الخطبة : 0175 - أحاديث تبدأ بأن الله يحب .... - هجرة الطيور . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0175 - أحاديث تبدأ بأن الله يحب .... - هجرة الطيور .


1987-07-03

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي و وما اعتصامي ولا توكلي إلا على الله، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بربوبيته وإرغاما لمن جحد به و كفر، وأشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم رسول الله سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و على ذريته و من والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، و لا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا فيما جرت به المقادير إنك على كل شيء قدير، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الخبير، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علما، و أرنا الحق حقا و لرزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

إن الله يحب من العبد إن عمل عملاً أن يتقنه :

 أيها الأخوة المؤمنون، النبي عليه الصلاة و السلام في مجموعة من أحاديثه الشريفة يقول:

(( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ))

[البيهقي عن عائشة ]

 في مجموعة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم تبدأ بقوله الشريف: إن الله يحب " فما هذا الذي يحبه الله عز وجل حسبما أنبأنا به الصادق المصدوق؟

(( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ))

[البيهقي عن عائشة ]

 أحدكم، من أنتم أيها المؤمنون، حينما يتوجه البين عليه الصلاة و السلام بالخطاب إلينا فالمعني أمته، و المعني المؤمنون:

(( إن الله يحب إذا عمل أحدكم ... ))

[البيهقي عن عائشة ]

 - أحدكم أيها المؤمنون:

(( .... أن يتقنه ))

[البيهقي عن عائشة ]

إتقان العمل يعني إحكامه :

 ومفسرو هذا الحديث قالوا: إتقان العمل إحكامه، أن يستوفي العمل الشروط الواجبة، أن يستكمل الصفات التي تجعله عملا متقنا، أن لا يكون فيه خلل، أن لا يكون فيه نقص، أن لا يكون فيه ضعف، أن لا يكون فيه غش، هذا معنى الإتقان، معنى الإتقان الإحكام، فعلى الصانع أن يعمل بما علَّمه الله تعالى من أسرار هذه الصنعة، عمل إتقان، و عمل إحكام، بقصد نفع الخلق والإحسان إليهم، أما إذا عمل العاملُ على نية أنه إذا لم يعمل ضاع و جاع، أما إذا عمل العامل على قدر الأجرة، قدَّم شيئا فيه خلل، فيه ضعف، شيئا فاسدا، شيئا مؤذيا في مصلحته، فإن هذا يعد كفرا بالنعمة التي أنعم الله بها عليه وهي تعليمه أسرار هذه الصنعة.

1 ـ الإتقان هو الإحكام :

 أيها الأخوة المؤمنون، المعنى الأول لمعنى الإتقان هو الإحكام، أن يستكمل العمل الشروط التي تجعله عملا متقنا:

(( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ))

[البيهقي عن عائشة ]

2 ـ الإخلاص :

 أما المعنى الثاني للإتقان فهو الإخلاص، إخلاص الصانع من الرياء والبدعة، ينبغي أن ينوي العاملُ بعمله أن ينفع المسلمين، وأن يعبد الله في عمله،أن يطيع الله في عمله، من بُعدٍ عن الغش والكذب والتدليس والخطأ و الخلل و إخفاء العيب وتغيير المواد التي اشترط في أثناء العقد عليها، هذا كله ينضوي تحت كلمة "إتقان العمل" المعنى الأول لإتقان العمل إحكامه والمعنى الثاني الإخلاص فيه، بقصد طاعة الله أولا ونفع المسلمين ثانيا والمعنى الذي يحتمله الإتقان هو الإحسان، أن يشكر الناسُ من عملك، أن تقدِّم لهم شيئا يتجاوز حقهم، لأن الله تعالى يأمر بالعدل و الإحسان، فإذا قدَّمت بصنعتك شيئا يزيد عن شروط الاتفاق فقد أحسنت، عدلت و أحسنت و نفَّذت قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

[ سورة النحل: 90]

إتقان العمل يعني دخول الجنة :

 فيا أيها الأخوة، يا من يعمل في صنعات كثيرة، يا من يأكل من تعب يده وعرق جبينه، يا من أقامه الله على مصلحة من مصالح العباد، تستطيع أيها الأخ الكريم بعملك، بحرفتك، بمصلحتك، تستطيع أيها الأخ الكريم بعملك بحرفتك بمصلحتك بمهنتك أن تدخل الجنة، إذا أتقنت إتقانا يجعلها تستوفي شروطها الصحيحة، إذا أخلصت لله عز وجل في صناعتك، في مهنتك، في حرفتك، إذا أحسنت إلى الخلق بأن تجاوزت الحدود التي اتفقت عليها مع صاحب هذه المصلحة، هذا الحديث الذي رواه البيهقي عن السيدة عائشة رضي الله عنها:

(( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ))

[البيهقي عن عائشة ]

 يجب أن يكون هذا الحديث أمام كل عامل مسلم، هذا لحديث توجيه نبوي شريف، و تعلمون أن النبي عليه الصلاة و السلام لا ينطق عن الهوى، إذا توجيه ربًّاني عن طريق النبي عليه الصلاة و السلام.

 

إتقان العمل يعني النجاح في الدنيا :

 أيها الأخوة المؤمنون، بعض الشركات التي عملت بهذا الحديث، يعني لاقت نجاحا، أيُّ عمل، أي شركة في أي بقعة من بقاع الأرض إذا أتقنت عملها تلقى نجاحا منقطع النظير، يعني ربما كان إتقان العمل أحد أسباب الرزق الوفير، في كل المصالح المتقِن يتهافت الناس عليه، ينتظرون بالدور، يستجيبون له، إتقان العمل جزء من الدين، حينما تمر فترات الفساد أو فترات البطالة، من الذي يبقى بلا عمل؟ الأقل إتقانا، الأقل عملا بهذا الحديث الشريف، لكنه من أتقن عمله و انتزع ثقة الناس فإن هذا سيهديه إلى الطريق الصحيح و سوف يجعل قلوب الناس تتهاتف عليه، هذا هو الحديث الأول.

درجة الإحسان أعلى من درجة الإتقان :

 و الحديث الثاني يقول عليه الصلاة و السلام:

((وإن الله يحب من العامل أن يحسن))

[الوافي بالوفيات عن كليب الجهني]

 إن الله تعالى يحب من العامل - أي كل عامل - إذا عمل عملا - طبعا في الطاعة، فيما هو طاعة لله عز وجل - أن يحسن " معنى أن يحسن، هذا المعنى أعلى من درجة الإتقان، أي أن لا يبقي فيه مقالا لقائل، إذا عرضت هذه الطاولة على كل الناس، يتأملونها من فوقها ومن تحتها ومن جوانبها، فيقولون: والله هذه صنعة متقنة، بارك الله بمن صنعها، يجب أن تعمل عملا لا تسمح لأحد كائنا من كان أن يقدّم لك ملاحظة، أن تقطع بعملك كلَّ لسان، أن لا تبقي مقالة لقائل، هذا هو الدين، والنجاح في الحياة يحتاج إلى إتقان في العمل، العاقل كما يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه: العاقل هو الذي يتحرى الصدق في صناعته " ومن تحري الصدق متابعة ما يجب عليك أن تعلمه في هذه الصناعة، يجب أن تسأل، يجب أن تنقد نفسك يجب أن تتتلمذ على من أعلى منك، يجب أن تحاسب نفسك، لو أن الشاري أخذ هذه الطاولة ولم يعلِّق عليها، يجب أن تنظر إليها، يجب أن تحاسب نفسك على طريقة صنعها، على نوع خشبها، على طريقة بناءها إذا حاسبت نفسك واستمعت إلى نقد الآخرين وتتلمذت على من هو خير منك في صنعتك فقد صرت في طريق الإتقان، ومتى أتقنت عملك نلت أملك كما يقولون.

الإتقان حتى في حفر القبر :

 أيها الأخوة المؤمنون، النبي عليه الصلاة و السلام كان في جنازة و لما وصلت إلى البقيع جاء أحد أصحاب رسول الله و حفر القبر ووُضع الميت في القبر ورُدم القبرُ، لم يكن في عمل هذا الرجل يعني إتقانا، فقال عليه الصلاة و السلام: إن هذا - أي إن عدم إتقان ردم التراب على الميت - لا ينفع الميت، و لا يضره، و لكن الله يحب من العامل إذا عمل عملا أن يتقنه، قد تضع مفتاح الكهرباء بشكل مائل، هذا لا ينفع و لا يضر، ولكن كلُّ من نظر إلى هذا المفتاح يتألم، لماذا لم تجعله على خط أفقي؟ هناك أصحاب الأعمال، النجارون، الحدادون، أصحاب المصالح قد يقدمون عملا غير متناظر، فيه ميل، فيه خلل، هذا قد لا يتعلق بوظيفة الصنعة، و لكن قد يضر الناظر.

من معاني الرفق حسن الانقياد إلى ما يؤدي إلى الجميل :

 فيا أيها الأخوة الأكارم، النبي عليه الصلاة و السلام يقول: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يحسن، و إن الله تعالى يحب الرفق "

(( إن اللَّه رفيق يُحبُّ الرَّفْق في الأمر كلَّه ))

[متفق عليه عن عائشة أم المؤمنين ]

 و قال العلماء في معنى الرفق: حسن الانقياد إلى ما يؤدي إلى الجميل، و الرفق لينُ الجانب، في القول و الفعل، في أمر الدنيا و الآخرة، لين الجانب في القول و الفعل في أمر الدنيا و الآخرة، و الأخذ بالأسهل والدفع بالأخف، في أمر الدين يجب أن تعامل نفسك بالرفق، نفسك مطيتك فارفق بها، يجب أن تعامل الزوجة بالرفق، الخادم بالرفق، الولد بالرفق، الجار بالرفق، يجب أن تعامل الناس جميعا بالرفق:

(( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))

[مسلم عَنْ عَائِشَةَ]

الرفق محبوب ومرغوب :

 و الرفق أيها الأخوة المؤمنون، محبوب و مطلوب و مرغوب، ففي كل متا في الرفق من خير في العنف مثله من الشر، كم في الرفق من خير، بحجم الخير الذي في الرفق يوجد الشر فغي العنف، لذلك قال عليه الصلاة و السلام:

(( علموا و لا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنِّف..))

[أخرجه الحارث عن أبي هريرة ]

 هذا هو الحديث الثالث:

((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ قَالَتْ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ ))

[مسلم عَنْ عَائِشَةَ]

السهل المطلق من كان سهل الانقياد إلى طاعة ربه :

 في أمر الدنيا و الآخرة، في كل علاقاتك، في كل أحوالك، و يقول عليه الصلاة و السلام:

(( إن الله تعالى يحب السهل المطلِق ))

[البيهقي عن أبي هريرة]

 السهل المطلق في قوله و في فعله، وفي الدنيا و الآخرة، و معنى السهل المتهلِّل الوجه، البسَّام المتيسِّر في أمره، غير المتعسِّر، في بيعه و شراءه و أخذه و عطاءه، يشعر الناس أن الدنيا لا تعدل عنده جناح بعوضة، إن أقبلت و إن أدبرت، سهل في معاشرة الخلق، ليِّن الجانب حسن الصحبة، ذو رفق لهم.
 أيها الأخوة الأكارم، قال بعضهم: من معاني السهل المطلق من كان سهل الانقياد إلى طاعة ربه، لمجرد أن يعرف أن أمر الله كذا يقول: سمعا و طاعة يا رب، سهل الانقياد إلى طاعة ربه:

(( إن الله تعالى يحب السهل المطلِق ))

[البيهقي عن أبي هريرة]

 يعني الطليق الوجه، و قد قال بعضهم عن المؤمن: إن المؤمن أسهل شيء و أيسره، فإذا تعرضت لدينه فهو كالجبل الأشم، أمور الدنيا لا قيمة لها عنده، إذا أقبلت و إذا أدبرت، أما إذا تعرَّضت غلى دينه فهو كالجبل الأشم.

 

التائب هو الراجع إلى الله عن قبيح قوله و فعله :

 يا أيها الأخوة الأكارم، الحديث الخامس:

((إن الله تعالى يحب الشاب التائب ))

[ كنز العمال عن أنس]

 و معنى التائب الراجع إلى الله عن قبيح قوله و فعله، و الشباب تغلب عليهم الشهوةُ، و حدة النفس و قوة الطبع و ضعف العقل و قلة العلم إذًا أسباب المعصية كلها متوافرة فيهم، و أسباب العصمة ضعيفة عندهم فإذا كان الشاب تائبا فقد عُدَّ هذا العمل عند الله عملا عظيما، لذلك إن الله تعالى يباهي الملائكة بالشاب التائب، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي.

إتقان العمل جزء من الدين :

 أيها الأخوة الأكارم، مرة ثانية:

(( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ))

[البيهقي عن عائشة ]

 إتقان العمل جزء من الدين:

((وإن الله يحب من العامل أن يحسن))

[الوافي بالوفيات عن كليب الجهني]

 ربما بالإحسان تجاوز الشروط المطلوبة:

((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ قَالَتْ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ ))

[مسلم عَنْ عَائِشَةَ]

 أمر الدين و الدنيا، في أمر القول و العمل:

(( إن الله تعالى يحب السهل المطلِق ))

[البيهقي عن أبي هريرة]

 صاحب البشاشة، ليِّن العريكة، الذي يألف و يؤلف:

((إن الله تعالى يحب الشاب التائب ))

[ كنز العمال عن أنس]

 و سوف نعود إلى هذا الموضوع في وقت آخر إن شاء الله تعالى.
 الأحاديث الذي وردت مصدَّرة بقوله صلى الله عليه و سلم " إن الله تعالى يحب..." من فعل هذه توجيهات هذه الأحاديث استوجب محبَّة الله عز وجل.

الرفق ما كان في شيء إلا زانه :

 أيها الأخوة المؤمنون، النبي عليه الصلاة و السلام جاءه أعرابي تطبيقا لهذه الأحاديث، جاءه أعرابي يطلب منه شيئا فأعطاه فقال له: أحسنت إليك؟ مستفهما، قال: لا ما أجملت، فغضب المسلمون، فقاموا إليه، فأشار إليهم النبي عليه الصلاة والسلام أن كفُّوا، ثم دخل منزله وأرسل إلى الأعرابي وزاده في العطاء، ثم قال له: هل أحسنت إليك؟ قال: نعم فجزاك الله من أهل ومن عشيرة خيرا، عندئذ قال له النبي عليه الصلاة والسلام: إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيءٌ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم ما فيها عليك، قال: نعم، فلما كان الغداة جاء وقال عليه الصلاة و السلام: إن هذا الأعرابي قال ما قال، لكرم أخلاقه صلى الله عليه و سلم، لم يشأ أن يعيد عليهم ما قال، إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه فزعم أنه رضي، أكذلك يا أعرابي؟ قال: نعم، فجزاك الله من أهل و من عشيرة خيرا، فقال عليه الصلاة و السلام: إن مثلي و مثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه فتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحب الناقة أن خلوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها و أعلم، فتوجه لها صاحب الناقة فأخذها من خطامها فردَّها هونا هونا حتى جاءت و استناخت و شدَّ عليها رحلها و استوى عليها، و قال عليه الصلاة و السلام: و إني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه فدخل النار.

(( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))

[مسلم عَنْ عَائِشَةَ]

 أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد خطانا لغيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، و العاجز من اتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني و الحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العامين، و أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد النبي الكريم.

في حياة العصفور مشاهدات يعجز العقل عن تفسيرها :

 أيها الأخوة المؤمنون، ربنا سبحانه و تعالى في قصة سيدنا موسى يقول على لسان موسى:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴾

[ سورة طه: 49]

 في ثنيات القصة جرى حوار بين فرعون وبين موسى عليه السلام، قال تعالى:

﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه: 50]

 يعني في حياة الحيوان مشاهدات يعجز العقل عن تفسيرها إلا لهذه الآية فعصفور يعشِّش في أحد منازل هذا الحي، يهاجر في الشتاء إلى أواسط إفريقيا، كيف يعود فغي الربيع إلى عشه نفسه؟ أيَّة زاوية يطير بها و هو في إفريقيا، لو أنه حاد درجة يمينا لجاء في بلاد العراق، و لو حاد درجة يسارا لجاء في مصر و تركيا، كيف يرسم في طيرانه زاوية دقيقة محددة يصل بها إلى عشه في بلاد الشام، قال تعالى: قال:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴾

[ سورة طه: 49]

في حياة النحلة مشاهدات تبهر العقول :

 النحلة تقطع عن خليتها ما يزيد عن خمسين كيلومتر، و تعود إلى الخلية مهما تكن الرياح شديدة، و الضباب كثيفا، من هداها إلى خليتها؟ و لا يمكن أن تدخل نحلة إلى غير خليتها، قال تعالى:

﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه: 50]

الحصان يرى بعينين تتأثران قليلا بالأشعة تحت الحمراء :

 الحصان لو تركته بعيدا بعيدًا عن دار صاحبه يعود إلى بيت صاحبه مهما اشتدت الظلمة، و قد عُلم أنه يرى بعينين تتأثران قليلا بالأشعة تحت الحمراء، و يصل إلى بيت صاحبه، قال تعالى: قال:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴾

[ سورة طه: 49]

الخفاش أعمى لا يرى ومع ذلك يعبر من ممرات ضيقة :

 الخفاش أعمى لا يرى لو وضعته في غرفة و قسمتها قسمي بحاجز في الحاجز فتحة لا تزيد عن حجمه إلا قليلا، لعبر هذه الفتحة من القسم الأول إلى القسم الآخر مائتي مرة من دون أن يصطدم بحافة الفتحة، قال تعالى:

﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه: 50]

سمك السلمون يمضي سنوات في البحر و يعود إلى مسقط رأسه :

 سمك السلمون يمضي سنوات في البحر و يعود إلى مسقط رأسه إلى أعالي الأنهار، في أمريكا، كيف اتخذ هذا السمكُ زاوية؟ لو أنه حاد شمالا لجاء في الأمازون، لو أنه حاد شمالا لجاء في نهر غير نهره، من يرسم له الزاوية في طريق العودة؟ ثعابين الماء بعد أن يكتمل نموُّها تهاجر من مختلف الأنهار و البرك، و تقطع الآلاف الأميال قاصدة الأعماق السحيقة في برمودا و هناك تبيض وتموت، صغارها تعود أدراجها إلى الشاطئ الذي جاءت منه أمهاتها، هذه آية أبلغ، لذلك الآية الكريمة تلخص كل هذه المشاهدات، قال تعالى:

﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه: 50]

 هداية الله هي التي يعبِّر عنها علماء الطبيعة بالغريزة، صوابها هداية الله.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، و أكرمنا و لا تهنا، و آثرنا و لا تؤثر علينا، و أرضنا وارض عنا، و اقسم لنا من خشيتك مت تحول به بيننا و بين معصيتك، و من طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، و متعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، و اجعله الوارث منا،واجعل ثأرنا على من ظلمنا، و انصرنا على من عادانا، و لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، و لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعل كلمة الحق و الدين، وانصر الإسلام و أعز المسلمين، و خذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنه على ما تشاء قدير، و بالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018