الخطبة : 0386 - رمضان3 ، الإنفاق - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0386 - رمضان3 ، الإنفاق


1992-03-20

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإسلام عقيدة و عمل :

 أيها الأخوة المؤمنون ، الإسلام في جوهره عقيدة وعمل ، عقيدة وشريعة ، توحيدٌ وعبادة ، جانبٌ اعتقادي ، وجانبٌ سُلوكي ، فإذا فسدَت العقيدة فسدَ كلّ شيءٍ ، لذلك هؤلاء الذين ضلّوا ، وتاهوا ، وحاروا ، ولم يهْتَدوا إلى الحقّ ، نَدْعوهم إلى الإيمان بالله عز وجل ، فإذا آمنوا نُطالبهم بالعمل لأنَّ الإيمان من دون عمل كالشّجر بلا ثمر .
 أيها الأخوة الأكارم ، إذا آمنَّا بالله عز وجل ، وآمنّا بِوُجوده ، وآمنّا بِكَماله ، وآمنّا بِوَحدانيّته ، ولم نتحرّك ، ولم نلْتزم ، ولم ننْفق ، ماذا فعلنا ؟ هو مَوجود ، آمنّا أم لم نؤمن ، هو واحد ، وحَّدْنا أم لم نُوحِّد ، هو كامل ، سبّحنا أم لم نُسبّح ، إذا آمنّا بالله عز وجل انتقلنا إلى لوازم الإيمان ؛ إنَّه العمل .
 يا أيها الأخوة الأكارم ، المؤمن ما لمْ ينْطلق في إيمانه من عملٍ ، من الْتِزامٍ ، من إنفاقٍ ، من بَذْلٍ ، من تَضْحيَة ، من كفّ نفسه عن الهوى ، عندئذٍ لا قيمة لإيمانه ، لأنّ الإيمان كما تعلمون قضيّة وقتٍ فقط ، إن لم تؤمن الآن فلا بدّ أن تؤمن بعد فوات الأوان ، فقضيّة الإيمان ليْسَت أن تؤمن ، أو ألا تؤمن ، قضيّة الإيمان متى ينبغي أن تؤمن ؟ لأنَّه لا بدّ من أن تؤمن .

 

الإنفاق في سبيل الله :

 يا أيها الأخوة الأكارم ، موضوع الخطبة اليوم حول الإنفاق في سبيل الله إذا امتلأْت عقيدةً صحيحة ، وامتلأتْ مشاعركَ بِتَقدير الإسلام والمسلمين ، ولمْ تبْذِل وفْق هذه العقيدة شيئًا يؤكِّد إيمانك فلا جَدْوى من إيمانك .
 أيها الأخوة الأكارم ، الله سبحانه وتعالى بادئ ذي بدء وصفَ المتّقين بقوله : ممّا رزقناهم ينفقون ، قال تعالى :

﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[سورة الأنفال : 3]

 وهذه من أوْسَع آيات الإنفاق ، ينبغي أن تنفق كلّ شيءٍ منَحَك الله إيّاه ، أن تنفقَ من وقتك ، أن تنفق من جاهك ، أن تنفق من علمك ، أن تنفق من خبرتك ، أن تنفق من أيّة ميزةٍ امْتازك الله بها ، ولكن الإنفاق أحيانًا ينصرفُ إلى بذْل المال ، لأنّ المال رمْز القيمة في الحياة ، كلّ الجهود البشريّة تُتَرْجمُ إلى قيمة نقْدِيّة ، فَجُهْدك وعملك وتعبك وكدّك وعرق جبينك يُتَرْجمُ إلى مالٍ تقبضُه ، فإذا أنْفقْت هذا المال فقد أنفقْتَ من جُهْدك ، وأنفقْت من عرقك ، وأنْفقْت من سعْيِكَ ، وأنفقْت من خِبْرتك ، وأنفقْت من علمك .
 يا أيها الأخوة الأكارم ، إلى القرآن الكريم ، يقول الله عز وجل في القرآن الكريم :

﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾

[سورة إبراهيم : 31]

 كلّكم يعلم أنّ المعرضين ، والكفار ، يُخاطبون بأُصول الشريعة ، يُخاطبون بالإيمان بالله ، والإيمان بكتابه ، وبرسوله ، ولكنّ المؤمنين يُخاطبون بفُروع الشريعة ، وهذه الآيات تتعلّق بِفُروع الشريعة ، قل لعبادي الذين آمنوا بي ، والعباد لها معنيان ؛ العبْد يُجْمعُ على عِباد ، ويُجْمَعُ على عبيد ، فإذا كان عبْدًا لله بِمَعنى أنَّه مفتقرٌ إليه فجَمْعُ هذا العبْد عبيد ، وإذا كان عبدًا لله بِمَعنى أنّه عرفهُ ، وأقرّ بِرُبوبيّته ، واختار طاعته ، فَجَمْعُ هذا العبْد عباد ، فالعبوديّة نوعان ؛ عبوديّة قهْرٍ ، وعبودية معرفة ، فعُبوديّة المعرفة تُجمعُ على هذا الجمع عِباد، قال تعالى :

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

[ سورة الفرقان: 63 ]

 وعبوديّة الافتقار والقهْر تُجْمعُ على عبيد ، قل لعبادي الذين آمنوا بي ، وعرفوني ، الذين اعتقدوا اعْتِقادًا صحيحًا بِوُجودي ، ووَحْدانيّتي ، وكمالي قلْ لهؤلاء حصْرًا ، قال تعالى :

﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾

[سورة إبراهيم : 31]

 هذا هو الأمر الأوّل ، وكلّ أمْرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، والفعل المضارع مع لام الأمر بِمَثابة فعْل الأمر . ويقول الله عز وجل في آية أخرى :

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

[ سورة البقرة: 195]

 والتّهلكة هنا ألا تنفق ، إن لم تنفق كنتَ من الأخسرين أعمالاً ، الذين ضلّ سَعْيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعًا . قد تُفهم هذه الآية فهمًا آخر ، إن أنفقْت كلّ ما تملك من دون تَبْصِرَة ، من دون تُؤَدَةٍ ، من دون دراسةٍ ، ربّما أهْلكتَ نفسك ، وإن لم تنفق تهلكُ نفسكَ ، قال تعالى :

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

[ سورة البقرة: 195]

 كل هذا لِعَدم إنفاقكم ، في الآية الأولى أمْرٌ بالإنفاق ، أما الآية الثانيَة فتَوجيهٌ لِمَغَبَّة عدم الإنفاق ، ولِنَتائج عدم الإنفاق .
 شيءٌ آخر ، هذا الذي تنفقُهُ يجب أن يكون مالاً ، والمال أيُّ شيءٍ يُنتفَعُ به ، شيءٌ له قيمة ، وشيءٌ يُنتفعُ به ، شيءٌ ينفعُ الناس ، لهذا قال الله عز وجل :

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

[سورة آل عمران : 92]

 فالأمْرُ بالإنفاق ، وبيانُ مغبَّة عدم الإنفاق ، ويجبُ أن يكون الإنفاق من نوع المال الذي يُنتَفَعُ به ، ويجبُ أن تنفقَ شيئًا مُحَبَّبًا إليك ، حتى يُحبّك الله عز وجل ، هذه هي الفقرة الأولى من فقَر هذه الخطبة .

 

للإنفاق أهداف و غايات عدة :

 الفقرة الثانيَة أنّ هذا الإنفاق له أهداف ، وله غايات نبيلة ، من أهدافهِ ، ومن غاياته ما يتّضح من خلال قوله تعالى :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 فالمؤمن الذي ينفق يطَهِّرُ نفسهُ من مرض الشّح ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة التغابن : 16]

 والذي تعطيه المال تُطَهِّرُهُ من مرض الحِقد ، وهذا المال حينما تنفق منه تُطَهِّرُهُ، وتُحَصِّنُهُ من التَّلَف ، ومن تعلّق حقّ الغير به ، إذًا المال يطْهر ، والمنفق يطهر ، والمنفق عليه يطهر ، هذا من الشّح ، وهذا من الحقد ، وهذا من التّلَف ، قال تعالى :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 المنفق تزْكو نفسهُ لأنَّه رأى عملهُ الطيّب أمامه ، شعر بِقيمتِهِ الإنسانيّة ، شعرَ بِعَطفهِ على الفقراء ، وشعر بإيجابيّته في المجتمع ، وشعر بأنَّهُ عضْوٌ نافع ، وشعر بأنّ آلاف الدّموع قد مسحها ، شعر بأنّه قد حقّق إنسانيّته ، وشعر بِمَآس كثيرة أُزيحَتْ عن طريقه ، زكَتْ نفسُهُ ، وامتلأَ قلبهُ ثقةً برِضا الله ، المنفق تزْكو نفسهُ ، والمنفق عليه يشْعر أنّ هذا الدِّين قد حرصَ على سعادته ، وأنّ هذا الدِّين قد اهتمّ به ، وأنَّه ليس وحده في الحياة ، وأنّ حوله إخوةً كرامًا يتألّمون لألمه ، ويحْرصون على نفعِهِ ، ويُقدِّمون له يد العَوْن ، زَكَتْ نفسُهُ ، وشعر بأهمِّيتِهِ ، وشعر بقيمته في مجتمعهِ ، هذا هو المعنى الآخر ؛ المنفقُ عليه تزكو نفسهُ ، والمنفِقُ تزكو نفسهُ ، والمال الذي تنفق منه في سبيل الله يزْكو على الإنفاق ، ويزداد إما بالقوانين التي سنَّها الله عز وجل ، وإما بِعِنايَةٍ خاصّة غير خاضعةٍ للقوانين ، فالأغنياء إذا دفعوا من أموالهم للفقراء صار بيَدِ الفقراء ما يُسمَّى بالتعريف العلمي قوّة شِرائيّة ، هذه القوّة الشّرائيّة تعود على الأغنياء بالنَّفْع ، هذا بِحَسب القوانين الأرضيّة ، ولكن هناك زكاة للمال ، أيْ تنْمِيَةً له لا بِحَسب القوانين الأرضيّة التي سنَّها الله عز وجل ، ولكن بِقَوانين العناية الخاصّة التي لا تخضَعُ لهذه القوانين ، فالذي ينفق مالهُ يزْكو هذا المال بِطَريقة نعرفُ أسبابها ، وبِطَريقةٍ لا نعرفُ أسبابها .
 أيها الأخوة الأكارم ، شيءٌ آخر من أهداف إنفاق المال ، قال تعالى :

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾

[سورة البقرة : 265]

 يثبّتُ مركزهُ عند الله ، ويُحقّق مرتبةً عالِيَةً عند الله ، يُحَسِّنُ علاقته بالله ، يُحَقّق مكانةً عند الله عاليَة ، هذا تثْبيت ، والإنسان أحيانًا يستخدم هذه العبارة في علاقاته اليوميّة ، يقول لك : فلان ثبَّت وضْعهُ ، وركَّزَ وضْعهُ ، احْتلّ مكانة جيّدة عند فلان بِعَمَلِهِ ، فأنت إذا أنفقْت من مالك ثبَّتّ مرتبتكَ عند الله ، ثبَّتّ مكانتك عند الله ، هذا من أهداف الإنفاق ، ولكن يجبُ أن تعلمَ أيّها الأخ الكريم علْمَ اليقين أنّك إذا أنْفقْت من مالك ، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يأخذ منك مالك ، قال تعالى :

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

[سورة التوبة : 104]

 ألَمْ تقرأ قول النبي عليه الصلاة والسلام أنّ الصّدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير ؟ ألم تقرأ الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا بْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي ؟ قَالَ : يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ، يَا بْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي ؟ قَالَ : يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ، يَا بْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي ؟ قَالَ : يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ : اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 فإذا أنفقتَ أيها الأخ الكريم ، أنت ماذا تفعل ؟ تُقْرضُ الله قرضًا حسنًا ، ليس في القرآن آيةٌ تستثير مشاعر المؤمن كقوله تعالى :

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

[سورة البقرة : 245]

 كأنّ ربّ العِزّة يقول لك : يا عبدي أقْرضني بِمُساعدة أخيك ، أقرضني بِخِدمة أخيك ، أقرضني بالإنفاق على أخيك ، أقرضني بِمَسح هذه الدّمعة من على خدّ أخيك ، أقرضني بِتَيْسير أمور المسلمين ، ألا تكفينا هذه الآية لِتَبعث فينا كلّ عوامل الإنفاق ؟

 

أيّ شيء ينفقه الإنسان يعلمه الله :

 أيها الأخوة الكرام ، الإنسان أحيانًا إذا قدَّم هديّة لِجِهةٍ أو لأخرى يحْرصُ حرصًا كبيرًا جدًّا ، وربّما أكبر حرصٍ هو هذا الحِرْص ، على أن يعلم هذا الذي يقدّم له الهديّة أنَّها هديّة منه ، لذلك يحتالون بِوَضْع البطاقات حتى على باقات الزهور ، حتى على الهدايا ، يقول لك : تقْدِمَة من فلان ، إلى ماذا يهدف المهدي ؟ يهدف أن يعْلمَ المُهْدَى إليه أنّ هذا من فلان ‍، ربّنا عز وجل في آيات كثيرة يُطمئِنُ المؤمنين ، ويقول لهم : إنّ أيَّ شيءٍ تنفقونه سِرًّا أو علانيَّة، ليلاً أو نهارًا ، بإيصال وبلا إيصال ، كلّه في علمي ، قال تعالى :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾

[سورة البقرة : 270]

 من هذه لاسْتِغراق أفراد النوع ، بمعنى أيّ نفقةٍ مهما رأَيْتها ضئيلةً ، وفي آية ثانية قوله تعالى :

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة : 273]

 آية ثالثة ، وهي قوله تعالى :

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران : 92]

 آية رابعة ، قوله تعالى :

﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة التوبة : 121]

 فالله يعلم ، ولكنّ الشيء الذي لا يُصدّق هو أنَّك إذا أنفقْتَ مالكَ تقرُّبًا إلى الله عز وجل ، وتثبيتًا لمكانتك عند الله ، ورغبةً في تطهير نفسك ، وفي تزكيَة قلبك ، الشيء الذي لا يُصدّق أنّك تفعلُ كلّ هذا ابتغاء مرضاة الله ، والله سبحانه وتعالى يُضاعف لك هذه النّفقَة أضعافًا كثيرة ، والله الذي لا إله إلا هو لو أيْقنَ الناس بهذه الآية ، لو تعاملوا معها تعاملاً واقعيًا، هناك من يقرأُ القرآن تبرّكًا ، هناك من يقرأُ القرآن من دون تدبّر ، هناك من يقرأُ القرآن من دون أن يكون واقعًيا في تعامله مع هذه الآيات ، يقرأ ، ولكن أنت إذا أيْقَنْت أنَّك إن أنفقْتَ هذه الصّدقة ، أو هذا المال ، سيُضاعفهُ الله لك أضعافًا كثيرة بِدَافع حبّك لذاتك ، وبِدافِعِ حبّك للمال ، تنطلق وتنفق ، قد يؤخّر الله التّعويض لِيَمتحِنَ إيمانك ، ولكنّ التعويض حقّ ، اسْتمِعوا إلى قول الله عز وجل :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾

[سورة سبأ : 39]

 من شيءٍ ، أيّ شيءٍ ، من لاستغراق الأفراد والجزئيّات ، قال تعالى :

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة : 273]

 قال تعالى :

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

[سورة الأنفال : 60]

 آيات كثيرة تُطَمْئنُ المؤمن ، إذا أنفقْت يا عبدي فأنا أعلم ، وإذا أنفقْتَ فأنا أُعوّض، أعلم وأُعوِّض .

 

حالات خاصّة يتضاعفُ بها أجر الإنفاق :

 ولكن هناك حالات خاصّة يتضاعفُ بها أجر الإنفاق ، قال تعالى :

﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

[سورة الحديد : 10]

 حينما تنفق ، وتكون وحيدًا في الإنفاق ، والناس ينْهونك عن الإنفاق شيء ، وحينما يكثر الإنفاق شيءٌ آخر ، وحينما تنفق في السّراء ، وحينما تنفق في الضّراء شيء آخر ، حينما تكون في ضائقة ، وتقتطعُ من مالك القليل شيئًا تنفقهُ على المساكين ، هذا الدّرهم ربّما سبق ألف درهم ، إما لأنّ الدراهم في يدك قليلة ، وإما لِعُلُوّ إخلاصك لله عز وجل ، نسْبَةُ المُنْفق إلى المال ، والإخلاص فيه يضاعف أجر المنفق ، قال تعالى :

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

[سورة آل عمران : 134]

 قال تعالى :

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾

[سورة البقرة : 274]

 يا أيها الأخوة الأكارم ، إنفاق المال يتْبَعُهُ خيرٌ عميم ، لا في الدنيا فقط بل في الدنيا والآخرة ، لأنّك إن أنفقْت المال في الدنيا وحدها ، ضاعفَ الله لك أموالك أضعافًا كثيرة، لكنّك إذا ابْتَغَيْتَ بهذا الإنفاق وجْه الله عز وجل ، ابْتَغَيْتَ بهذا الإنفاق رِضا الله عز وجل ، ابْتَغَيْتَ بهذا الإنفاق الدار الآخرة ، فإنّ الدنيا والآخرة مجال إكرام الله لك ، لذلك قال تعالى :

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة : 261]

الإخلاص في الإنفاق :

 سألَ بعضهم : كمثل حبّة أنبتَت سبْع سنابل ، في كلّ سنبلة مئة حبّة ، أي سبعُمئة، إذاً ما معنى قوله تعالى والله يُضاعف لِمَن يشاء ؟ ما الذي يجعلُ الأجر مُضاعفًا ؟ قال العلماء : الإخلاص في الإنفاق ، الإنسان أحيانًا قد تزلّ قدمهُ إلى إنفاقٍ يجعلهُ بين الناس محسنًا كبيرًا ، وقد تزلّ قدمُه إلى إنفاقٍ يتألّق اسمهُ بين الناس ، وقد يُكتبُ على رُخامةٍ اسمهُ ، واسمُ أبيه ، وأنّه قدّم هذا في سبيل الله تعالى ، قد يكون له حظّ نفيسٍ من هذا ، كلّما ارْتَفَع مستوى الإخلاص ارْتَفَعَ أجْرُ الإنفاق ، وهذا هو معنى قول الله تعالى : والله يضاعف لمن يشاء.
 يا أيها الأخوة الأكارم ، موضوع خطير هو الإخلاص ، لأنّ الله عز وجل :

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾

[ سورة البينة: 5 ]

 من الظاهر عبادة ، ومن الداخل إخلاص ، الأعمال الظاهرة هي العبادة ، وعبادة القلب هي الإخلاص ، فلذلك ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[سورة البقرة : 262]

 وقال تعالى :

﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة الحديد : 10]

 وقال تعالى :

﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾

[سورة البقرة : 272]

 وقال تعالى :

﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة التوبة : 99]

 وقال تعالى :

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ﴾

[سورة البقرة : 265]

 آيات كثيرة يُبيّن فيها ربّنا عز وجل الإخلاص في سبيل الله .

 

المسارعة إلى الإنفاق :

 شيءٌ آخر : الإنسان أحيانًا ينْوي أن ينفق ، ويقول : سأُنفق إن شاء الله ثمّ تأتي ظروفٌ قاهرة تصرفُه عن هذه النَّفَقة ، تنفقُ أحيانًا ، وأحيانًا تقول : سأُنفق ، ربّنا سبحانه وتعالى ينْصحنا ويقول لنا : إذا أردْت أن تنفق فسارِع إلى الإنفاق ، لأنّه قد يعرضُ لك شيءٌ يصْرفك عن الإنفاق ، قد تنشأ لك حاجة ، ضيَّعْتَ هذا الخير الكثير ، يقول الله عز وجل :

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة آل عمران : 133]

 ويقول الله عز وجل في آية واضحة جدًّا ، قال تعالى :

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾

[سورة المنفقون : 10]

 الإنسان إذا أشْرَف على الموت قد يسْخو ، ولكن هذا المال الذي ينفقُه وهو على فراش الموت له أجرٌ غير الأجر الذي ينالهُ من الله عز وجل حينما ينفقُ مالهُ وهو صحيح ، وهو قويّ ، وهو غنيّ ، وهو يخشى الفقْر ويأْمُل الغِنَى ، لذلك قال تعالى :

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة المنفقون : 10-11]

 لهذا قال عليه الصلاة والسلام : " درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماك " في حياتك وأنت صحيح شحيح ، ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن عباس :

(( اغتنم خمساً قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك ))

[الحاكم والبيهقي عن ابن عباس]

علامة إيمان المؤمن حُزْنه حينما لا يجدُ ما ينفق :

 علامة الإيمان أنَّه إن لمْ يُتَحْ لك أن تنفق يدخُل في قلبك الحزْن ، حُزْن المؤمن حينما لا يجدُ ما ينفق هو علامة إيمانه ، يقول الله عز وجل :

﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾

[سورة التوبة : 92]

 لذلك قال بعضهم : إذا أردْت أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة ؛ ما الذي يفرحُك أن تأخذ المال أو أن تعْطِيَهُ ؟ فإذا أفْرحَكَ أخْذ المال فأنت من أهل الدنيا ، وإن كان أفْرحَكَ إعطاءُ المال فأنت من أهل الآخرة ، لكن هناك تحفّظ قليل ، إذا فرِحْت بأخْذِ المال من أجل إنفاقه فهذا فرَحٌ مَشْروع ، إن فرحْت بِقَبْض المال من أجل أن تنفقهُ في سبيل الله ومن أجل أن تصْرفهُ في وجوه الخير فهذا فرَحٌ مَشروع .

 

مصارف الزكاة :

 يا أيها الأخوة الأكارم ، قال تعالى :

﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة : 215]

 وقال تعالى :

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة التوبة : 60]

 ليس الفقير الذي تردّهُ اللّقمة واللّقمتان ، ولكنّ الفقير هو الذي لا يجدُ حاجتهُ ،
 ما دام دَخْلُ هذا الإنسان أقلّ من حاجته فهذا في نصّ القرآن فقير ، والمسكين هو الذي لا حيلةَ له في كَسْب المال ، الفقير لهُ دخل ، ولكنّ دخلهُ أقلّ من إنفاقه ، وأقلّ من حاجاته الأساسيّة ، لكنّ المسكين هو الذي لا حيلة له في كسْب المال ، قد يكون عاجزًا ، وقد يكون ضعيفًا ، ولكنّ العلماء يقولون : الفقراء والمساكين إذا اجْتمعا افترقَا ، وإن تفرّقا اجتمعا ، إن ذكر الله الفقراء وحدهم فهم الفقراء والمساكين ، والمساكين شيءٌ آخر ، الفقراء يحْسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف ، قال تعالى :

﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة : 273]

 يكفي أنْ يقِلّ دخْلهُ عن حاجاته الأساسيّة ، يكفي أن يضربَ كفًّا بكَف في منتصف الشّهر ، ماذا يفعل ؟ كيف يُسدّد بقيّة المصروف ؟ كيف يغطّي بقيّة مصروف الشّهر ؟ هذا الذي له دَخل ، وهو صحيح ، وهو ذو مظهر مقبول ، أما المساكين فهم الذين لا يجدون حيلةً في كسب المال .
 والعاملين عليها ، هم الذين يعملون على جِباية الزكاة ، والمؤلّفة قلوبهم ، وحول المؤلّفة قلوبهم خلافٌ بين العلماء ، وفي الرِّقاب ، في عتْق العبيد ، والغارمين ؛ مَنْ عليه دَين لا يستطيعُ تأديَتهُ ، وفي سبيل الله ، وهناك شيءٌ آخر وهو أنّ الأقربين أوْلى بالمعروف ، وقد وجَّه بعض العلماء الأقربين أيْ قرابة النَّسَب ، وقرابة الإيمان ، وقرابة الفقْر ، أيْ الأقرب إلى الفقر ، أو الأقربُ نسبًا ، أو الأقربُ إلى الإيمان هو أولى بمعونتك ، فإذا تساوى عاملان رجَّحت بالعامل الثاني ، فإذا تساوى رجلان بِعَامِلَين رجّحْت بالعامل الثالث ، الأقرب نسبًا ، فإذا تساويَا في القرابة ، فالأقربُ إيمانًا ، فإذا تساويَا في الإيمان فالأشدّ فقْرًا ، فالأقربون أولى بالمعروف .
 أيها الأخوة المؤمنون ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزَنَ عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلْنتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

سلبيات الإنفاق :

 أيها الأخوة الأكارم ، إيجابيات الإنفاق ذكرتها في الخطبة الأولى ، أما سَلبيّات الإنفاق ، ما الذي يبطلُ الإنفاق ؟ قال تعالى :

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[سورة البقرة : 262]

 فالمنّ والأذى يُبْطلُ أجْر الإنفاق ، لقد أعْطَيْتُك ، إنّ هذا اللّحم الذي على كتِفَيك هو من خيري !! ذهب أجرك كلّه ، فالمنّ والأذى يُبطل الإنفاق . قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾

[سورة الفرقان : 67]

 بالاعتدال ، وِفْق قواعد الشّرع ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾

[سورة البقرة : 267]

 الشيءُ الذي تكرهُه لا تنفقُ فيه ، لأنّ الله لن يتقبّلهُ ، أنْفِق مِمَّا تحبّ ، ومِمّا تراه متألِّقًا في عيْنِك . قال تعالى :

﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة التوبة : 98]

 تنفق ثمّ تحسّ أنَّك خسرْتَ خسارةً كبيرة بهذا الإنفاق ، تشْعر أنَّك قد دفعْتَ شيئًا ليْتَكَ لمْ تدْفعْهُ ، هذا التَّأفّف ، وهذه الحَسْرة على إنفاق المال يُبْطِلُ أجْر الإنفاق .
 قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾

[سورة النساء : 38]

 إذا جاءهُ من هو في حاجّة ماسّة لا يُعطيه ، لأنّه إذا أعطاه بقي هذا بينه وبينه ، ولكنّه إذا كان في حَفلٍ كبير ، وظهرَتْ التبرّعات ، تجد شيئًا آخر يدفعُه إلى الإنفاق ؛ السُّمْعة وكلام الناس عنه ، لذا قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾

[سورة النساء : 38]

 هذا الإنفاق ليس له أجرٌ إطلاقًا . قال تعالى :

﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾

[سورة التوبة : 54]

 ينفق وهو كاره ، ويأتي الصلاة وهو كسول ، إنَّه منافق .
 شيءٌ آخر ، قال تعالى :

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[سورة التوبة : 53]

 قال تعالى :

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة : 263]

 الأذى والفسْق ، والنفاق ، والمراءاة ، والشيء الذي لا تحبّه ، والإسراف والتقتير ، والمنّ ، والأذى ؛ هذه كلّها تُحْبِطُ الإنفاق ، فلْيَكُن الأخ الكريم على علْمٍ بما يبْطِل نفقتهُ ، وصدقته ، زكاة ماله .

 

النهي عن كنز الذهب و الفضة :

 شيءٌ آخر ، هؤلاء الذين يكنزون الذّهب والفضّة ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾

[سورة التوبة :34-35]

 العلماء قالوا : أيُّ مبلغٍ من المال بلغَ النِّصاب ولم وتنفق منه فهو كنزٌ ، وتنطبقُ على صاحبهِ هذه الآية ، وأيّ مبلغٍ مهما كان كبيرًا ، ولو كان المبلغُ فلكيًّا ، إذا أُدِّيَت زكاته فليس بِكَنز ، المال الذي تؤدَّى زكاته ليس بِكَنز مهما كان كثيرًا ، والمال الذي لا تُؤدَّى زكاتهُ هو كنزٌ مهما كان قليلاً هذه واحدة .

النهي عن اتخاذ الإنفاق وسيلة للضّغط على المؤمنين لأن هذا سُلوك الكفار :

 أحيانًا بعض الناس يقولون : ما لي وللإنفاق ؟ هذا الفقير له ربّ يتولى أمره ، لسْتُ أرْحَم به من الله عز وجل !! لو شاء الله لأعطاهُ !! هو ربّ الجميع ، ولا يكفي العباد إلا ربّ العباد ، يتفلْسَفُ !! هذا الإنسان تنطبقُ عليه الآية الكريمة ، قال تعالى :

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة يس : 47]

 آيةٌ واضحة تمامًا ، إذا انْطَلَقْت في التفكير من هذه الفِكرة ، وهي أنّ الله عز وجل هو ربّ العباد ، ولا يكفي العباد إلا ربّهم ، وما لي وللإنفاق ، له ربّ ولا ينسى أحدًا !! هذا الكلام يلتقي مع كلام الكفار ، الانطلاق من هذا المنطلق يُشبهُ انطلاق الكفار في مبدئهم ، وهؤلاء الذين إن رأى ابنهُ استقام على أمر الله ، وغضّ بصرهُ ، والْتَزَمَ أوامر الله عز وجل ورفضَ أن يكون على شاكلته في الانحراف والفِسْق والفُجور يمْنَعُهُ المال ، قال تعالى :

﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾

[سورة المنافقون : 7]

 أي يتَّخذ عدم الإنفاق تَضْييقًا على المؤمن ، لعلّه يدعُ إيمانه ، لعلّه يدعُ سيرته الحميدة ، لعلّه يدعُ المؤمنين ، وينْضمّ إلى الكفار ، هذا الذي يتَّخذ عدم الإنفاق وسيلةً للضّغط على المؤمنين ، ربّما وقفَ هذا المنفق ذليلاً فقيرًا معدومًا أمام هذا الذي حرمهُ ، لا تتَّخذ عدم الإنفاق وسيلة للضّغط على المؤمنين ، فهذا سُلوك الكفار . ويقول الله عز وجل وكأنّه يَعْجَب:

﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾

[سورة النساء : 39]

 ماذا تخْسر لو أنفقتَ مِمَّا أعطاك الله جزءاً لرِعايَة الأيتام والفقراء والمساكين ؟

 

الإنفاق في سبيل الشيطان :

 نحن بدأنا بالموضوعات السلبيّة بالترتيب التالي ، هناك أشياء تبطِلُ الإنفاق ، هناك من يمْتنِعُ عن الإنفاق ، ينْفق ويؤذي ، فالإنفاق باطل ، إلا أنّ الأخْطَر من هذا كلّه أن تنفقَ المال في سبيل الشيطان ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

[سورة الأنفال : 36]

 قال تعالى :

﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

[سورة آل عمران : 117]

 أيْ إن لمْ تنفق ، أو أنْفقْتَ في سبيل الشيطان ربّما دُمِّرَ المال كلّه .

 

الإنفاق في سبيل الله طاعة له :

 أيها الأخوة الأكارم ، النبي عليه الصلاة والسلام بادئ ذي بدء كان يُوَزِّعُ لحْمَ شاة على الفقراء ، ولم يبق من لحم الشاة إلا كتفها ، فَخَشِيَت السيّدة عائشة أن يعطي هذا الكتف ، ويصبحَ بيتُ رسول الله بلا لحْم ، فقالت : يا رسول الله لمْ يبْقَ إلا كتفها ؟! فأجاب النبي إجابةً هي دُستور ، قال : يا عائشة ! بل بقِيَت كلّها إلا كتفها . وسيّدنا عمر قياسًا على هذا أمْسكَ تفّاحةً ، وخاطبَ نفسهُ ، فقال : أكلْتُها ذهبَتْ ، أطْعمتها بقيَتْ .
 شيءٌ آخر هو أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول فيما رواه مسلم عن مطرف عن أبيه قال :

((أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ "ألهاكم التكاثر" قال : يقول ابن آدم : مالي مالي! وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ؟ أو لبست فأبليت ؟ أو تصدقت فأمضيت ؟))

[مسلم عن مطرف عن أبيه]

 كلّ إنسان يأكل ويشرب ، وعنده سلّة مهملات ، وبقايا الطعام والشراب ، القشور ، إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت . وما سِوى ذلك تُحاسب عليه ولا تنتفعُ به ، لذلك روح الميّت تُرَفْرفُ فوق النّعش ، وتُخاطب أهله ، يقول : يا أهلي ، يا ولدي ، لا تلْعبنّ بكم الدنيا كما لعبَتْ بي ، جمعْتُ المال ممّا حلّ وحرم ، فأنفقْتُهُ في حِلِّه ، وفي غير حِلِّه ، فالهناء لكم ، والتَّبِعَة لي .
 أنْدَمُ الناس رجلٌ دخل ورثتُه الجنّة بِماله ، ترك لهم مالاً عريضًا فأنفقوه في طاعة الله فدخلوا به الجنّة ، ودخل هو بِمَاله النار ، كسبَهُ من حرام ، أهلكُ الناس رجلٌ تركَ أهلهُ بِخَير، وترك لهم مالاً وفيرًا ، وقدِمَ على الله بِشَرّ ، والذي تعرفونه أيضًا ما ورد في بعض الآثار أنّ الله عز وجل يخاطب رجلين يوم القيامة ، يقول لأحدهما : " عبدي أعطيْتُكَ مالاً فماذا صنعْتَ فيه ؟ يقول : ربّ لمْ أنفق منه شيئًا مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، فيقول الله عز وجل : ألَمْ تعلم أنِّي أنا الرزاق ذو القوّة المتين ، إنّ الذي خشيتهُ على أولادك من بعدك قد أنْزلْتُهُ بهم ، أصبحوا فقراء لا كما توقَّعْتَ ، ويقول للرجل الآخر : عبدي أعطيْتُكَ مالاً فماذا صنعْتَ فيه ؟ يقول : يا ربّ أنفقْتُهُ على كلّ محتاجٍ ومسكين لثِقَتي أنّك خيرٌ حافظًا وأنت أرحمُ الراحمين، فيقول الله عز وجل : أنا الحافظ لأولادك من بعدك" .
 وسيّدنا ابن عوف كما تعلمون ، قالتْ مرَّةً السيّدة عائشة ؛ وقد نقِلَ له هذا الكلام : أخْشى أن يؤخِّرَه مالهُ عن اللّحوق بأصحابه ‍!
 أيْ أنّ السيّدة عائشة تخشى أن يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنّة حبْوًا أي زحفًا ، فلمّا بلغهُ هذا قال : والله لأدخلنّها خببًا ، أيْ هرْوَلةً ، وماذا أصْنَعُ إذا كنتُ أنفقُ مئةً في الصباح فيُؤتيني الله ألفًا في المساء ؟ عبدي أنفق أُنْفِق عليك ، أنْفِقْ بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018