الخطبة : 0142 - صفات العلماء الصادقين - اللفت وفوائده . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0142 - صفات العلماء الصادقين - اللفت وفوائده .


1986-09-19

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر .
 اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين .
 اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حديث قدسي :
 يا دُنيا ما أهونَكِ على الأبرار ، الذين تصنَّعْت وتزيَّنْت لهم ، إنِّي قذفْتُ في قلوبهم بغْضَكِ ، والصدود عنك ، وما خلقتُ خلقًا أهْوَنَ علي منك ، كلُّ شأنِك صغير ، وإلى الفناء يطير ، قضيت عليك يومَ خلقْتُكِ ألاّ تدومي لأحد ، وإن بخِلَ بك صاحبك وشحّ عليك .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسْجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا قَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ ))

[ رواه البخاري ]

 قال عليه الصلاة والسلام اِصْنع المعروف مع أهله ، ومع غير أهله ، فإن أصبْتَ أهله أصبْتَ أهله ، وإن لم تُصب أهله كنت أنت أهله .
 اللهمّ صلّ وسلِّم وبارك على سيّدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه الطيِّبين الطاهرين ، الهداة المهديّين ، الذين وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام : علماء حكماء كادوا يكونوا من فقههم أنبياء .
 لو أنفقَ أحدكم مثل أُحُد ذهبًا ما بلغَ مُدّ أحدهم ولا نصيفه .
 اللهمّ اسْتُر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنّا في أوطاننا ، ولا تفضحنا يوم العرض عليك ، ولا تخزنا يوم القيامة ، ارزقنا قبل الموت توبة ، وعند الموت شهادة ، وبعد الموت جنّة ونعيمًا .
 اللهمّ اجعل يومنا خيرًا من أمْسِنا ، واجعل غدنا خيرًا من يومنا .

 

آيات قرآنية تصف العلماء الصادقين :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى في بعض آيات القرآن الكريم وصفَ العلماء الصادقين :

الآية الأولى : لا يخشون أحدا إلا الله .

 فقال جلّ وعلا :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 39 ]

 من صفات العلماء الصادقين أنّهم لا يخْشَون أحدًا إلا الله ؛ لأنّهم إذا خشَوا غير الله عز وجل سكتوا عن الحق ، ونطقوا بالباطل ، فإذا فعلوا ذلك فماذا بقيَ من تبليغ رسالات الله تعالى ؟ تبليغ رسالات الله تعالى لن يكون إلا على يد أُناسٍ لا تأخذهم في الله لومةُ لائم ، هذه الصّفة الجامعة المانعة ، الجامعة لكلّ مقوّمات الدعوة إلى الله ، والمانعة لو فقِدَت لفُقِدَت الدعوة إلى الله في الأصْل .

 

الآية الثانية : أدعوا إلى الله على بصيرة .

 آية أخرى ، يقول تعالى :

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة يوسف الآية : 108 ]

 الدعوة إلى الله تعالى يجبُ أن تكون على بصيرة لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( تركتكم على بيضاء نقيّة ، ليلها كنهارها لا يزيغُ عنها إلا ضالّ ))

[ أخرجه ابن ماجه والحاكم في مستدركه في هذا اللفظ

(( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))

[عن العرباض بن سارية ]

 قال تعالى :

﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 83 ]

 ما اتَّخذ الله وليًّا جاهلاً ، لو اتَّخذه لعلّمه ، فمِن صفات المؤمن أنّه يملكُ الحجّة المقنعة ، والقاطعة ، والدالة على أحقيّة مبدئه ، فربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة يوسف الآية : 108]

 فالمتّبعُ للنبي عليه الصلاة والسلام مِن صفاته اللازمة أنّه يدعو إلى بصيرة .
 الآية الأولى يخشى الله ولا يخشى أحدًا سواه ، الآية الثانية يدعو إلى الله على بصيرة .

 

الآية الثالثة : اتبعوا من لا يسألكم أجرا .

 في الآية الثالثة يقول تعالى :

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة يس الآيات : 20-21]

 هذا الذي لا يبتغي على دعوته درهمًا ولا دينارًا ، ولا مدحًا ولا ثناءً ولا تعظيمًا ولا تبجيلاً ، ولا شيئًا ماديًّا ولا معنوِيًّا ، لا قريبًا ولا بعيدًا ، لا ملموسًا ، ولا غير ملموس ، قال تعالى :

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة يس الآيات : 20-21]

الآية الرابعة : شهد الله أنه لا إله إلا هو .

 الآية الرابعة ، يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 18]

 الذي يشهد لك أي يُريك أنّ الله سبحانه وتعالى قائمٌ بالقسط فهذا من العلماء بِنَصّ هذه الآية الكريمة .
 فالعالم الذي ينبغي أن تهتدي بِهُداه ، وأن تسير معه ، وأن تستنير بما يدعوك إليه ، يجبُ :
 1- أن لا يخاف في الله لومة لائم .
 2- ويجب أن لا يسألكَ أجرًا .
 3- وأن يدعوك إلى الله على بصيرة .
 4- ويجب أن يشهد لك عدالة الله تعالى المطلقة .
 فإذا اجْتَمَعَت هذه في إنسان فهو من أهل العلم بِنَصّ هذه الآيات الخمس .

 

الآية الخامسة : قال إني جاعلك للناس إماما .

 سيّدنا إبراهيم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام ، قال تعالى :

﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾

[ سورة البقرة ]

 أي الإمام يجبُ أن يكون أمام متبوعيه ؛ قدوةً وأُسْوةً ، يجبُ أن يؤثّر فيهم لا بأقواله بل بأفعاله ، والذين حقَّقوا تأثيرًا بليغًا في الأرض ما حقّقوه بِمَنطقهم ، ولا بحُجّتهم ، ولا بِرَوْعة آثارهم ، ولكن حقّقوه باستقامتهم ، ومِثالِيَتِهِم ، وأنّهم كانوا قدوةً ، وأُسْوةً لمن يدعونهم إلى الله عز وجل .
هذه بعض الآيات التي أشارَت إلى صفات العلماء الصادقين ، وإنّ هذا العلم دينٌ فانظروا عمَّن تأخذون دينكم ، وقد قال الله عز وجل :

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة النّساء الآية : 27 ]

 ابن عمر دينَكَ دينكَ إنّه لحْمُكَ ودَمُك ، خُذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا .

 

تخلف المسلمين :

 ظاهرةٌ تلفتُ النّظر ؛ في آخر الزمان المساجد ملآنةٌ بالمُصلّين ، والقلوب خاوِيَة ، المسلمون كثيرون ، ويزيدون عن ألف مليون ، وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ما زادوا عن عشرة آلاف ، ومع ذلك فتحوا أطراف الأرض ، ومشارق الأرض ومغاربها ، أين السرّ ؟
 أَهُمْ أشخاصٌ ونحن أشخاص ؟
 أَهُم من طينة غير طينتنا ؟
 أهُم من صبغة غير صبغتنا ؟
 الله سبحانه وتعالى كلامه لا يتبدّل ، ولا يتغيّر ، ولا يتحوّل ، قال تعالى :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[ سورة النور الآية : 55]

 اُعْبُد الله تعالى ، وانظر بعد عبادتك هذه كيف أنّ الأمور كلّها تجري وفْق مرادك ، السرّ كلّه في طاعة الله تعالى ، الكلام لا يُجدي ، ولا يُثْمر ، ولا يغيّر ، ولا يحوّل ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد الآية : 11 ]

 فيا أيها الإخوة المؤمنون ؛ الصّلْح مع الله ، والصّلح مع الله ثمنه طاعته أطِعْهُ تصطلح معه ، وإذا اصطلحتَ معه جرَت الأمور وفْق ما تريد ، عبدي كنْ لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كلامٌ مختصر مفيد ، كنْ له كما يريد يكن لك كما تريد ، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتُك ما تريد ، وإن لم تسلِّم لي فيما تريد أتْعبتُكَ فيما تريد ثمّ لا يكون إلا ما أُريد .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كثْرة المسلمين مع تقصيرهم ومعصيتِهِم لا تقدِّمُ ولا تؤخّر ، بعض الأحاديث القدسيّة يقول فيها الله سبحانه وتعالى : عبادٌ لي يلبسون للناس مُسوح الضّأن ، وقلوبهم أمرّ من الصَّبْر .
 المظهر لطيف ، كلامٌ كالعسل ، المخْبر سيّئ ، ليس هناك أمانة ، ولا صدق ، يغشّ الناس ويحتالُ عليهم ، يؤثرُ ذاته على مصالحهم ، يبني مجْدهُ على أنقاضهم ، ومظهرهُ ديِّنٌ ، ومسلم ، ويصلّي مع الناس ، ويحجّ معهم ويصوم معهم ، عبادٌ لي يلبسون للناس مُسوح الضّأن ، وقلوبهم أمرّ من الصَّبْر ، وألسنتهم أحلى من العسل ، يختلون الناس بِدِينهم أي يخلطون ، تحسبُه ديِّنًا وهو ليس كذلك ، أَبِي يغترّون ؟ أمْ عليَّ يجترؤون ؟ فبي حلفْتُ لأُلبسنّهم فتنةً تدعُ الحليم فيهم حيرانًا ، إذا ظهرْت بِمَظهر ، وكان لك مخبر إذا أظهرْت للناس التديُّن وأضمرتَ عنهم الانحراف ، إذا ظنّك الناس ديّنًا وأنت لسْت كذلك ، هؤلاء إذا كثروا وعمّوا ، عندئذٍ يٌلبسهم الله فتنةً تدع الحليم حيران .
 وحديثٌ آخر ، يقول عليه الصلاة والسلام : يؤتى بِأُناسٍ يوم القيامة فيُؤمر بهم إلى النار ، فيقول الله لهم : إنّكم كنتم في الدنيا إذا رأوْكُم الناس رأوْكُم خاشعين ، فإذا خلَوْتُم بأنفسكم بارزتموني بالعظائم ، أحببْتُم الناس ولم تحِبّوني ، وخفْتُم الناس ولم تخافوني ، وأجْللْتُم الناس ولم تُجِلّوني فليس لكم اليوم هاهنا ثوابٌ ، ولكم عندي عظيم العذاب .
 المظهر شيء ، والمخبر شيء ، المعاملة سيّئة ، أما الكلام فأحلى من العسل ، إذا جلسْتَ معه فأربعُ أخماس حديثه آيات وأحاديث ، ومواعظ وقصص ، فإذا عاملتهُ بالدّرهم والدّينار خانكَ ، وغشَّك ، وأخذ ما ليس له بِحَقٍ أن يأخذه ، لذلك سيّدنا عمر قال : أتعرفهُ ؟ قال : نعم ، فقال عمر : هل سافرْت معه ؟ قال : لا ، فقال : هل حاككْتَهُ بالدّرهم والدّينار ؟ قال : لا ، قال : هل جاورْتهُ ؟ قال : لا ، حينها قال عمر رضي الله عنه : فأنت لا تعرفه ! لكنّ سيّدنا عمر كان رقيق الحسّ ، لعلّ هذا الرّجل صادقٌ وديِّنٌ ، لكنّه لا يعرفه ، قال : يا هذا إنّا لا نعرفك ، ولا يضرّك أنّنا لا نعرفك .

 

أحاديث شريفة تتحدث عن اليمين .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ بعض الأحاديث الشريفة تتحدّث عن موضوع خاصّ هو اليمين .
 عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ : سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا يَحْلِفُ لَا وَالْكَعْبَةِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ))

[ رواه أبو داود ]

 الناس في علاقاتهم اليوميّة ، وفي بيعهم وشرائهم ، في زواجهم ومناسباتهم وفي أفراحهم وأتراحهم يسارعون إلى حلْف اليمين ، مع أنّ هناك طائفةً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم متعلّقة باليمين .
 عن جُوَيْرِيَةُ قَالَ ذَكَرَ نَافِعٌ عَنْ عَبْد اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ))

[ رواه البخاري ]

 يقول أحدهم : بأمانتي ! بأولادي ! بعيوني !! بأعزّ ما عندي !! وبفلان ! هذا كلّه مخالفٌ للسنّة .

(( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ))

 و

(( َمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ))

 أي من كان مضطرًّا للحلْف فلا يحلف إلا بالله ليس بعده عظيم ، إذا حلفت فاحلف بِعَظيم .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلم :

(( لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ ))

[ رواه النسائي ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ ))

[ رواه أحمد ]

 أي تُصيب بالحقط ، وبالجوع ، والكذب كلّه إثمٌ ، وليس منّا من حلف بالأمانة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ وَمَنْ خَبَّبَ عَلَى امْرِئٍ زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا ))

[ رواه أحمد]

 معظمُ الباعة يقولون بالأمانة كذا ، وبالأمانة هذا هو السّعر ، وإذا انتقدَ زوجها ، أو اسْتقلّ ما أعطاها زوجها فقد أوْقعَ بينهما الشّقاق ، ما حلف بالطلاق مؤمن ، أي تستخدم يمين الطلاق في أمور التّجارة ، وفي البيع والشّراء ، وفي الخصومة والخلافات ، تحلف بالطلاق ، هذه المرأة التي في بيت ، هذه المرأة المؤمنة ، وهذه المسكينة التي ترعى أولادك ، وشؤونك ، وصابرةٌ عليك ، ما ذنبها ؟ ما حلف بالطلاق مؤمن ، ولا استحلف به إلا منافق ، والذي لا يصدّقك إلا إذا حلفت بالطلاق هذا منافق ، ومن اقتطع حقّ مسلم بيَمينه فقد أوجب الله له النار ، وهذه اليمين الغموس التي لا كفارة لها لأنها تغمسُ صاحبها في النار ، لأنّك إذا حلفت باليمين الغموس فقد خرجتَ من الإسلام كُليًّا ، ويجب أن تجدّد إسلامك ، وتعلن الشهادَتَين من جديد ، ومن منكم يصدّق أنّه من سبّ الدِّين فقد خرج من الإسلام ، وأنّه في بعض المذاهب تطلق امرأته ، وتؤخذ أمواله .
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ))

[ رواه النسائي ]

 اليمين كاذبة منفقة للسّلعة ، ممحقة للبركة ، أثناء البيع والشّراء لا تحلف ، قلْ : هذا هو السّعر الذي وضعته لهذه السّلعة ، فإن أعجبك فَخُذ ، وإن لم يعجبك فلعلّ الله سبحانه وتعالى يبعث إليّ من يعجبه ، أما أن تحلف يمينًا كاذبة لتبيع هذه السّلعة فهذه اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ، ممحقة للبركة ، لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام له هذا الدّعاء :

(( اللهمّ إنِّي أعوذ بك أن أحلفَ يمينًا فاجرة ، أو أُصيب صفقة خاسرة ))

 اليمين الغموس تذهب بالمال ، وتدع الدّيار بلاقع أي خرابًا ، الحلْف حنث أو ندم إذا حلف ، إذا طبَّقت ما حلفْت تندم على هذا اليمين ، حلفْت أن لا تزور نفسك ، كانت هناك مشكلة ، وهذه المشكلة مع الأيّام بردَتْ ، وبعد شهر اشْتَقْتَ إليها ، ماذا تفعل ؟ حلفت اليمين ، ندِمْت على هذه اليمين ، أو ربّما حنثْت بها فتلْزَمُكَ كفّارة ، والنبي عليه الصّلاة والسّلام يقول : الحلف حنثٌ أو ندم ، وإن حلفْت على معصيَة فدَعها ، واقْض في الجاهليّة تحت قدمك ، إذا حلفْت أن لا تعين إنسانًا ، دعْ هذا اليمين وأعِنْ الناس ، إذا حلفْت أن لا تنفق من مالك شيئًا للفقراء فدَعْ هذا اليمين وأنفق من مالك ، وهذه يمينٌ جاهليّة دعها تحت قدمك .

 

يشترك في الإثم الفاعل والمعين .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ أردْتُ أن أجعلَ حكمًا فقهيًّا في بعض الخُطَب إن شاء الله تعالى ، حكمًا قصيرًا ، فقد أجمع الفقهاء على أنّه يشترك في إثْم المعصيَة الفاعلُ والمُعينُ ، والراضي والساكتُ ، ومن اقتصرَ على اللّسان وقد قدَرَ على الإزالة بِنَفسِهِ أو جماعته ، ومن كان في أوّل المعصيَة ، ومن كان في أوسطها ، ومن كان في آخرها ، كلُّ هؤلاء مشتركون في إثْم المعصيَة ، الفاعل والمُعين ، والراضي والساكت ومن اقتصرَ على اللّسان وقد قدَرَ على الإزالة بِنَفسِهِ أو جماعته ، ومن كان في أوّل المعصيَة ، ومن كان في أوسطها ، ومن كان في آخرها ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : الذنب شؤْم على غير صاحبه ، فهو على صاحبه من باب أولى ، أما الشّؤم يُصيب غير صاحبه ، إن ذكرهُ فقد اغتابه ، وإن رضي به فقد شاركه في الإثم ، وإن عيَّرهُ ابْتُلِيَ به ، لذلك كان الذنب شؤْم على غير صاحبه .
 مالك بن دينار عارفٌ بالله كبير كان يجوبُ في أسواق البصْرة ليلاً أي ينتقل من مكان لآخر ، في أثناء جولته تلك أبْصرَ رجلاً مخمورًا ، ثمِلاً ملقًى على الأرض يقول : الله بلِسانه ، فقال هذا العارف بالله تعالى : أيَخْرُج هذا الاسم العظيم من هذا الرجل المخمور ، ومن هذا الفم التي نجَّستْهُ الخمر ؟‍ ما فعل إلا أنْ أخذ هذا الرّجل إلى بيته ومسح له فمه ، ونظّفه ، ودعاه إلى التوبة ، نام هذا الرّجل ، ورأى في المنام سمع نداءً يقول : يا مالكُ ، طهَّرْت فمهُ من أجلنا ، فطهَّرنا قلبه من أجلك ، وأذّن الفجر ، وذهب إلى المسجد ، وفي المسجد رأى رجلاً يصلّي ويبكي ، ويتملْملُ تملْمُل الحزين ، ويقول : إلهي أنا واقفٌ ببابك ألوذُ بِجَنابك ، فلا تطردني من رحابك ، فنظر به ، تأمَّله فإذا هو الرّجل نفسه الذي طهّر فمه بالأمس ، فدنا منه ، وقال له : كيف حالك مع الله تعالى ؟ فقال : يا مالك ، إنّ الذي قد هداني قد أخبرك بحالي هذه الليلة ‍! هذه القصّة على قِصَرها أردْتُ منها شيئًا واحدًا ، لا تيْأس من إنسانٍ ، لا تبتعد عن عاصٍ ، لعلّ الإحسان إليه يردّه إلى الدّين ، ولا تترفّع عنه ، ولا تقل هذا عاصٍ ، لعلّ الله عز وجل يجعلُ هدايته على يديك ، والصّلحة في لمحةٍ كما قال بعضهم إذا قال العبد وهو عاصٍ قال الله لبّيك ثمّ لبّيك ثمّ لبّيك ، فإذا رأيتَ أخًا لك في معصية فكُنْ عوْنًا له على الشيطان بالإحسان إليه ، ولا تكن عونًا للشيطان عليه بالإساءة إليه .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

اللفت :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ قرأْتُ مقالةً عن اللّفت ، وكنت قبل سنوات عدّة قد ذكرتُ ملخّص هذه المقالة في أثناء بعض الدروس ، لكنّ الذي لفتَ نظري أنّ هذا الغذاء الذي نأكله ، ربّما كان دواءً أقرب منه من أن يكون غذاءً فهذه الأغذية الله سبحانه وتعالى أوْدَعَ فيها موادّ فعّالة تشفي كثيرًا من الأمراض ، فهذا اللّفت يُعدّ من أفضل مرمّمات الدّم ، لما فيه من الأملاح المعدنيّة ، فالدمّ يحتاج إلى ترميم دائم ، يُعدّ اللّفت من أفضل مرمِّمات الدّم ومقوّماته ، وهو أحد النباتات التي تحوي على أكبر كميّة من الكالسيوم لبناء العظام والأسنان ، وهذا اللّفت يقيمن كثيرٍ من الأمراض ، بِفَضل كميّة المغنيزيوم التي يحتويها ، فهو يقي كما يقول بعض الأطبّاء من الأورام السرطانيّة ، بفضْل مادّة المغنزيوم ، وبفضل آزوته ، فهو مُنَقٍّ للدّم ، ويحصّن العضويّة من الأمراض ، والبوتاسيوم الذي في اللّفت يجعلُ منه أحسن الخضار التي تجنّب العضويّة تراكم الشّحوم ، فهو مُذيبُ للشّحوم في الدّم ، وفيه زرنيخ ، والزرنيخ يُسْهم في تكوين الكريات البيض والحمر ، وهو غنيّ بِحامض الفوسفور ، وحامض الفوسفور يغذّي الخليّة العصبيّة كمن كان له عملٌ فكريّ فاللّفتُ يُغذّي دماغهُ وأعصابهُ ، وأوراق اللّفت غنيّة بالحديد والنحاس ، وهذه تفيد في غذاء الدمّ ، وغنيّة باليود ، وهذه تفيد في الغدّة الدرقيّة ، وغنيّة بالفيتامين ( أ- ب – س ) ، وعصير اللّفت يسهّل تفتُّتَ حصيّات الكليَة ، فمَن يشكو حصاةً في كليتِهِ فلْيشْرب عصير اللّفت ، ومغليّ اللّفت يُطهّر المجاري التنفسيّة ، والرّشحات ، والحلق ، والحلقوم ، ويقي من الدمامل والخرجات ، وبصول الجلديّة ، ويُستعمل اللّفت كلُصقاة للجلد أيضًا ، سبحان الله ! أهُوَ غذاءٌ أم دواء ؟! هكذا أوْدعَ الله سبحانه وتعالى في هذه الخضراوات بعض الأدويَة ، لذلك الأطبّاء يقولون اعْدِل عن الدواء إلى الغذاء ، ونوِّع فيه ، كلُّ شيء خلقه الله يجبُ أن تأكل منه لأنّك إذا أكلتَ من كلّ الخضراوات ، فقد جمعْتَ كلّ الأدويَة وأنت لا تشعر .

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018