الخطبة : 0179 - الهجرة2 (( النزول بقباء – الإيثار )) - الدم . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0179 - الهجرة2 (( النزول بقباء – الإيثار )) - الدم .


1987-09-04

الخطبة الأولى :
  الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر .
 اللهمَّ صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير .
 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ملخص عن الخطبة السابقة .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كان موضوع خطبة الأسبوع الماضي :

الدرس الأول : الأخذ بالأسباب .

 الدروس المستفادة من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وكان مما ورد في الخطبة السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم ما مِن مخلوقٍ يستحقُّ النصر ، والتأييد ، والحفظ ، والعصمة مثله ؛ ومع ذلك حينما هاجر من مكة إلى المدينة استجمع الأسباب كلَّها ، وضع خطةً محكمةً ، ولم يدع فيها ثغرةً واحدة ، استجمع الأسباب ثم توكَّل على رب الأرباب .
إذاً لا ينهض المسلمون من كبوتهم ، ولن يقدَّر لهم أن يرتقوا إلا إذا أخذوا بالأسباب ، وفهموا التوكّل فهماً صحيحاً ، لا كما يفهمه ضعاف المؤمنين من أنه قعودٌ ، وخنوعٌ ، وذلةٌ ، واستكانة .

الدرس الثاني : رد الأمانات

(( مكارم الأخلاق ))

 والدرس الثاني هو : أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما ائتمرت قريشٌ به ، ائتمروا على قتله ، أو على إخراجه ، وحاربوه بكل الوسائل ، كانت كل أموالهم عنده ، إذاً كان أميناً ، إذاً كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي :

(( إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه ))

[ من الدر المنثور في التفسير بالمأثور عن عبد الله بن جراد ]

 كان أميناً ، كان صادقاً ، كان عفيفاً ، من أجل هذا كان الدين عظيماً ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً ، أما إذا رأيت بعض الناس يخرج من دين الله أفواجا ؛ فلأن المسلمين فهموا الدين على أنه صلاةٌ جوفاء ، وصيامٌ شَكْلّي ، وحجٌ غير مقبول ، والتفتوا إلى شهواتهم ، وإلى نزواتهم ، وغاصوا في متعهم ، إذا كان الدين هكذا فلن يقدِّر الله له النصر والتأييد ..

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾

[ سورة المائدة الآية : 12 ]

 لكن هذه المعيّة مشروطة ..

﴿ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

[ سورة المائدة الآية : 12 ]

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

[ سورة المائدة الآية : 66 ]

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

[ سورة الجن الآيات : 16-17 ]

 أيها الإخوة المؤمنون :

﴿ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد الآية : 11 ]

﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 19 ]

 هذان الدرسان تم الحديث فيهما تفصيلاً في الخطبة السابقة .

 

دروس الهجرة :

 وأما بقية الدروس المُسْتنبطة من الهجرة ؛ الهجرة المباركة ، هجرة النبي عليه الصلاة والسلام ، فمنها :

الدرس الثالث : النزول بقباء قبل دخوله المدينة .

 أن النبي عليه الصلاة والسلام نزل في قِباء ولم يتوجَّه إلى المدينة مباشرةً ، نزل في قباء ثلاثة أيام ، وبنى فيها أول مسجدٍ في الإسلام ، والذين يذهبون إلى المدينة المنوَّرة زائرين من لوازم الزيارة أن يزوروا مسجد قِباء ، وقباءُ تقع في ظاهر المدينة ، وفيها بني أول مسجد ، ما الحكمة التي أرادها النبي عليه الصلاة والسلام من أن ينزل في قباء ثلاثة أيام قبل أن يصل إلى موطن الهجرة التي أراده ؟
 الحقيقة علماء السيرة يقفون مشدوهين أمام هذه السياسة الحكيمة ، وأمام هذه الحكمة العظيمة ، حينما نزل في قباء ، شاع خبر وصوله في أرجاء المدينة ؛ فعمت الفرحة ، وابتهج الناس ، ورأوا خصوم النبي ـ وهم اليهود ـ عظم مكانته في نفوس الأنصار ، رأوا شدة محبَّته ، رأوا أنهم جميعاً يُبايعونه ، رأوا بأم أعينهم كيف أن الأنصار قد أعطوه قلوبهم وأرواحهم ، كانت هذه الخطوة حرباً نفسياً ألجم اليهود عن المكر والخداع ، ووفَّر على المسلمين القتال ، وحَقَن الدماء ، كأن هذا النزول في قباء ، كان حرباً نفسيةً أكَثَر ، وأقعد الخصوم عن أن يفكروا في المناوءة وفي الخصومة .
 شيءٌ آخر : كأن هذا النزول في قباء كان بمثابة البَيْعَة الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، بمثابة ولادة أوَّل دولةٍ إسلامية .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا أن الهدف ينبغي أن تختار له أيْسَر الوسائل ، وأقلها خطراً وهذا هو الذكاء ، وهذه هي الفطنة ، وهذه هي الحِكمة ، وهذه هي السياسة ؛ أن تصل إلى أهدافك كلها بأدنى جهدٍ وبأقل خسارة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ علمنا في هذا النزول أن الحِكْمة هي أثمن كل شيء ، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة الآية : 269 ]

 بالحكمة تَجْلِب المال ، وبالحُمْق تطلقه ، بالحكمة تجعل من الزوجة السيِّئة زوجةً صالحة ، وبالحُمق تجعل من الزوجة الصالحة زوجةً سيئة ، بالحكمة تكسِب الأصدقاء ، وبالحُمق تكسب الأعداء ، هذه آيةٌ كريمة ، أُلِّف حولها كُتُب ..

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة الآية : 269 ]

 ولكن الحكمة لن ينالها الإنسان إلا إذا اتصل بالله عز وجل ..

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة محمد الآية : 1 ]

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾

[ سورة القصص الآية : 14 ]

 الأنبياء صلوات الله عليهم ماذا أعطاهم الله عز وجل ؟ أعطاهم العلم والحكمة ، فإذا مَنَّ الله عليك يا أخي بشيءٍ مِن العِلم ، وبشيءٍ مِن الحكمة فقد أعطاك شيئاً كثيراً ، وكان فضل الله عليك عظيما ، بالحكمة تعرف لماذا أنت على وجه الأرض ، بالحكمة تصل إلى الله عز وجل ، بالحكمة تطيعه ، بالحكمة تسعد بالدنيا ، بالحكمة تسعد بالآخرة ، بالحكمة تصون جسمك من الخَلَل ، بالحكمة تُطَبِّق سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام ..

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة الآية : 269 ]

 النبي عليه الصلاة والسلام في نزوله في قباء ، وعدم توجّهه إلى المدينة رأساً ، لو أن توجه مباشرةً انقسم الناس قسمين ؛ بين مؤيدٍ وبين معارض ، وربما نشبت فِتنة ، وربما نشب قتال ، وربما أزهقت أرواح ، في نزوله في قباء كأنه استفتاءٌ عام للأنصار ، بنزوله في قباء كأنه حربٌ نفسية ضد الأعداء ، بنزوله في قباء كأنه تحقيقٌ لأكبر هدف بأقل جهدٍ وبأقل خسارة .

 

الدرس الرابع : الهجرة بداية التاريخ الإسلامي .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ درسٌ آخر : سيدنا عمر رضي الله عن عمر جعل الهجرة بدايةً للتاريخ الإسلامي ، لأنه رأى أن الهجرة هي الموقف العَمَليّ للإيمان ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 72 ]

 معنى ذلك أن الإنسان ما لم يقف موقفاً جاداً ، وما لم يتَّخذ أسلوباً صحيحاً ، وما لم ينتقل من القناعة إلى السلوك ، وما لم تُتَرْجَم قناعته ومبادئه ؛ سلوكاً ، واستقامةً ، وانضباطاً ، والتزاماً وبذلاً ، وعطاءاً فإن هذا الإيمان لا وزن له عند الله عز وجل ، من تعلم ، تعلموا ما شئتم فوالله لن تؤجَروا حتى تعملوا بما علمتم ، القناعات ، والعواطف ، والمبادئ ، والعقائد التي لا تُتَرْجم إلى مواقف ، وإلى سلوك ، وإلى انضباط لا قيمة لها عند الله ..

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 72 ]

 هذا الدرس الثاني ، آمنت برسول الله ؟ نعم ، النبي الكريم وأصحابه الكرام هاجروا إلى المدينة ، لماذا أنت قاعدٌ في بلدك ؟ ماذا تعمل ؟ من أجل مصالحك ؟! أرأيت مصالحك تفوق مبادئك ؟! لذلك قال الله عز وجل :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 72 ]

 إذاً الموقف العملي والانضباط ، لو أنك قرأت القرآن عشرات المرَّات ، وفي القرآن الكريم قوله تعالى :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

[ سورة النور الآية : 30 ]

 ولم تغضَّ بصرك ، أنت عرفت الحكم ، وقرأت القرآن ، ولم تُتَرْجَم هذه القناعة إلى سلوكٍ يوميّ ، فكأنك لم تقرأ القرآن ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه ))

(( من ملأ عينيه من الحرام ملأ الله عينيه من الجمر ))

[ من تذكرة الموضوعات]

(( النظرة سهمٌ من سهام إبليس مسمومة ))

[ من الدر المنثور في التفسير بالمأثور عن حذيفة ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ تعلمنا الهجرة أن الإسلام تطبيق ، وأن الإسلام مواقف ، وأن الإسلام بَذْل ، وأنه عطاء ، وأنه انضباط ، وأنه وقوفٌ عند كلام الله ، سيدنا عمر رضي الله عن عمر ، كان وقافاً عند كتاب الله .

 

الدرس الخامس : لا هجرة بعد الفتح .

 درسٌ آخر من دروس الهجرة :
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الهجرة من مكة إلى المدينة أُغْلِقَت بعد الفتح ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا هجرة بعد الفتح ))

[ من الجامع لأحكام القرآن ]

 بعد أن فُتِحَت مكة ، أغلق باب الهجرة ، ولكن باب الهجرة مفتوحٌ إلى يوم القيامة مِن المعصية إلى الطاعة ، مِن الانحراف إلى الاستقامة ، مِن الإساءة إلى الإحسان ، من التفلّت إلى الانضباط ، من الشهوة إلى العقل ، من وحل الدنيا إلى سمو الآخرة ، الباب مفتوح لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أعطى معنىً جديداً للهجرة بل أنه وسع مفهوم الهجرة فقال :

(( والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ))

[ من الجامع لأحكام القرآن ]

 إذا أطعت الله ورسوله فأنت مهاجر ، ولو أن باب الهجرة قد أغلق .

 

الدرس السادس : باب الهجرة مفتوح .

 درسٌ آخر : الهجرة ليست محصورةً بين مكة والمدينة ، بل إن الهجرة مفتوحةٌ أبوابها بين كل مدينتين يُشبهان مكة والمدينة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النساء الآية : 97 ]

 استمعوا إلى الله عز وجل وهو يرد عليهم :

﴿ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾

[ سورة النساء الآية : 97 ]

 إذاً إذا كنت في مكانٍ لا تستطيع أن تقيم فيه شعائر الله ؛ أرض الله واسعة ، فباب الهجرة أيضاً مفتوحٌ بين كل مدينتين يُشبهان مكة والمدينة .

 

الهجرة المعكوسة :

 شيءٌ آخر وهو أخطر ما في الهجرة : الهجرة المعكوسة ، أن تهاجر من بلدٍ تقام فيه شعائر الإيمان ، المساجد ملأى بالمُصلين ، الصلوات تقام في المساجد ، أنت بين أهلك وولدك في بلدٍ طَيِّبٍ أثنى عليه النبي والصلاة والسلام ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( الشام صفوة الله من بلاده إليها يجتبي صفوته من عباده ، فمن خرج من الشأم إلى غيرها فبسخطة ، ومن دخلها من غيرها فبرحمة ))

[ من الجامع الصغير ]

 أنت في بلدٍ تقام فيها شعائر الدين ، تجلس في مجالس العلم ؛ وما أكثرها في بلدنا ، تستمع إلى تفسير كتاب الله ، تستمع إلى سُنَّة رسول الله ، تستمع إلى سيرة المؤمنين الطاهرين ، ومع هذا تترك هذا البلد الطيِّب إلى بلادٍ تُرْتَكَبُ فيها الفواحش على قارعة الطريق ؟!! أغلب الظن أنه من يذهب إلى بلاد الكفر برئت منه ذِمَّة الله ، كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( من أقام مع المشركين فقد برئت منه ذمة الله ))

[ من الدر المنثور عن جرير بن عبد الله ]

 قد تقاوم شهراً أو شهرين وبعدئذٍ تنهار مقاومتك ، فتقع في الفاحشة ، وإذا رأيت أولادك بل وبناتك وهم في سن الشباب منحرفاتٍ ، معهن أصدقاؤهن ، وأنت المسلم ، ماذا تصنع ؟ ماذا يحل فيك ؟ بماذا تحس ؟ إن القلب يتفطَّر حينما يرى المسلم أن بنته وهو في بلاد الغربة لها صديقٌ ، ولها عشيقٌ ، ولا يستطيع أن يمنعها ، لذلك هذا الذي تُغْرِيه الدنيا ، تغريه شهواتها ليترك بلداً طيِّباً يقام فيه شعائر الدين ، إلى بلدٍ ترتكب فيه الفواحش والموبقات على قارعة الطريق ، ولا يستطيع الرجل أن يقول للزاني : تنحَّى وراء الجدار . وهذا نسمعه كل يوم عن بلاد الغرب ، والبلاد التي تفسَّخت وعمَّت فيها الأمراض ، إن في بلاد الغرب عدواً لا يستطيعون القضاء عليه ، وهو المرض الشهير الذي يُسَمَّى بالإيدز ، إنه ثمرةٌ من ثمار الانحلال الخُلُقي .
 فيا أيها الإخوة المؤمنون ؛ إذا كنت في بلدٍ ، ولك مجلس علمٍ ، وتستمع إلى خطبةٍ تفعل فعلها في نفسك ، فأقم فيه فهو بلدٌ مبارك .
 شيءٌ آخر : النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( آه لو أرى إخواني . قالوا : يا رسول الله من إخوانك ؟ قال : إخواني أناسٌ يأتون في آخر الزمان ، القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر ، أجرهم كأجرِ سبعين . قالوا : منا أم منهم ؟ قال: بل منكم لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ))

 لذلك قال الله عز وجل في الحديث القدسي ـ دققوا في هذا الحديث ـ :

(( العبادةٌ في الهرج ـ أي في الفتن ـ كهجرةٍ إلي ))

[ من الجامع الصغير عن معقل بن يسار ]

 إذا عبدت الله في زمنٍ صعبٍ ، في زمنٍ النساء فيه كاسيات عاريات ، مائلات مُميلات ، الكسب الحرام هو القاعدة ، والكسب الحلال هو الاستثناء ، إذا رأيت نفسك غريباً ، بدأ الدين غريباً ، وسيعود كما بدأ ، فطوبى للغرباء ، إذا عبدت الله في الفتنة فهذه هجرةٌ إلى الله ورسوله .

 

الدرس السابع : الإيثار .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الدرس الأخير من دروس الهجرة أن أصحاب رسول الله ضربوا لنا مثلاً في التعاون والتضحية والإيثار مثلاً أعلى ، لا يمكن أن نكون مثله ، إلا إذا جعلناهم قدوةً لنا ، هذا الأنصاري كان يقول لأخيه المهاجر : عندي بيتان فخُذ أحدهما ، وعندي بستانان فخذ أحدهما ، وعندي حانوتان فخذ أحدهما . هكذا كان المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحةٌ متوادّون يبذلوا ، قال تعالى في الحديث القدسي :

(( وجبت محبتي للمتحابين فيّ ، والمتجالسين فيَّ ، والمتباذلين فيَّ ، والمتزاورين فيَّ . والمتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم عليها النبيون يوم القيامة ))

[ من الجامع الصغير عن معاذ ]

 ما هو موقف المهاجر من أخيه الأنصاري الذي قال له : دونك هذا البيت فخذه ، وهذا البستان فخذه ، وهذا الحانوت فخذه ؟ موقف المهاجر موقفٌ رائع : بارك الله يا أخي في بيتك ، وفي بستانك ، وفي حانوتك دلني على السوق .
 دلني على السوق حتى أعمل وأكسب من عرق جبيني وكد يميني ، هكذا كان موقفٌ مشَرِّف من الأنصار ، وموقفٌ مشرف من المهاجرين ، فهل نحن لبعضنا بعضاً نتأسَّى بأصحاب رسول الله ؟ هل نفرِّج عن إنسان كربه ؟ هل نعطيه بيتاً يسكن فيه ، أم نغلق سبعين ألف بيت ، ولا نعطيه لأحد وأزمة السكن مستحكمة ؟ هكذا كان الأنصار والمهاجرون ، بهذه الأخلاق نصرهم الله ، بهذه الأخلاق رفعهم الله ، بهذه الأخلاق حفِظَهم الله عز وجل ، بهذه الأخلاق أعطاهم الله الدنيا والآخرة .

 

وصف النبي :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في أثناء طريق الهجرة مرَّ عليه الصلاة والسلام وصاحبه بمنازل خزاعة ، ودخل خيمة أم مَعْبَد ، فاستراح بها قليلاً ، وشرب من لبن شاتها ، وما أن خرج من عندها حتى قيلَ لها : صفيه لنا يا أم مَعْبَد . فقالت أم معبد :
 رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة ، أبلج الوجه ، حَسَنَ الخَلْق ، لم تعبه نحلةٌ ـ أي هزالٌ ـ ولم تذرِ به صعلةٌ ـ أي صغرٌ في رأسه ـ وسيما ً، قسيماً ، في عينيه دعجٌ ـ شدة سواد العين مع بياضها ـ في أشفاره وطفٌ أي في رموش عينيه طولٌ ـ في عنقه سطع ـ كان طويل العنق صلى عليه وسلم ـ في صوته صحلٌ ـ بُحَّةٌ محبوبة ـ في لحيته كثافة ، أزج ، أقرن ـ حاجباه رفيعان متصلان ـ إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلَّم سماه علاءٌ وبهاء ، حلو المَنْطِق ، فصلٌ لا نذرٌ ولا هذرٌ ، كأن منطقه خرزات نظمٍ يتحدَّرن ، ربعةٌ ـ لا هو بالطويل ولا هو بالقصير ـ لا يأس من طولٍ ولا تقتحمه عينٌ من قصرٍ ـ غصنٌ بين غصنين ؛ فهو أنضر الثلاثة منظراً ، وأحسنهم قدراً ، له رفقاء يحفّون به ، إن قال أنصتوا لقوله ، وإن أمر تبادروا لأمره ، محفودٌ ، محشودٌ ، لا عابسٌ ولا مفنِّد ، لا يتَّبع العيوب .
 فقال لها زوجها أبو مَعْبَد : هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذُكِر ، ولقد هممت بأن أصحبه ، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً .
 هكذا كان عليه الصلاة والسلام .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالهم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم ، اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه الطيِّبين الطاهرين .

الدم :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في القرآن الكريم آيةٌ تتحدث عن الدم ، قال تعالى :

﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 145 ]

 الشيء الذي يُلْفِتُ النظر في هذه الآية أن الدم المحرَّم مقيدٌ بأنه دمٌ مسفوح ، أما الدم الذي يجري في العروق ؛ في الكائن الحي فإنه طاهر ، فإذا سُفِح صار دماً محرماً ، هكذا الآية ، ما التعليل العلمي لها ؟
 العلماء قالوا : في الدمِ نسبٌ من البولة ، أو حمض البول ، وحمض البول مادةٌ شديدة السُمِّيَة ، في البول في اللتر الواحد خمسون غرام من هذا الحمض ، لكن في الدم أربعة بالعشرة من الغرام في اللتر الواحد من الدم ، فهذه البولة في الدم تتولى الكلية طرحها إلى خارج الجسم ، وتتولى الغدد العرقية أيضاً طرحها إلى خارج الجلد ، وفي الدم غاز الفحم وهو غازٌ سام ، تتولى الرئتان طرحه عن طريق التنفس ، والخلايا الميَّتة يتولى الطحال تطهير الدم منها .
 فالرئتان ، والكليتان ، والغُدَد العرقية ، والطحال ، كل هذه الأجهزة تُنَقِّي الدم الجاري في الجسم من سمومه ومن غازاته السَّامة ، فالدم الجاري في الأوعية الدموية طاهرٌ في الكائن الحي ، فإذا سُفِح بقيت فيه البولة ، وبقيت فيه الحموض السامة ، بل الحموض الشديدة السُمِّية ، وصار الدم سبباً في إتلاف الخلايا ، ولأن الغنمة أو الشاة التي تموت ، أو التي تتردَّى ، أو التي تُنْطَح ، النطيحة ، والمتردية ، والميتة هذه الحيوانات التي سمح لنا بأكلها ، إذا ماتت من دون أن يراق دمها إلى خارج جسمها ، فإن الدم فيها ، وفي الدم مادةٌ سميةٌ تؤثر على الخلايا ، لذلك جاء الدم المسفوح ، كان الدم المسفوح محرماً ، وهذه الحقيقة رائعةٌ جداً لأن الله عز وجل ذكر الحقائق قبل أن تكتشف تعليلاتها ، أو تفسيراتها ، أو تحليلاتها .
 شيءٌ آخر : قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ))

[ من الجامع لأحكام القرآن ]

 الآن العلماء يقولون : إن قصور القَلب يرفع نسب حمض البولة في الدم ، فإذا ارتفعت هذه النسبة أدت إلى تخريب الخلايا ، إذاً هذه المُضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله . كيف عرفت هذه الحقيقة قبل ألفٍ وخمسمائة عام إلا أن تكون وحياً من الله عز وجل . وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى .
 أول عضوين يصنِّعان الدم في الإنسان الكبد والطحال ، فهما مصنعان لكريات الدم الحمراء ، فإذا جُهِّزَت المصانع الأساسية في نَقي العظام تعطل هذان المصنعان وأصبحا مستودعين للدم ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( أحلت لكم ميتتان ودمان ، السمك والجراد ـ الميتتان ـ والكبد والطحال ))

[ من الدر المنثور عن ابن عمر ]

 هل شرحت أعضاء الإنسان في حياته ؟ كيف كشف أن هذا الكبد والطحال إنما هما مصنعان للدم ومستودعان له ؟! ولكن لأن هذين العضوين ليس فيهما الدم مسفوحاً ، أحل النبي عليه الصلاة والسلام لنا أكلهما قال :

(( أحلت لكم ميتتان ودمان ، السمك والجراد والكبد والطحال ))

[ من الدر المنثور عن ابن عمر ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذه بعض الحقائق التي تؤكِّد أن هذا القرآن من عند الله ، وأن البشر لو اجتمعوا لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، لأن فيه حقائق خالدة ..

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾

[ سورة فصلت الآية : 42 ]

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا . واقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلِّغنا بها جنَّتك ، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ، ولا مبْلغ علمنا ، ولا تسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين .
 اللهمَّ اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفكَّ أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلِّغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا، مولانا رب العالمين .
 اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين .
 اللهمَّ إنَّا نعوذ بك من الفقر إلا لك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الخوف إلا منك ، نعوذ بك من عُضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السَلب بعد العطاء .
 اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018