الخطبة : 0388 - حقيقة الإيمان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0388 - حقيقة الإيمان.


1992-04-03

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

معرفة النفس الخطوة الموضوعيّة الصحيحة لإصلاحها :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ موضوع اليوم دقيق دقيق ، هو أنّ الإنسان يميلُ دائمًا إلى أن يُحْسن الظنّ بنفسه ، فقد لا يرضى عن دَخْله ، وقد لا يرضى عن رزقه ، وقد لا يرضى عن حظوظه الدّنْيَوِيّة ، ولكنّه راضٍ أشدّ الرّضا عن عقله ، وعن إيمانه ، وعن مكانتِهِ ، وعن مرتبتهِ عند الله عز وجل .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الخطوة الموضوعيّة الصحيحة لإصلاح النفْس تبدأ بِمَعرفة النّفس ، كما أنّهم يقولون : إنّ أوّل خطوَةٍ في حلّ مشكلة أن نعرف أنّها مشكلة ، وأن نُحدِّد حدود المشكلة ، فالإنسان كما قلتُ قبل قليل يميلُ دائمًا إلى أن يُحْسن الظنّ بنفسه ، وإلى الرضا عن إيمانه ، وإلى الطمأنينة لِعَمله ، ولكن لعلّ في إيمانه خللاً ، لعلّ في إيمانه ضَعفًا ، لعلّ في إيمانه نقصًا ، لعل في إيمانه زَيْغًا ، لعلّ في إخلاصه شبهةً ، ما الذي يعرّفُه بِذَاته ؟ وما الذي يُحدّدُ له حجمهُ ؟ ما الذي يحجّمُ الإنسان ؟ النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة ، بعضها وردَ في الصحيحَيْن ، بعضها وردَ في الكتب الصّحاح الستّة ، بعضها ورد في الجامع الصغير ، بعضها ورد في كنز العمال ، بعضها ورد في رياض الصالحين ، بحثْتُ لكم في كلّ هذه الكتب عن الأحاديث التي تعرّف الإيمان .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه الأحاديث لها هدفٌ مزدوَج ؛ إنّها هدفٌ لكلّ مؤمن ، وإنّها مِقياسٌ لكلّ مؤمن ، قِسْ نفسَكَ بهذا الحديث ، فإن تحقّق فيك فاحْمَد الله عز وجل ، وثابِر على ما أنت عليه ، وإن لمْ يتحقّق يجب أن تعلم أنَّه بينك وبين الإيمان مراحِلُ كبيرة ، لا بدّ من الجُهْد ، ولا بدّ من تجديد الإيمان ، وتصحيح المسار ، لا بدّ من أن تعملَ عملاً اسْتِثنائيًّا لينطبق عليك تعريف النبي عليه الصلاة والسلام .
 أحاديث اليوم هي تعريفات النبي عليه الصلاة والسلام للإيمان ، فكلّنا يظنّ أنَّه مؤمن ، كلّنا يحْسنُ الظنّ بإيمانه ، كلّنا يقول : أنا على الحقّ والحمد لله كما قلتُ قبل قليل ، أكثر الناس لا يرْضون عن حظوظهم الدنيويّة ، ولا عن رزقهم ، ولكنّهم يرْضَون عن إيمانهم، وعن مكانتهم ، وعن عقلهم ، إذًا جاءَت هذه الأحاديث التي تعرّف المؤمن بِحَقيقة الإيمان ، وبِحَجم الإيمان .

 

الإيمان معرفة بالقلب و قول باللسان و عمل بالأركان :

 قبل أن ندخل في الموضوع يجب أن تعلموا أيّها الأخوة علمًا يقينيًّا أنّ الإيمان يزيدُ وينقص ، والدليل على ذلك أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ﴾

[ سورة الجمعة: 9 ]

 أي إيمانكم لا يُنجيكم ، لا بدّ من مزيدٍ من الإيمان ، ولا بدّ من رفْع مستوى الإيمان، ولا بدّ من التّحقّق بِحَقائق الإيمان ، لذلك أحاديث اليوم تتحدّث عن الإيمان .
 عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ))

[ابن ماجه عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ]

 الإيمان فيه جانب معرفي كامنٌ في النّفس ، وفيه جانب قولي ، يتمثّل في شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمَّدا رسول الله ، ويتمثّل بالتَّذْكير ، تذْكير الناس بِحَقائقه ، وفي الإيمان جانبٌ سلوكي ، عملي ، إنّه العمل بالأركان ، فليس الإيمان كما يقول عليه الصلاة والسلام بالتَّحَلّي ، ليس الإيمان أن تضعَ مصحفًا في مركبتك ، ولا أن تعلّق لوحةً في محلّك التجاري مكتوبٌ عليها : بسم الله الرحمن الرحيم ، ولا أن ترتدي زيًّا إسلاميًّا ، ولا أن تسْلُك سُلوكًا إسلاميًّا، والقلب خواءٌ من معرفة بالله عز وجل ، فالإيمان قبل كلّ شيءٍ معرفة بالقلب ، وإقرار باللّسان ، وعملٌ بالأركان ، إنَّها فقراتٌ ثلاث ، وشروط ثلاثة لا يُغني أحدها عن الآخر .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ الإيمان معرفة بالقلب ، إذًا لا بدّ من بذل جهْدٍ لبُلوغِهِ ، ولا بدّ من تخصيص وقتٍ لكي يحْصُلَ هذا الإيمان في القلب ، ولا بدّ من أن يطْمئنّ قلبكَ لأسماء الله الحسنى ، لابدّ من أن تكون من الداخِلِ مُتماسكًا ، وحسنَ الظّن بالله عز وجل ، لا بدّ من أن تكون لك رؤْيَة صحيحة ، لا بدّ من أن ترى الله وحدهُ يعملُ في كلّ شيءٍ ، لا بدّ من أن ترى أنّ الله معك حيثما كنت ، هذه هي معرفة القلب ، أنْ تراهُ يراقبُك ، أن تراه معك ، أن تراهُ عادلاً، أن تراهُ رحيمًا ، أن تراه قويًّا ، أن تراه متصرّفًا ، أن تراه واحدًا وكاملاً ، هذه هي معرفة القلب، وهذه لا تُحصَّلُ في ليلة أو ضُحاها ، لا بدّ من التراكم ، لا بدّ من التّأمّل ، لا بدّ من التّفكّر ، ولا بدّ من النّظر ، لا بدّ من أن تجلسَ على ركبتَيك في مجالس العلم ، لا بدّ من أن يزداد علمك كلّ يوم معرفةً بالقلب .
 وقولٌ باللّسان ، فلو أنّ الإنسان سكَتَ عن الحقّ لكان شيطانًا أخرسًا ، لو أنّه لم يبيِّن لخان أمانة العلْم ، لو أنَّه تكلّم بالباطل لأفتى بِخِلاف ما يعلم وهي من الكبائر ، لا يكفي أن يرتاح قلبك إلى الإيمان ، لا بدّ من أن ينطق لسانك بالإيمان ، لا ينبغي أن تأخذك في الله لَومةُ لائمٍ ، لا ينبغي أن تستحي بإيمانك ، لا ينبغي أن تصْمُت ، لا بدّ من أن تجْهر بالحقّ ، في الموْطن المناسب ، وفي الوقت المناسب ، ومع الشّخص المناسب ، لِقَوله تعالى :

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾

[ سورة النحل: 125]

 وعملٌ بالأركان ؛ إذا اكْتَفَيْتَ بإيمانك من دون أن تعمل ، ماذا فعلْتَ ؟ بالتأكيد لم تفْعل شيئًا ، لأنّ الشمس ساطعة ، آمنْتَ بها أو لم تؤمن ، قوْلُك إنَّها ساطعة لا يزيدها سطوعًا، ولا يثبتُ سطوعها ، إنّها ساطعة ، ولكن حينما تقتربُ من أشعّة الشمس فَتَسْري في جلْدك ، وتطهّر خلاياك ، وتمْنَحُكَ الدّفء عندئذٍ اسْتَفَدْتَ من الشّمس ، فما لمْ تقْطِف ثِمار إيمانك فلا قيمة لهذا الإيمان النظري الذي لا يقدّم ، ولا يؤخِّر ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ))

[ابن ماجه عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ]

 هذا تعريف .

 

المؤمن يرى عدالة الله فلا يفتك بأحد :

 وهناك تعريفٌ آخر ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ لا يَفْتِكُ مؤمِن ))

[أبو داود عن أبي هريرة ]

 مؤمن بأنّ الله مراقبُك ، وتوقِعُ الأذى بالآخرين ، وتفتِكُ بهم ، تفتِكُ بِحَيوانٍ بريء ، تفتِكُ بإنسانٍ بريء ، ألَمْ يقل عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :

((عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ فَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ))

[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 ألم يقل عليه الصلاة والسلام حينما سئِل :

(( إن فلانة تقوم الليل ، وتصوم النهار ، وتفعل وتصدق ، وتؤذي جيرانها بلسانها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا خير فيها ، هي من أهل النار . قالوا : وفلانة تصلي المكتوبة ، وتصوم رمضان ، وتتصدق بالأثوار ، ولا تؤذي أحدا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي من أهل الجنة ))

[ البيهقي عن أبي هريرة]

(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ لا يَفْتِكُ مؤمِن ))

[أبو داود عن أبي هريرة ]

 ويجب أن تعلم أيّها الأخ الكريم أنَّه لمُجَرّد أن تفتِكَ بِمَخلوقٍ ما ظلمًا ، وعدوانًا فقد برئ الإيمان منك كما برئ الذئْب من دم يوسف ، برئ الإيمان منك ، ولا تنْطوي على ذرّة إيمان.

(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ لا يَفْتِكُ مؤمِن ))

[أبو داود عن أبي هريرة ]

 المؤمن يرى أنّ الله عز وجل ربّ كلّ هذه المخلوقات ، المؤمن يرى أنّ الله عز وجل أقْدرُ عليه منه على غيره ، المؤمن يرى أنّ الله بالمرصاد ، المؤمن يرى عدالة الله ، وأنّ الإساءة إلى المخلوقات لنْ تمرّ بِسَلام ، لن تمرّ إلا وسيُحاسَبُ عليها ، إنّ لكلّ سيّئةٍ عقابًا ، هذه عدالة الله عز وجل ، فالإيمان قيْدُ الفتْك ، هذا الذي يغشّ الناس ، ويكذب عليهم ، ويأكل أموالهم بالباطل ، يوقعُهم في حرجٍ شديد ، يُسبّبُ متاعب لهم ، هذا بالتأكيد ليس مؤمنًا ، لأنّ:

(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ لا يَفْتِكُ مؤمِن ))

[أبو داود عن أبي هريرة ]

 هذا تعرفٌ آخر .

 

الإيمان في قلب الرجل أن يحبّ الله عز وجل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإيمان في قلب الرّجل أن يحبّ الله عز وجل ، ما لمْ تشعر بهذا الحبّ ، ما لمْ تشعر بِهذا المَيْل ، ما لمْ تؤْثِر رضا الله على رضا غيره ، ما لمْ تؤثر طاعة الله على طاعة المخلوقين ، ما لمْ تؤثر الانقياد لله على أن تنقاد لما سوى الله ، ما لمْ يشعر قلبك بهذا الحبّ ، وما لم يقْشعرّ جلدك إذا تُلِيَتْ عليك آياتُه ، ما لم يوجَل قلبك ، فهذا بعيدٌ عن الإيمان ، وهذا تعريفٌ ثالث ، الإيمان في قلب الرجل أن يحبّ الله عز وجل ، هل تحبّ الله في قلبك ؟ وهل تشعر أنّك مُقيَّدٌ بالأمْر والنّهي ؟ وأنّك تتمنَّى ألف مرّة أن تُقطَّع إربًا إرَبًا من أن توقِعَ الأذى بِمَخلوق ؟ وهذا المخلوق الله عز وجل خلقهُ ، الإيمان أن ترى أنّ الإنسان بنيان الله ، وملعونٌ من هدمَ بنيان الله ، هذا هو الإيمان ، والإيمان شيءٌ عظيم ، وهو يجعل منك شخْصيَّة فذَّة ، وشخصيَّة تَشْرَئِبّ إليها الأعناق ، ترْمقها العيون ، تتهاوى إليها الأفئدة ، المؤمن شخصيّة أخلاقيّة ، المؤمن شخصيّة ذات أذواقٍ رفيعة ، وجماليّة ، المؤمن شخصيّة علميّة ، هناك جانب علمي ، وجانب أخلاقي ، وجانب جَمَالي ، فالإيمان في قلب الرجل أن يحبّ الله عز وجل ، وهذا تعريفٌ ثالث للإيمان .

 

الإيمان عفيف عن المحارم و المطامع :

 مرّة ثانيَة أيّها الأخوة ، هذه الأحاديث لها هدفٌ مزدوَج ؛ إنّها مِقياسٌ تقيس بها إيمانك ، إنّها هدفٌ تضَعُهُ نصْب عَيْنَيْك ، إن انْطَبَقَتْ هذه الأوصاف عليك فأَنْعِم بك من مؤمن، اثْبت على هذه الصّفات ، وإن لم تنْطبق عليك فاتَّجِه نحوها ، واجْعلها هدفًا لك ، لا تقل: أنا مؤمن وتقْعُد ، لا تعْتقِد أنّ كلّ شيءٍ يُحصّل بالكَسْب إلا الإيمان ، والإيمان كذلك يُحصَّلُ بالكَسْب ، إنّ سماع الحقّ ، والتّأمّل في الكون ، والتدبّر القرآن ، والنَّظر في أفعال الله عز وجل، إنّ التَّفكّر في خلق السموات والأرض ، وتدبّر القرآن الكريم ، والنَّظر في أفعال الله عز وجل ، هذا الذي يزيدُ من إيمانك ، إنّ مُصاحبة المؤمنين أنْ تصبِرَ نفسَك مع الذين آمنوا ، مع الذين يدْعون ربّهم بالغداة والعشيّ هذا الذي يرفعُ مستوى إيمانك ، فالإيمان عفيف عن المحارم ، عفيف عن المطامع ، طابعُ العفّة يغلبُ على المؤمن ، فهو لا يطمحُ إلى ما ليس له ، لا تشرئب عنقه إلى أموال الناس ، لا يقفُ أمام غنيّ فيتَضَعْضَع له ، لا يطْمحُ أن يأخذ ما ليس له، عندهُ عفّة لو وُزِّعَت على أهل بلدٍ لكفتْهم ، عفيف عن المطامع ، قانعٌ بالذي له ، لا يطمحُ لما ليس له ، عفيف عن المطامح ، عفيف عن المحارم ، الله الغنيّ ، الله الغني عن أن يعْصِيَهُ، الله الغني عن أن يسْتعجلَ شيئًا أخَّره عنه ، ألَمْ يدْعُ عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوات: " اللهمّ اجْعَل حبّك أحبّ الأشياء إلى قلبي ، اللهمّ لا تجعلني أسْتعجلُ ما أخَّرت ، ولا أؤخِّرُ ما استعجلتَ ".
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإيمان عفيف عن المحارم ، عفيف عن المطامع ، الإيمان في قلب الرجل أن يحبّ الله عز وجل :

(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ لا يَفْتِكُ مؤمِن ))

[أبو داود عن أبي هريرة ]

((الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ))

[ابن ماجه عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ]

الإيمان الصلاة :

 وقد تسْتغربون أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يجمعُ الإيمان كلّه في الصّلاة فيقول: " الإيمان الصلاة " من فرّغ لها قلبهُ ، وحافظ عليها بِحَدِّها ووقْتها وسُننها ، فهو مؤمن ، جَوْهر الإيمان الاتِّصال بالله عز وجل ، الإيمان الصلاة فمن فرّغ لها قلبهُ - مادام قلبه مَشغولاً إنَّه ساهٍ ولاهٍ - وحافظ عليها بِحَدِّها ووقْتها وسُننها ، فهو مؤمن ، الإيمان قَيد ، والإيمان معرفة بالقلب ، وقول باللّسان ، وعمل بالأركان ، والإيمان أن تحبّ الله عز وجل ، الإيمان عفيف عن المحارم، عفيف عن المطامع ، والإيمان الصلاة ، فمن فرّغ لها قلبهُ ، وحافظ عليها بِحَدِّها ووقْتها وسُننها فهو مؤمن .

 

أفضل الإيمان الصبر والسماحة :

 والشيء الذي يدعو للعَجَب هو أنّ النبي عليه الصلاة والسلام لخَّص الإيمان كلّه في كلمة واحدة أو بِكَلمتين ، بل إنّ الكلمتين متكاملتان ، عن معقل بن يسار قال :

((أفضل الإيمان الصبر ، والسماحة ))

[الديلمي عن معقل بن يسار]

 الإنسان مركّب على مُيول ، وعلى شهوات ، وعلى أهواء ، والشَّرْع في أغلبهِ يُعارضُ هذه المُيول والأهواء ، ركَّب الله فيك حبّ المال ، وحبّ الأخْذ ، وأمرك بالإنفاق ، ركَّب فيك حبّ النّوم في أجْمل ساعات النهار والليل ، وقْت صلاة الفجر ، وأمرك أن تصلّيَ الفجر ، ركّب الله فيك حبّ النّساء ، وأمرك بِغَضّ البصر ، ركَّب الله فيك حبّ السلامة وأمرك بالجهاد ، ركّب الله فيك حبّ الحديث عن الناس وأمرَكَ بِضَبْط اللّسان ، كلّ شيءٍ تفعلُه وفيه مجاهدةٌ لنفسك ، ومعاكسةٌ لها ، فهو محض الإيمان ، لا ترقى إلا إذا عاكسْتَ نفْسَكَ ، وهواك قال تعالى :

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾

[ سورة النازعات : 40]

 لا تتصَوَّر أيها الأخ الكريم أنّ التكاليف تتماشى مع أهوائك ، ومع حظوظك ، ومع شهواتك ، لو أنّها كذلك لما ارْتَقَيْتَ بها ، لو أنّها كذلك لما كانت ثمنًا للجنة ، لو أنّها كذلك لما شعرْتَ أنّ الله يحبّك ، لو أنّها كذلك لما شعرْت انّك قريب منه ، ولكن لأنّ التكاليف ذاتُ كُلفةٍ عليك ، لأنّ التكاليف تكلّفك جهْدًا ، تكلّفُك معاكسةً لِمُيولِكَ ، لأنّ التكاليف تجْعلكَ تقاوِمُ رغباتك، عندئذٍ ترقى بها إلى الله عز وجل ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام عن معقل بن يسار قال :

((أفضل الإيمان الصبر ، والسماحة ))

[الديلمي عن معقل بن يسار]

 تصبر عن الشهوات ، تصبر على الطاعات ، تصبر على فعْل الله بك ، هذا هو الإيمان ، لذلك حياة المؤمن سلسلة من الصّبر ، قد يتوافر المال بين يديك ، فصبْرُك ألا تنفقهُ فيما لا يرضي الله ، قد تتوافرُ القوّة بين يديك فصَبْرُكَ ألا توقِعَ أذًى بالآخرين ، وأنت مَغْرورٌ بهذه القوّة ، الغنيّ عليه أن يصبر ، والقويّ عليه أن يصبر ، والفقير عليه أن يصبر ، والضعيف عليه أن يصبر ، والمتألّقُ ذكاءً عليه أن يصبر ، أن يجعلَ من ذكائِهِ سِلاحًا لإيمانه، والأقلّ ذكاءً عليه أن يصبر ، والوسيم عليه أن يصبر ، والدميم عليه أن يصبر ، الصّبر أيها الأخوة هو الإيمان ، الإيمان الصّبر ، لكنّ الصَّبْر يحْملُ طابعًا سلبيًّا ، اِمْتَنَعْتَ و اِمْتَنَعْتَ و اِمْتَنَعْتَ ، ولكنّ السماحة تحمِلُ الطابع الإيجابيّ ، الإيمان الصبر والسماحة ، الإيمان العفّة ، الإيمان الحبّ ، الإيمان التقيّد ، الإيمان المعرفة ، الإيمان الإقرار ، الإيمان السّلوك ويقول عليه الصلاة والسلام :" الإيمان نصفان ، نصف في الصبر ونصف في الشكر . . . . ." هذه كلّها تعاريف النبي عليه الصلاة والسلام ، أُخِذ بعضها من الجامع الصغير ، وبعضها من كنز العمال ، وبعضها من الصحيحين ، وبعضها من رياض الصالحين ، وبعضها من كتب الصحاح الستّة ، تعاريف النبي عليه الصلاة والسلام للإيمان ، إنّها أحاديثُه تقدِّمُ لك مِقياسًا دقيقًا ، تعرفُ بها حجْم إيمانك ، إنَّها أحاديث تُعدُّ هدفًا ماثلاً بين عَيْنَيك تسْعى إليه .

 

الإيمان نصفان نصف في الصبر ونصف في الشكر :

 هل هناك حالة ثالثة ؟ إما أن تكون في بحبوحة ، وإما أن تكون في ضيقٍ ، إما أن تكون في صحّة ، وإما أن تكون في مرضٍ ، إما أن تكون قويًّا ، وإما أن تكون مستضعفًا ، إما أن تكون غنيًّا ، وإما أن تكون فقيرًا ، إما أن تكون صحيحًا ، وإما أن تكون مريضًا ، إن كنت صحيحًا عليك أن تشكر ، إن كنت قويًا عليك أن تشكر ، إن كنت غنيًّا عليك أن تشكر ، إن كنت معافًى عليك أن تشكر ، إن كنت مريضًا عليك أن تصبر ، هذا الحديث يدور معك حيثما ذهبت ، المؤمن في الرّخاء شكور ، وفي البلاء صبور ، قانعٌ بالذي له ، لا يبتغي ما ليس له ، روي عن النبي أنه قال :

(( الإيمان نصفان نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ ))

[البيهقي في شعب الإيمان عن أنس]

تكامل الإيمان مع العمل :

 شيءٌ آخر أيها الأخوة الأكارم ؛ الإيمان والعمل شريكان في قرْن لا يقبلُ الله أحدهما إلا بِصَاحِبِه ، أقربُ شيءٍ إليك ، هذه الأسطوانة أسطوانة الغاز هل تنفعُك من دون رأس الغاز ؟ وهذا الرأس هل ينفعُك من دون أسطوانة ؟ كيف أنّهما متكاملان ، وأنّك لن تنتفع بأحدهما من دون الآخر ، كذلك الإيمان والعمل ، لن يقبل الله عملاً بلا إيمان ، والعمل بلا إيمان لا يكون ، وإذا كان فهو من أجل الدنيا ، تبتغي به الدنيا ، والسُّمْعة ، وأن تنتزِعَ به إعجاب الآخرين ، تبتغي منه تسليك مصالحك ، العمل بلا إيمان ، والإيمان بلا عمل هو كلامٌ فارغ ، واعْتِقادٌ خاطئ ، وسُلوك متناقض :

((الإيمان والعمل شريكان فى قِرْنِ لا يقبل الله أحدهما إلا بصاحبه))

[الحاكم فى تاريخه ، والديلمي عن علي]

الإيمان نية و هجرة بالنفس و المال :

 ومن الأحاديث التي تتعلّق بالإيمان ، ما رواه عبد الخالق بن زاهر الشحاني عن عمر قال :

((الإيمان بالنية واللسان ، والهجرة بالنفس والمال))

[ مروي في الأربعين عن عمر]

 شيءٌ داخلي ، وشيءٌ سُلوكي ، الإيمان بالنيّة واللِّسان ، والهِجرة ، جالسٌ مع أهل الدنيا ، غارقٌ في شهواتك ، تُقيم علاقاتٍ حميمة مع البعيدين عن الله عز وجل ، وتقول : أنا مؤمن ‍‍!! المؤمن أن تهْجُر المنكرات ، أن تهجر رفاق السوء ، أن تهجر أصحاب السوء ، الإيمان بالنيّة واللّسان والهجرة بالنفس والمال .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان أحيانًا يزداد حجمهُ زِيادة غير صحيحة ، إذا أراد أن يحجّم نفسه ، وأن يعرفَ قدْرهُ ، وأن يعرف حقيقة إيمانه فلْيَعْرِض نفسه على هذه الأحاديث ، إنّها مقاييس ، وإنها في الوقت نفسه أهداف الإيمان والعمل ، وعبارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات وردَت في كتاب الله أكثر من ثلاثمئة مرة ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة فصلت : 13]

 وقال تعالى :

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت : 33]

 قال تعالى :

﴿َ فإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[سورة القصص:50]

 الإيمان شكر وصبْر ، والإيمان صبرٌ وسماحةٌ ، والإيمان قيْدٌ ، والإيمان حبّ ، والإيمان عفّة ، والإيمان صلاة ، والإيمان نيّة وقول ، وهجرة بالنفس والمال ، هذه تعاريف الإيمان .

 

دعائم الإيمان :

 بقيَ حديث أخير عن العلاء بن عبد الرحمن قال :

((قام رجل إلى علي بن أبي طالب فقال : يا أمير المؤمنين ما الإيمان ؟ قال : الإيمان على أربع دعائم على الصبر والعدل واليقين والجهاد))

[ علي في المسند عن العلاء بن عبد الرحمن]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان عليه أن يُراجع نفسه ، عليه أن يخْلُوَ بنفسه ، وأن يعرف موقِعَهُ ، العُظماء في العالم ، والناجحون في الدنيا دائمًا يتعرّفون إلى مواقعهم بِحَسب أقرانهم ، في أيّ موقعٍ هو؟ ، في أيّ صفٍّ هو ؟ في أيّ مركبةٍ هو ؟ في أيّ مركز هو ؟ فإذا عرفْت موقعك ، ومركزك تحرَّكْت في ضوء هذه المعرفة .
 أيها الأخوة المؤمنون ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزَنَ عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلْنتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الإيمان يزيدُ وينقص ؛ تزيدُه الأعمال الصالحة وتنقصُه المخالفات :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ بقي علينا ثلاثة أحاديث ، الحديث الأوّل تابعٌ للخطبة الأولى؛ وهو أنّ الإيمان يزيد وينقص ، تزيدُه الأعمال الصالحة ، وتنقصُه التقصيرات ، قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصِيَة ، إذا خالفَ أمر الله عز وجل يُمْحى الإيمان من قلبه ، وقد يعْجَبُ الإنسان أنَّه قد يكون متألِّقًا في إيمانه ، فإذا صاحب أهل الفسق والفجور ، مُحِيَ الإيمان من قلبه ، فإذا فعل ما يفعلون ، وانْغمَس فيما هم فيه منغمسون ، ويصيبهُ من الهمّ والحزن مثل ما يُصيبهم ، فالإيمان يزيدُ وينقص ، تزيدُه الأعمال الصالحة ، وتنقصُه المخالفات ، لذلك كلّما جاءَت آيةٌ كريمة من مثل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا آمنوا . . أيْ ابْحَث عن الإيمان الأكْمَل ، والإيمان المنجِّي ، والإيمان الذي يحملك على طاعته سبحانه وتعالى .

الإيمان بالقدَر يذهب الهم والحزن :

 أما الحديثان المتعلّقان بالخطبة الثانية ، فهما في جزءٍ من الإيمان : عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

((الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن))

[ الحاكم عن أبي هريرة]

 ما من شيءٍ أفْعَل في النّفس من القلق والنّدم والحزن ، إنّ هذه المشاعر من شأنها أن تحطِّم الإنسان ، أن تسْحقَ سعادتهُ ، أن تجعلَ حياتهُ جحيمًا لا يُطاق ، لكنّ الإيمان بالقدَر أنّ كلّ شيءٍ بعِلْم الله ، وأنّ كلّ شيءٍ بقضاء من الله وقدر ، وأنّ كلّ شيءٍ بِتَقدير الله ، وأنّ كلّ شيءٍ بفِعْل الله ، بعِلم الله ، وتقديره ، وفعلهِ ، هذا هو الإيمان بالقدر ، الإيمان بالقدر يُذهب الهمّ والحزن ، الإيمان بالقدر يُلغي كلمة لو من حياتك ، وإلغاء كلمة لو إلغاءٌ للنّدم ، الإيمان بالقدر يستأصلُ الأحقاد بين البشر ، الإيمان بالقَدر يستأصلُ النَّدَم ، ويستأصلُ التَّمَنِّي ، وتمنِّي ما ليس عندك ، يستأصلُ الحسد ، الإيمان بالقدر هو صحّة لأنّ كلّ الأمراض الوبيلة هي في أصْلها شِدّة نفسيّة ، وما هذه الشدَّة إلا بِسَبب ضَعْف الإيمان ، ترى أنّ خصْمَكَ يمْلِكُكَ وأنت لا تملكُهُ ، وينوي أن يُدَمّرك وأنت لا تستطيعُ أن تدمّره ، هذا الشّعور وحده يكفي لإصابة الإنسان بِأفْدَح الأمراض ، شُعور بالقهْر ، شعور القلق ، وشعور الخوف ، لذلك قال الله عز وجل :

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 213]

 ويقول الله عز وجل :

﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾

[ سورة آل عمران: 151]

 ولذلك يقول الله عز وجل :

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام :81- 82]

 فالإيمان بالقدَر يذهب الهم والحزن ، والإيمان بالقدر نِظام التوحيد .
 ثلاث حقائق كبرى ؛ الأولى أنّ الله موجود ، والثانيَة أنّ الله واحد لا شريك له ، والثالثة أنّ الله كامل ، فإذا آمنْت بالقدَر خيره وشرّه من الله تعالى فأنت موحِّد ، وإذا كنتَ موحِّدًا اسْتَحْققْتَ من الله كلّ خير .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ لا بدّ من اقْتِطاعِ وقتٍ ثمين لِمعرفة الله تعالى ، لا بدّ من اقْتِطاعِ وقتٍ ثمين لِيَرْبُوَ الإيمان في قلبك ، لا بدّ من اقْتِطاعِ وقتٍ ثمين لتَتَعَلَّم العلم الشريف ، ولتتعرّف إلى كلام الله ، وإلى سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وإلى مواقف أصحاب رسول الله ، وإلى أحكام الله عز وجل في شتّى مناحي حياتك .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018