الخطبة : 0242 - آيات من سورة الجن ( الاستماع ) - البرد. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0242 - آيات من سورة الجن ( الاستماع ) - البرد.


1989-01-06

الخطبة الأولى:
  الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، القائل في الحديث القدسي :

(( عبدي لي عليك فريضة ولك عليَّ رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا ، تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي ))

[ورد في الأثر]

 وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله القائل في بعض الأحاديث الشريفة :

((بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيَّلَ وَاخْتَالَ وَنَسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ . بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ وَاعْتَدَى وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الأَعْلَى . بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ سَهَا وَلَهَا وَنَسِيَ الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى . بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ عَتَا وَطَغَى وَنَسِيَ الْمُبْتَدَا وَالمُنْتَهَى . بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ . بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدِّينَ بِالشُّبُهَاتِ . بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ يَقُودُهُ . بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هَوًى يُضِلُّهُ . بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ رَغَبٌ يُذِلُّهُ))

[ المسند الجامع عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيِّة]

 اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

وجوب التعرف إلى الهدى الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في سورة الجِن ، في الجزء التاسع والعشرين ، وفي الآية الثالثة عشرَة يقول الله سبحانه وتعالى على لسان الجِن ، الذين استمعوا إلى القرآن الكريم ، يتلوه النبي عليه الصلاة والسلام ، يقول الله سبحانه وتعالى على لسان الجن :

﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً * وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾

[ سورة الجن : 13-17]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾

  لابد مِن أن تستمع إلى الهدى، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

[ سورة طه : 123]

 لابد مِن أن تتعرَّف إلى هذا الهدى الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، إن هذا الهدى تعليماتٌ دقيقةٌ لهذه الآلة المُعَقَّدة التي هو أنت ؛ افعل ولا تفعل ، إن هذا الهدى تعليمات الصيانة ، إن هذا الهدى تعليمات التَشْغيل ، إن هذا الهدى نورٌ يُضيء لك السبيل ،

﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾

.
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ كيف يهتدي الإنسان إن لم يستمع إلى الهدى ؟ كيف يهتدي إن لم يقتطع جزءاً من وقته لسماع الهدى ؟ هل سمعتم طالباً تمنّى أن يكون طبيباً ، فصار طبيباً من دون أن يذهب إلى الجامعة ؟ هل سمعتم أن إنساناً تعلَّم العِلم ولم يلتحق ببيوتات العلم ؟

﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾

  هل حضرت مجالس العِلْم ؟ هل سعيت إلى مساجد الله لتتعلم كتاب الله ؟ هل حضرت مجالس العِلم لتعرف الأمر والنهي ، وما يريد الله منك وما لا يريد ، وما ينبغي وما لا ينبغي ، وما يجوز وما لا يجوز ، وما يسعدك وما يشقيك ؟

﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾

  يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى :" أردنا العِلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله " أيْ أيّ إنسان فيه ذرةٌ مِن عقل ، لو أنه استمع إلى الهدى لآمن بالهدى ، لأن الدين هو العقل ، ومَن لا عقل له لا دين له ، ومَن لا دين له لا عقل له ، و تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتاً ، إن الرجلين ليستوي عملهما ، وبرهما ، وصومهما، وصلاتهما ، ويختلفان في العقل كالذرة جنب أحد .

﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾

.

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[ سورة البقرة : 38]

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

[ سورة طه : 123]

الهدى كتاب الله سبحانه و منهجه الذي أنزله على نبيه :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لابد من أن تقتطع جزءاً ثميناً من وقتك لتستمع إلى الهدى،

﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾

  بعض علماء التفسير قال : الهدى ؛ كتاب الله سبحانه وتعالى ، هذا الدستور ، هذا المنهج الذي أنزله الله على النبي عليه الصلاة والسلام ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :

((لا يحزن قارئ القرآن))

[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]

 لا يحزن ، لأنه يعلم أن الأمر كلّه بيد الله ، وأن الله سبحانه وتعالى رحيمٌ ، حكيمٌ، لطيفٌ ، عادلٌ ، أنّى له أن يحزن والأمر كله إلى الله عز وجل وهو مع الله ؟
 أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحبنـــــا

ولذ بحمـانا واحتـم بجنابنـــــــــا  لنـحميـك مما فيه أشـرار خلقنا
* * *

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الهُدى أن تستمع إلى كلام الله ، أن تستمع إليه متلواً ، وأن تستمع إليه مفسراً ، وأن تبادر إلى تطبيق أحكامه . .

﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً﴾

[ سورة الجن : 13]

 لن تُظْلَم ، لن يضيِّع الله عليك عملك ، لن يضيع عليك شيء . .

(( ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

الإسلام ليس مجموعة قيود بل هو مجموعة حدود :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ فمن يؤمن بربه ، لن تضيع عليه الدنيا ، لن يخسر شيئاً، بل سيربح كل شيء ، لأنه من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ، ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً . لن تخسر شيئاً ، بل ستربح كل شيء ، لن يفوت عليك شيء ، تأتيك الدنيا وهي راغمة ، من أصبح وأكبر همه الآخرة ، جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمك فاستخدميه ، ومن خدمني فاخدميه . .

﴿فَلَا يَخَافُ بَخْساً﴾

[ سورة الجن : 13]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ليس في الإسلام حرمان ، إذا عرفت الواحد الديّان فلن تُحْرَم مِن شيء ، ولكن الله سبحانه وتعالى بحكمةٍ بالغة يقدر لك ما يصلح دينك ودنياك . .

﴿فَلَا يَخَافُ بَخْساً﴾

[ سورة الجن : 13]

 الشهوات التي أودعها الله في الإنسان جعل لها قنواتٍ نظيفة تمرُّ عبرها . .

﴿فَلَا يَخَافُ بَخْساً﴾

[ سورة الجن : 13]

 بعض الناس يتوهَّمون أن في الإسلام قيوداً ، لا . . إن في الإسلام ضماناتٍ لسلامتك ، وسعادتك في الدنيا والآخرة ، ليس الإسلام مجموعة قيود ، بل هو مجموعة حدود .

 

من يؤمن بالله لن يُحَمَّل ما لا يطيق :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً ﴾

[ سورة الجن : 13]

 لن يظلم ، لن يُحَمَّل ما لا يطيق . .

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 لن تُحَمَّلَ ما لا تطيق ، لن تحاسب عما لا تعمل . .

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

[ سورة الأنعام : 164 ]

﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً ﴾

[ سورة الجن : 13]

 والله سبحانه وتعالى في الآيات الكريمة يبيِّن أن الإنسان أعطي إرادةً حُرَّةً بها يكسب أعماله الصالحة ، وأعماله الطالِحة ، لولا أنه مخيَّر ، لو أن الله سبحانه وتعالى أجبر عباده على الطاعة ، لسقط الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لسقط العقاب ، ولو تركهم لكان عجزاً في القُدْرَة ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلَّف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يعصَ مغلوباً ، ولم يطع مكرهاً .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً﴾

  لن تهضم حقوقه، لن يضيع عليه شيء ، من عرف الله زهد فيما سواه ، من أحبنا أحببناه ، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا ، مَن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين .

أبشع أنواع الظلم أن تظلم نفسك :

 ثم قال تعالى :

﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾

[ سورة الجن :13-14]

 " القاسط " هو الظالم ، الذي يظلم نفسه ، أي هو الذي يعدل عن الحق ، ينحرف عنه ، و" المُقْسِط " هو العادل ، الذي يعدل إلى الحق ، شتانَ بين الكلمتين . .

﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾

[ سورة الجن :14]

 معنى ذلك : إما أن تسلم ، وإما أن تظلم نفسك ظلماً كبيراً ، وأبشع أنواع الظلم أن تظلم نفسك ؛ ألا تعرفها بالله عز وجل ، ألا تُسَيِّرَها في طريق الحق ، ألا تزكيها ، هذا هو الظلم الكبير . .

 

من عرف الله عرف كل شيء :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ ﴾

[ سورة الجن :13-14]

 مختاراً . .

﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾

  تحرَّوا طريق الحق ، تحروا الحقيقة ، تحروا الهدف الذي خُلقوا من أجله ، تحروا المهمة التي أعدَّهم الله لها ، عرفوا كل شيء ، عرفوا الله فعرفوا كل شيء ، ومَن جهله جهل كل شيء ، مَن وجده وجد كل شيء ، ومَن فقده فقد كل شيء .

﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾

[ سورة الجن :14-15]

امتحان الإنسان في كل شيء :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ بِشارةٌ من الله سبحانه وتعالى في سورة الجن :

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾

[ سورة الجن :16]

 لو أنهم استقاموا على أمر الله ، لو أنهم أحلّوا الحلال ، وحرّموا الحرام ، لو أنهم فعلوا ما يرضي الله ، وتركوا ما يُغْضبه ، لو أنهم أقاموا شريعة الله في حياتهم ، لو أنهم اتّبعوا سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام . .

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

[ سورة الجن :16-17]

 قال عبد الله بن عُمر : حيثما كان الماء كان الرزق ، وحيثما كان الرزق كانت الفتنة .

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

[ سورة الجن :16-17]

 إذا جاء المال ؛ يمتحن الإنسان بالمال ، هل يعطي حق المسكين والفقير ، أم يحبس المال عن أصحابه ؟ هل يتيه بماله أم يتواضع ؟ هل يسخو أم لا يسخو ؟

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

[ سورة الجن :16-17]

 المال موضعٌ للفتنة ، أي موضعٌ للامتحان ؛ يمتحن الإنسان بالغنى ، ويمتحن بالفقر ، يمتحن بالصحة ، ويمتحن بالمرض ، يمتحن بالزوجة الصالحة ، ويمتحن بالزوجة السيّئة ، يمتحن بالقوة ، ويمتحن بالضَعف ، يمتحن بالوَجاهة ، ويمتحن بالفَهاهة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

[ سورة الجن :16-17]

 يقول الله سبحانه وتعالى في آياتٍ أخرى :

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة الأعراف : 96 ]

 في آية ثالثة عن أهل الكتاب :

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾

[ سورة المائدة : 66 ]

 الله سبحانه وتعالى قال :

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾

[ سورة النساء : 147]

(( ما من عثرةً ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عودٍ ، إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر))

[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]

﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ﴾

[ سورة الجن :17]

ذِكْر الله علة الاستقامة :

 في الآية السابقة :

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا﴾

[ سورة الجن :16]

 في هذه الآية :

﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ﴾

 استنبط بعض العلماء : أن ذِكْر الله علة الاستقامة ، وأن الاستقامة تنتهي بالإنسان إلى السعادة ، فلذلك مَن أعرض عن ذِكر الله لابد مِن أن ينحرف عن أمر الله ، مَن استقام على أمر الله ، فهذا دليل أنه يذكر الله ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾

[ سورة الأحزاب : 41-42]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾

[ سورة الجن :17]

 هذا كلام الخالق ، هذا كلام الله ربِّ العالمين ، هذا كلام مَن بيده كل شيء ، مَن إليه يرجع الأمر كله . .

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾

[ سورة الجن :16-17]

 هذه قوانين ، هذه سُنَن ، هذه قواعد ثابتة ، فمن شاء أن يأخذ بها فليَفْعَل ، ومن لم يشأ فهي مطبقةٌ عليه شاء أم أبى ، أعجبه أم لم يعجبه .

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾

[ سورة الجن :16-17]

المعصية سببٌ لهوان العبد على ربه وسقوطه من أعين الناس :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( إن للحسنة ضياءً في الوجه ، ونوراً في القلب ، وسعةً في الرزق ، وقوةً في البدن ، ومحبةً في قلوب الخلق ))

 ما قولكم ؟

(( إن للحسنة ضياءً في الوجه ، ونوراً في القلب ، وسعةً في الرزق ، وقوةً في البدن ، ومحبةً في قلوب الخَلق ، وإن للسيئة سواداً في الوجه ، وظلمةً في القبر والقلب ، ووهناً في البدن ، ونقصاً في الرزق ، وبغضاً في قلوب الخلق ))

[ ورد في الأثر]

﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾

[ سورة الروم : 44]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ المعصية سببٌ لهوان العبد على ربه ، إذا هان الله عليك هُنت عليه ، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، هكذا ورد في بعض الأحاديث القدسية :

(( كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك

((

[ورد في الأثر]

 المعصية سببٌ لهوان العبد على ربه ، وسقوطه من أعْين الناس .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتَنْحَطِم أضلاعه أهون مِن أن يسقط مِن عين الله .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

ذمّ الدنيا و صرف الهمة إليها :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ قبل أن نصل إلى الموضوع العلمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند منصرفه مِن أُحُد ، والناس محدقون به ، وقد استند إلى شجرة ، فقال :

(( أيها الناس أقبلوا على ما كلفتموه من صلاح آخرتكم ، وأعرضوا عما ضمن لكم من أمر دنياكم ))

[عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]

 أنت في الدنيا قد ضُمِنَ رزقك ، وأنت في الآخرة قد كلفت بالسعي لها :

﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾

[ سورة النجم : 44]

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة الزخرف : 32 ]

(( أيها الناس أقبلوا على ما كلفتموه من صلاح آخرتكم ، وأعرضوا عما ضمن لكم من أمر دنياكم ، ولا تستعملوا جوراحَ غذيت بنعمة الله في التعرُّض لمعصيته ))

 هذه العين التي أكرمك الله بها ؛ ترى الدنيا ، ترى الألوان ، ترى المناظر ، ترى المباهج ، ترى زوجتك ، ترى أولادك ، ترى ألوان الطعام ، ترى جمال الألوان ، ترى بهجة الأزهار ، هذه العين التي أكرمك الله بها لا تنظر بها إلى ما لا يرضي الله عز وجل . . من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم .

((حرمت النار على عين بكت من خشية الله ، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله ، وحرمت النار على عين غضت عن محارم الله ، أو عين فقئت في سبيل الله ))

[ من كنز العمال عن أبي ريحانة ]

 ولا تستعملوا جوارحكم فيما لا يرضي الله ، لا تستعمل هذه العين فيما لا يرضي الله، لا تستعمل هذه الأذن التي أكرمك الله بها فيما لا يرضي الله ، لا تستعمل هذا اللسان في معصية الله ، لا تستعمل هذه اليد ، يجب أن تستحيي مِن الله عز وجل ، والحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى ، ما فيه من جوارح .

(( ولا تستعملوا جوراح غذيت بنعمة الله في التعرض لمعصيته ، واجعلوا شغلكم لالتماس مغفرته ، واصرفوا همكم إلى التقرب لطاعته ، من بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبه من الآخرة ، ولا يدركه من الدنيا ما يريد ، ومن بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إلى نصيبه من الدنيا فأدرك من الآخرة ما يريد ))

 أيْ مَن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومَن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً.

 

آلية مواجهة العضوية للبرد :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الموضوع العلمي لهذا اليوم موضوعٌ يتعلَّق بالبرد ، فهذا الكائن البَشَرِيّ ، هذه العضوية التي خلقها الله في أحسن تقويم ، ماذا تفعل ؟ وبماذا جُهِّزت لو أصابها بردٌ شديد ؟ كيف تدافع عن نفسها ؟ ماذا أودع الله بها من أجهزة كي تواجه البرد ؟
 قال العلماء : يعدُّ الجلد في الإنسان بمثابة وزارة الخارجية ، تنقل للإنسان كل التغيّرات التي تصيب المُحيط ، فهناك في الجلد مركزٌ لنقل المعلومات المتعلقة بانخفاض الحرارة وارتفاعها ، فإذا بَرَدَ الجَو ، ولم يكن هناك شيءٌ يبدد البرد ، ماذا تفعل العضوية ؟ تضيق لمعة كل الأوردة والشرايين ، ولا سيما الشرايين السطحية ، فإذا ضاقت لمعتها قلّت كمية الدماء التي تجول فيها ، وإذا قلَّت كمية الدماء التي تجول فيها قلَّ الإشعاع الحراري ، فاحتفظ الجسم بحرارته المختزنة ، مِن حَرْق المواد الغذائية . فالذي يصيبه بردٌ شديد يصفرُّ لونه ، ومعنى اصفرار اللون أن الشرايين المحيطية التي تمتلئ بالدم تضيق لمعتها ، وإذا ضاقت لمعتها قلَّت كمية الدم ، وقلَّت بالتالي الحرارة التي يخسَرها الجسم ، مِن جرَّاء إشعاع ما في الدم من حرارة .
 شيءٌ آخر ، ترسل الغدة النخامية هرموناً إلى الغدة الدرقية ، والغدة الدرقية تقوم بمهمةٍ معقدةٍ صعبة ، ألا وهي الاستقلاب ، أي تحويل الغذاء إلى طاقة ، فالغدة النخامية ترسل أمراً هرمونياً إلى الغدة الدرقية ، كي تزيد مِن الاستقلاب ، أي مِن حرق المواد الغذائية ينتج حرارة تجول في البدن ، لو فحصنا الهرمونات في الدم ، لوجدنا نسبتها مرتفعة ، ولا سيما التي هي صادرةٌ عن الغدة النخامية ، والتي تأمر الغدة الدرقية برفع مستوى الاحتراق في الجسم .
 شيءٌ آخر : يواجه الإنسان البرد بآلية أُخرى ، فهناك في رأس الإنسان ما يزيد عن مئتين وخمسين ألف شعرة ، تزيد أو تنقص ، لكلِّ شعرةٍ وريدٌ ، وشريانٌ ، وعصبٌ ، وعضلةٌ ، وغدةٌ دهنية ، وغدةٌ صبغية ، فإذا بَرَدَ الإنسان يأتي أمرٌ إلى الأشعار فتنتصب ، وإذا انتصبت ، حَجَزَت كميةً من الهواء الساخن أكثر مِن ذي قبل .
 هذا ما تفعله العضوية مِن دون أن تدري أيها الإنسان ، مِن دون أن تدري تضيق الشرايين ، مِن دون أن تدري تتحرَّك الغدة النخامية لتواجه البَرْد ، مِن دون أن تدري ترفع الغدة الدرقية مستوى الاستقلاب ، مِن دون أن تدري تزيد كميَّات السكر في الدم ، ترتجف ، تنتصب أشعارك ، مِن أجل أن تواجه البرد ، فتبارك الله أحسن الخالقين .
 وهناك موضوعٌ دقيقٌ دقيق هو: كيف يواجه الإنسان الحر ؟ ففي الإنسان مليون غدة عرقية ، تعدُّ من أرقى أجهزة التبريد في الكون ليواجه الإنسان الحر .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018