الخطبة : 0360 - تفسير سورة الزلزلة ، أزمة المسلمين أزمة تطبيق - النحل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0360 - تفسير سورة الزلزلة ، أزمة المسلمين أزمة تطبيق - النحل.


1991-08-30

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

كميّة المعلومات التي تُلقى على أُذن المسلم كبيرة جدًّا أما مردودها فقليل :

 أيها الأخوة المؤمنون ، اسْتَوْقفَني في السيرة النبويّة المطهّرة مَوْقفٌ قصيرٌ في أسطُره ، عظيمٌ في دلالته ، هو أنَّ أحدَ الأعراب سأل سيّد الأنام قال : يا رسول الله عِظْني ولا تُطِل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام - وعَظَهُ بآيةٍ واحدةٍ من سورة قصيرة - :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:7-8 ]

 الشيءُ الذي يلفتُ النَّظَر هو أنّ هذا الأعرابي قال : قد كُفيتُ ، أي هذا يكفيني طوال حياتي ، فما كان منه صلى الله عليه وسلّم إلا أن قال : فقُهَ الرَّجُل ، نظرْتُ إلى أحوال المسلمين اليوم ، المسلم الواحِد إذا مضى من عمُره أربعون عامًا ، وقد نشأ في بلدةٍ إسلاميّة ، يستمعُ كلّ أسبوعٍ إلى خطبةٍ تزيدُ عن نصف ساعة ، فيها من الآيات والأحاديث ، وفيها من المواعظ والعِبَر ما لا سبيل إلى وصْفه ، وقد يقرأ عشرات الكتب الإسلاميّة ، وقد يستمعُ إلى عشرات الأشرطة الدِّينيّة ، وقد يحضرُ احْتِفالات كبيرة من عُقودُ القِران ، ويستمعُ فيها إلى الخطباء يلقون على الناس مواعظهم ، إنّه يستمعُ إلى درجةٍ لا تُصدّق ، فإذا أردْت أن تفحصَ العمل ، إنّ العمل ليس على المنهج الذي رسمهُ الله عز وجل ، لذلك يعدّ المسلمون اليوم ملياراً ومئتي ألف مسلم ، بينما كان الصحابة لا يزيدون عن عشرة آلاف صحابيّ ملأَتْ راياتهم الآفاق شرقًا وغربًا ، الذي دفعني إلى هذه السورة القصيرة ، وهي قوله تعالى :

﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:1-8 ]

 الذي دفعني أيّها الأخوة إلى اختيار هذه السورة القصيرة مِحورًا لِخُطبتي أنّ كميّة المعلومات والأدلّة والشواهد التي تُلقى على أُذن المسلم كميّةٌ كبيرةٌ جدًّا ، أما مردود هذا السماع، مردود هذا الإصغاء ، مردود حضور مجالس العلم ، مردود التفقّه ، فمردودٌ قليل جدًّا ، هذا هو سببُ تخلّف المسلمين ، وهذا هو السّبب الذي إذا قرأت القرآن الكريم وجدْت وُعودًا وعَدَ بها خالق الكون ، إذا توجَّهْتَ إلى الواقع لا تجدُ أنّ هذه الوُعود قد تحقَّقَتْ ، والتفسير الوحيد هو أنَّنا لسْنا أهلاً لهذه الوُعود .

 

البون الشاسع بين ما وعَدَ الله به المؤمنين وبين واقِع المؤمنين :

 حينما يقول خالق الكون :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 لا تَجِدُ هذا الوعد الإلهي قد تحقق ، والتفسير الوحيد هو أنّ المؤمنين الذين ينتظرون تحقيق هذا الوعْد ليْسُوا في المستوى الذي يؤهِّلُهم لِنَيْل هذه الثَّمرة ، قد تجدُ قوله تعالى:

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

[ سورة النساء: 141 ]

 وقد تجِدُ للكافرين سُبلاً كثيرةً على المؤمنين ، تقرأ قوله تعالى :

﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة المنافقون : 8]

 قد لا تجدُ المؤمنين يتمتَّعون بهذه العِزَّة التي وعد الله بها ، فإذا رأيتَ هناك بَوْنًا شاسعًا بين ما وعَدَ الله به المؤمنين ، وبين واقِعِ المؤمنين ، إنّ هذا البوْن الشاسع يُفسَّرُ بأنّ المؤمنين ليْسُوا في المستوى الذي أراده الله عز وجل ، أَيَكون هذا الأعرابي الذي سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم آيةً واحدة من القرآن الكريم - أكْثرُ بيوت المسلمين فيها القرآن كلّه ، كتابًا وتسجيلاً ، وما من مسلمٍ إلا يستمعُ في الأسبوع الواحد إلى عشرات بل مئات الآيات تُتْلى عليه ، في مناسباتٍ عِدّة ، وهو يصلّي ويقرأ القرآن - أعرابيّ يستمعُ إلى آيةٍ واحدة يراها تكفيه طوال حياته ؟ يقول للنبي عليه الصلاة والسلام : كُفيتُ يا رسول الله ‍، فيقول عليه الصلاة والسلام : فقُهَ الرَّجُل ، والنبي الكريم كان في قِمّة اللّغة ، لمْ يقُل فَقِهَ ، ولو قالها لكان معنى ذلك أنّه فهِمَ معنى هذه الآية ، ولكنّه قال : فقُهَ ، ومعنى فقُهَ أيْ أصْبحَ فقيهًا ، أيْ أنّ كلّ آيةٍ من كتاب الله إذا رأيتها أنّها تكفيك طوال حياتك وعمِلْتَ بها أصبحْت فقيهًا ، فكيف بسِتمئة صفحةٍ من كتاب الله تعالى بين يديْك ، تقرؤُها ، وتستمعُ إليها ، وتعِظُ الناس بها ، وتتفنَّنُ في تفسيرها ، وتتفنَّن في فهمها ، وفي تحليلها ، وفي إشاراتها ، وفي عباراتها ، وفي مدلولاتها ، ولم ْيقل النبي عليه الصلاة والسلام إلا حقًا ، قال : فقُهَ الرّجل ، إذا تلوْت قوله تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾

[ سورة النساء: 1]

 إذا تلوت قوله تعالى :

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه: 123 ]

 إذا تلوْت قوله تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[ سورة فصلت: 30]

 ألا تكفينا هذه الآية ؟ إذا تلوت قوله تعالى :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 ألا تكفي هذه الآية ؟ إذا تلوْت وقوله تعالى :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه : 124]

 ألا تكفي هذه الآية ؟ إذا تلوْت قوله تعالى :

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة القصص: 61]

 ألا تكفي هذه الآية ؟ إذا تلوْتَ قوله تعالى :

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

أزمة المؤمنين أزمة تطبيق :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لو قرأتم القرآن الكريم ، وأيْقنتُم يقينًا ليس فيه شكّ أنَّه كلامُ خالق الكون ، وأنَّ وُقوع وعْدِهِ ووعيده مُحقّق مئةً بالمئة ، إذا قرأتُم وأيقنتم ، تكفيكم آيةٌ واحدة كما كفَتْ هذا الأعرابي الذي قال : يا رسول الله قد كُفيت .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ، الأزمةُ الحقيقيّة التي يُعاني منها المسلمون ليْسَت أزْمة سماع ، ليْسَت أزمةَ تعلّم ، ليْسَت أزمة إلقاء ، إنّها أزمةُ تطبيق ، إنّها مِحنةُ العمل ، اُدْخُل إلى بيوت المسلمين ، أين منهجُ الله في البيوت ؟ أين أمر الله النافذ في البيوت ؟ أين النهي الذي نهى الله عنه ؟
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أعرابي في عهد النبي عليه الصلاة والسلام يستمعُ من فم النبي صلى الله عليه وسلّم إلى آيةٍ واحدة يراها تكفيهِ طوال حياته ، وفي كلّ بيتٍ من بيوت المسلمين مكتبةٌ عامرة ، وخُطبٌ صبّاحةٌ ، ومقالات رائعة ، ويحضرُ مجالس العلم ، ويحضُر احتفالات تلقى فيها كلمات الحفل ، ومع ذلك لا ترى المردود الذي يتناسبُ مع هذا السّماع .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا تتألّق ، ولا تقطفُ ثمار الدِّين ، ولا تمسكُ بيَدِكَ الثّمرات التي وعَدَ الله بها ، أنت كَمُؤمنٍ موعودٌ بِحَياةٍ طيّبة ، أنت كمُؤْمن موعودٌ بِنَصْر الله عز وجل ، أنت كمُؤمن موعودٌ بتأييد الله عز وجل ، وبالتمكين والاستخلاف ، موعودٌ بالتوفيق ، كلّ هذه الوُعود لن تصِلَ إليها إلا إذا عدَلت عن السماع إلى التطبيق ، كلّ هذه الثّمرات لن تنالها إلا إذا عَدَلْت عن الإصغاء إلى العمل ، كلّ هذه الخيرات التي وعدَ الله بها لن تذوقها إلا إذا الْتَزَمْت الأمْر والنّهي ، قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال: 72]

مراجعة النفس و الاستعانة بالله :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا كانت الشّمسُ ساطعةً ، ونظرْت إليها ، ورأيْت أنّها ساطعة ، وفكّرْت ملِيًّا ، وتأمَّلْتَ طويلاً ، وبعد كلّ ذلك نطقتَ الجوهرة وقلت : الشّمسُ ساطعة ، ماذا فعلْت ؟ ماذا أضفْت ؟ ما الذي حدَث ؟ لمْ يحدث شيء ! إذا آمنْت بالله ، ولمْ تُتْبِع هذا الإيمان بالعمل فإيمانك لا ثمَرَة له .
فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ راجعوا أنفسكم ، وحاسبوا أنفسكم ، ودقِّقُوا في دخلكم، دقِّقُوا في إنفاقكم ، دقّقوا في علاقاتكم الاجتماعيّة ، دقّقوا في المخالفات التي إذا اجْتَمَعْن على الرّجل يُهْلِكْنَهُ ، إنّ الشيطان - كما قال عليه الصلاة والسلام في خطبة الوداع - يئسَ أن يُعبدَ في أرضكم ولكنّهُ رضيَ فيما دون ذلك مِمَّا تحقرون من ذنوبكم ، هذه الصّغائر التي تظنّها صغائر ، إذا أصْررْت عليها انْقلبَتْ إلى كبائر ، هذه الصّغائر إذا أصْررْت عليها قطَعَتك عن الله كما تقطعك الكبائر ، لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار ، واسْتَعِن بالله ولا تعْجز ، لا تقطفُ ثمار الدّين ، ولا تذوق طعْم الإيمان ، ولا تذوق طعْم الأمْن الذي وعدَ الله به المؤمنين ، قال تعالى :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 81]

 إلا إذا الْتَزَمْت أمْر الله عز وجل ، وإيّاك أن تقول أيُّها الأخ الكريم : لا أستطيع ، هذا زمانٌ صعب ، إن قلْتَ : لا أستطيع فأنت تتَّهِمُ كلام الله عز وجل ، حينما قال الله عز وجل:

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

 الذي خلقك ، الخبير يُنبئُك أنّ كلّ ما كلّفتكم به يا عبادي في وُسْعِكُم ، وضِمْن إمكاناتكم ، وضِمْن طاقاتكم ، فإيّاك أن تعتذرَ لنفسِكَ أنّ أمْر الله عز وجل فوق طاقتك ، أنّ الاستقامة في آخر الزمان فوق مقدورك ، هذا عذرٌ واهٍ لا يقفُ على قدَمَين .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ أحيانًا يرى المدرّس أنْ يُجريَ امْتِحانًا مفاجئًا ، قد يكون لهذا الامتِحان المفاجئ أهدافٌ تربويّة ، ولكنّ مدرِّسين آخرين يُعلنون قبل شهرٍ عن مَوْعِدِ الامتحان ، ويدفعون الطّلاب إلى الاسْتِعداد له ، إنّها رحمةٌ ما بعدها رحمة ، ربّنا سبحانه وتعالى ونحن أحياء ، ونحن في الدنيا ، وأبواب التوبة مُفتَّحَةٌ على مصارعها ، والصّلحة بِلَمْحة كما يقول بعض علماء القلوب .

 

مَشْهد من مشاهِدِ يوم القيامة :

 ونحن في الدنيا ربّنا سبحانه وتعالى نقلَ لنا مَشْهدًا من مشاهِدِ يوم القيامة ، قال تعالى :

﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة:1]

 وإِذَا أيّها الأخوة حرْف شرْط غير جازم ، مِن معانيها تَحَقُّق الوُقوع ، تختلف عن إِنْ في أنَّ إِن تُفيدُ احتمال الوُقوع ، إذا قال الله عز وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

[ سورة الحجرات : 6]

 قد يأتي الفاسق ، وقد لا يأتي ، أما إذا قال الله عز وجل :

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾

[ سورة النصر: 1]

 لابدّ مِن أن يأتي ، إذا قال الله عز وجل :

﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة:1]

 لابدّ مِن أن تُزَلزل الأرض زلزالها ، فإِذا تُفيد تَحقّق الوُقوع ، بينما إنْ تُفيد احتمال الوُقوع ، إذا زُلزلت الأرض ، لمْ يقل إذا زلزلت الأرض زلزالاً ، أو زلزلةً ، الزلزال والزلزلة مصدران لِزَلْزَلَ ، وزَلْزَلَ ثنائي مضعّف يفيد التكرار ، والزلازل الآن تُقاس بِمِقياس رختر ، يفيد هذا المقياس عدد الذّبذبات في الثانيَة الواحدَة ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾

[ سورة الحج : 1-2]

 معه الحقّ هذا الأعرابي أن يقول : يا رسول الله قد كُفيتُ ، إذا زلزلت الأرض الزلزال الموعود ، الزلزال الخاصّ بها ، هذا معنى قوله تعالى زلزالها ، كأن تقول : ومن أراد الآخرة ، لمْ يقل وسعى لها ، قال : وسعى لها سعْيَها ، أي لها سعيٌ خاصّ ، لها شروطٌ دقيقة ، لها أوضاعٌ دقيقة ، لن تنْجُوَ من الدّنيا إلا إذا سعَيْت لها السّعي الذي أراده الله عز وجل .

 

تفسير أثقال الأرض :

 ثم قال تعالى :

﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة:1- 2 ]

 تفسيرات كثيرة لأثقال الأرض ، ولكِنَّ أوْجَهَ هذه التفاسير هذا الإنسان الذي كرَّمَهُ الله أعْظَم تكريم ، وخلقهُ في أحسن تقويم ، هذا الإنسان الذي سخَّر الله له ما في السموات والأرض ، أوْدَعَ فيه العقل ، وهو أثْمَنُ ما في الكون ، منَحَهُ حريّة الاختيار ، أوْدَعَ فيه الشهوات لِيَرقى بها إلى ربّ الأرض والسموات ، أعطاهُ ميزانًا ، وأعطاه على الميزان ميزانًا ، إنّه الشّرْع ، هذا الإنسان المخلوق الأوّل المدفون في باطن الأرض جاء وقتُ الحساب ، جاء وقت العَرْض ، جاء وقْت الوُقوف بين يدي الله عز وجل ، جاء وقتُ الجزاء ، جاء وقت التكريم ، جاء وقت التشريف ، جاء وقت العقاب ، جاء يوم الفصْل ، جاءتْ الطامّة الكبرى ، جاء يوم الدِّين ، قال تعالى :

﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة:1- 2 ]

 أخرجت من بطنها هذا الإنسان ، الذي جعلهُ الله المخلوق الأوّل ، الذي سخَّر له ما في الأرض والسموات ، الذي أعطاهُ العقل ، هذا الإنسان الذي لو حَمَل الأمانة كما ينبغي لكان خيْرَ البريّة كما قال الله عز وجل ، وإذا ترَكَ حمْلَ الأمانة وخان الأمانة كان أقلَّ المخلوقات طرًّا ، وأخرجت الأرض أثقالها ، ذُعِر الإنسان ، صُعِق الإنسان ، ماذا جرى ؟ ماذا حصَلَ ؟ إلى أين ؟ ما الذي سيكون ؟ ماذا ينتظرني ؟

 

يوم الدين اليوم الذي لا تخفى فيه على الله خافِيَة :

 قال تعالى :

﴿ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة: 3 ]

 قال مَدهوشًا ، وقال متعجِّبًا ، وقال فزِعًا ، قال تعالى :

﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة: 4]

 كلّ أفعال الإنسان ونواياه ، طموحات الإنسان ، تجاوُزات الإنسان ، كلُّ ظُلْم الإنسان ، وأكْل الحُقوق ، كلُّ العُدوانات ، يومئذٍ تحدِّثُ أخبارها ، قال تعالى :

﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة فصلت : 21]

 إنّ هذه الأرض التي تمشون عليها تشْهدُ لكم أو عليكم ، إنّ هذه الجلود تشْهدُ عليكم ، إنّ هذه الحواس تشهدُ عليكم ، قال تعالى :

﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة فصلت : 21]

 يومئذٍ تُحَدِّثُ الأرض أخبارها بهذا الإنسان ، طُغيانهُ وظُلمه وإنصافهُ أَكانَ مُحسِنًا أم مُسيئًا ؟ منصفًا أم ظالمًا ؟ خيِّرًا أم شِرِّيرًا ؟ أعطى الحقوق أم منعها ؟ أحْسَنَ أم أساء ؟ أتْقنَ أم أهْمَلَ ؟ أخْلصَ أم خانَ ؟ رعى أم ضيَّع ؟ قال تعالى :

﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة: 4]

 ولمَ تُحدِّثُ أخبارها ؟ من أمرها بذلك ؟ قال تعالى :

﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة:5 ]

 يا أرضُ تَكَلَّمي ، الأرض تشْهدُ ، والجبال تشهدُ ، والسّهول تشهد ، وهذا المقصف يشهد ، كم شُربَ فيه الخمر ؟ وهذا المكان يشهدُ كم ارْتُكِبَت فيه المعاصي ؟ وهذا المسجدُ يشهدُ كم أُقيمَت فيه الطاعات ؟ وهذا السوق يشهد كم حلف فيه من يمينٍ كاذبة ؟ وهذا الرّجل يشهد ، وكلّ شيءٍ يشهدُ على فِعْل الإنسان ، هو يوم الجزاء ، هو يوم الدِّين ، هو يوم الفصْل ، هو اليوم الذي لا تخفى فيه على الله خافِيَة .

 

صدور الناس يوم القيامة كلّ له أجله و خشيته :

 ثم قال تعالى :

﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة الزلزلة:6 ]

 أيها الأخوة ؛ وردَ الماء أي ذهبَ إلى النّبْع لِيَشْربَ ، وأما صدَرَ عن الماء فعادَ بعد أن شربَ ، فالله سبحانه وتعالى شبَّه القبر بأنّ الإنسان وصلَ إليه ودُفِنَ فيه ، وحينما يأتي يوم القيامة يخرجُ منه لِيَلقى جزاء عمله ، يوم يصدر الناس ، ولكِنَّ السرّ في كلمة أشتاتًا ، يصْدُر الناس يخرجون من قبورهم أشتاتًا متفرِّقين ، هذا يلْتَمِعُ وجههُ ضياءً ، وُجوهٌ يومئذٍ ناضرة إلى ربّها ناظرة ، وهذا يُغشِّي وجْههُ سواد المعصِيَة ، وهذا متلبّسٌ بِجَريمته ، وهذا متلبِّسٌ بِخِيانته، وهذا أدْمَنَ الخمْر ، وهذا مارسَ الزنا ، وهذا أكل حُقوق العباد ، وهذا بغى ، وهذا طغى، وهذا نجح ، وهذا أفلحَ ، وهذا عملَ صالحًا ، وهذا أنفق ماله ، وهذا منعَ مالهُ ، يومئذٍ يصدر الناس أشتاتًا متفرِّقين كلٌّ له عملهُ ، كلٌّ له حالهُ ، كلٌّ له إقبالهُ ، كلٌّ له أجلهُ ، كلٌّ له خَشْيتُهُ ، قال تعالى :

﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة الزلزلة:6 ]

البطل من يعدّ جواباً لله عز وجل قبل يوم الحساب :

 قال تعالى :

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾

[ سورة الإسراء : 14]

 وكأنّ أعمال الإنسان تُعرضُ عليه كشَريط ، عملٌ عمل ، بأدقّ تفصيلاته ونواياه، بأدقّ طُموحاته ، بأدقّ جُزئياته ، ألم تفعل كذا ؟
 في الدنيا يُخالف الإنسان أنظمة السَّيْر ، وهناك أجهزةٌ حديثةٌ جدًّا تلتقط له بعض الصُّوَر ، فإذا ووجِهَ بِمُخالفةٍ وقال : لم أكن في هذا المكان تُعْرضُ عليه الصورة أليْس هذا هو الطريق الفلاني ؟ أليْسَت هذه مركبتُك ؟ أليْسَ هذا رقمُ مركبتك ؟ أليس هذا لون مركبتك ؟ ألسْت أنت داخلها ؟ قال تعالى :

﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة الزلزلة:6 ]

 لِمَ طلَّقْتَ زوْجتك ؟ ألم تكن لك وفيَّة ؟ لمَ أخرجتَ شريكك من هذه الشركة ؟ بعد أن تمكَّنت من العمل ، لم فعلت كذا ؟ ولمَ أعْطَيْتَ ابنك كذا ولم تعط الآخر ؟ تفضَّل ، البطَل أيّها الأخوة ، هو الذي يملكُ جوابًا في هذا اليوم العصيب ، البطولة لا أن تقطَع الطّرق ، ولا أن تصل إلى أرقام قياسيّة في العدو ، أو في الجري ، أو في القفز ، البُطولة أن تملك جوابًا لِرَبّ العباد في هذا اليوم العصيب ، وفي هذا اليوم العسير ، قال تعالى :

﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة الزلزلة:6 ]

 ماذا عمِلْت ؟ جئتَ إلى الدنيا ، وعِشْت ثلاثًة وسِتِّين عامًا ، وخرجْت منها ماذا قدَّمْت للبشريّة ؟ ماذا قدَّمْت للمسلمين ؟ ماذا فعلْت ؟ أعْطيْتُكَ مالاً ماذا صنعْت فيه ؟ يا ربّ لمْ أُنفق منه شيئًا مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، ألَمْ تعلم بأنّي أنا الرزاق ذو القوّة المتين ، إنّ الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلْتُه بهم .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قالوا :

ليس من يقطـع طـرقًا بطـلاً  إنّـما من يتّقـي الله البـطل
***

 البطولة أن تتّقي الله ، البطولة - وهذا كلام من القلب - أن تعرف الله وأنت صحيح ، وأنت معافى ، وأنت قويّ ، وأنت غنيّ ، وأنت حيّ ، لأنّ معرفة الله أيّها الأخوة - كلامٌ دقيق جدًّا - حاصلة ، كيف ؟ فرعون الذي قال : أنا ربّكم الأعلى ، والذي ذبَّح أبناء المسلمين ، فالقضيّة ليست أن تؤمن أو لا تؤمن ! لا ، المشكلة متى تؤمن ؟ لا بدّ من أن تؤمن عند الموت ، قال تعالى :

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[ سورة ق: 22]

 قال تعالى :

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ﴾

[ سورة الفجر : 24-25]

 قال تعالى :

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾

[ سورة الفرقان : 27]

 لابدّ من أن تؤمن ، ولكن بعد فوات الأوان ، فالمشكلة ليست أن تؤمن أو لا تؤمن! لا ، المشكلة متى تؤمن ؟ يجبُ أن تؤمن وأنت في مقتبل العمر ، وأنت صحيح شحيح ، ترجو الغنى وتخشى الفقر ، وأنت في شبابك ، وأنت في صحّتك ، وأنت في غِناك ، إذا آمنْتَ في الوقت المناسب اسْتثْمرْت الإيمان ، فإذا لمْ تؤمن إلا في الوقت غير المناسب كان هذا الإيمان حسرة عليك .

 

ثمرات الدِّين لا نجنيها إلا بِتَطبيق الآية التالية :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا دخلَتْ أشِعّة الشّمس إلى غرفتك في الشّتاء ، وأردْت أن تكنسَ أرض الغرفة ، اُنظر إلى بعض ذرّات الغبار التي لا تُرى إلا في أشِعّة الشمس ، والتي لا وزْن لها ، لا وزن لها إطلاقًا تراها معلّقة في الهواء ، لو أردْتَ أن تمْسِكَها لتفلَّتَتْ منك ، قال بعض علماء التفسير لو أنّ لك عملاً صالحًا بِحَجم هذه الذرّة من الغبار لرأيت جزاءه ، ولو كان لك عملٌ سيئ بِحَجم هذه الذرّة من الغبار لوَجَدْت عقابه ، قال تعالى :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة: 7-8]

 هذا الأعرابي أمَعَهُ الحقّ أن يقول : كُفيتُ يا رسول الله ؟ والله معه الحقّ ، هذا النبي الكريم حينما قال لهذا الأعرابي ، أو قال عنه : فقُهَ الرّجل ، أي صار فقيها ، والله معه الحقّ .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ والله الحياة أقصَر من أنْ تسْتهلكها بالخِلافيّات ، في الدِّين مسائل خلافيّة جدًّا ، هذه مزَّقَت المسلمين ، والله الذي لا إله إلا هو في القرآن آياتٌ محكمات لا تحتاجُ إلى مفسِّر ، لا تحتاجُ أن تفتَحَ كتابًا ، آيةٌ واضحةٌ كالشمس ، لو قرأتها وفهمتها وعقلْتها وطبَّقتها لكُنْت من كبار المؤمنين ، وأنت في غِنًى عن كلّ الخلافيات في الإسلام ، هناك موضوعات متّفق عليها بين كلّ المسلمين ، وموضوعات مختلفٌ فيها ، الموضوعات التي اختلفَ فيها مزَّقَت وحدتهم ، وشتَّتَتْ شمْلهم ، بعْثرَتْ جهودهم ، جعلتهم في مؤخِّرة الرّكْب ، دعونا من كلّ الخلافيات ، أليس في القرآن آيات محكمات لا تحتاج لا إلى زمخشري ، ولا إلى قرطبي ، ولا إلى ابن كثير ، ولا إلى أيّ توضيح آخر ؟ بِرَبِّكم أتحتاجون إلى مفسّر لفهم هذه الآيات ، قال تعالى :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة: 7-8]

 لو طبّقنا هذه الآية في أعمالنا ، هل هناك غِشّ ؟ هل هناك كذب ؟ هل هناك تدليس ؟ هل هناك رفعُ سِعْرٍ بلا مُبرّر ؟ هل هناك قنْص ؟ هل هناك تغرير ؟ لا والله ، لو طبّقناها في بيوتنا هل هناك طلاقٌ تعسُّفي ؟ هل هناك ظلمٌ للأولاد ؟ لا والله ، لو طبّقناها في صَنْعتنا ، هل هناك صَنعةٌ تحاوِلُ أن تأخذ أعلى سِعر بأدنى مستوى ؟ لو طبّقناها في تعليمنا هل تحتاجُ إلى مدرِّسٍ خاصّ مع أنّ الطالب في المدرسة يتلقّى كلّ المواد ؟ لو طبّقناها في طبِّنا، وفي قصْر العدل ، هل تبقى دعوة ظالمة ؟ قال تعالى :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة: 7-8]

 كنْ كهذا الأعرابي ، واتْل هذه الآية ، وقلْ للنبي عليه الصلاة والسلام عن بُعْد : يا رسول الله جزاك الله عنا كلّ خير فلقد كُفيتُ ، وطبِّقها في حياتك ، وانْظُر كيف تتألّق ، وكيف تمسك بيديك ثمرات الدِّين ، وانْظُر كيف يبثّ الله فيك الأمْن ، وانْظر كيف ييَسِّر الله أعمالك ، كلُّ ثمرات الدِّين لا تجنيها إلا بِتَطبيق هذه الآية .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

النّحل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ أستاذٌ في الجامعة يعمل أربعين عاماً في تدريس عِلْم تربية النّحل ، حينما كان يقرأ قوله تعالى :

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾

[ سورة النحل: 68 ]

 دُهِشَ دهشةً لا حدود لها ، لأنّ ترتيب هذه الآية ، ونَظْم هذه الآية ، ومدلول كلماتها ، وروْعَةَ إشاراتها تتوافقُ مع أحدَث نظريّات النّحل ، بل وقْت نُزول هذه الآية لم يكن للعَسَل الدّوْرُ الذي عُرِفَ الآن ، كان العسلُ وقتها غذاءً فصار الآن دواءً ، كان العسلُ مادّة حُلْوَةَ الطَّعْم فصار اليوم صيدليّة بأكملها ، على كُلٍّ الموضوع طويل ، ولكن سأجْعلُ إن شاء الله تعالى بعض الخطب القادمة توضيحًا لِعَلاقة صيغة هذه الآيات المتعلّقة بالنَّحْل مع أحْدَث ما توصَّل إليه العِلْم في هذا الموضوع ، قال تعالى :

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾

[ سورة النحل: 68 ]

 العلماء قالوا : الله عز وجل يوحي إلى الأرض كما قلتُ قبل قليل بأنّ ربّك أوحى لها ، ووَحْيُه إلى الأرض أمرها ، أن يأمرها بأنْ تفعَلَ شيئًا معيَّنًا ، وقد يوحي للنّحل ، ووحْيُ النّحل يقتضي الغريزة التي أوْدَعَها الله فيها ، وقد يوحي لإنسانٍ عادي ، قال تعالى :

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾

[ سورة القصص : 7]

 وهو الإلهام ، وقد يوحي لأنبيائه وهو وَحيُ الرّسالة ، فإذا أوْحى الله إلى النحل فلأنّ هذه الحشرة تقدِّم للإنسان شيئًا ثمينًا جدًّا جدًّا ، بل إنّ كلمة الشّفاء لمْ ترِد إلا في مَوْطِنَين ، العسل والقرآن ، وكأنّ العسَل شفاءٌ للأجسام ، والقرآن شفاءٌ للنفوس .
 أما قوله تعالى أوحى ربّك ، فلم يقل أوحى الله ، مع أنّ اسم الله عز وجل علمٌ على الذات واجبة الوجود ، ومع أنّ الأسماء الحسنى كلّها مُنْطوِيَةٌ في لفظ الجلالة ، لكنّ الله سبحانه وتعالى أراد ان يبلّغ الإنسان أنّ هذا الربّ الكريم الذي يرعاك ويُمدُّك هو الذي خلق لك النَّحْل ، من أجلك خِصِّيصًا ، ربّك الذي يربِّيك ، ويُربِّي جسدَك ، الذي يربّي نفسَكَ ، الذي أوْجَدَك ، والذي أمدَّك بالهواء ، بالماء ، بالطعام ، بالشراب ، بالمعادن ، بأشباه المعادن ، بكلّ ما في الأرض من مخلوقات ، هو الربّ ، هو نفسهُ ربّك الذي أوحى إلى النحل .
 أما الشيءُ الذي يلفتُ النّظر فهو أنّ النّحْل وردَت في القرآن مؤنَّثةً ، قال تعالى :

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي ﴾

[ سورة النحل: 68 ]

 بينما قالت نملة في قوله تعالى :

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾

[ سورة القصص : 7]

﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ ﴾

[ سورة النمل :18 ]

 لماذا جاء خِطاب النمل مُذكّرا وخِطاب النحل مؤنَّثًا ؟ لأنّ النَّمْل جماعةٌ فيها الذكور والإناث ، وإذا أردْت أن تخاطب مجموع الذّكور والإناث في اللّغة تستخدم ضمير الذّكور، أما إذا كان الخِطابُ موجَّهًا للإناث فقط فتستخدمُ ضمير الأنوثة ، لأنّ الشغالات والعاملات وحدهنّ يصنعن النحل ، وهل هذا معروفٌ في عهْد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ قال تعالى :

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي ﴾

[ سورة النحل: 68 ]

 ياء المؤنّثة المخاطبة ، قال تعالى :

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾

[ سورة النحل: 68 ]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ، آياتٌ كثيرة جدًّا بثّها الله في الكون ، وبثّها الله في الأرض ، وما على الإنسان إلا أن يُدقِّق فيها لِيَكون إيمانه بالله تحقيقيًا ، فإذا كان إيمانه بالله تحقيقيًا ، أوْرثهُ هذا الإيمان عملاً ، واستقامةً ، والتزامًا ، فإذا الْتَزَم قطف ثمار الدِّين ، إيمانٌ تحقيقيّ ، الْتِزامٌ بأوامر الدِّين ، قطْفٌ لثِماره في الدنيا والآخرة .

 

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت ، فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت ، نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ أعنا على الصيام والقيام وغضّ البصر وحفظ اللّسان ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنّا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنَّا ، أصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ، ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين ، وانصر الإسلام ، وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى ، إنَّك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018