الخطبة : 0359 - تفسير سورة العلق (القراءة تعني طلب العلم) - أدنى الأرض. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0359 - تفسير سورة العلق (القراءة تعني طلب العلم) - أدنى الأرض.


1991-08-23

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

القراءة رمزُ التعلّم والعمل الصالح أساس السعادة في الدنيا والآخرة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الآيات الأولى التي نزل بها جبريل الأمين على قلبِ سيِّد المرسلين ، قوله تعالى :

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

[ سورة العلق: 1-5 ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ في الإسلام نظْرَةٌ شاملة إلى الحياة ، في الإسلام نظْرَةٌ شاملة إلى الكون ، ونظْرَةٌ شاملة إلى الحياة ، ونظْرَةٌ شاملة إلى حقيقة الإنسان ، في هذه الصورة تتَّضِحُ نظْرة الإسلام إلى الإنسان ، نظْرة الإسلام إلى الإنسان في علاقته بِرَبِّهِ ، وفي علاقة ربّه به ، إنّها في الأصْل خِطابٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ، وبالتَّبَعِيَّة لِكُلّ إنسانٍ يفهم الخِطاب من بعده ، أوّلُ آياتٍ نزَلَ بها جبريل الأمين على قلب سيِّد المرسلين .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ في هذه الآيات دلالةٌ كُبرى على أنّ قيمة الإنسان في قدرته على التّعلّم ، فالجمادات تشْغلُ حيِّزًا مادِّيًا ، والنباتات تشْغلُ حيِّزًا ماديًّا وتنمو ، والحيوانات تشغلُ حيِّزًا مادِّيًا وتنمو وتتحرَّك ، والإنسان يشغلُ حيِّزًا مادِّيًا وينْمُو ويتحرَّك ويفكّر ، أكرمَ الله الإنسان بهذه القُدرة على التَّعلُّم ، وهذه القُدرة على الإدراك ، بهذه القوّة الإدراكيّة التي ميّزهُ الله بها على سائر المخلوقات . قوله تعالى واقْرَأ بعيدًا عن ملابسات الآية ، وعن أسباب نزولها ، وعن أنّها خِطابٌ في الأصْل إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ، في عُموم الآيات القِراءةُ رمْزُ التّعلّم ، أو القراءة رمْزُ العلم ، والعلم أساس العمل ، والعمل الصالح أساس السعادة في الدنيا والآخرة ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

[ سورة فصّلت : 30]

 وقال تعالى :

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصّلت : 33]

 وقال تعالى :

﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل : 32]

 القراءة رمزُ التعلّم ، والعمل أساس العمل الصالح ، والعمل الصالح أساس السعادة في الدنيا والآخرة .

 

اعتماد القرآن قيمة العلم والعمل كقيمةٍ أصيلة حقيقيّة للتفاضُل بين الناس :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إما أن تقرأ في كتاب ، وإما أن تقرأ الكتاب ، وإما أن تعني القراءة مطلق التعلُّم ، تقول : قرأْتُ في وَجْه فلان علامات الغضب ؛ أيْ تعرَّفْتُ إلى حالاته النّفْسيّة من خلال علامات وجْهه ، فالله سبحانه وتعالى أراد من الإنسان أن يتعلّم لِيَسْعَدَ بِعِلْمِهِ ، ولكن وقْفةٌ قصيرة ، الحظوظ التي تواضع الناس عليها ، أو تفاوَتَ الناس من خلالها ، أو وضَعَها الناس مِقياسًا للتّفاوُت بينهم ، كَحَظّ المال ، وحظّ الجمال ، وحظّ القوّة ، وحظّ الذّكاء ، كلُّ هذه الحُظوظ لمْ ترِد في كتاب الله تعالى كَأُسُسٍ صحيحة للتفاضل بين الناس ، ولكنّ قيمة العلم والعمل وحدها اعْتَمَدها القرآن كقيمةٍ أصيلة حقيقيّة للتفاضُل بين الناس ، قال تعالى :

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الزمر: 9 ]

 وقال تعالى :

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 132]

القراءة بمعناها الواسع :

 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ القراءة بِمَعناها الواسِعِ الشامِل تعني أنْ تطْلُبَ العِلْم ؛ إما مُشافهةً ، أو مُدارسةً ، لا بدّ من أن تعلمَ ؛ لأنّ أصْل الدِّين معرفة الله عز وجل ، ولأنّ أصْل العمل الذي ينقذُك من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة هو ما بُنِيَ على عِلْمٍ صحيح .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ كما قلتُ قبل قليل ، في هذه الآيات التي نزلَ بها جبريل الأمين على قلب سيّد المرسلين نظْرة الإسلام إلى حقيقة الإنسان ، إنّ الناس في بعض أحوالهم يعيشون لِيَأكلوا ، وبعضهم يأكلون لِيَعيشُوا ، ولكنّ المؤمن يعيشُ لِيَعرف الله عز وجل ، ليعرف أمرهُ ونهيَهُ ، ليَسْتقيم على أمره ، لِيَتَقرَّب إليه بالأعمال الصالحة فيسْعَدُ في الدنيا وفي الآخرة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ أما قول الله عز وجل :

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾

[ سورة العلق: 1]

 فالقراءة ليْسَت مطلقةٌ ، وليس كلّ علمٍ نافعًا ، وليس كلّ نشاطٍ فكريّ مُجديًا ، وليس كلّ اطّلاعٍ مغنِيًا ، وليس كلّ طلبِ علْمٍ يُنجي صاحبهُ يوم القيامة ، هذه الطاقة التي أوْدَعَها الله في الإنسان يجبُ أن تُوجَّه في المسار الصحيح ، يجبُ أن تُوَجَّه وفْق الهدف القويم، يجبُ أن تنطلق من البحث عن الحقيقة الكبرى ، لذلك جاء طلب العلم مُقيَّدًا ؛ اِقْرَأ باسْمِ ربِّكَ ، وإذا ورد في القرآن مثل هذه الآيات ؛ باسْمِ ربِّكَ فهي تعني أشياء كثيرة ، أي اِقْرأ منطلقًا من التعرُّف إلى ربّك ، ولْتَكُن قراءتُك ملابِسَةً في كلّ جُزئيّاتها في معرفة الله عز وجل ، ولْيَكن الهدف الكبير من كلّ نشاطٍ عِلمي أنْ تصِلَ إلى الله تعالى .
أيها الأخوة الأكارم ؛ مَنْ عَرَفَ الله عرَفَ كلّ شيء ، ومن فاتَتْهُ معرفة الله فاتَهُ كلّ شيء ، مَنْ وَجَدَ الله وَجَدَ كلّ شيء ، ومن فاتَهُ أن يصِل إلى الله فاتَهُ كلّ شيءٍ ، اقْرأ باسم ربّك .

 

الربّ يتولى أمر الإنسان و يربي عقله :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الربّ هو الذي يتولّى أمْر الإنسان ، هو الذي يربّي جِسْمهُ، هو الذي يربّي عقْلهُ ، هو الذي يربّي نفْسَهُ ، هو الذي يُعِدُّهُ لِمَعادِهِ ، هو الذي يصحّح له مساره، هو الذي يوقِفُهُ عند حدِّه أحيانًا ، هو الذي يُشجِّعُهُ ، هو الذي يُقرِّعُهُ ، الربّ أيّها الأخوة أقْربُ أسماء الله تعالى إلى الإنسان ، هو الذي يتولّى أمْرهُ ، ولا أدلّ على ذلك مِن أنّ الإنسان في أصْلِهِ نطفةٌ لا تُرى بالعَيْن المجرّدة ، نطفة من ثلاثمئة مليون نطفة ، نطفةٌ تقْتَحِم البُوَيْضة لِتُلقِّحَها ، وتنقسمُ البُوَيْضة إلى عشرة آلاف قِسْمٍ من دون أن يزيدَ حجمها ، وهي في الأنبوب الذي يصلُ بها إلى الرَّحِمِ ، وفي الرّحِم كيف تنغرسُ هذه البُوَيْضَةُ المُلقَّحَة ، وكيف تمتدّ لها أيدي تعلقُ بها على جِدار الرّحِم ، وكيف يُمِدّها الرّحِم بآلاف الأوْعِيَة التي تُعطيها الغذاء الكافي، وكيف تنتقل من نطفة إلى علقةٍ إلى مضغة مخلّقة وغير مخلّقة إلى عِظام ، إلى لحْمٍ يكسُو العِظام ، هذا الإله العظيم ، وهذا الربّ الكريم الذي تولّى ترْبيَة هذه النّطفة الضعيفة التي لا تُرَى بالعَين ، إلى أن تُصْبح في تسعة أشهرٍ وعشرة أيّامٍ مخلوقًا له جهازٌ هضمي ، وله عضلاتٌ منوّعة أنواعًا كثيرة ، عضلاتٌ مخطّطة ، وعضلاتٌ ملْساء ، وعضلة القلب وحْدها تأخذ بالألباب ، فيه قلبٌ يضخّ بِعَضلاته القويّة ، ودسّاماته المحْكمة ، وأوْعِيَتِه المرِنَة ، وفيه جِهاز تنفّسي يُصفّي الدّم في كلّ حين ، وفي جهاز هضمي ، وجهاز عصبي ، وجهاز تَصْفيَةٍ للبَوْل ، من نُطفةٍ مخلّقة وغير مخلّقة تصبحُ إنسانًا سَوِيًّا تحارُ في بُنيَتِهِ العُقول ، تحارُ في دِقّة تركيبه الأدْمِغَة ، تحارُ في أداء وظائفه أكبرُ عُقول البشر .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا هو المُربّي ؛ الذي ربّاك نُطْفةً حتى صِرْتَ إنسانًا سَوِيًّا ، كما قلتُ لكم من قبل : إنّ هذه النّطفة عليها شريط المُوَرِّثات أو شريط معلومات ، تزيدُ معلوماتهُ عن خمسة آلاف مليون معلومة ، وخمسة آلاف مليون معلومة على البُوَيْضة ، قال تعالى :

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

[ سورة الإنسان : 2]

النشاط العقلي الذي أوْدَعَهُ الله في الإنسان أعظمُ ما في الكون :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ اِقْرأ ، تعلّم ، إذا أردْت الدنيا فعليك بالعِلْم ، وإذا أردْت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردْتهما معًا فعليك بالعِلْم ، ويظلّ المرء عالمًا ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنّه قد علِم فقد جهل ، والعلم لا يُعطيك بعضهُ إلا إذا أعطيْتَهُ كلَّكَ ، فإذا أعْطيْتَهُ بعْضَكَ لمْ يُعْطِكَ شيئًا ، وتباركَ الذي قسمَ العقل بين عباده أشتاتًا ، إنّ الرجلين ليَسْتوي عملهما وبِرُّهما وصَوْمهما، وصلاتهما ، ويختلفان في العقل كالذّرة جنْب أُحد ، وما قسَمَ الله لعِبادِهِ نصيبًا أوْفرَ من العقْل واليقين ، لا بدّ من طلب العلم ، فإذا استغنى الإنسان عن العلم هبط إلى مستوى البهيميّة ، إذا أصْبحَ الإنسانُ فمًا يأكل ، ومعِدَةً تهضم ، وعضلاتٍ تتحرّك ، ولذّاتٍ تُرْوَى ، فقد هبطَ بِمُسْتواه إلى مستوى الحيوانيّة ، اقْرأ أيها الإنسان ، وكما قلتُ قبل قليل بعيدًا عن أنّ أصل هذه الآيات خِطابٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام في تَلَقِّيه الوحْيَ عن ربّه ، وفي إلقائِهِ على الناس .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ولكنّ هذه القوّة الإدراكيّة ، وهذا النشاط العقلي ، وهذا الفِكْر الذي أوْدَعَهُ الله في الإنسان الذي في رأي بعض العلماء أعظمُ ما في الكون ، هذا الدّماغ المؤلّف من مئة وأربعين مليار خليّة اسْتِناديّة لم تُعرف وظيفتها بعد ، ومن أربعة عشر مليار خليّة قشْريّة هي موْطِن الذّكاء والمحاكمة والتَّصوُّر والتّخيُّل والتذكُّر ، وكلّ النشاطات العقليّة التي ترَوْنَ أمام أعْيُنِكُم ثمرات العُقول ، بعيدًا عن أنّ هذه المخترعات نافعة او ضارّة ، إنّ هذه الطائرة التي تطير هي مِن ثمرات العُقول التي أوْدَعَها الله في الإنسان ، إنّ هذه الاتِّصالات التي يعْجزُ عن إدراك بُنْيتِها الإنسان هي مِن ثَمَرات العُقول ، حتى لو اطَّلَعْتَ على آلةٍ بالغة التعقيد يجبُ أن تُسبّح الله عز وجل على أنْ وهَبَ الإنسان ذلك الفِكْر التي كانت هذه الآلة المعقّدة ثمرة من ثمراته ، فهذه البهائم أمام أعْيُننا ، هل اسْتَطاعَتْ أن تفْعَلَ شيئًا ؟ أن ترقى بِمُستوى حياتها ؟ أن تخْترعَ مركبةً فضائيّة ؟ أن تخترع جهاز اتِّصالٍ سريع ؟ إنّ هذه الآلات المعقدة بعيدًا عن تقييمها أهِيَ حقّ أم باطل ، ولكن هذه الآلات إنّما هي ثمرةٌ من ثمرات العقول ، فقوله تعالى :

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾

[ سورة العلق: 1]

ثمرات العقول منوعة على الإنسان اختيار أفضلها :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يجبُ أن يكون هذا النشاط العقلي ، هذا العِلْم الذي تميّز الإنسان به يجبُ أن يُقيَّد بمَعرفة الله عز وجل ، أن ينطلق من معرفة الله تعالى ، وأن ينتهي إلى رِضوان الله ، ومن هنا كان دُعاء النبي عليه الصلاة والسلام فقد روينا في صحيح مسلم ، عن زيد بن أرقم رضي اللّه عنه قال :

((لا أقول لكم إلا كما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول ، كان يقول : "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ وَالجُبْنِ وَالبُخْلِ وَالهَمِّ وَعَذَابِ القَبْرِ ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاها ، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاها ، أنْتَ وَلِيُّها وَمَوْلاها ، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ ، وَمنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا))

[ مسلم عن زيد بن أرقم]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ دخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المسجد فرأى رجلاً تحلّق الناس حوله ، وهو يعلمُ من هو ، ولكن سأل : من هذا ؟ قالوا : هو نسّابة ، فقال عليه الصلاة والسلام متجاهلاً : وما نسّابَة ؟ قالوا : يعرفُ أنسابَ العرَب ، فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك علْمٌ لا ينفعُ من تعلّمه ، ولا يضرّ من جهل به ، هذا علمٌ لا ينفع ، ولا يضرّ ، وهناك عِلْمٌ ربّما أوْدى بالإنسان إلى الهلاك ، فَتَقييدُ القراءة باسم ربّك ، معنى ذلك يجبُ أن تختار ما تقرأ ، يجبُ أن تختار من تسْمعُ منه ، يجبُ أن تختار لهذا العقل الغذاء الصحيح ، لا الغذاء الفاسد ، فكما أنّ الأصدقاء منوَّعُون ، كذلك ثمرات العُقول منوَّعة ، ربّما قرأْتَ كتابًا فهلكْتَ وأهْلَكْت ، وربّما قرأْتَ كتابًا فسَعِدْتَ وأسْعَدتَ ، وما شأنُ من يقرأ الكتاب إلا كمن يبقُر بطون الأنعام ، فقد يقعُ على الكرش الذي فيه فَرْسٌ ، وقد يقعُ على الثّدي الذي فيه حليبٌ سائغ.

 

ما من جهةٍ في الكون أكثرُ إكرامًا للإنسان من خالقه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ قال تعالى :

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾

[ سورة العلق: 1-2 ]

 لا أدلّ على تربيَتِهِ جلّ جلاله من تَطوير الإنسان من نطفةٍ إلى علقة إلى مضْغةٍ مخلّقة وغير مخلّقة ، إلى عظمٍ ، إلى لحْمٍ ، إلى كائنٍ سويّ . الله سبحانه وتعالى وصَفَ نفسهُ في هذه الآيات القليلة بأنَّه الخالق ، وبأنَّه الأكرم ، خلق الإنسان وكرَّمَهُ ، وأكْرَم اسمُ تَفضيل ، أي ما من جهةٍ في الكون أكثرُ إكرامًا لك أيّها الإنسان من خالقك ، ما من جهةٍ في الكون أكثرُ إكرامًا لك أيّها الإنسان من مُربّيك ، قال تعالى :

﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾

[ سورة العلق: 3-4 ]

البيان بيانان ؛ بيانٌ نطقي وبيانٌ خطِّي :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حينما قال الله عز وجل في مَطلعِ سورة الرحمن :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 1-4]

 قال بعض المفسِّرين : البيان بيانان ؛ بيانٌ نطقي ، وبيانٌ خطِّي ، فقد تسْتمعُ مشافهةً من إنسان ، وقد تقرأُ كتابًا لإنسان ، فالاستماعُ مُشافهةً هو البيان النّطقي ، والقراءة هي البيان الخطّي ، والله سبحانه وتعالى في كلا الحالَيْن اِمْتنَّ على عِباده بِنِعمة البيان ، البيان الخطّي ، قال بعض العلماء : في البيان الخطّي ينقُل تُراث الأُمم عبْرَ الأجيال ، كلُّ التراث الذي جاء به العلماء إنَّما ينتقلُ من جيلٍ إلى جيلٍ عبْر البيان الخطّي ، به تخلُد العلوم ، به ترقى العلوم ، لأنّ كلّ إنسان يبني معرفتهُ على معرفة الأسبقين ، وبهذا يرقى البناء ، لو لم يكن هناك بيانٌ خطّي لانْدرَسَت العلوم ، ولبدأ كلّ إنسان علمهُ من الصِّفر ، لا ترقى البشريّة إلا بالنّطق ، والبيان الخطّي ، وبه تثبتُ الحقوق ، كلّ الوثائق ؛ وثائق التملُّك ، وثائق الشَّراكَة ، وثائق البيع ، وثائق العقود ، كلّها بالبيان الخطِّي ، وقد سُمِّيَ القرآن قرآنًا لأنّهُ يقرأُ ، وسُمِّي القرآن كتابًا لأنَّه كتب به . وبه تنقلُ الوصايا ، وتُحفظ الشهادات ، وتُضبطُ الحسابات ، وتُقيّد المعاملات ، وبه تنقلُ أخبار الماضين للاحِقين ليتَّعِظوا ، ولولا الكتابة لانقطَعَتْ أخبار الأُمم بعضها عن بعض ، ولضاعَتْ الموعظَة ، ولانْدرسَت السُّنَن ، وتخبَّطَتْ الأحكام ، ولم يعرف الخلَفُ مذاهب السَّلف .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ فضَّل الله الإنسان بهذا البيان بيانِ النُّطْق ، وبيان الكِتابة ، وفي الآية الكريمة :

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾

[ سورة العلق: 1-4 ]

 الذي علّم بالقلَم إشارةٌ إلى البيان الخطّي ، بل إنّ علماء العقيدة قالوا : لا بدّ من أن تعرف الله عن طريق التّحقُّق والتفكير الذاتي ، فهذا الكون يدلُّك على الله ، ولا يمكن أن تعرفَ أمْرهُ ونهْيَهُ إلا عن طريق الأمْر الذي تسْمعُ تفسيرهُ ، أو تقرأُ أحكامهُ ، فالتعليم الشّفهي ، أو التأمُّل في الكون طريقٌ لِمَعرفة الله عز وجل ، وقراءة أمْر الله عز وجل هو إشارةٌ إلى أنّك بالشّرع تعبدُه ، وبالكون تعرفهُ .

 

سورة اقرأ إشارة إلى عظمة خلْق الله و عظيم إكرامه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ قال تعالى :

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾

[ سورة العلق: 1-3]

 قال تعالى :

﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[ سورة الرحمن : 78]

 بِقَدْر ما هو عظيم بِقَدْر ما هو مُكْرِم ، بِقَدر ما تعظِّمُهُ بِقَدر ما تحبّه ، قال تعالى :

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾

[ سورة العلق: 1-3 ]

 في الآيات الأولى إشارة إلى عظمة خلْق الله عز وجل ، وفي الآيات الثانيَة إشارةٌ إلى عظيم إكرامه جلّ جلاله ، قال تعالى :

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

[ سورة العلق: 1-5 ]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ليس العارُ أن تكون جاهلاً ، ولكنّ العارَ أن تبقى جاهلاً، هذا الذي يعزفُ عن مجالس العلم ، يعْزفُ عن معرفة أمر الله ، ويعزفُ عن معرفة سنّة رسول الله ، ويعزفُ عن معرفة أفعال النبي من خلال سيرته المطهّرة ، هذا الذي ينْشغلُ بِدُنياه عن طلب العلم إنسانٌ عاشَ على هامش الحياة ، ولمْ يفْقَه من حقيقة الدنيا شيئًا ، ولم يعرف حقيقة الكون ، ولا حقيقة الدنيا ، ولا حقيقة وُجوده .

 

من استغنى عن معرفة الله طغى و بغى و ملأ الأرض جوراً و ظلماً :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ مرّةً ثانيَة ، وثالثة ، ورابعة ، اُطْلبُوا العلم ، قال تعالى :

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الزمر: 9 ]

 العلم أساس العمل ، والعمل الصالح أساس سعادة الدنيا والآخرة ، أما هذا الإنسان الذي بقيَ جاهلاً ، وهذا الإنسان الذي لمْ يطلب العلم ، هذا الإنسان الذي رضيَ بوُجوده المادّي ، هذا الإنسان الذي رضي بالحياة الدنيا ، واطْمأنّ لها ، واسْتغنى عن معرفة الله ، ما شأنُهُ ؟ وما حقيقتهُ ؟ ما جوْهرُه ؟ قال تعالى :

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

[ سورة العلق : 6-7]

 إذا أتى الله إنسانًا مالاً ، أو آتاهُ صِحَّة ، أو آتاهُ قوّة ، أو وفَّر له كلّ حاجاته كأنَّه يستغني ، ويَطْغى ، والطُّغيانُ مجاوَزَةُ الحدّ ، إنْ لم تتعلّم فلا بدّ من أن تطْغى ، هنا الدِّقّة ، ما الخطَر الذي ينتظر الجاهل ؟ أنَّه إذا اسْتغنى يطغى ، وما الخطر الذي يهدّد الذي لا يطلب العلم ؟ أنَّه إذا اسْتغنى طغى وبغى ، ونسيَ المبتدى والمنتهى ، ما الخطر الكبير الذي ينتظر الجاهل ؟ أنَّه إذا طغى دَفعَ ثمَنَ طُغيانِهِ باهظًا ، أنَّه إذا طغى لمْ يتعلّم ، اسْتغنى فطَغى فخَلِدَ في النار إلى بد الآبدين ، كلا أداة ردْعٍ ، أيها الإنسان لا تكن جاهلاً ، لا تَعِشْ على هامش الحياة ، لا ترض أن تعيشَ حياةً بهيميّة ، كلا إنّ الإنسان الجاهل الذي اسْتنْكفَ أن يتعلّم ، اسْتنكفَ أن يعرفَ ربّه ، اسْتنكفَ أن يعرف منهج ربّه ، أراد أن يكون إنسانًا على شكل بهيمة ، يأكل ويشرب ويتمتَّع ، ويأكل كما تأكل الأنعام ، هذا الإنسان الذي اسْتغنى عن طلب العلم مِنْ شأنِهِ الضروري أنَّه إذا اسْتغنى طغى ، قال تعالى :

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

[ سورة العلق : 6-7]

 أنْ رأى نفسهُ اسْتغنى عن الله يطغى ، ويملأُ الأرض ظلمًا وجَوْرًا .

خطورة اسْتنكاف طلب العلم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ أراد الله عز وجل أن يُبيِّنُ خطورة اسْتنكاف طلب العلم ، قال تعالى :

﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾

[ سورة العلق : 8]

 لكنّه سيَعُود إلى الله عز وجل ، ويُحاسبُهُ عن أعماله كلّها ، يُحاسبهُ عن طُغيانِهِ الذي كان بعْد اسْتِغنائه ، وكان استغناؤُه بعد جهله ، جَهِلَ فاسْتغنى فطغى فَعُوقِبَ ، قال تعالى:

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾

[ سورة العلق : 6-8]

 يا أيها الإنسان إليك الدليل القطعيّ ، قال تعالى :

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾

[ سورة العلق :9-10]

 دَعْ كلامهُ ، دَعْ فلْسفَتَهُ ، دعْ منطلقاته الفِكريّة ، دعْ ما يُزخْرفُ مِن قولٍ لك ، دعْ كلّ هذا ، وانْظُر إلى عمله ، اُنْظُر إلى انحرافه ، وانظر إلى دناءته ، اُنظر إلى إخلافه وعْدَهُ ، إلى قسْوة قلبه ، إلى أنانيّته ، قال تعالى :

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾

[ سورة العلق :9-10]

 ماذا يضرّه لو كان على الهدى أو أمرَ بالتقوى ؟ هو ينفعُه لو أنَّه كان على الهدى أو أمر بالتقوى ، لكان مِن سُعداء الدنيا والآخرة ، قال تعالى :

﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾

[ سورة العلق :11-13]

 كذَّب ما جاء به الرُّسل ، وتولّى عنهم ، والتكذيب صفة عقليّة ، والتَّولِّي صفة نفْسِيَّة ، قال تعالى :

﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾

[ سورة العلق :14]

 هو في قبضة الله دائمًا ، وفي عِلْم الله دائمًا ، وهو مَكشوف لذات الله دائمًا ، وسوف يدْفعُ ثمن جهله ، وتقصيرهِ ، وطُغيانِهِ باهِظًا ، قال تعالى :

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾

[ سورة العلق :9-14]

 بل إنّ الله سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض لِعِلَّة أنْ تعلمَ أنّ الله يعلم ، قال تعالى :

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق : 12]

من لم ينته عن طغيانه و ظلمه يؤْخَذُ من ناصِيَتِهِ أخذاً عنيفاً :

 ثم قال تعالى :

﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ ﴾

[ سورة العلق :15]

 كلاّ لئن لم ينته هذا الإنسان عن طُغيانه بِسَبب اسْتِغنائه ، واستغْناؤُه كان بعض جهله ، قال تعالى :

﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ ﴾

[ سورة العلق :15]

 مشْهدٌ من مشاهد يوم القيامة ، هذا الإنسان الذي طغى وبغى ونسِيَ المبتدى والمنتهى يؤْخَذُ من ناصِيَتِهِ ، ومن مقدمة رأسِهِ ، يؤْخذُ أخْذًا عنيفًا ، ويُجرّ جرًّا قاسيًا ، لأنّ هذه الناصِية كانت ناصيَةً كاذبةً خاطئةً ، قال تعالى :

﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾

[ سورة العلق :16]

 وفي هذه الساعة لا ينفعُهُ مالهُ ، ولا أولادهُ ، ولا جماعتهُ ، ولا منْ اعْتَمَدَ عليهم في الدنيا ، قال تعالى :

﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾

[ سورة العلق : 17]

 هؤلاء الذين كانوا يسْمرون معه في ناديه ، قال تعالى :

﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

[ سورة العلق : 17-19]

 كلاّ لا تُطعهُ .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ربُّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف : 28]

 والأمر المُعاكِس قوله تعالى :

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة لقمان : 15]

سورة اقرأ إشارة إلى حقيقة الإنسان و المهمة التي خلق من أجلها :

 هذه السورة أيها الأخوة آياتها الأولى ؛ أوَّلُ ما نزل به جبريل الأمين على قلب سيّدنا محمّد سيّد المرسلين ، وفيها إشارة إلى حقيقة الإنسان ، هو كائنٌ أوْدَعَ الله فيه قوّة إدراكيّة، وقوّة تعلُّمِيّة ، قدرةً على التّعلُّم ، فإذا أهْملها ، فقد هبط إلى مستوى البهيميّة ، وجهل نفسهُ ، وجهِلَ المهمّة التي من أجلها خُلق .
أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا ، فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

دلائل إعجاز الله عز وجل في القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ في القرآن الكريم ، ومن دلائل إعجازه أنَّه أنبأَ عن المُستقبل، وقد وقع ما أنبأ الله به ، فقال تعالى :

﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾

[سورة الروم : 1-4]

 يعنينا من هذه الآية كلمة في أدنى الأرض ، ماذا يريد الله بها ؟ وأيّ مكانٍ هو أدنى الأرض ؟ الأرض كرة ، والأرض بما أنّها كرة فَخُطوطها متّصلة ، لو أنّ لها حوافاً كالمكعّب ، أيْ أدنى إلى حافّة المكعّب ، ولكنّ الكُرة خُطوطها متّصلة ، ومستمرّة ، وهي الشكل الهندسي الوحيد الذي إذا سرْت بِخَطّ عليه امْتدَّ إلى ما لا نهاية ، وليس لهذا الشكل حوافّ ، وقد أشار القرآن الكريم في آيات أخرى إلى كُروِيَّة الأرض حيث قال :

﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾

[ سورة الحجر : 19]

 أي الخطوط على الأرض لا تنقطع ، ولا تقف عند حدّ ، بل إنّها تتَّصل ، فلو اتَّجَهْت نحو الشّمال نظريًّا ، إلى أن وصلْت إلى القطب ، وعُدْت بعدها في نصف الكرة الآخر، تعود إلى النقطة التي بدأتَ منها ، هذا معنى قول الله تعالى :

﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾

[ سورة الحجر : 19]

 وفي هذه الآية إشارة إلى أنّ الأرض كرة ، ولكن ما معنى أدنى الأرض ؟ أدنى تعني شيئين ؛ تعني أنّه الأسْفل ، وتعني أنَّه الأقرب ، فإذا اسْتبْعدنا معنى الأقرب لِكَون الأرض كرةً ، بقيَ المعنى هو الأسْفل ، وقد أشارَتْ كتُب التاريخ ، وقد أجْمَعَ المفسِّرون على أنّ المعركة التي انْتصرَ بها الرُّوم على الفُرْس تحقيقًا لِوَعد الله عز وجل في بضْع سِنين كانت في الأغْوار ، في أغوار فلسطين ، وحيث أنّ بعض علماء المسلمين اتَّجَهَ إلى أكبر علماء الجيولوجيا في العالم الغربي ، وسألهُ هذا السُّؤال : أيُّ مكانٍ في الأرض هو أشدّها انْخِفاضًا ؟ لو قلنا أيُّ مكانٍ على سطح الأرض بِما فيها البحر ؟ لأجاب هذا العالم : إنَّه خليج مريانة ، أو إنّه وادي مريانة في أعْمق نقطة في قعْر البِحار ، هذه النُّقطة يزيد انْخِفاضها عن اثني عشر ألف مترًا ، ولكن أدنى الأرض اليابسة تقع في أرض فلسطين ، فوقْت نُزول هذه الآية لم يكُن بِوُسْعِ الإنسان أن يمْسحَ القارات الخمْس ، وأن يعرفَ ارتِفاع أعلى نقطةٍ فيها ، وأدنى نقطة في انخفاضها ، ولكنّ القرآن أشار إلى أنّ الروم غلبَت في أدنى الأرض ، وهم من بعد غلبهم سيغلبون ، وأدنى الأرض يعني أخْفض نقطةٍ في الأرض ، وقد توافَقَتْ كتب التاريخ مع قوله تعالى في أنّ أخفض نقطة في الأرض هي غوْر فلسطين .
 في القرآن آيات كما قال الإمام علي كرَّم الله وجهه لمْ تُفسَّر بعد ، هذا مِصداق قول الله عز وجل :

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾

[ سورة فصلت: 53 ]

 أنَّه كتاب الله ، وأنّ خالق الكون يعرف أيَّة نقطة في الأرض هي أخفض من غيرها ، بل إنّ هناك آيةً أخرى تؤدِّي بعض المعنى ، قال تعالى :

﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾

[ سورة الحجّ : 27]

 لم يقل الله عز وجل : وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فج بعيد ، لو أنّ الأرض مسطّحة لكانت كلمة بعيد أنْسَبُ من كلمة عميق ، وبما أنّ الأرض كرة ، وأنّك كلّما ابْتَعَدْت عن سطح الأرض نزلْت نحو الخط المنحني ، إذًا إذا ابْتعَدْت عن مكّة لا بدّ من أن يسير الأرض على خطٍّ منْحن فيُصْبِحُ هذا الفجّ عميق ، وهو أصحّ من أن يوصَفَ من أنّه بعيد ، قال تعالى:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾

[ سورة الحجّ : 27-28]

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت ، فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت ، نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنّا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنَّا ، أصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ، ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين ، وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى ، إنَّك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018