعادة بعد الممات، إلى ما لا يعلم إلا الله، إلى الأبد، وسعي آخر يؤدي إلى خزي في الحياة الدنيا، وإلى عذاب عظيم مهين أليم، ثم إلى جهنم وبئس المصير، فهذا هو المعنى، أي إن هذا السعي غير ذاك السعي، فلا يجتمعان، بل لا يمكن أن يجتمعا في موازنة.

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 18 ]

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة القلم: 35-36]

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾

[ سورة محمد: 14 ]

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الزمر:9 ]

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص: 61 ]

ليس في الأرض إنسان يستحق أن يكون قبلتك :

 هذا هو المعنى:

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

 أي لمختلف، وهذا الذي يبتغي مرضاة الله عز وجل، والذي يخشى الله، ويخاف مقام ربه، ويقول: هذا حرام، إني أخاف الله رب العالمين، معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، لا أفعل هذا ولو قطعت إرباً إرباً، فهل هذا الإنسان المنضبط المحب الخائف الذي يرجو رضاء الله عز وجل كالإنسان الذي يأكل المال من أي جهة ولا يعبأ أحرام هو أم حلال؟ ويبني مجده على أنقاض الآخرين، ويبني غناه على فقرهم، ويبني أمنه على خوفهم، فهل هذا مثل ذاك؟

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

 لِيقيِّمْ كلُّ واحد نفسَه، ما الذي أبغيه من حياتي؟ يقيّم سعيه، إلى ماذا يسعى؟ إلى الدنيا الفانية التي تنتهي بالموت أم إلى آخرة باقية؟ أم يسعى إلى إرضاء إنسان ما، وليس في الدنيا إنسان يستحق أن ترضيه، وليس في الأرض إنسان يستحق أن يكون قبلتك.
 هل تسعى لإرضاء إنسان مخلوق أم لإرضاء الخالق؟ هل أنت عبد لله أم عبد لعبد الله؟ هل تنضبط بالشرع أم تنضبط بالهوى؟ هل تحكم نفسك أم تحكمك نفسك؟ هل يقودك الهوى أم يقودك العقل؟

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

 ليس ثمّة:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى*وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى*وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى *إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

في الأرض اتجاهان اثنان لا ثالث لهما :

 لكن هذا الاختلاف ظاهر بين سعي الناس جميعاً، فإذا كان على الأرض ستة آلاف مليون إنسان، فهناك إذاً ستة آلاف مليـون سعي، وستة آلاف مليون اتجاه، وستة آلاف مليون هدف، واللهُ سبحانه وتعالى أراد أن يصنف كل هذه الأهداف، وكل هذه النشاطات، وكل هذه الاتجاهات في طريقين اثنين لا ثالث لهما؛ فما هذان الطريقان؟ قال عز وجل:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى*وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

 لا يمكن أن يكون أحدنا إلا منضوياً تحت أحد هذين التصنيفين، فالطبيب يسعى لجمع المال، والتاجر كذلك، وكذا المهندس، والعامـل، والصانع، والفلاح، وزارع الأرض، والموظف، ومن يملك مهنة راقية، وصاحب الخدمات، فاختلاف المهن كلها لها هدف واحد؛ أن تكسب منها رزقك، وهذا اختلاف كثرة ووحدة تنوَّع، وربنا عز وجل قال:

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

 مع أن السعي مختلف جداً، ولكن كل هذا السعي لا بد أن ينضوي تحت هذين الاتجاهين الكبيرين، ما هما؟

 

الإنسان خُلِق في هذه الدنيا ليعطي فاللهُ يعطينا لنعطي :

 

 

 

 قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى ﴾

 يا الله على روعة القرآن! أعطى ماذا؟ أغفل الله المفعول به:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى ﴾

 مطلق العطاء، مجرد العطاء، أن تعطي من مالك، وأن تعطي من وقتك، وأن تعطي من جهدك، وأن تعطي من خبرتك، وأن تعطي من رأيك، وأن تعطي من سمعتك، ومن مكانتك، وأن تعطي الناس:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى ﴾

 فأنت خلقت في هذه الدنيا لتعطي، فاللهُ يعطيك لتعطي، قال عز وجل:

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

[سورة القصص: 77]

 إنما أعطاك لتعطي، فعطاؤه من أجل العطاء لا من أجل أن تأخذ العطاء وتحرص عليه، فتمنعه عن الناس.

العطاء لا بد له من أساس وهو التقوى :

 قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى ﴾

 إنّ البلاغة في الإيجاز، وهذا إيجاز، ولنتصوّر غنيّاً أعطى ماله، وآخر خبرته، ورعايته، ووقته، وجهده، وعطفه، فقد تحتاج هذه الزوجة إلى عطف منك، ولو أنها لا تـروق لك فلا بد من أنك تعطف عليها ولا بد أن تشعرها أنك تحبها أو تحترمها على الأقلّ.
أَعْطَى، أعطى العفو، وأعطى المحبة، والمال، والوقت، والجهد، لك مكانة عند فلان، وأخوك المؤمن له عند فلان ذاك قضية، فاذهب إليه وارجُه أن يحلها لك، وعندئذٍ تكون قد أعطيتَ من وجاهتك.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى ﴾

لكن هذا العطاء لا بد له من أساس وهو التقوى، أي اتقاء ما نهى الله عنه، والاستقامة على أمره، أعطى واستقام على أمر الله، اتقى أن يعصي الله، واتقى مغبة المعصية، اتقى أن يخرج عن أمر الله، وأيُّ العطاء من دون أن يتقي الإنسانُ معصية الله لا قيمة له، إنه ذكاء اجتماعي، إنه دفعة مقدمة يقبضها في الدنيا وليس له في الآخرة من خلاق، أعطى واتقى، والعطاء كالماء ينصب في برميل، أما اتقى فتعني الاستقامة، وكأنها قعر البرميل، فلو صببت على البرميل ماءً ولا قعر له فمتى يمتلئ البرميل؟ لن يمتلئ، إذْ لا بد من عمل صالح مبنيّ على الاستقامة، هذه الآية تلخِّص الدين بأكمله، قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾

 صدِّقْ بالهدف العظيم النبيل الذي خلقت من أجله.

الهدف العظيم النبيل من كل مصيبة يسوقها الله عز وجل :

 لقد خلقت لهدف نبيل، هو معرفة الله، خلقت للسعادة، وللرحمة، وللتنعم في جنة عرضها السماوات والأرض إلى الأبد، خلقت لهذا، فمن صَّدق بهذا الخبر العظيم واستقام على أمر مولاه العظيم وأعطى ممّا آتاه الله، فالجزاء إذاً:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

 ما هي اليسرى؟ هو الشيء الذي يسرك بدءاً من لحظة التوبة وإلى الأبد، فإذا أعطيت واستقمت وآمنت فعرفت الله أولاً، واستقمت على أمره ثانياً، وفعلت الصالحات ثالثاً، فسوف ييسرك الله سبحانه وتعالى لليسرى في بيتك، وعملك، وصحتك، وزوجتك، وأولادك، ومكانتك، وكلما ازداد العمر يوماً ازددت سعادة وقناعة وتبصرة ومكانة وعلماً، فإذا جاء الموت بدأت السعادة الكبرى التي وُعِدت بها، وعند الموت يحس الإنسان أن كل عطاء أعطاه الله إياه في الدنيا ما هو إلا دفعة صغيرة من الحساب، دفعة تشجيعية.
 إنّ الله سبحانه وتعالى يعطيك طرفاً من السعادة في الدنيا، فإذا غمرك بها قعدت عن طلب المزيد، فتأتيك بعض الأحوال اللطيفة، وبعض التجليات التي تنعشك، لكن إذا جاء الموت عرق المؤمن لشدة الخجل الذي ينتابه من عظم مكانته عند الله، وعظم ما أعد الله له، فإذا فُتِحتْ أحد أبواب الجنة يقول المؤمن: لم أرَ شراً قط في حياتي، ويرى كل هذه المصائب والمضايقات الذي ساقها الله له إنما من أجل أن يصل إلى هذا المقام. هذا هو الهدف العظيم النبيل من كل مصيبة يسوقها الله عز وجل:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

أيّما هدف على وجه الأرض لا يُحقَّق إلا بالله :

 ليس هناك حظ، ولا أعطني حظّاً وألقني في البحر، هذا كلام فارغ، فلان يده خضراء، هذا كلام فارغ، لا يوجد إلا هذه الآية، فهو إما تيسير أو تعسير، والتيسير له أسباب، والتعسير له أسباب، وهذا هو قانون التيسير والتعسير، أو قانون التوفيق وعـدم التوفيق، وبعض العلماء قال: آية واحدة لو عقلها الناس لكانت حياتهم غير هذه الحياة الضنك، قال تعالى:

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة هود: 88 ]

 أيُّ توفيق هذا؟ فأيُّما هدف على وجه الأرض لا يُحقَّق إلا بالله، وإلا إذا شاء الله.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 أي بهذا الهدف العظيم، وقال بعضهم: بالجنة، أو صدق بهدف الله من خلقه، خلقهم ليسعدهم، كنت كنزاً مخفياً، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق وعرفتهم بي، فبِي عرفوني، من صدق بهذا الهدف النبيل، واستقام على أمره، وعمل الصالحات تقرباً لله استحق اليسر، أليس هذا ممَّا يسرُّك؟ عبدي كن لي كما تريد أكن لك كما تريد، كن لي كما تريد ولا تعلمني بما يصلحك. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمّاً وَاحِداً هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

(( من أصلح فيما بينه وبين الله أصلح الله فيما بينه وبين الناس))

[الديلمي عن قدامة بن عبد الله بن عمار]

 وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ ))

[ ابن ماجه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ]

قانون التيسير :

 اليسرى في العمل، واليسرى في الزواج، واليسرى في الصحة، واليسرى مع الأولاد، واليسرى مع الجيران، واليسرى مع المستقبل، فهناك أشخاص يخافون المستقبل، لا، فسنيسره لليسرى، قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا من خير، لا تقلقوا، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، إن لم تتغيروا فلن يغير الله، هذا قانون التيسير، لا يوجد زهر ولا أحجار نرد. لقد قلب له الدهر ظهر المجن، هذا كلام شيطاني، أيُّ دهر هذا؟ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

(( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 ويقولون أيضاً: سَخِرَ القدر منه، أيْ قدُرُ الله عز وجل، لا إله إلا الله، هذه مصيبة حقّاً، فهم يقولون على الله ما لا يعلمون، يقولون: أثّر عليه السحر، أيّ سحر؟ ألقوا الماء في طريقه فسحروه، هذه كلها خرافات ما أنزل الله بها من سلطان، لا شيطان، ولا جن، ولا إنس، ولا سحرة، ولا طقوس، ولا كتابات، ولا تشاؤم، يوم الأربعاء يتشاءم الناس منه، ورقم ثلاثة عشر كذلك يتشاءم الناس منه. لا رقم، ولا يوم، دخـل شخص المحل وقـف البيع، أو أنّ البيعة ألغيت، ويتشاءم صاحب المحل من هذا الرجل، هذا غلط، كله جهل بجهل، اقرأ حظك هذا الأسبوع، برج الحمل لك عدو بالمرصاد، أيُّ عدو هذا؟

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

 هذا توفيق من الله وهذه أسبابه، أو هذا تعسير وهذه أسبابه، فاليسرى ما يسرك في الدنيا والآخرة، قال تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46]

البخل وأشكاله :

 قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المعارج: 19ـ22]

 ما دمتُ بخير فالناس لا يعنونني، لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به ))

[رواه الطبراني والبزار عن أنس]

 واسمع الحديث الثاني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يصبح ويمس ناصحاً لله ورسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم ))

[كنز العمال عن حذيفة]

 هذا هو القرآن الكريم:

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾

 بَخِلَ بماله، بَخِلَ بوقته، فلماذا خلقت في الدنيا؟ أو بَخِلَ بخبرته، يخاف أن يعطي الخبرة لصانع فينافسه في العمل، فيبخل عليه ولا يعلمه، إذاً بَخِلَ بالعلم، بَخِلَ أن يكلم فلاناً من أجل فلان، وبَخِلَ بجاهه، وبَخِلَ بكل شيء، و(بَخِل) من دون مفعول به، مطلقة، فمجرد البخل والإمساك والحرص، وأندم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً، فهؤلاء هم البخلاء.

معنى كلمة (استغنى) :

 قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة الحشر: 9]

 إنّ الذي نجى من مرض البخل فهذا من المفلحين، (وأما من بَخِلَ)، مطلقاً، هناك شخص تستشيره بشيء يقول لك: لا أعرف، تعال إلى المكتب، لا يستطيع أن يتكلم إلا في المكتب لأن هناك أجرة.

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾

 فلا رازق إلا الله، ومعنى اسْتَغْنَى أيْ استغنى بما عنده من مال عن رحمة الله، واستغنى بالشهوات عن الآخرة، واستغنى بنظرية ابتدعها عمَّا قاله الله عز وجل في كتابه، واستغنى بتقاليد وعادات جاهلية عن سنة النبي المطهرة، ثم استغنى بنفسه عن ربه:

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾

 (أَعْطَى) يقابلها (بَخِلَ)، (وَاتَّقَى) استقام على أمر الله ويقابلها (اسْتَغْنَى)، استغنى عن هذا الشرع، تقول له: هذا حرام، فيقول لك: تكلم كلاماً واقعياً، ولا يعبأ بالشرع، ولا يعبأ أكان هذا الدخل حلالاً أم حراماً، فاستغنى عن رحمة وتجليات الله، واستغنى عن الآخرة عن الجنة، واستغنى عن توفيق الله، وعن حفظ الله، وعن رعاية الله، فكلمة (اسْتَغْنَى) مطلقة أيضاً.

اليسرى وعد والعسرى وعيد :

 قال تعالى:

﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

 فلم يرَ إلا الحياة الدنيا، أما ما وعد الله به المؤمنين في جنة عرضها السماوات والأرض فهذه كذَّب بها، قال لك: أنا إنسان واقعي، ليس بحالم ولا غيبي، أما هذا العطاء الكبير الذي وعدنا الله به فقد كذّب به، الحسنى الجنـة:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

[ سورة يونس: 26 ]

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

 هذا كلام الله خالق السماوات والأرض، فإنْ وجدت شخصاً بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، وكانت أموره ميسرة، وهو سعيد في حياته، فهذا شيء مستحيل، فما دام قد بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فلا بد أن تكون أموره معسرة من سيِّئٍ إلى أسوأ، قد يعطيه الله المال ويضيق عليه، قد يعطيه اللهُ المالَ، ويشقيه نفسياً، قد يعطيه الله الصحة ويجعله قلقاً، فلا بد من شقاء، ولا بد من العسرى، ولا بد أن تجري الأمور على غير مراده، وعلى عكس ما يشتهي، ولا بد من الضيق، والضياع، والخوف، والذعر، والسأم، والضجر.

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

 هذا وعد إلهي، فاليسرى وعد والعسرى وعيد.

لا قيمة للمال يوم القيامة :

 هذا الذي تنكّب الحقَّ وأدار ظهره له لماذا؟ إنه يبتغي الدنيا، والدنيا عنده ممثلة بالمال، ولماذا المال، ولماذا لم يختر ربنا إلا المال؟

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾

 لأن المال هو القيمة المطلقة للأشياء، فبالمال تشتري بيتاً، وتتزوج، وتسافر، وتقتني سيارة، ويعظمك الناس، وتأكل أشهى الطعام، فالمال قيمة مطلقة، فإنْ أُعطِي الإنسان مبلغاً ضخماً حَلَّ كل مشاكله به:

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾

 كن هذا المُعرِض لا يغني عنه ماله إذا جاء الموت، فأين ماله؟ هذه الأموال الطائلة، وهذه البيوت، وهذه الوسائل المريحة في بيته إذا جاء ملك الموت ماذا تنفعه؟ هل غير القبر أمامه؟ وهل غير المثوى الأخير أمامه؟ وهل له غير هذه الحفرة الصغيرة؟
 ما من بيت إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات، فإذا رأى أن العبد انقضى رزقه، وانقطع أجله، ألقى عليه غم الموت فغشيته سكراته، فمن أهل البيت الضاربة وجهها، والصارخة بويلها، فيقول هذا الملك: فيم الفزع، وممَّ الجزع؟ ما أذهبت لواحد منكم رزقاً، ولا قربت له أجلاً؟ وإنّ لي فيكم عودة، ثم عودة حتى لا أبقي فيكم أحداً، فو الذي نفس محمد بيده لو يرون مكانه، ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم، فإذا حمل على النعش رفرفت روحه فوق النعش، تقول: يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حلّه وفي غير حلّه، فالهناء لكم والتبعة عليَّ.
 يقف عبدان يوم القيامة بين يدي ربهما، فيقول للأول:

(( أن عبدي أعطيتك مال فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فيقول الله له: ألم تعلم بأني الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ـ يسأل عبد آخر ـ أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك ))

[ ورد في الأثر ]

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾

الغنى والفقر بعد العرض على الله :

 إن الغنى والفقر بعد العرض على الله.

(( يحشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة فريق جمع المال من حرام، وأنفقه في حرام، فيقال: خذوه إلى النار، وفريق جمع المال من حلال، وأنفقه في حرام، فيقال: خذوه إلى النار، وفريق جمع المال من حرام وأنفقه في حلال، فيقال: خذوه إلى النار، وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حلال، فيقال: قفوه واسألوه.))

[ ورد في الأثر ]

 فهذا يحاسب، هل تاه بماله على عباد الله؟ وهل أنساه المال فرض صلاة؟ وهل قال جيرانه: يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا، وقد قصر في حقنا.

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾

 قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ* يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ* مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ* خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ* إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة: 25-33 ]

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾

أشد الناس ندماً يوم القيامة :

 الأصدقاء ثلاثة؛ صديق يتركك عند البيت، وصديق على شفير القبر، وصديق يدخل معك في القبر، أمّا في البيت فالأهل، والنساء، والأموال، مكتبه، بيته، فراشه الوثير، مكتبته الغنية، مكتبه التجاري، سيارته الفارهة، كل هذا يتركه، يسير معه أولاده الذكور، ويودعونه على شفير القبر، ولا يدخل معه في القبر إلا عمله، فلذلك إن كان كريماً أكرمه وإن كان لئيماً أسلمه، كل ذلك بحسب عملك، لذلك في أول ليلة يبيت فيها العبد في القبر يقول الله عز وجل: عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معـك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾

 هذا المال لمن؟ إنّ أندم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً، وأندم الناس من باع آخرته بدنيا غيره أو بدنياه، فأما من باع دنياه بدنيا غيره فهو أشد الناس ندماً.

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى* إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾

 لكن الإنسان مخير، لأنّ الله يبين له الطريق الصحيح وأنت حر، ولكنك إذا أعرضت عن الله عز وجل واخترت الضلال:

﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾

 الدنيا والآخرة بأيدينا خَلْقاً وتصرُّفاً.

الدنيا والآخرة خلقاً وتصرفاً وتسييراً بيد الله سبحانه :

 أحد الخلفاء وهو في الحرم المكي سأل عن عالم كبير، فقيل له: هذا فلان أبو حازم، قال له: يا أبا حازم، سلني كل حاجتك؟ فقال له: واللهِ إني لأستحيي أن أسأل في بيت الله غيرَ الله، فلما التقى فيه خارج الحرم، قال له: يا أبا حازم سلني عن حاجتك، قال: واللهِ ما سألتها من يملكها، أأسألها من لا يملكها، فلما أصر عليه قال: حاجتي أن تنقذني من النار، قال: هذه لا أملكها، فقال له: إذاً حاجتي ليست عندك.

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾

 ابتغوا الرفعة عند الله، إنّ شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس:

(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

[ أبو الشيخ عن أبي الدرداء ]

 من اشتكى إلى كافر فكأنما اشتكى على الله، ومن اشتكى إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله.

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾

 إنّ الدنيا والآخرة خلقاً وتصرفاً وتسييراً بيد الله، وهذا الذي أعرض عن الله لا يزال في قبضة الله وهو لا يشعر:

((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقـْراً مُنْسِياً أَوْ غِنًى مُطْغِياً أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً أَوْ هَرَماً مُفَنِّداً أَوْ مَوْتاً مُجْهِزاً أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 سبعة أشياء تنتظر المعرضين؛ لا بد من غنىً مُنْسي، أو فقر يطغي، أو مرض يفسد الحياة، أو هرم يضعف الشخصية، أو موت ينهي الحياة، أو الدجال، أو الساعة.

 

الله تعالى لا يسأل عما يفعل سكوت القناعة واليقين بعدالته لا سكوت الخوف من جبروته:

 

 

 

 قال تعالى:

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾

 أنتم أحرار، وأنتم مخيرون لذلك:

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

 فقط، هم قوم جاءهم أنبياء، وكتب، ودعاة، وحقٌّ مبذول للناس جميعاً:

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى*وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى ﴾

 ربنا سبحانه وتعالى في آخر السورة يقول:

﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾

 هذا كلام خالق الكون، أي يا مَن أعرض عن الله، ويا مَن تنكب طاعة الله، وأدار ظهره للحق، وتعلق بالدنيا، وجعلها أكبر همه، ومبلغ علمه، ونسي الآخرة:

﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾

 لكنه ليس كما يقول بعض الجهلاء من أن الله عز وجل لا يسأل عما يفعل، قد يطيعه العبد طوال حياته ثم يضعه في جهنم، هذه الآية لها معنى آخر، لفرط عدالته لا يسأل عما يفعل، سكوت القناعة والرضى واليقين بعدالته لا سكوت الخوف من جبروته، والدليل هذه الآية الثانية:

﴿ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ﴾

 لو كان الله يدخل الطائع النار لكانت هذه الآية غير صحيحة:

﴿ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ﴾

 حصراً، والشقي الذي شقي ببُعده عن الله، والذي شقي بالانحراف والسقوط في وَحَلِ الدنيا، والذي شقي بهواه وشقي بالدنيا، الأشقى الأشد شقاوة، الأشقى هو الذي يصلى النار.

الأشقى له صفتان صفة عقلية وصفة نفسية :

 من هو الأشقى؟ الأشقى له صفتان، صفة عقلية، وصفة نفسية، فالذي كذب وتولى، فبعقله كذب الحق، وبنفسه اتجه إلى الدنيا وأدار ظهره للحق، فوصْفُ الله له بليغ، جاء بكلمتين:

﴿ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾

 والتكذيب نوعان؛ تكذيب لساني، وتكذيب سلوكي، والتكذيب السلوكي أخطر، أمّا اللساني فأَنْ تقول: ليس هناك آخرة، أنا لا أؤمن بالآخرة، فهذا تكذيب باللسان، لكن الذي يقول: أنا أؤمن بالآخرة، ولا يسعى لها، وفي الأثر: قيل لأحد الناس: هل عرفت الرب؟ فقال: ما شاء الله، قال: فماذا صنعت في حقه؟ ما الموقف العملي الذي وقفته من أجل الله، شخص مريض مرضاً شديداً، وعرف الدواء، فماذا يفعل؟ هل يبقى مكتوف الأيدي؟ إذاً إما تكذيب باللسان، وهذا نادر في العالم الإسلامي، فلا تجد في المليون واحداً يقول لك: ليس هناك آخرة، هذا التكذيب نادر جداً، ولكن التكذيب الشائع أنك تقول: هناك آخرة ولا تعمل لها، هناك جنة ولا تسعى لها، هناك نار ولا تتقيها.
 إذا زرت طبيباً، وكتب لك وصفة، وأثنيت على علمه، ولم تشترِ الدواء، فعدم شرائك الدواء دليلُ عدم ثقتك بعلمه، ومهما أثنيت عليه بلسانك فقد أخذت موقف التكذيب، لأنّ المرض موجود، والآلام حاصلة، ومعك وصفة دواء، ولم تشترِه، بل ذهبت إلى طبيب آخر.
 معنى ذلك أنك تكذب علمه عملياً لا قولياً، وقد تكون لبقاً معه، فتقول له: أنت من أندر الأطباء، والمعول عليه ألاّ تكذِّب بالآخرة عملياً، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً ﴾

[ سورة الإسراء: 19]

 لها سعي خاص، فالذي كذب وتولى هو الأشقى، وهو الذي يصلى النار.

 

المحسن يخلف الله عليه أضعافاً مضاعفة والممسك يتلف الله ماله :

 قال تعالى:

﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى*الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾

 فهذا هو الذي عرف الله عز وجل، وأراد التقرب إليه، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً ))

[متفق عليه وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 فالمحسن يخلف الله عليه أضعافاً مضاعفة، والممسك يتلف الله ماله، وما أكثَر الوسائلَ التي يتلف اللهُ بها المالَ، أخطاء صغيرة تدفعك إلى دفع مئات الألوف، فالمفلح هو:

﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾

 قال تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 لكن هذا العطاء ليس رداً للجميل، قد يفرح شخصٌ إذا قدم لك هدية، وبعد حين رُزِقَ مولوداً، فذهبت إلى السوق، وبحثت عن هدية وقدمتها له ردّاً لجميل سابق، فهذه الهدية لا تدخل في هذه الآية، لأن العطاء الصحيح مَصْدَرُهُ:

﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾

 لم يكن هذا العطاء رداً على عطاء سابق، كلا، إنما هو مبادرة وابتداء، وما لأحد عند هذا المعطي من نعمة تجزى:

﴿ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى*وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾

الدنيا دار عملٍ والآخرة دار جزاء :

 إنّ المؤمن في الدنيا تحت المعالجة، قد يُحمِّله اللهُ أكبرَ عبء ممكن، حتى يُكسبَه أكبر أجر ممكن، ويعطيَه أكبر سعادة ممكنة، لذلك الإمام الغزالي لخَّصها بقوله: ليس بالإمكان أبدع مما كان، وقال بعضهم: " اللهم لا تخفف حملي ولكن قَوِّ ظهري"، فإن خُفِّف حملُك قلَّ أجرُك، إذاً لم يُخفِّف الحملَ، ولكنه أعطـاك قوة لتحمل هذا الحمل، والإنسان في الدنيا في فترة معالجة، ودفع، وتشويق، وتطهير، وتعطير، لكن في الآخرة فترة سعادة كبرى، فَسَمَّوا الدنيا دارَ عملٍ، والآخرةَ دارَ جزاء.

﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى* إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى*وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾

 قال: يا رب هل أنت راض عني؟ فقال: يا عبدي هل أنت راض عني حتى أرضى عنك؟ فلا بد من أن ترضى، إذا رآك يئست أعطاك، وعطاءُ الله حكيمٌ، وإذا غلب عليك اليأس طمأنك قليلاً، وتسترخي وتقعد عن طلب المزيد فيثيرك إلى أن تطلب الأعلى، والدنيا كلها مُعالَجة، وأما الآخرة فهي دار نعيم واستمتاع، ربنا عز وجل يعلم ماذا أعدّ لعباده الصالحين من خيرات لا يحصيها اللسان؛ جنة عرضها السماوات والأرض، ونعيم مقيم في جنات وهم مكرمون، لذلك قال سبحانه:

﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾

 فلا بد من أن ترضى رضاء لا يوصف، أما الآن فأنت في المعالجة، إذا دخل طالب كليةَ الطب، والمنهاج كبير، ولغات أجنبية، وتشريح، والدوام ثلاث وأربعون ساعة، وعملي ونظري، ومذاكرات، وأطروحة، لكن بعد أن يتخرج، ويكون في العيادة خمسون شخصاً، وكلُّ شخص معاينته بمئتي ليرة، خمسة آلاف ليرة تقريباً في اليوم.

﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾

الإنسان في الدنيا في دار تكليف وفي هو في الآخرة في دار تشريف :

 أما الآن فهو لا يرضى بمتاعب كثيرة، هذا مثلٌ واضح، وللهِ المثلُ الأعلى، إذا درس شخصٌ دراسات عليا، وتعب ونال شهادة عليا، ثم في وقت قليل يأخذ أرباحاً ضخمة، هذا نمط، فالإنسان في الدنيا يتعب، ويتعرف إلى الله، ويجلس ساعات على ركبتيه ليعرف الله عز وجل، وساعات ليقرأ القرآن، ويمشي مع أخيه ساعات يبتغي مرضاة الله عز وجل، فكأن الله يقول له:

﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾

 لا بد أن ترضى، لكنك الآن في دار عمل، والجامعة مكان غير مريح، والمقعد غير مريح، لكن بعد التخرج كلُّ شيء مريح، فهذه كلها أمثلة، والدنيا كذلك، هي دار عمل، دار تكليف، والآخرة دار تشريف، ولو فرضنا أنّ طالباً أخذ الدرجة الأولى على مستوى القطر، فأمامه حفلة تكريم، وهدايا، ورحلة، وسياحة، فهو الآن يتشرف، أما قبل هذا فقد كان مكلفاً بالدراسة، فالإنسان في الدنيا في دار تكليف، وفي هو في الآخرة في دار تشريف، الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فكلُّ الخير مدخَّر لك في الآخرة.

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة آل عمران: 185 ]

 الرصيد يوم القيامة، أما في الدنيا فهي دفعات على الحساب، وإذا صرت في يأس أتتك دفعة على الحساب فتنتعش فيها، وتميل إلى الدنيا فتأتيك مشكلة، فتندفع بها إلى الله عز وجل، ثم تسترخي فتأتيك مشكلة ثانية، وهكذا إلى أن تستقيم وجهتك إلى الله عز وجل.

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[ سورة النساء: 147 ]

 إنّ الدنيا دار عمل:

﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾

 وسيطالعنا في سورة قادمة:

﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾

[ سورة الضحى: 5 ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018