الخطبة : 0181 - خصائص الوقت1 - الغدد اللعابية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0181 - خصائص الوقت1 - الغدد اللعابية .


1987-09-25

الخطبة الأولى :
  الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ، ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير .

تمهيد :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كل مفقودٍ يمكن أن تسترجعه ، إلا شيءٌ واحد إذا ضاع منك ، أو إذا فاتك لا يمكن أن تسترجعه ألا وهو الوقت .
 الوقت أثمن ما يملك الإنسان
ربما كان الوقت أيها الإخوة المؤمنون أثمن شيء نملكه .
 الإنسان في التعريف الدقيق : بضعة أيام ، كلما انقضى منه يوم انقضى بضع منه .
 الإنسان يعيش ستين عاماً ، أربعين عاماً ، سبعين عاماً ، في النهاية مجموعة أعوام ، والأعوام مجموعة أشهر والشهر مجموعة أيام ، واليوم مجموعة ساعات ، فكلما انقضت ثانية ، كلما انقضت دقيقة ، كلما انقضى يوم ، كلما انقضى أسبوع ، كلما انقضى شهر كلما انقضى عام ، كلما انقضى فصل ، معنى ذلك أن شيئاً من ذات الإنسان قد انقضى ، وأنه في طريق النهاية كلما انقض يوم اقترب من المحطة الأخيرة ، فلذلك أخطر شيء ، أثمن شيء ، أغلى شيء في حياة الإنسان هو الوقت ، من استهلك وقته استهلاكاً تافهاً ، استهلاكاً لا مردود له ، استهلاكاً لا يتعلق بالآخرة ، استهلاكاً لا يتعلق بمعرفة الله عز وجل ، لا يتعلق بالعلم ، لا يتعلق بالفقه ، لا يتعلق بالعبادات ، لا يتعلق بجوهر مهمته على هذه الأرض ، إن هذا الاستهلاك الرخيص للوقت قد تعجبون ، قد يكون هذا الاستهلاك الرخيص للوقت سبب هلاكه في الدنيا والآخرة فالوقت أيها الإخوة الأكارم أثمن شيء يملكه الإنسان ، وإذا ضاع لا يمكن أن تسترجعه ، ولا يمكن أن تعوضه ، لذلك قال بعضهم .

ما مضى فات والمؤمل غيب  ولك الساعة التي أنت فيها

 لا تملك إلا هذه الساعة ، أما أن تقول في العام القادم سأداوم على مجالس العلم ، العام القادم لا تملكه ، قد لا تصل إليه ، والذي فاتك فاتك لا تجدي الحسرة عليه ، والذي سيأتي لا جدوى من الحديث عنه بأنك لا تملكه .

 

خصائص الوقت :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ من الأشياء اللطيفة والغريبة في الوقت نفسه أن الأيام التي مضت تحس أنها مضت سريعاً .
 اسأل نفسك : كم مضى من عمري ؟
 هلك المسوفون
قد تجيب بحسب بطاقة الميلاد ، قد مضى أربعون عاماً ، قد مضى ثلاثون ، قد مضى عشرون ، قد مضى ستون .
 اسأل نفسك سؤالاً آخر : كيف مضت هذه الأعوام ؟
 الإجابة الواضحة السريعة الصحيحة أنها مضت سريعاً مضت كلمحٍ للبصر ، مضت كيوم أو بضع يوم ، مضت كساعة من نهار ، وقد يتوهم الإنسان أنه في الثلاثين ، وأن معترك المنايا بين الثلاثين والستين ، وأنه إلى أن يبلغ سن الستين هناك أمد طويلٌ طويل هذا هو الخطأ ، وهذا هو الخطر ، هذا هو الخطأ بأن الذي بقي من العمر قد يمضي سريعاً كالذي مضى من العمر ، هذا هو الخطأ ، وهذا هو الخطر من أن الإنسان إذا اتكل على المستقبل ، وقال سأفعل غداً وغداً وبعد غدٍ وفي أول العام ، وفي نهاية الدوام ، وبعد النجاح ، وقبل الافتتاح ، و ، و ، فإنه قد أهلك نفسه ، فقد قيل هلك المسوفون ، هذا الذي يؤخر التوبة ، يؤخر معرفة الله ، يؤخر تطبيق أمر الله ، فلذلك الإنسان كما قالت رابعة العدوية رحمها الله الإنسان بضعة أيام ، كلما انقضى منه يوم انقضى بضع منه .
 مما يؤكد هذه الحقيقة قول الله عز وجل :

﴿ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً ﴾

[ سورة طه الآيات : 103-104 ]

 يوماً ، هذا العمر المديد سبعون عاماً ، ثمانون عاماً ، سبعون خريفاً ، سبعون ربيعاً ، سبعون صيفاً ، سبعون شتاءً ، مضت بعشرة أيام في تقدير بعضهم وفي تقدير بعضهم الآخر يوم واحد " إن لبثتم إلا يوما " وفي آية أخرى تؤكد هذا المعنى يقول الله عز وجل :

﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا ﴾

[ سورة النازعات الآية : 46 ]

 يرون الحساب والعذاب ، يرون جهنم ، يرون الساعة .

﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾

[ سورة النازعات الآية : 46 ]

 بضعة يوم ، بضع يوم ، العشية بعض يوم ، والضحى بضع يوم .

 

الناس وشأنهم في الدنيا .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ شأن الناس في الدنيا غريب ، كأنهم لا عقل لهم ، كأنهم الذين يشيعون من أموات لا علاقة لهم بهم ، كأن هؤلاء ماتوا مساكين ، وهم لن يموتوا ، كأن هذا الذي في النعش يسير أمامهم وقد ترك كل شيء واستقبل حياةً أبديةً سيحاسب فيها عن كل عمل صغير كان أو كبير ، كأن هذا الذي في النعش من جنس آخر ، من طبيعة أخرى ، مات خطأ ، أما هو لن يموت ، هذا الكلام لن يصرح به ، ولكن لسان حاله ، ولسان أعماله ، ولسان أماله علل قبل الموت تشعرك بدنو الأجل
يؤكد هذه الحقيقة ، كأن الموت على غيرنا قد كتب ، أما علينا نحن فنعيش ، إلى ما شاء الله ، فشأن الناس مع الموت غريب ، أعمالهم محاسبون عليها عَملاً عملاً ، وقتهم ينقضي ، المحطة الأخيرة يقتربون منها ساعة الفراق أصبحت وشيكة ، حتى أن الله عز وجل لحكمة بالغة جعل قبل الموت ضعفاً ، جعل انحناء الظهر ، وجعل شيب الشعر ، وجعل ضعف البصر ، وجعل ضعف الإدراك ، وجعل ضعف الذاكرة ، وجعل بعض الخلل بالأجهزة ، والأعضاء ، يقول لك الطبيب نسبة هذه المادة في الدم قد ارتفعت ، وهناك قصور في الكبد ، وهناك ضعف في الكليتين ، وهناك ضيق في الشريان التاجي للقلب ، لماذا كانت هذه العلل ، وهذا الخلل قبل الموت ، نعمة بالغة ، وفضل كبير من العلي القدير ، من أجل أن تشعر أنه قد اقترب اللقاء ، قد اقترب الرحيل ، ماذا أعددت لهذه الرحلة الطويلة ، ماذا أعددت للآخرة لئلا تقول :

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

 لئلا تقول هذه الكلمة .

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾

[ سورة الفجر الآيات : 24 ـ 26 ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول الله عز وجل :

﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

[ سورة المجادلة الآية : 6 ]

 تأكد ، اعلم علم اليقين ، أنه ما من حركة ، وما من سكنة ، ولا من نفس ، ولا من كلمة ، ولا من نظرة ، ولا من استماع ، ولا من حركة يد ، ولا من حركة رجل ، إلا محسوبة ، ومضبوطة ، ومسجلة ، ومقيمة ، وسوف تحاسب عنها يوم القيامة .

﴿ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

علاقة الإنسان بالوقت .

الحقيقة الأولى : علاقته بالوقت علاقة ساذجة .

 فعلاقة الإنسان بالوقت علاقة ساذجة ، علاقة ليس فيها إدراك حقيقي لما ينطوي عليه الوقت من خطورة ، وهذا الذي يقول غداً وبعد غدٍ ويسوف التوبة ، يعتقد أنه يموت بين الستين والسبعين ، وفاته أن الإنسان لا يدري إذا عاش اليوم هل يعيش غداً قال عليه الصلاة والسلام :

(( من عد غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت ))

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس تصحيح السيوطي: ضعيف ]

 يعني إذا قال أنا غداً سأفعل كذا وكذا ، على أن غداً من أجله سيعيشه حتماً ، فقد أساء صحبة الموت ، الله سبحانه وتعالى بين لنا كيف أن بعض الأقوام جاءتهم .

﴿ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴾

[ سورة يس الآية : 49 ]

 في أثناء خصوماتهم ، الصفقة لم تنتهِ ، وافته المنية ولم يقبض ثمنها ، أقام دعوى على أخيه فلان ، وافته المنية قبل أن يصدر الحكم ، نال شهادة عليا ، وافته المنية قبل أن يعود إلى بلده ، سكن هذا البيت وافته المنية قبل أن يحسنه ، اشترى هذا البيت وافته المنية قبل يسكنه ، هذا الموقف موقف الطمأنينة البلهاء ، الطمأنينة الساذجة للحياة ، موقف لا يليق بالإنسان العاقل ، عليه أن يعد العدة لساعة الرحيل .

 

الحقيقة الثانية : الإنسان بين خمسة أيام .

 أن بعض العلماء قال أنت بين خمسة أيام :
 1- بين يوم مفقود .
 2- وبين يوم مشهود .
 3- وبين يوم موعود .
 4- وبين يوم مورود .
 5- وبين يوم ممدود .
 فاليوم المفقود :
 قد يأتي الموت كلمح البصر فعلينا أن نستعد له
لا تفكر فيه ، ولا تتحسر عليه ، ولا تبحث فيه ، لأن البحث فيه مضيعة للوقت ، مضى وفات ، ولا سبيل إلى استرجاعه .
 وأما اليوم المشهود :
 فهو أخطر أيامك ، لذلك قال بعضهم والقول للإمام الحسن البصري :
 ما من يوم ينشق فجره إلا منادي ينادي من قبل الحق جل وعلا ، يا ابن آدم أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني ، بعمل صالح ، فإني لا أعود إلى يوم القيامة .
 هذا اليوم المشهود ، هذا اليوم يجب أن يكون في مقدمة أعمالك الكبرى ، لذلك الإنسان المؤمن إذا فتح عينيه صباحاً يأتيه هذا الخاطر ، لقد سمح الله لي أن أعيش يوماً جديداً ، فكم من إنسانٍ آوى إلى فراشه ولم يستيقظ ، كم من إنسان سافر ولم يعد ، كم من إنسان بنى ولم يسكن ، تعلم ولم يعمل ، فلذلك إذا الإنسان استيقظ من صباحه يجب أن يقول هذه المقولة ، لقد سمح الله لي أن أعيش يوماً جديداً ، هذا هو اليوم المشهود .
 وأما اليوم المورود :
 فلابد من الموت ، إن عاجلاً أو آجلاً ، مهما اتقيت .

لا تأمن الموت في طرف و لا نفس  وإن تمنعت بالحجاب و الحــرس
فما تزال سهام الموت نافــــذة في  جنـب مـدرع منها و متـرس
أراك لست بوقاف ولا حــــذر  كالحاطب الخابط الأعواد في الغرس
ترجو النجاة ولم تسلك مســالكها  إن السفينة لا تجري على اليبــس

 لحكمة بالغة ، حكمة بالغة جداً ، جعل الله الموت مسبوقاً بمرض ، قد يكون المرض عضالاً ، وقد يمتد سنوات طويلة ، وقد يمتد أشهراً عديدة ولحكمة بالغة أيضاً جعل بعض أنواع الموت كالمح البصر ، كيف مات ؟ سكتة دماغية ، انفجار في شرايين المخ ، سكتة قلبية ، قال لي بعض الأطباء ، لا يمكن أن يسعف مريض السكتة القلبية إلا في حالة واحدة ، قلت ما هي هذه الحالة ، قال : إذا كان الطبيب إلى جانبه ، لأن مدتها أقل من دقيقة ، تنتهي ، فإذا كان الطبيب إلى جانبه وهذا من المستحيلات فربما أسعفه ، فلذلك أحياناً يأتي الموت بعد مرض طويلٍ طويل ، وأحياناً يأتي الموت بغتةً ، هذه دروس لنا ، يعني إذا عشت اليوم فغداً هناك احتمال ألا تعيشه ، ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أن تستعد للموت ، ذاهب أنت إلى من ؟ إلى رب العالمين ، إلى أرحم الراحمين .

﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 158 ]

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف الآية : 32 ]

﴿ إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾

[ سورة يس الآيات : 25 ـ 27 ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ واليوم المورود هي ساعة الموت .
 واليوم الموعود :
 ساعة الحساب يوم القيامة .
 واليوم الممدود :
 هو الأبد ، إنا في جنة يدوم نعيمها ، أو في نار لا ينفذ عذابها .

 

الحقيقة الثالثة : يتوهم الإنسان أن الأشياء كلها تتحرك أمامه .

 شيء آخر : الإنسان إذا ركب القطار أيها الإخوة يتوهم أن الأشياء كلها تتحرك أمامه ، هذا وهم كبير ، هو المتحرك ، هو المتحرك نحو المحطة النهائية ، فالإنسان بحسب نظرته البدائية فلان توفي ، وفلان سافر وفلان قدم ، وفلان أقام ، وفلان ارتحل ، وفلان اغتنى ، وفلان افتقر ، وفلان مرض ، وفلان شفي من ادرك حقيقة سيره نحو مصيره بحث عن طريق الجنة
لكن الحقيقة الكبرى أنك أنت الذي تسير ، أنك أنت الذي تسير إلى المصير ، فإذا أدركت هذه الحقيقة تفاعلت معها وضبط أمورك ، وتحريت الحلال من الحرام ، وبحثت عن طريق الجنة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول الله عز وجل مؤكداً هذه الحقيقة .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴾

[ سورة يونس الآية : 7 ]

 يعني غفل عن ساعة الموت ، لم يبالي بها ، يقول لك بعض العوام يعني مع الناس إن هلكوا هلكت ، وقال الجاهليون هكذا .

وما أنا إلا من غزية إن غوت   غويت وإن ترشد غزية أرشد

 أنا مع الخط العريض مع الأكثرية ، مع الناس في لهوهم ، في مرحهم ، في فسقهم ، في فجورهم ، في صحوهم ، في غفلتهم ، أنا مع الناس ، هذه مقولة السذج مقولة الغافلين ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة يونس الآيات : 7-8 ]

 هذا الذي رضي بالدنيا ، وجعلها كل همه ، ومبلغ علمه ، يسعد بها ويحزن من أجلها ، مع أن المؤمن العاقل من عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبة ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي .

 

الحقيقة الرابعة : مرور الوقت بظواهر يشعر بها الإنسان .

 شيء مهم جداً في الوقت : أن الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض بطريقة تشعر بها بمرور الوقت ، خلق الأرض تدور حول الشمس ، خلق الشمس والأرض ، الشمس منبع ضوئي ، وخلق الأرض كرة ، وجعلها تدور حول نفسها ، من دورتها حول نفسها تشكل الليل والنهار ، صار في ليل ونهار ، صار يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ، مضى أول أسبوع والثاني والثالث والرابع ، مضى أول شهر ، مضى ثاني شهر ، مضى العام الفلاني ، طبيعة خلق الأرض كروية ، ووجودها في حيز الشمس المضيئة ، ودورتها حول نفسها تشعرنا جميعاً بالليل والنهار ، وما الليل والنهار إلا طريقة من طرق إشعارنا بمضي الزمن .
 حركة الكون تشعرنا بمضي الوقت
شيء آخر : دورة الأرض حول الشمس من أجل أن تشعرنا أن هذه الأرض التي أنتم عليها لها رحلة طويلة حول الشمس تستغرق عاماً بأكمله ، فمن صيف إلى شتاء ، إلى خريف ، إلى ربيع ، وفي كل شهر من شهور السنة برج في السماء ترونه .

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج الآية : 1 ]

 اثنا عشر برجاً من بروج السماء نمر عليها كل شهر ، نمر على واحد منها كل شهر في رحلتنا حول الشمس .

﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾

[ سورة يس الآيات : 38 ـ 39 ]

 الليل والنهار يشعرنا باليوم ، والقمر يشعرنا بالشهر ، أول الشهرـ 4 ـ 5 ـ ربع ، بدر تمام ، محاق ، مراتب القمر تشعرنا بمضي الشهر والفصول في السنة تشعرنا بالفصول ، والعام كذلك ، وجعل الله عز وجل جعل من العبادات ما هو يومي ، وجعل من العبادات ما هو في العام مرة من أجل أن نشعر بمرور الوقت ، فلذلك قال تعالى :

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾

[ سورة الروم الآيات : 17 ـ 18 ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ آية ثانية تؤكد مرور الوقت .

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾

[ سورة الفرقان الآيات : 61 ـ 62 ]

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾

 ليل ونهار ، الليل للسكون والنهار للمعاش .

﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾

﴿ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 126 ]

الخلاصة :

 ختام المطاف يا أخوة الإيمان رأس مالك الضخم في هذه الحياة عمرك ، لذلك كان بعض الصالحين يمشي في الطريق فرأى مقهى والناس جالسون فيه إلى ساعة متأخرة من الليل ، وهم يلعبون النرد ، فقال هذا الرجل الصالح : يا سبحان الله لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم ، لأن أثمن شيء تملكه هو الوقت ، بالوقت تعرف الله ، بالوقت تعبده بالوقت تفعل الخيرات ، بالوقت تصلح ذات البين ، بالوقت تأمر بالمعروف ، بالوقت تنهى عن المنكر ، بالوقت تحضر مجالس العلم ، بالوقت تؤدي العبادات ، كل هذا يحتاج إلى وقت ، لذلك العمل مهما كان يدر على صاحبه الخير الوفير إذا استنفذ كل وقتك فأنت أكبر خاسر ، إذا كان عملك اليومي يأخذ كل وقتك منذ أن تستيقظ وحتى أن تنام .
 بالوقت تعرف الله
أين هي معرفة الله ؟
 ما الوقت الذي ادخرته لمعرفة الله ؟
 بالتفقه بأحكام الدين ، بالعمل الصالح بالأمر بالمعروف ، بالنهي عن المنكر ، العمر أيها الإخوة رأس مالك الضخم ، لذلك يوم القيامة كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وماذا عمل فيما علم ))

[ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عن ابن مسعود وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ عبد الله بن المبارك عالم جليل ، وولي لله كبير ، وعارف من العارفين بالله ، قدم إلى مكة حاجاً ، وخرج الناس كلهم يهرعون لاستقباله لينالوا من بركته ، ولم يبق بمكة إلا الأطفال والشيوخ ، وبعض النساء وكانت امرأة بمكة رأت أن الناس قد تركوها ، وخرجوا لاستقباله ، وأن الطرق فارغة ، والبيوت فارغة ، فسألت ما الأمر ، ما لي لا أرى أحد بمكة من الناس ، قالوا لها : لقد ذهبوا يستقبلون العالم الجليل عبد الله بن المبارك ، ويلتمسون البركة منه ، فتعجبت هذه المرأة من روابط قلوب الناس بعلمائها ، وعلمت أن العلماء يحكمون الأرواح ، وأن الملوك يحكمون الأشباح ، لقد قرأ ابن المبارك على أبي حنيفة رضي الله عنه فأراد أبو حنيفة أن يسأله عن بدء أموره ، يعني كيف اهتدى إلى الله عز وجل ، فاستحي أولاً ، ثم قال ثانياً كنت جالساً ، هذه القصة أردت منها تشجيع المقصرين ، ابن المبارك العالم الجليل ، العارف بالله الكبير ، هكذا كانت بدايته ، قال كنت جالساً مع أخواني في حديقة غناء ، فأكلنا وشربنا إلى الليل ، وكنت مولعاً بضرب الطنبور ، العود يعني ، فنمت سحراً فرأيت في منامي طائراً فوق رأسي على شجرة ، يقول هذا الطائر في المنام .

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾

[ سورة الحديد الآية : 16 ]

 قلت بلى بلَى ، فانتبهت من نومي ، وقد امتلئ قلبي رعباً ، وقمت لعودي فكسرته ، وحرقت ما كان عندي من آلات اللهو ، وكان هذا أول زهدي في الدنيا ، وملذاتها ، ولم يزل عبد الله بن المبارك ينتقل في ربوع العلم والأدب والورع حتى حاز الفضائل ، وأصبح إمام عصره ، يقتدى به في العلم والفضيلة ، وأصبح علماً من أعلام المثل العليا ، الذين يقتدى بهم بكل مكان وزمان ، يعني أنت أيها الإخوة إذا عانيت التقصير اتلوا على مسامعك هذه الآية ، كتاب لطيف رقيق .

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الحديد الآية : 16 ]

إلى متى أنت باللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدمته مسؤول
***
عليك أياديه الكرام وأنت لا  تراها كأن العين عميا أو حــولا
لا أنت مذكوم حوى المسك جيبه  ولكن المحروم ما شمه أصلاً

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابة الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

الغدد اللعابية :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الغدد اللعابية ووظائف اللعاب من آيات الله في خلقه
ما من واحد إلا وفي فمه لعاب ، لعاب سائل ، هذا اللعاب تفرزه غدد تحت الفك ، وتحت اللسان ، وتحت الأذن ، لا يعنيننا كم هي الغدد وكم عددها ، وكيف تشريحها ، يعنينا شيئان ، تركيب اللعاب ووظائف اللعاب .
 من يصدق أن في اللعاب شوارد صوديوم ، وبوتاسيوم ، وكالسيوم ، ومغنيزيوم ، وكلور ، وكربونات ، فوسفات ، وسلوفا ، ويود ، وأزوت ، وفلور ، في اللعاب شوارد معدنية ، وفي اللعاب بروتين ، وسكر ، ومضادات حيوية ، وأنزيمات ، هذا الذي يكمن أن يقال من على هذا المنبر وهناك أسماء أجنبية كثيرة جداً للأنواع الأنزيمات ، وأنواع البروتينات ، ما لا سبيل إلى ذكرها ، تصميم من هذا اللعاب ، من صممه ، من كونه ، من جعله ينطوي على هذه الشوارد المعدنية ، وهذه الشوارد العضوية .

وظائف اللعاب :

 شيء آخر : العلماء من حيث وظائف اللعاب وجدوا للعاب دوراً خطيراً جداً في عدة مستويات .

1- ترطيب سطح الفم الداخلي .

 أولها ، اللعاب يرطب سطح الفم الداخلي ، ولولاه لتقشر السطح الداخلي ، ولتشقق ، ولفعلت الجراثيم فعلها الشنيع ، فوظيفة اللعاب ترطيب اللسان ، والسطوح الداخلية للفم .

2- ترطيب اللقمة .

 شيء آخر : يقوم اللعاب بترطيب اللقمة التي نأكلها ، وتلينها ، وعن طريق ترطيبها وتلينها يسهل مضغها وهضمها .

3- يقوم بدور العصارة الهاضمة .

 شيء ثالث : اللعاب يقوم بدور العصارة الهاضمة الأولية في الفم من أكل الخبز وأبقاه في فمه مدة طويلة ، شعر بطعم حلو ، وهذا دليل أن في اللعاب مواد هاضمة ، عصارة هاضمة ، تحول النشاء إلى سكر .

 

4- يساعد على سهولة الكلام .

 شيء رابع : اللعاب يفيد في الحديث ، فاللسان ، حركة اللسان ، كل حرف من الحروف تشترك في تكوينه سبعة عشرة عضلة ، واللسان هو لولب الكلام ، ولولا اللعاب لما تمكن الإنسان من أن يتابع الحديث .

5- ينظف الفم من بقايا الطعام .

 شيء خامس : اللعاب ينظف الفم من بقايا الطعام

ينظف اللعاب الفم من بقايا الطعام

وهذا دور قد لا ينتبه له بعض الناس .

6- غزارته تتكيف مع طبيعة الأكل .

 شيء سادس : غزارة اللعاب تكون عند تناول الشراب الحامضي كل شراب فيه تركيز ، التركيز في الشراب يحث الغدد اللعابية على مزيد من الإفراز ، من أجل أن يتمدد هذا الشراب المكثف ، من أجل أن لا يؤذي .

7- يسهم بعملية التبادل الحراري .

 شيء آخر : اللعاب يسهم بتسخين الطعام البارد عن طريق التبادل الحراري ، ويسهم بتبريد الطعام الحار ، ويسهم أيضاً بعملية تحريك اللقمة في الفم ، وأخطر من هذا كله ، في اللعاب مواد مضادة لنخر الأسنان ، في اللعاب ، وفي اللعاب مواد مضادة للجراثيم ، لأن الفم مفتوح على الهواء الطلق ، وهو بيئة صالحة جداً لنمو الجراثيم ، لأن هذه البيئة فيها حرارة ورطوبة ، هذان الشرطان في البيئة صالحان جداً لتكاثر الجراثيم ، لذلك كان في اللعاب مادة مضادة للجراثيم ، التي من شأنها أن تقتلها في مهده فمن مواد مضادة للجراثيم ، إلى مواد مضادة لنخر الأسنان ، إلى مواد تمدد المحاليل الضارة ، إلى وظيفة تنظيف الفم من بقايا الطعام ، إلى تلين اللسان أثناء الكلام ، إلى تلين اللقمة أثناء المضغ ، إلى هضم أولي إلى محتويات اللقمة ، إلى ترطيب سطح الفم ، ولولاه لكان التشقق والتقشر من صفات الطبقة الداخلية في الفم .
أيها الإخوة المؤمنون :

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 21 ]

 هذا اللعاب الذي لا يأبه أحد له ، خلايا ، غدد ، تركيب دقيق وظائف منوعة ، كلها من أجل أن تعيش حياة كاملة سوية .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا ، واقسم لنا من خشيتك ما تحول به بينا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018