الخطبة : 0361 - تفسير سورة الشرح (ما الذي يحزننا وما الذي يفرحنا ؟) - ذكرى المولد. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0361 - تفسير سورة الشرح (ما الذي يحزننا وما الذي يفرحنا ؟) - ذكرى المولد.


1991-09-06

 الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر.
 وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم، رسول الله سيِّد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر.
 اللهمَّ صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا فيما جرت به المقادير، إنك على كل شيءٍ قدير.
 اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... سورة الشرح، أو سورة الانشراح، على اختلافٍ في التسميتين، سورةٌ قصيرة من الجزء الثلاثين من كتاب الله، ولكنها تنطوي على معانٍ خطيرة، فالله سبحانه وتعالى يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام، ومرةً إثر مرة أؤكِّد لكم أن أيَّ خطابٍ إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو خطابٌ بالتبعية إلى المؤمنين، فالله سبحانه وتعالى يخاطب المؤمنين من خلال خطابه للنبي عليه الصلاة والسلام.
 وبعيداً عن خصوصيات السبب إذا أردنا أن ننتقل إلى عموميات اللفظ، فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)﴾

 الآية الأولى أيها الإخوة تؤكِّد أن الصدر ينقبض وينشرح، يضيق ويتسع، يصاب بالغم والحزن ثم يصاب بالبِشر والفرح، فالقلب بين حالتين، والصدر مكان القلب بين حالين: بين حال الانقباض وحال الانشراح، بين حال القبض وحال البَسط.
 ولكن ما الذي يدعو إلى الانقباض ؟ قل لي ما الذي يدعوك إلى أن تنقبض، أقل لك من أنت، هل تقلقكك مكانتك عند الله ؟ هل تخشى على قلبك من أن يدنَّس بما لا يرضي الله ؟ هل تشعر بالخوف حينما تقف بين يدي الله عزَّ وجل ؟ هل تقلق إذا كان في العمل خللٌ ؟ ما الذي يقلقك ؟
 النبي عليه الصلاة والسلام بلغ أعلى درجات الكمال، وبلغ أعلى درجات المعرفة، لقد استنار عقله وامتلأ قلبه حباً، بلوغ أعلى درجات الكمال، وأعلى درجات المعرفة جعله يرى المجتمع الإنساني من حوله، يراه ضائعاً، يراه تائهاً، يراه شارداً، يراه بعيداً، منغمساً في المعاصي والشهوات، بدافعٍ من معرفته، وبدافعٍ من كماله، أصابه الحُزْنُ، أصابه الانقباض لمصير إخوته في البشرية.
 الآن السؤال: ما الذي يهمُّك ؟ يهمك بيتك فقط أم يهمك أفراد أسرتك ؟ أم يهمك مجتمعك الصغير ؟ أم يعنيك أبناء بلدتك ؟ أم تهتم للبشرية جَمْعَاء ؟ كلما ارتقت مكانتك اتسعت دائرة رؤيتك، كلما ارتقيت في سُلَّم الكمال ارتقيت في سلم الهموم المقدسة.
 فالنبي عليه الصلاة والسلام لشدة اتصاله بالله عزَّ وجل، ولشدة إقباله عليه، ولما ينطوي عليه قلبه الشريف من كمالٍ، وبما يتمتع به من رؤيةٍ صحيحةٍ عميقة، نظر إلى من حوله، فإذا هُم في ضياع، فإذا هم في شقاء، فإذا هم في انغماسٍ في الملذَّات الرخيصة، فإذا هم يُهْلِكون أنفسهم ولكن لا يشعرون، إنهم إخوته في الإنسانيَّة، إن أرحم الخلق بالخلق هو سيّد الخلق، وحبيب الحق سيدنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم.
 ماذا يفعل ؟ كيف يُنقذهم ؟ كيف يهديهم إلى سواء السبيل ؟ كيف يَنْقُلُهُم من حالٍ إلى حال ؟ كيف يحملهم على الاستقامة ؟ كيف يدعوهم إلى خالق السماوات والأرض ؟ لم يُبعث بعد، ولم تأته الرسالة بعد، ولم يعرف الطريق إلى إنقاذهم.
 فحينما أنزل الله عليه القرآن، وحينما أرسله إلى الناس كافة، وحينما حمَّله أمانة التَبْليغ، وحينما أمره أن يُبَلِّغ، وحينما بيَّن له الطريق انزاح عن صدره هذا الانقباض، وحلَّ محله الانشراح.
 فيا أيها الأخ الكريم... استنباطاً من هذه المعاني الكريمة، ما الذي يقلقك ؟ وما الذي يدعوك إلى أن ينشرح قلبك ؟ وينشرح صدرك ؟ إذا كانت الدنيا وحدها تقلقك، وإذا كان حلُّ المشكلات فيها يسعدك، إذا كان هو همُّك فعليك أن تشمِّر لأن الطريق أمامك طويل، إذا كان ضياع جزءٍ من دخلك يقلقُك، إذا كانت الدنيا بما فيها تغلب على اهتمامك..

 

(( إذا أصبح أحدكم وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتَّت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدِّر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة ))

 

( كنز العمال )

 أيها الإخوة الأكارم... مقياسٌ دقيق يجب أن نقيس به أنفسنا، ما الذي يحزننا، وما الذي يفرحنا ؟ ما الذي يقلقنا، وما الذي يطمئننا ؟ ما الذي ننقبض له، وما الذي ننشرح له ؟ فإذا كانت الدنيا وحدها، إذا ذهبت ننقبض، فإذا أقبلت ننشرح فالطريق أمامنا طويلٌ جداً، أما إذا كان رضوان الله وحده يبعث في نفسك الانشراح، والجفوة التي تقع بين العبد وربه تدعو إلى الانقباض والقلق، فهذا قلقٌ شريف وذاك انبساطٌ شريف.
 يا أيها الإخوة الأكارم... لا يليق بالنبي عليه الصلاة والسلام وهو في أعلى درجات الكمال أن ينقبض للدنيا، ولا يليق به أن ينشرح لها، إنما انقباضه ؛ انقباض حيرةٍ، وقلقٍ، وغيرةٍ، وشفقةٍ، ورحمة، وانشراحه ؛ انشراح طريق أصبحت واضحةً، وهدايةٍ أصبحت وشيكةٍ.
أيها الإخوة الأكارم... حينما دعته السيدة خديجة رضي الله عنها إلى أن يأخذ قسطاً من الراحة، بعد أن جاءته الرسالة، قال قولته الشهيرة:

 

(( انقضى عهد النوم يا خديجة ))

 لقد شمَّر، ونهض، وبدأ يدعو إلى الله عزَّ وجل، وحينما وضعت أمامه الدنيا بأكملها، ماذا يريد ؟ أيريد مالاً ؟ أيريد عزاً وشأناً؟ أيريد زوجةً، عُرِضَت عليه الدنيا من كل أطرافها فقال:

 

 

(( يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))

 أيها الإخوة الأكارم... شيءٌ دقيق أن تعرف ما الذي يقلقك، ما الذي يجعلك في همٍ شديد ؟ ما الذي يدخل على قلبك الهموم والانبساط ؟ يجب أن تقلق إذا كان بينك وبين الله جَفْوَة، إذا كان في عملك خلل، إذا كان في استقامتك تقصير، إذا كان في عملك الصالح شائبة من شوائب الدنيا، ويجب أن تفرح إذا كُنت على أمر الله مستقيماً، وفي طريق الجنة سائراً.
 أيها الإخوة الأكارم... مرةً ثانية: قل لي ما الذي يقلقك ؟ أقل لك من أنت. قل لي ما الذي يفرحك ؟ قل لك من أنت. سيدنا الصديق رضي الله عنه فيما يُروى عنه أنه ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط. فـ..

 

 

ليـتك تحلـو والحياة مريرةٌ  وليتك ترضى والأنام غِضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر ٌ وبـني وبين العالمين خرابُ
* * *

 أيها الإخوة الأكارم...

 

 

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)﴾

 

كن عـن همومـكَ مُعْرِضا  وكـلِ الأمور إلى القضا
وابشر بخيرٍ عاجلٍ تنسى بـه  ما قــد مـضــى
فـلــربَّ أمـرٍ مسخط ٍ لـك في عواقبه رضـى
ولربَّما ضـاق الـمضيق  ولـربَّما اتسع الفضـــا
اللـه يفـعـل مـا يشاء  فلا تكن معـتـرضــا
اللـه عوَّدك الجميــل  فقس على مـا قد مضـى
* * *

 كلما نابك أمرٌ ثق به ؛ لك إن فرقك أو إن جمعك، كلما ضاقت بك الدنيا استبشر، كن متفائلاً، استبشر أن الله عزَّ وجل لم يسق إليك هذه المشكلة إلا لحِكْمَةٍ كبيرةٍ كبيرة، وأن الله سبحانه وتعالى حكيمٌ عليم، غنيٌ قدير، رؤوفٌ رحيم.
 يا أيها الإخوة الأكارم... للمفسرين في تفسير كلمة (الشرح) مذاهب عدَّة، بعضهم قال: الشرح هو التوسعة والانبساط بالعلم والمعرفة. أيْ إذا تعلَّمت العلم الصحيح، إذا فهمت كلام خالق الكون، إذا عرفت السُنَّة المُطَهَّرة، إذا قرأت السيرة النبوية وعرفت ما تنطوي عليه من حكمٍ، ومن دلالاتٍ، إذا استنرت بنور العلم فهذا هو الانشراح، ولا شيء بعد ذلك في الدنيا يُحْزَن عليه، لأن الله سبحانه وتعالى كما تعلمون يعطي القوة لمن يحب ولمن لا يحب، ويُعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، ولكنه لا يعطي الحِكمة والعِلم إلا لمن يحب..

 

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾

 

( سورة القصص )

 وبعضهم قال: الشرح هو التوسعة والانبساط لمكارم الأخلاق. فإذا كنت كريم الأخلاق فعلى الدنيا السلام، لأن الله سبحانه وتعالى حينما أثنى على النبي صلى الله عليه وسلم، أثنى عليه بصفةٍ واحدةٍ جامعةٍ مانعةٍ لا يحتاج بعدها إلى ثناء، قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

( سورة القلم )

 فإذا كانت أخلاقك رَضِيَّة، وإذا كنت متحلياً بمكارم الأخلاق، وإذا كنت على سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلَّم سائرا، فعلى الدنيا السلام، هذا هو المعنى الثاني..

 

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)﴾

 بالعلم والمعرفة، ألم نشرح لك صدرك بمكارم الأخلاق..

 

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

( سورة القلم )

 والشيء الثالث كما قاله بعض العلماء: ألم نشرح لك صدرك لِتَحَمّل أعباء النبوة، وتلَقِّي المُعارضسن، قد تأتيك المعونة الإلهية فتتحمل هموماً كالجبال، وقد يتخلّى الله عنك فلا تقوى على تحمّل همٍ صغير، فليست العبرة أن تكون الهموم كبيرةً أو صغيرة ؛ ولكن العبرة أن يمدّك الله بقوة التحمُّل، أن يعطيك الله لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وجسداً على البلاء صابراً..

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)﴾

 بأن مَكَّناك بتحمل أعباء النبوة، ومعارضات المُعارضين.
 أيها الإخوة الأكارم... سُئل عليه الصلاة والسلام: هل ينشرح الصدر ؟ فأجاب عليه الصلاة والسلام:

 

(( نعم. فقالوا: وما علامة ذلك يا رسول الله ؟ قال عليه الصلاة والسلام: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ))

 

( تخريج أحاديث الإحياء )

 ومن هنا يقال: زيارة القبور تشرح الصدور، لأنها تذيب هموم الدنيا كلها. لأن كل المشكلات، وكل العقبات، وكل المعضلات إنما تذوب حينما تذكر الآخرة.
 أيها الإخوة الأكارم...

 

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2)﴾

 أيها الإخوة... الإنسان أحياناً يَحْمِل حملاً ثقيلاً، لا طاقة له به، قد يحمل أعباء الدعوة إلى الله، الأنبياء عليهم صلوات الله حَمَلوا عبء تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، ونصيحة الأمة، وكشف الغُمَّة، والجهاد في سبيل الله، لذلك إذا وقفت أمام النبي، ونحن على مشارف الاحتفال بذكرى مولده، والخطبة القادمة إن شاء الله تعالى عن شمائل النبي صلى الله عليه وسلم. إذا وقفت أمام النبي عليه الصلاة والسلام يُسنُّ أن تقول: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، لقد أدَّيت الأمانة، لقد بلَّغت الرسالة، لقد نصحت الأمة، لقد كشفت الغُمَّة، لقد جاهدت في الله حق الجهاد، لقد هديت العباد إلى سبيل الرَشاد ".
 يا أيها الإخوة الأكارم... الوزر هو الحِمْلُ، وقد يحمل الإنسان عبئاً ثقيلاً، قد يتناهى إلى علم الطيّار أن في الطائرة خللاً لا يمكن إصلاحه، وأنها في طريق السقوط، بماذا يشعر ؟ قد يتناهى إلى علم الرُبَّان أن في السفينة صدعاً كبيراً بدأ الماء يتسرَّب إليه، بماذا يشعر ؟ قد يحس القائد في المعركة أن جيش العدو قد أحاط به، بماذا يشعر ؟ الحِمْلُ الثقيل وصفه شيء وتحمّله شيءٌ آخر، كان عليه الصلاة والسلام يقول:

 

 

(( لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ))

 

( الدر المنثور في التفسير المأثور)

 لأن كل البشرية يشعر أنه قريبٌ منه، وأنها في طريق الهاوية، لذلك جاء القرآن الكريم مواسياً له، قال الله تعالى:

 

﴿طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2)﴾

 

( سورة طه )

 فهذا الذي لا يعنيه إلا شَخْصُهُ، وهذا الذي لا يعنيه إلا أهله وأولاده، فإذا كان هو بخير فعلى الدُنيا السلام، إذا كان له دخلٌ كبير لو مات الناس جوعاً ماذا يعنيه ؟ هذا لا ينتمي إلى جِنس البشر، هذا لا يتخلَّق بأخلاق المؤمنين..

 

(( والله ما آمن ـ كما قال عليه الصلاة والسلام ـ قالوا: من هو يا رسول الله ؟ خاب وخسر، قال: من بات شبعان وجاره إلى جانبه وهو يعلم ))

 

( الجامع الصغير: عن " أنس " )

 أهكذا المؤمن ؟ أليس لك علاقةٌ بإخوانك ؟ ألا يُقلقك ما يقلقهم ؟ ألا يحزنك ما يحزنهم ؟ ألا يؤلمك ما يؤلمهم ؟ ألا تضيق لما يضيقون به؟ كيف يكون المجتمع متماسكاً ؟ كيف يصف النبي المجتمع المسلم بأنه كالبُنيان المرصوص يَشُدُّ بعضه بعضا ؟ كيف يصف النبي عليه الصلاة والسلام..

 

(( المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))

 

( صحيح البخاري: عن " النعمان بن البشير " )

 يا أيها الإخوة الأكارم... كما قال عليه الصلاة والسلام

 

(( من كان عنده فضل ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، من كان عنده فضل مالٍ فليعد به على من لا مال له ))

 

( صحيح مسلم: عن " سعيد الخدري " )

 هكذا طبيعة المؤمن..

 

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

 أنت حينما اتجهت أيها النبي لهداية الخلق، حينما أقلقك ضلالهم حينما آلمك ضياعُهم، حينما أشقاك شقاؤهم، ها قد بعثناك عليهم رسولا، ها قد أنزلنا عليك قرآناً مبيناً..

 

 

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

 دققوا أيها الإخوة في المعاني الثلاث التي قال بها المفسرون..
 المعنى الأول: هذا اللسان ماذا يقول في الأربع والعشرين ساعة؟ هذا يتحدَّث عن التجارة فقط، هذا يتحدَّث عن الشهوات الرخيصة فقط، هذا يتحدَّث عن الأحداث الكُبرى التي تُلِمُّ بالعالَم، وأما المؤمن فما فحوى حديثه ؟ ما فحوى كلامه ؟ ما موضوع لقاءاته ؟ ما موضوع حواراته ؟ إنها ذكر الله عزَّ وجل..

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42)﴾

 

( سورة الأحزاب )

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

 رفعنا لك مستوى الحديث، إنك تتحدَّث عن خالق الكون، إنك تدعو إلى مكارِم الأخلاق، إنك تدعو إلى تعريف الناسِ بالله، إنك تدعو إلى صِراطٍ مُستقيم، إنك تدعو إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، إنه كلامٌ مقَدَّس، إنه كلامٌ عَظيم، إنه كلامٌ يمسح عن البشرية مآسيها. هذا هو المعنى الأول، مستوى الحديث، الموضوع، الفحوى مقدس، بينما لو جلست مع قومٍ يتحدثون عن الدنيا، كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

((مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ إِلاَّ قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ ))

 

( الأذكار النووية: عن " أبي هريرة " )

 لكن مجلس المؤمنين مجلس طُهْرٍ وعَفاف، مجلس نصيحةٍ وتَذْكير، مجلس تعريفٍ وتَكْبير..

 

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

 المعنى الثاني أيها الإخوة: أن المؤمن إذا تعرَّف إلى الله عزَّ وجل، وتعرَّف إلى مَنْهَجِهِ، وسار على منهجه رَفَع الله مقامه، رفعه بين الناس رفعة تقديس لا رفعة استعلاء، رفعة طُهْرٍ وكمال لا رفعة تجبرٍ وكِبر..

 

 

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

 والمعنى الثالث: أنه ما ذُكِرَ الله عزَّ وجل إلا ذُكر معه النبي عليه الصلاة والسلام، فمن شهادَتَيّ الإسلام ( أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله).
 ما مِن مؤمنٍ أيها الإخوة يخلص في علاقته مع ربه إلا ويرفع الله له ذكره بين أهله، بين قومه، بين جيرانه، بين أرباب صَنْعته، بين من حوله، بين من سبقوه، بين من لحقوا به..

 

 

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

 ورفعة الذِكر مَطْلَبٌ أساسيٌ في الإنسان، ولكن قد يسلك إليه السبيل الخاطئ، قد يوقع الأذى بالناس ؛ ليعظِّموه، ليخافوه، ليرهبوه، ولكن المؤمن يدعو إلى الله، ويتخلَّق بأخلاق رسول الله، لكن الله عزَّ وجل يكافِئه برفعة الذِكر، ورفعة الذكر رأسمال المؤمن..

 

 

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) ﴾

 يا أيها الإخوة الأكارم... هذه الآية وحدها تكفينا، ماذا قال الله عزَّ وجل ؟..

 

 

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) ﴾

 هُناك في قواعد اللُّغة حقائِق يجب أن تكون بين أيديكم، الكلمة النكرة، كأن تقول مثلاً: دمشق. دمشق مَعْرِفَة لأنها اسم علم، أو تقول: دخلت المدينة، والمدينة اسم عَلَم.

 

 

إن المعارفَ ســـبعـةٌ فيها كَمُل  أنا صالحٌ ذا ملفت ابنِ يا رجل
* * *

 أي أن المعرفة، واسم العَلَم، واسم الإشارة، والاسم الموصول هذه كلها معارف، المعرفة إذا تكررت دلَّت على شيءٍ واحد، لكن النكرة إذا تكررت دلت على شيئين متباينين، أوضح لكم بمثل، قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( إن للصائم فرحةً، إن للصائم فرحةً ـ أعادها مرتان ـ فرحةً حين يفطر وفرحةً حين يلقى الله ))

( مسند الإمام أحمد: عن " أبي هريرة " )

 الصائم واحد.. " إن للصائم فرحةً، إن للصائم فرحةً ". الصائم واحد لكن الفرحة الأولى جاءت نكرة، والفرحة الثانية جاءت نكرة، الفرحة الأولى غير الفرحة الثانية، جاء التفسير..

 

(( إن للصائم فرحةً، إن للصائم فرحةً ؛ فرحةً حين يفطر وفرحةً حين يلقى الله ))

 

( مسند الإمام أحمد: عن " أبي هريرة " )

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) ﴾

 العسر معرَّف بـ (أل) تعريف الاستغراق، قال العلماء: إن أل التعريف التي عُرِّف بها العُسر هو تعريف الاستغراق، أيْ أيُّ عسرٍ على وجه الأرض ينطوي تحت هذه الآية ؛ عسرٌ مادي، عسرٌ معنوي، عسرٌ نفسي، عسرٌ في كسب الرزق، عسرٌ في شفاء المريض، عسر في الهَم والحُزن، إن أيَّ عسرٍ مهما كان نوعه ؛ صغيراً أو كبيراً، جليلاً أو حقيراً، خفياً أو ظاهراً، مادياً أو معنوياً ينطوي تحت كلمة العُسر، لأنها جاءت معرفةً بـ (أل) تعريف الاستغراق.
 وأما اليُسر فجاءت نكرةً تنكير تعظيم..

 

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) ﴾

 قريباً..

 

 

﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) ﴾

 عظيماً، إن مع العُسر يُسراً كريماً، تنكير التعظيم، والشيء الذي يُلفت النظر أيها الإخوة أن الله عزَّ وجل لم يقل: إن بعد العسر يسرا..

 

 

﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) ﴾

 أيْ أن هذه المصيبة، هذه الضائقة، هذا الهَم ينطوي فيه اليُسر، فيه بذور الفَرَج، فيه بذور التَوْسِعَة، فيه بذور العَطاء، اطمئن أيّ عثرٍ جاءك ففي ثناياه، وفي مَضْمونه، وفي باطنه يسرٌ مُحَقَّق، لذلك هذا ما دعا النبي عليه الصلاة والسلام وهو إمام البلغاء، وسيد الفصحاء، هذا ما دعاه أن يقول

 

 

(( لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ))

 

( الجامع الصغير: عن " ابن عباس " )

 فهم النبي عليه الصلاة والسلام أن النَكِرَة إذا تكرَّرت دلَّت على شيئين متباينين، لكن المعرفة إذا تكررت دلت على شيءٍ واحد، فقال عليه الصلاة والسلام:

((لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ))

( الجامع الصغير: عن " ابن عباس " )

 ماذا قال العلماء في تفسير اليُسْرَيْن ؟..

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) ﴾

 قال بعضهم: الآية الثانية تأكيدٌ للأولى، أيْ أيها المؤمن اطمئن بالاً إلى أن هذه الضائقة سوف تنفرج عن يُسْرٍ مُحَقَّق، فما كانت الآية الثانية إلا توكيداً للأولى.
 وبعض العلماء قال: إن اليُسر الأول في الدنيا، واليُسر الثاني في الآخرة، يؤكده قوله تعالى:

 

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾

 

( سورة الرحمن )

 يسرٌ في الدنيا قريب، ويسرٌ في الآخرة بعيد، يسرٌ في الدنيا مُعَجَّل، ويسرٌ في الآخرة مؤجَّل، لأن الله سبحانه وتعالى يأخذ ليُعطي، ويبتلي ليجزي، ويخفِض ليرفع، ويذل ليُعز، ويضر لينفع، ويعاقب ليُنجي صاحب العقاب من عقاب الدنيا والآخرة..

 

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

 

( سورة السجدة )

 أيها الإخوة الأكارم... يقول عليه الصلاة والسلام ـ دققوا في هذا الحديث ـ:

 

(( ما من عبدٍ مؤمنٍ أصابه همٌ، أو ضيمٌ، أو حُزنٌ، أو غمٌ وقرأ هذه الآية إلا شرح الله له صدره ))

 ولا تنسوا هذه اللَّفتة الكريمة حيث جاء اليُسر مع العُسْرِ، ولم يأتِ بعده، لم يقل الله عزَّ وجل: إن بعد العسر يسرا، ولكن..

 

 

﴿إِنَّ مَعَ﴾

 إن للتطمين، أي أن اليُسر سيأتي محققاً وكأنه أتى مع العُسر، أو أن طبيعة العُسر من شأنها أن تُفْضي إلى اليُسر. إذا ضاقت بالإنسان الدنيا فهذا الضيق سببٌ لإقباله على أعتاب الله عزَّ وجل، إذا حلَّ بالإنسان نكبةٌ فهذه النكبة سببٌ لتوبته، إذا جاء للإنسان همٌ فهذا الهم ربما دفعه إلى الصلاة، كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمرٌ بادر إلى الصلاة.
 يا أيها الإخوة الأكارم... السوَر القصيرة في الجزء الأخير من كتاب الله الكريم سوَرٌ قصيرة لكنها في المعاني خطيرة، وفي الدلالات مؤثِّرة، وما أجدرنا أن نحفظها، وأن نَتَمَثَّل معناها، وأن نقرأها، وأن نكون في مستواها..

 

 

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)﴾

 

الـلـه عودك الجـميـل  فقس على ما قد مضى
* * *

 ألم تصب فيما مضى بهمٍ كبير فأزاحه الله عنك ؟ قس هذا عليه..

 

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾

 هذه الآية لها معنيان..
 المعنى الأول: إذا كنت مُنْشَغِلاً في هَمٍ، أو في مرضٍ، أو في تجارةٍ، ثم انتهت المُشكلة، فما لك قاعد ؟ ما لك قاعدٌ لا تقبل على ربك؟ كلما فرغت من همٍ بادر إلى الصلاة، كلما فرغت من همٍ بادر إلى مجالس العلم، كلما فرغت من مشكلةٍ بادر إلى تقوى الله عزَّ وجل، هذا المعنى كما قال بعض المفسرون: موَجَّهٌ للعامة، ولكن الخاصَّة ؛ إذا فَرَغْتَ من الدعوة إلى الله فبادر للإقبال عليه، كان عليه الصلاة والسلام يقول:

 

 

(( أوذيت في الله وما أذوي أحدٌ مثلي، وخفت في الله وما خاف أحدٌ مثلي، ومضى عليَّ ثلاثون يوماً لم يدخل جوفي إلا ما يواري إبط بلال))

 

( الإمام أحمد: عن " ابن مالك " )

 وهو في الليل يصلي قيام الليل حتى تتورَّم قدماه، فيقال له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( أفلا أكون عبداً شكورا ؟ ))

 

( الجامع لأحكام القرآن )

 أيْ إذا فرغت من عملٍ صالح فانصب إلى ذكر الله، إذا فرغت من دعوةٍ إلى الله فتوجَّه إلى الله بعدها بالشُكر، واجمع بين العمل وبين الذِكْر، لا تُرَكِّز على العمل على حساب الذِكر، ولا تركز على الذكر على حساب العمل ولكن اجمع بينهما..

 

﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾

 يا أيها الإخوة الأكارم بماذا نرغب ؟ رغائبنا هويةٌ لنا، رغائبنا، طموحاتُنا، أحلامنا، ما نصبوا إليه هي هويةٌ لنا، فالمؤمن يريد الله ورسوله، يريدُ الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، يحذر من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، يريد ما عند الله، يريد مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، يريد جنةً عرضُها السماوات والأرض، يريد أن يكون في مرضاة الله..

 

 

﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾

 ارغب فيما عنده، ارغب فيما عند الله يحبُّك الله، وارغب فيما في أيدي الناس يُبْغضك الناس.

 

 

لا تسألن بُنَيَّ آدمَ حاجةً  وسَل الذي أبوابه لا تُغْلَقُ
* * *

 الإنسان أيها الإخوة إذا سُئل يغضب، ورب العالمين إذا لم يُسأل يغضب.

 

 

((إن الله يحب الملحين في الدعاء ))

 

( الدر المنثور في التفسير المأثور )

 " اسألوا الله حاجاتكم كلها ".

 

(( لِيَسأَلْ أحدكُمْ رَبَّه حاجتهُ كلَّها حتَّى يسألَ شِسْعَ نَعلِهِ إذا انقطَعَ ))

 

( سنن الترمذي )

(( من لا يدعوني أغضب عليه ))

(الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )

((الدُّعاءُ مُخُّ العِبادةِ))

( سنن الترمذي: عن " أنس بن مالك " )

 أيها الإخوة الأكارم... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني.
والحمد لله رب العالمين

 

* * *

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُقِ العظيم، اللهمَّ صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
 أيها الإخوة الأكارم... كلمةٌ قصيرة حول مناسبة اقتراب ذكرى مولد النبي الشريف.
 لاشكًَّ أن كل مؤمنٍ يصبو إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم، ولكن يجب أن تعلموا أن الاحتفالات بذكرى المولد هي أكبر بكثير مِن أن نجتمع، ونستمع إلى بعض الأناشيد، وأن نُصغي إلى كلمةٍ تُلقى، الموضوع أخطر من ذلك، النبي عليه الصلاة والسلام هو القدوة المُثْلَى، إنَّه المُشَرِّع، فكل أقواله، وأفعاله، وإقراراته، وحركاته، وسكناته تشريع، في أقواله الهُدَى، وفي سلوكه الكمال، وفي مواقفه القُدوة.
 فيا أيها الإخوة الأكارم... يجب أن نعْكِف على معرفة النبي، يجب أن نَفْقَه سيرته، يجب أن نقتفي أثره، يجب أن نقلِّده في كل أفعاله؛ في بيته، وخارج بيته، مع إخوانه، مع من دونه، مع مَن أحاطوا به. إن الاحتفال بذكرى المولد يسمو عن أن يكون احتفالاً شكلياً ينتهي بتلاوة المولد وبتناول بعض الحلوى، ولكن الاحتفال بالمولد، وحبذا لو أن الإنسان جَمَع أهله، وقرأ عليهم سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وحاول أن يطبِّق هو وأهله هذه السيرة، لأنه صلى الله عليه وسلم جعله الله قدوةٌ لنا فقال تعالى:

 

 

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 31 " )

 فجعل الله سبحانه وتعالى علامة حُبِّه الأَكيدة أن تتبع سُنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن تقتفي أثره.
 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك.
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا.
 اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تُبَلِّغنا بها جنَّتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهمَّ بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلِّط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا مولانا رب العالمين.
 اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخيا وسائر بلاد المسلمين.
 اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عُضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السَلْب بعد العطاء، مولانا رب العالمين.
 اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنه على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018