الخطبة : 0387 - رمضان3 ، موقعة بدر - ليلة القدر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0387 - رمضان3 ، موقعة بدر - ليلة القدر.


1992-03-27

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ، ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

علاقة المؤمن بمعركة بدر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ خطب رمضان معروفةٌ عندكم جميعًا ؛ خطبةٌ عن فضائل الصّيام ، وخطبة عن القرآن ، وخطبة عن الإنفاق ، ، وخطبة عن موقعة بدر ، وخطبة عن ليلة القدر ، بقيَ علينا من هذه الموضوعات التي ألف الخطباء أن يطرحوها في هذا الشهر الكريم ، موضوع موقعة بدر .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ وقائع هذه الموقعة ، وأسباب هذه الموقعة ، ونتائج هذه الموقعة ، وصُوَر البطولة في هذه الموقعة معروفةٌ عندكم جميعًا ، ولكِنَّني سأُعالجُ هذا الموضوع إن شاء الله تعالى من زاوِيَةٍ واحدة ، هذه الزاوية ما علاقتي أنا كَمُؤمن أعيشُ في هذا العصر بِمَعركة بدر ؟ لأنّ المتحاربين من مؤمنين وكافرين ارْتَحلوا جميعًا ، وخُتِمَتْ أعمالهم جميعًا ، وأفْضَوا إلى ربّهم جميعًا ، ولقد انْتَصَر من انْتَصَر ، وانْهَزَمَ من هُزم ، ولقد رضي الله عمن رضيَ عنه ، وسخِطَ الله على من سخِطَ عليه ، والوقائع كلّها نعرفها جميعًا ، ولكن ما علاقتي أنا وأنا أعيشُ في القرن الواحد والعشرين أو في القرْن الخامس عشر من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام ؟ ما علاقتي بهذه الموقعة ؟ وكيف أستنبطُ منها الدروس والعِبَر ؟ وكيف أحتاجُ إلى ما يُستنبطُ منها في حياتي اليوميّة ؟ وفي علاقتي بالآخرين ؟

 

ارتباط نصر الله بإخلاص الدين له و تطبيق منهجه تطبيقاً تاماً :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ بادئ ذي بدْء ، لَيْتنا نتعامل مع الله عز وجل ، لَيْتنا نتعاملُ مع كتابه الكريم بِطَريقة جِدِيَّة كما نتعاملُ مع بعضنا بعضًا ، كما نتعاملُ مع القوانين التي سنّها الله عز وجل ، كيف يسْقطُ هذا المظَلّي من الطائرة ؟ ألا يتعاملُ مع قوانين السُّقوط ؟ ألا يفْهمها فهْمًا دقيقًا ؟ ألَمْ تُصَمَّم المِظلّة وفْق قوانين السّقوط ومقاومة الهواء وما إلى ذلك ؟ كيف ننْجو من عذاب الله عز وجل إن لم نتعامل مع ربّنا عز وجل ومع كلامه بِجِدِيَّة ووُضوحٍ في آنٍ معًا ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ربّنا عز وجل يقول في القرآن الكريم ، والقرآن الكريم قطْعيّ الثبوت ، وهذه الآية قَطعيّة الدلالة ، والقرآن الكريم كلامُ ربّ العالمين ، أنا أُخاطب المؤمنين ، فالذي في قلبه شكّ أن هذا الكلام ليس كلام الله عز وجل فلهُ مُخاطبةٌ أخرى ، نحن نخاطبُ المؤمنين بِكَلام الله عز وجل ، ونخاطبُ المنكرين بالكَون ، الكونُ يدُلّ على الله عز وجل فلَوْ أعْمَلْنا عُقولنا لاهْتَدَيْنا إلى ربّنا ، لو تفكَّرنا في خلْق السموات والأرض لوَصَلنا إلى الله عز وجل بِعُقولنا ، وهذا الكلام فيه إعجازٌ لو أعْملنا عُقولنا فيه لتوصَّلنا إلى أنَّه يسْتحيلُ على البشر مجتمعين أن يصْنعوا هذا الكلام ، هو كلام الله عز وجل ، ثلاثُة أشياء من مُهمّة العقل ؛ الإيمان بِوُجود الله ، وبِوَحدانيّته ، وبِكَماله ، والإيمان بأنبيائه عن طريق المعجزات التي أيَّدَهم بها ، والإيمان بِقُرآنه الكريم عن طريق إعجازه الحكيم ، وبعد هذا نتعاملُ مع النّقل ، ونتعاملُ مع ما في القرآن الكريم ، في القرآن الكريم يقول الله جلّ وعلا :

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾

[ سورة النور: 55 ]

 ألَيْسَت هذه الآية من القرآن الكريم ؟ أليْسَتْ دلالتها قطعيّة ؟ ويقول الله عز وجل :

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾

[ سورة الحج : 38]

 ويقول الله عز وجل :

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 160]

 هذه الآيات الثلاث التي وردَ فيها أنّ الله سبحانه وتعالى بيَدِهِ النَّصْر ، وهذه الآيات الثلاث التي وردَ فيها أنّ المؤمن الذي يُطبّق شرْع الله عز وجل موْعودٌ بالاستِخلاف والتمكين والطمأنينة ، فإذا تأمَّلْنا ووَجَدْنا أنّ هذه الوُعود لمْ تتحقَّق ، لماذا ؟ هنا السؤال ! الله سبحانه وتعالى مَنْ أصْدَقُ منه ؟ ومن أوْفى بعهدِه منه ؟ بقيَ احْتِمالٌ واحِد ، هو أنَّنا لسْنَا على الطريق الذي يُريدُه الله عز وجل ، ولعلّنا لا نسْتحقّ هذا النّصْر المبين ، لعلّنا لا نسْتحقّ هذا التأييد الإلهي ، ، لعلّنا لا نسْتحقّ هذا الحفْظ الرباني ، لعلّنا لا نستحقّ هذه المعونة السماويّة ، إذًا يجبُ أن نسْتنبط أنّ أصحاب رسول الله عليهم رِضوان الله حينما أخلصوا دينهم لله ، وحينما طبَّقُوا منهجهُ تطْبيقًا تامًّا ؛ ظاهرًا وباطنًا ، كُلِيًّا وجُزْئيًّا ، جملةً وتفصيلاً ، حينما فعلوا ذلك جاءهم نصْر الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 123 ]

 أليْسَ الله هو الله ؟ أليْسَ ربّ العالمين هو ربّ العالمين في كلّ زمانٍ ومكان ؟ أليْسَ الله هو الله في كلّ صقْع ومِصْر ؟ سؤال ثالث .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حينما لا نجِدُ أنّ وُعود الله التي وعدَ بها المؤمنين في القرآن الكريم قد تحقَّقت ، فلا بدّ من وقْفةٍ متأنِّيَةٍ ، ولا بدّ من اسْتفهام ، إما أنّ الله سبحانه وتعالى ، وهذا يستحيل بِحَقّ الله عز وجل أخْلفَ وعْدهُ ، وهو الذي لا يخلفُ الميعاد ، وهو الذي كما وصفَ نفسه :

﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾

[سورة النساء : 87]

 وقال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة التوبة: 111 ]

 وإما أنّنا لسْنا على المنهج الصحيح الذي أراده الله عز وجل ، إذًا ما دام الله عز وجل نصرَ صحابة نبيِّه الكريم في معركة بدْر ، مع أنّهم كانوا قلّة أقلّ عددًا ، وعُدَّة من خُصومهم الكفار ، فلا بدّ من أن يكون في حياتنا خللٌ ، وضَعْفٌ ، وانحرافٌ عن منهج الله عز وجل .

 

تحقّق وُعود الله عز وجل يثبت إيمان المؤمن :

 شيءٌ آخر ، يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أنت حينما تستمعُ إلى خطبةٍ من خطب الجمعة ، وحينما تستمعُ إلى درسٍ من دروس العلم ، أو حينما تقرأُ حقيقة من حقائق التوحيد ، هذا يبقى في الحيِّز النظري ، أما إذا انطلقْت إلى التطبيق ، ولمسْتَ أثرها في الواقع ، وقبضْت على ثمنها بيَدِك ، وعِشْت السعادة التي وعد الله بها ، بعدئذٍ يغدو إيمانك أرْسَخ من الجبال حينما ترى أنّ الله سبحانه وتعالى وفّى لك وعده ، وأنجز لك وعده ، وحينما ترى أنّ الله سبحانه وتعالى أعطاك سُؤلكَ ، وأنَّه سميعٌ لقولك ، عليمٌ بحالك ، وأنّ الأمْر كلّه بيَدِهِ ، عندئذٍ يغْدو إيمانك أرْسَخَ من الجبال ، ما الذي يثبتُ إيمان المؤمن ؟ هو ما يلْقاهُ من الله عز وجل من معاملةٍ يخْتصّه بها ، هناك قوانين أرضيّة ، هناك سُنن كونيّة ، حينما تُخرقُ له هذه القوانين ويُنصرُ على عدوّه العتيد ، والقويّ ، فهذا مِمَّا يثبّت إيمانه ، فإذا قلْنا إنّ عدم تحقّق وُعود الله عز وجل يدلّ على ضَعْف الإيمان ، بالمقابل إنّ تحقّق وُعود الله عز وجل يجعلك من المؤمنين الصادقين الذين يجري الإيمان في دمائهم كما تجري الكريات الحمراء فيها .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ معركة بدْر إذا أردْنا أن نُوَسِّع مفهوم المعركة ، قد يقولون الآن معركة بِناء ، معركة اقْتِصاديّة ، إذا أردْنا أن نُوَسِّع مفهوم المعركة ، أي أنت طرَفٌ ، ولك خصْمٌ أقوى منك في أيّ مجالٍ من مجالات الحياة ، أنت مؤمن ، ولك خصْمٌ لا يعترف بدينك ، أنت مؤمنٌ ولك خصمٌ قويّ قويّ ، ماكرٌ ماكر ، عدوّ لَدُود ، هل يمكن أن تسْتنبطَ من معركة بدر ما يُعينُك على التّغلّب على هذا العدوّ الماكر ؟ منذ أن نشأنا ونحن نسمعُ دُعاءً من خُطباء المساجد ، أن يُدَمِّر الله أعداءنا اليوم ، فحينما لا نجدُ هذا مُحقّقًا لا بدّ من تساؤُل .

 

عوامل النّصر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ عوامل النّصْر عامِلان أساسيّان جدًّا ؛ العامل الأوّل هو الإعداد ، والعامل الثاني هو التّوَكُّل ، ولا توكُّل قبل الإعداد ، ولا قيمة للإعداد قبل التوكّل ، والإعداد والتوكّل شرطان لازمان كلٌّ منهما ليس كافٍ لِتَحقيق النّصْر وحدهُ ، الإعداد والتوكُّل، إن شئْتَ أن تأخذ هذا القانون في حياتك اليومية ، وفي علاقاتك الأرضيّة ، في علاقاتك الفرْدِيّة، والاجتماعيّة ، في نشاطاتك المتعدّدة ، فهو قانون يفْعلُ فعلهُ التامّ . الإعداد ، قال تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

[ سورة الأنفال : 60]

 من هم ؟ متكلّم ، مخاطب ، غائب ، فالمتكلّم هو الله ، والمُخاطَب هو المؤمنون ، والغائب هم أعداء المؤمنين ، ومن لم يُعِدّ العدّة لِعَدُوِّه اللّدود فليس مؤمنًا بهذه الآية ، في أقلّ تقدير ، ومن لم يُعِدّ العُدَّة لأعدائه الألِدَّاء فهو عاصٍ لأنَّه خالفَ نصّ هذه الآية ، وكما قلتُ قبل قليل : يمكن أن يُوَسَّع مفهوم الإعداد لِيَشْمَلَ كلّ نشاطات الحياة ، وأعدُّوا لهم ، مَنْ هُمْ ؟ أعداءُ المسلمين ، المغْتَصِبون ، الحاقدون ، الذين يُريدون إطفاء نور الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾

[ سورة الأنفال : 60]

 هذه تُفيد اسْتِنفاذ الجُهد ، هناك من يُسيء فهْم هذه الآية ، فيَفْهَمُها على أنّها تعني بذْلَ بعض الجهْد ، وفرْقٌ كبير بين اسْتِنفاذ الجهد وبين بذْل بعض الجهد ، أعِدُّوا لهم ما اسْتَطَعتم ؛ شيئًا قليلاً !! لا ، أعِدُّوا لهم ما استطَعتم أي يجب أن تسْتنفذوا كلّ طاقاتكم ، وكلّ جُهودكم في سبيل الإعداد ، كيف نُعِدّ ؟ وما موضوع الإعداد ؟ قال تعالى :

﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾

[ سورة الأنفال : 60]

 يا رب ما هذه الكلمة العامّة ؟ وما هذه الكلمة المطلقة ؟ وما هذه الكلمة الواسعة ؟ هكذا أراد الله أن نفهم القوّة ، أيَّة قوّة ؟ أليْسَ العلمُ قوَّةً ؟ أعِدُّوا لخُصومكم قوَّة العلم ، فتَعَلُّم العلم فريضة على كلّ مسلمٍ ، أعِدُّوا لهم قوّة السّلاح ، قوّة العلم ، وقوّة السّلاح ، وقوّة التنظيم ، وقوّة القيادة الحكيمة ، وقوّة جلْب المعلومات ، فنون الحرب الحديثة فيها عوامل كثيرة جدًّا ؛ اسْتِقصاء المعلومات ، الإعداد النفسي ، تلقّي أخبار العدوّ ، الإعداد المادّي ، الإعداد المالي ، قال تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

[ سورة الأنفال : 60]

 مِن هذه كما يقول علماء البلاغة تُفيد استغراق أفراد النوع ، أي ما من قوّةٍ تُسهمُ بِشَكلٍ أو بآخر في تحقيق النّصْر إلا و أنتم مكلَّفون أن تعدُّوا هذه القوَّة ، هكذا ، و هذا هو الإعداد ، لذلك لماذا وقف النبيُّ صلى الله عليه و سلم قُبيل معركة بدر يدعو ربَّه و يرفع يديه و يقول :

((يا رب نصرك الذي وعدتني ، اللهم أنجِز نصرك الذي وعدتني ، قالها ثلاثا حتى سقط الرداءُ من على منكبيه ، فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه من منكبيه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي اللّه ، كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك))

[ رواه الترمذي عن عمر ]

 لماذا وقف النبيُّ عليه الصلاة و السلام في بدر موقفَ الواثق من الله عز وجل حينما قال أبو بكر الصدِّيق : يا رسول الله لو نظر أحدُهم إلى موطئ قدمه لرآنا ، يا رسول الله لقد رأونا ، قال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللهُ ثالثهما ؟ قال : يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى :

﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 198]

 لماذا انعكست الآية ؟ قال عُلمَاء التفسير و عُلمَاء السيرة : إنّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام ما من رجل على وجه الأرض أشدّ ثِقَةً بِنَصْر الله منه ولكنَّه في بدْرٍ خاف أنْ يكون إعداده للمعركة قليلاً ، خاف أن يكون إعداده ليس في المستوى المقبول ، خاف أن يكون مُقَصِّرًا في الإعداد ، هذا الكلام مُوَجَّهٌ للطّلاب ، اُدْرسوا جيِّدًا ، هذا الكلام مُوَجَّه لأيّ مؤمن ، يجب أن تُعِدّ لأيّ موضوعٍ عُدَّتهُ ، هذا هو المؤمن ، ما الذي سبَّب تخلّف المسلمين ؟ أنَّهم تواكَلُوا ولم يتوكَّلوا ، توكَّلوا على الله بِسَذاجةٍ من دون أن يُعِدُّوا لأيّ موضوعٍ عُدَّته ، أنت كطالبٍ ، أنت كطَبيب ، أنت كَمُدرس ، أنت كتاجر ، أنت كَمُزارع ، يجب أن تُعِدّ لكلّ شيءٍ عُدَّتهُ ، هذا أحدُ أسباب التوفيق ، أحدُ أسباب نصْر الله لك ، أحدُ أسباب نجاحك ، أحدُ أسباب تفوّقك ، أحدُ أسباب فوْزك ، يجب أن تُعِدّ للشيء عُدَّتهُ ، أما هذا الذي يُهْمِل الأخْذ بالأسباب ، ويُهمل القانون الذي سنَّه الله في الأرض ، قال تعالى :

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾

[ سورة الكهف : 83-85]

هكذا .

 

توسيع مفهوم المعركة لتشمل النّفس و العمل :

 أقول لكم : وسِّعوا مَفهوم المعركة ، معركتُك مع نفسك ، معركتك من أجل تأمين عملك ، معركتك من أجل تنْمِيَةٍ ما ، معركتُك مع خصْمِكَ اللّدود ، دقِّقُوا في هذا الحديث ، وهو من أرْوَع الأحاديث :

((إنّ الله عز وجل يلوم على العجز))

[ أبو داود عن عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ]

 هذا الإنسان الانهزامي ، والمستسلم ، الذي لا يُعِدّ للشيء عُدَّته ، ويقول لك : هكذا هو حظّي ، ماذا أفعل ؟!! حسْبِيَ الله ونِعم الوكيل ! من قال لك : إنّ هذا من الدِّين ؟ ومن قال لك : إنّ هذا هو سُلوك المؤمن الصادق ؛ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[ أبو داود عن عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ]

 أنْ تسْتسلم ، أن تنْسحِب ، أن تؤْثر السلامة من دون أن تبْذل جهدًا ، إنّ الله عز وجل يلوم على العجز ، فليس العجز من صفات المؤمنين ، ولكن عليكم بالكَيْس ؛ التَّدْبير أي فَكِّرْ ، دبِّرْ ، اُطْلب ، اسْأل ، ابْحَث ، دقّق ، نقّب ، حقّق ، ابْحَث ، تحرّك يا أخي ، هذه الطَّيْر التي ضرب الله لنا مثلاً في أنّها تتَّكِلُ على الله في رزقها ، هل تبقى في أعْشاشها ؟ دقّقوا في الحديث الصحيح فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا))

[الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

 الطّيْر قَبَعَتْ في أعشاشها وتوكَّلَتْ أم تغدو خِماصًا وتروحُ بِطانًا ؟ إنّ الله كتَبَ عليكم السَّعْي فاسْعَوا .

 

الأخذ بالأسباب و التوكل على الله :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ والله إنِّي لكم ناصِحٌ أمين ، لن تتفوَّق في الحياة إلا إذا أخذْت بالأسباب ، يجبُ أن تكون الطبيب ، والمدرّس الأوّل ، والتاجر الأوّل ، والمُزارع الأوّل ، لأنَّك تُمَثِّلُ هذا الدِّين ، والموظّف الأوّل ، والمحامي الأوّل ، والمهندس الأوّل ، والصانِعَ الأوّل ، أنت تُمَثِّلُ هذا الدِّين ، أنت على ثُغْرةٍ من ثُغَر الإسلام فلا يُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلِكِ ، الإعداد الإعدادَ هكذا ، فحينما تركَ المسلمون الإعداد تَخَلَّفوا ، وأصبحوا في مؤخّرة الرّكْب ، وأصْبح أمْرُهم بيَدِ أعدائهم ، وأصبَحَتْ كلمتهم ليْسَت هي العليا ، فالدّرْس الأوّل الذي نسْتنبطُهُ من معركة بدْر أنَّك أيّها المسلم في كلّ شؤون حياتك إذا واجَهْت مُشْكلةً ، واجَهْتَ خصْمًا ، واجَهْتَ تَحَدِّيًا ، واجَهْتَ قضيّةً شائكةً ، يجبُ أن تُحَلِّلها ، وأن تبْحَث في عواملها ، وأن تُعِدّ العُدّة لِمُواجهتها . وبعد الإعداد يأتي موضوعٌ خطير ، إنّه التوكُّل ، إنَّه الالْتِجاء إلى الله عز وجل ، إنّه الافتقار إلى الله عز وجل ، ماذا فعل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في بدْر ؟ افْتَقَرُوا إلى الله ، والْتَجَؤوا إليه ، وتواضَعُوا له ، و اسْتَمَدُّوا منه العَوْن ، قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 123]

 هم هم ، أصحاب النبي ، أخذوا العُدّة ، وأعَدُّوا العُدّة ، وقَوِيَتْ شوكتهم ، وكثر عددهم ، وكثُر سِلاحهم ، وفتَحوا مكَّة ، ودانَتْ لهم الجزيرة العربيّة من أقصاها إلى أقصاها ، دخلوا مكّة فاتِحين ، وتمكَّنوا في الجزيرة ، وقال قائلهم : لن نُغْلَبَ اليوم من قلّة ! اِعْتَمَدوا على قوّتهم ، اعْتَمَدوا على عددهم ، اعْتَمدوا على سِلاحهم ، اعْتمدوا على خُضوع الناس لهم ، فلقَّنهم الله درسًا لنْ ينْسَوْه ، قال تعالى :

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 25]

 يا مَنْ قُلْتم لن نُغْلَبَ من قِلَّة ! فمن نحن ؟! إذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، ورضي الله عنهم قد أدَّبهم الله عز وجل ، وفيهم النبي فمَنْ نحن حتى لا نؤدَّب ؟ فمن نحن حتى لا نُعالج ؟ فإذا أخذنا بالأسباب ونَسِينا مُسَبِّب الأسباب ، إذا أخذنا بالأسباب واعْتَمَدنا عليها فقد أخْفقْنا ، فقد حقَّقْنا خسارة كبيرة .

 

الدروس المستنبطة من معركة بدر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ في موقعة بدْرٍ درسان بليغان ، كبيران لكلّ مسلم ، في كلّ نشاطات حياته ، إن الله يلوم على العجْز ، ولكن عليكم بالكَيْس ؛ بالتَّدبير والإعداد ، فإذا غلبكَ أمْرٌ ، بعد أنْ أعْدَدْتَ العُدَّة ، بعد أن أخذْت الأسباب ، شاءَت مشيئة الله عز وجل ألا تنْجَحَ في مَسْعاك ، هذا اسْمُهُ قضاءٌ وقدر ، فإذا غلبكَ أمْرٌ الآن قُلْ : حَسْبي الله ونعم الوكيل ، هذه لا تُقال إلا بعد اسْتِنفاذ الأخْذ بالأسباب ، وإلا بعد التوكّل ، تستنفذ الأسباب وتتوكّل على ربّ الأرباب ، وبعدها إذا جاء ما يغلبُ مشيئتك ، قُلْ : حَسْبي الله ونعم الوكيل ، ولن ينْهضَ المسلمون إلا بهذه الطريقة ، إلا باسْتِنباط هذا الفهْم الدقيق من موقعة بدْر ، إعداد كافٍ ، قال تعالى :

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

[ سورة الأنفال : 60]

 كلّ أنواع القِوَى يجبُ أن تُعِدَّها لِخَصْمِك ؛ المعنويّة والماديّة ، الصّغيرة والكبيرة، القريبة والبعيدة ، كلُّ أنواع القِوَى يجبُ أن تُعِدّها لِخَصْمِك . قال تعالى :

﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾

[ سورة الأنفال : 60]

 ليُوضّح الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلّم ، ولأصحابه الكرام ما معنى القوّة ، ضربَ الله عز وجل للقوّة مثلاً قريبًا من حياتهم ، من رباط الخيل ، وهذا سمّاه علماء التفسير عَطْفُ الخاص على العام ، فالعام هي القوّة ، ولكن ومن رباط الخَيل التي كانت سائدةً في عصْر النبي عليه الصلاة والسلام قال تعالى :

﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

[ سورة الأنفال : 60]

 ويجبُ أن يكون عدوّ الله هو عدوّكم ، ويجب أن يكون عدوّكم هو عدوّ الله عز وجل ، لا بدّ من تلازُم العداوَة ، أما أن يكون عدوّك وليّ الله عز وجل فهذه مشكلة كبيرة جدًّا، أما أن يكون عدوّك هو عدوّ الله عز وجل فهذا هو الصّواب ، يجب أن يكون عدوّك عَدُوّ الله عز وجل .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا درْسٌ بليغٌ نأخذه في حياتنا كلّها ، فالطالب الذي لا يدرسُ، ويقول : أنا مؤمن ، وسأتَّكلُ على الله عز وجل ، وسوف أُلْهمُ السؤال قبل الامتحان بِيَومين ‍‍‍!! هذا الطالب لا يصلحُ أن يكون طالبًا مؤمنًا مستقيمًا ، التاجر الذي لا يُدقّق ويشْتري بِضاعةً سيّئةً دون أن يُدقِّق فيها ويبيعُها بِسِعْرٍ مرتفع فيخْسرُ زبائنهُ ، ويقول : يا أخي هذه مشيئة الله عز وجل !! لا ، هذا خطؤُك ، وهذا ضَعفك ، وهذا عدم تدبير منك ، وهذا عدمُ أخذٍ بالأسباب ، كلّ مصْلحةٍ ، وكلّ حرفةٍ ، وكلّ مهنةٍ ، وكلّ نشاطٍ ، وكلّ علاقةٍ ، زواجٌ ؛ يأتيه خاطب ، فيسْألُ عنه شخصًا عاديًّا ، يقول لك : والله هذا آدمي ، يُزَوّجهُ ابنته فإذا هو شارب خمر !! هذا تقصيرُك ، يجبُ أن تأخذ بالأسباب ، لن تكون مؤمنًا حقًّا إلا إذا أخذْت بالأسباب ، من لم يأخذ بالأسباب فقد عصى الله عز وجل ، ومن أخذ بها واعْتَمَدَ عليها فقد أشْركَ ، فأنت بينَ شِرْكٍ ومعصِيَة ، أن تأخذ بالأسباب شِرْك ، ألا تأخذ بها معصِية ، والتوحيد أن تأخذ بها وأن تعتمدَ على الله عز وجل في وقتٍ واحدٍ .

 

موقعةُ بدْرٍ نصْرٌ مؤزّر للمسلمين :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ موقعةُ بدْرٍ كما قلتُ بادىء ذي بدء كان فيها نصْرٌ مؤزّر للمسلمين ، وأقول لكم : طَعْمُ النَّصْر لا يُنسى ، الإنسان إذا حقّق نجاحًا في حياته يبقى أسبوعًا أو أسبوعَين مُتَألّق الوجه ، زِئْبقيّ العَين ، يشعر أنَّه لا يمشي مشيًا يُهَرْوِلُ فيه هرْوَلَةً ، مشاعرُ النَّصْر لا تُقدَّر بِثَمن ، حتى في المستوى الفردي ، حتى لو نجحْتَ في امتِحان ، حتى لو نجحْت في تِجارة ، حتى لو نجحْت في زواج ، حتى لو نجحْت في قهْر خصْمك الذي يريد إطفاء نور الله عز وجل ، حتى لو نجحْت في مناقشة ، حتى لو نجحْت في إدلاءٍ بِحُجّة ، حتى لو نجحْت في مُؤّلّف ، الشُّعور سمّاه علماء النَّفس الشُّعور بالإنجاز ، الشُّعور بالنجاح شُعور رائعٌ جدًّا ، فالنجاح طريقُه الأخذ بالأسباب ، والتوكّل على ربّ الأرباب ، لذلك علّمنا النبي عليه الصلاة والسلام هذا الدّعاء : " اللهمّ إنِّي تبرّأتُ من حَوْلي ، ومن قوّتي ، والْتَجَأْتُ إلى حوْلِكَ وقوّتك يا ذا القوّة المتين " .
 أيها الأخوة المؤمنون ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزَنَ عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلْنتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .
* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

ليلة القدر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يتحدّث الناس عن ليلة القدر ، قال تعالى :

﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾

[ سورة القدر : 3]

 من معاني هذه الآية أنَّكَ لو عبَدْتَ الله ألفَ شهرٍ ، أي ثمانين عامًا ، وهذا متوسّط الأعمار في حياة البشر ، ثمانون سنة ! ما شاء الله ، لو عبدْت الله ثمانين عامًا ، إذا قدَّرْت الله عز وجل حقّ قدْره ، وعرفْت أسماءه الحسنى ، وصفاته الفضلى ، وعرفْتَ وحدانيّته ، وعرفْت كمالهُ ، وعرفْت أفعاله ، وعرفْتهُ من خلال آياته القرآنيّة ، ومن خلال آياته الكونيّة ، ومن خلال آياته التكوينيّة ، إذا تعرّفْت إليه ، وعرفْت رحمتهُ وحبّه لك ، وعرفْت قدرته وغِناهُ ، وحلمهُ ولُطْفهُ، وسمعه وبصرهُ ، إذا عرفْت الله عز وجل خيرٌ لك من أن تعبُدَه من دون معرفةٍ ثمانين عامًا ، لذلك قال الله عز وجل :

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

[سورة الزمر: 67]

 ليلة القدر هي الليلة التي تُقدِّر فيها الله حقّ قدرهِ ، إذًا هي الليلة التي تُتَوِّجُ بها عبادةً صادقةً ، عبادةً مخلصَةً ، إقبالاً على الله شديدًا ، ائْتِمارًا بِأَمْره ، وانْتِهاءً عمّا عنه نهى .

 

نقاط أربع للسير على طريق الإيمان :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أربعُ نقاطٍ في الدِّين أحبّ أن أذكرها لكم في هذه الخطبة الثانية المتعلّقة بِلَيلة القدر .
 لنْ تقْطِفَ شيئًا من ثِمار الدِّين لا من حيثُ التوفيق ، ولا من حيثُ التحليق ، ولا من حيث الحال ، ولا من حيث القال ، لنْ تقْطِفَ شيئًا من ثِمار الدِّين إلا إذا اسْتَقَمْتَ على أمْر الله ، لأنّ اسْتِقامتَكَ على أمْر الله مُؤَشِّرُ صِدْقك ، وعدمُ اسْتِقامتك على أمْر الله مُؤَشِّر نفاق ، فأنْ تفْهَمَ شيئًا ، وأن تُخالفَهُ ، هذا نوعٌ من النّفاق ، أما أن تطبّق ما سمِعْتَ فهذا مُؤشِّرٌ على صِدْقك ، فالاسْتِقامةُ على أمر الله شرْطٌ أوّلي ، لا يُمكنُ أن تقطفَ شيئًا من هذا الدِّين قبل أن تأْتَمِر بما أمر ، وقبل أن تنتهي عمّا عنه نهى وزجر .
 شيءٌ آخر ، أنت حينما اسْتَقَمْتَ أزَلْتَ كلّ العقبات من طريقك إلى الله عز وجل ، بقيَ عليك التَّحرّك على هذا الطريق ، لا بدّ من علْمٍ وعمل ، لا بورِكَ لي في طلوع شمس يومٍ لمْ أزْدَدْ فيه من الله علْمًا ، لا بورِكَ ليس في طلوع شمس يومٍ لمْ أزْدَدْ فيه من الله قُرْبًا ، فتْحُ الطريق الاستقامة ، والحركة على هذا الطريق بالعِلْم والعمل ، قال تعالى :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام: 132]

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ ﴾

[ سورة فاطر : 10]

 قال تعالى :

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

[ سورة المجادلة : 11]

 الحركة ؛ الرّفع أو التقدّم ، التّقدّم أو الصُّعود يحتاج إلى العلم ، وهناك شيءٌ آخر كما قال تعالى :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام: 132]

 فأنت حجْمُك عند الله بِحَجم معرفتك بالله ، وبِحَجْم عملك الصالح ، قال تعالى :

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف : 110]

 لا بدّ من أن تستقيم ، واستقامتك تعني أنَّك أزلْتَ كلّ العقبات من طريقك إلى الله عز وجل ، ولا بدّ من أن يزداد علمك يومًا بعد يوم ، علمٌ بالله ، وعلْمٌ بأمره ، ولابدّ من أن يكون لك عملٌ خالصٌ تبتغي به وجْه الله ، وتُعِدُّه للِقاء الله عز وجل ، وتُعَدُّه لِنُزول القبر .
 بقيَ عليك أن تتْقِنَ الصَّلوات كما أراد الله عز وجل ، وأن تذكر الله عز وجل ذِكْرًا خفيًّا ، وظاهرًا، بِقَلبك وبلِسانِكَ ، وأن تتفكّر في خلق السموات والأرض ، وأن تقرأ القرآن ، إذا فعلْت هذه النّقاط الأربع فقد سِرْتَ على طريق الإيمان .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018