الخطبة : 0236 - حقوق الجار1 - آيات الآفاق. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0236 - حقوق الجار1 - آيات الآفاق.


1988-11-25

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

عبادة الله سبحانه و الإحسان إلى الوالدين :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في الجمعة السابقة ، أو التي قبل السابقة بدأتُ بِتَوضيح بعض ما تعنيه الآية الكريمة في قوله تعالى :

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾

[ سورة النساء : 36]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ بيَّنْتُ في الخطبة قبل السابقة أنَّ الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نعبدهُ ، وأن نعبدهُ وحدهُ ، وأنّ الله سبحانه وتعالى طمأننا أنَّ الأمْر كلّه بيدِه ، لم يأمرنا بعِبادته إلا بعد أن طمْأننا أنّ الأمْر كلّه بيَدِه سبحانه ، فقال :

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة هود : 123]

 وبيَّنْتُ أيضًا أنّ الله سبحانه وتعالى قال :

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾

[ سورة النساء : 36]

 قرن الله عز وجل الإحسان للوالدين بعِبادته
إنّ الشِّرْك يتناقض مع العبادة ، فلا عبادة مع الشّرك ، وأنّ كلمة شيئًا في قوله تعالى : "ولا تشركوا به شيئًا " يشْملُ الشِّرْك الجليّ ، والشِّرْك الخفيّ ، فالشِّرْك الجليّ أن تعبدَ غير الله ، وأن تدَّعِيَ إلهًا غير الله تعالى ، والشِّرْك الخفيّ أن تعملَ عملاً لغير الله تعالى ، أخوَف ما أخاف على أمّتي الشِّرْك الخفيّ ، أما إنِّي لسْتُ أقول إنَّكم تعبدون صنمًا ولا حجرًا ، ولكن شهْوة خفيّة ، وأعمالاً لغير الله تعالى ، ومن الشِّرْك الخفيّ أن تعتمد على الأسباب ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول : " إذا أردْت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله ، وإذا أردْت أن تكون أغنى الناس فَكُنْ بما في يدي الله أوْثقُ منك بما في يديك ، وإذا أردْت أن تكون أكْرم الناس فتوكَّل على الله ".
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لحِكمةٍ بالغة قرن الله سبحانه وتعالى الإحسان للوالدين بعِبادته سبحانه ، فهذا العطْف له معنًى دقيق ، وأنّ هناك تناسبًا كبيرًا بين عبادة الله عز وجل وبين الإحسان للوالدين ، لهذا ورد في الأثر أنْ لِيَعْمل العاقّ ما شاء أن يعمل فلن يُغفر له ، وفي رواية : فلن يدخل الجنّة ، ولو أنّ في اللّغة كلمةً أقلّ من أفٍّ لقالها الله عز وجل .
 وبيَّنْتُ أنّ الإحسان إلى ذي القربى ؛ أقرباؤك من طرف الأب أو الأم ، وبيَّنْتُ أيّها الأخوة قيمة صلة الرّحِم ، ولكنّ أخًا كريمًا بعد انتهاء الخطبة سألني ؛ لو أنّ في صلة الرّحم مفْسدةً فهل نصلُ الرّحم ؟ قلتُ له : هناك قاعدة تقول : درْءُ المفاسد مقدّم على جلْب المنافع ، ودَع خيرًا عليه الشرّ يرْبو ، فإذا أردْت أن تصل رحمك وكان في هذه الصّلة اخْتِلاط ، وانحرافٌ، وتسيُّبٌ ، وأعمال لا ترضي الله عز وجل ، فليس هذا من صلة الرَّحِم التي أُمِرنا بها ، هذه الفقرات من الآية تمَّ شرحها في الخطبة قبل السابقة .
 قال تعالى :

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾

[ سورة النساء : 36]

 اليتامى هم الذين فقدوا العائل ، والمساكين هم الذين قصَّر بهم الكسْب ، فكان دخلُهم أقلَّ من حاجتهم ، واليتامى هم الذين فقدوا الرّعاية ، والمساكين هم الذين فقدوا الكفاية ، هؤلاء أيضًا عليك أن تحسن إليهم .

 

الجيران ثلاثة :

 وموضوع الخطبة اليوم حُقوق الجار ، قال تعالى :

﴿وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾

[ سورة النساء : 36]

 فمَن هم الجار الجُنُب ؟ قال بعض العلماء : هو الأقرب إليك ، الملاصق لك ، أو الأقرب إليك دينًا ، و الأقرب إليك نسبًا ، أو هو الجار المسلم ، هذه كلّها ممّا تعنيه كلمة والجار الجنُب ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام : الجيران ثلاثة ؛ جارٌ له حقّ واحد ، وهو أدنى الجيران حقًّا ، وجارٌ له حقَّان ، وجارٌ له ثلاثة حُقوق ، وهو أفضلُ الجيران حقًّا ، فأما الجار الذي له حقّ واحد ، فجارٌ مشرك له حقّ الجوار ، وأما الجار الذي له حقّان فجارٌ مسلمٌ له حقّ الجوار ، وحقّ الإسلام ، وأما الجار الذي له ثلاثة حُقوق ، فجارٌ مسلم ذو رحِمٍ ، له حقّ الجوار ، وحقّ الرّحِم ، وحقّ الإسلام .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننْتُ أنّه سيُوَرِّثُه ))

[ متفق عليه عن عائشة ]

 وعن عمر بن شُعَيب عن أبيه عن جدّه عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنّه قال :

((من أغلق بابه دون جاره مخافةً على أهله ، وماله ، فليس ذلك بِمُؤمن ، وليس بمؤمن من لم يأمنُ جاره بوائقه ))

[شعب الإيمان عن عمر بن شُعَيب عن أبيه عن جدّه]

 من شكاهُ جيرانه ، من تعبوا في جواره ، من آذاهم بكَلامه ، ومن آذاهم بِتَطاوُلِهِ ، وقد رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنّه قال : " أتدرون ما حقّ الجار ؟ إذا استعان بك أعنْتَه، وإن اسْتقرضَكَ أقْرضْتهُ ، وإذا افتقرَ عُدْت عليه ، وإذا مرضَ عُدْته ، وإذا أصابهُ خيرٌ هنَّأْتهُ ، وإذا أصابتْهُ مُصيبةٌ عزَّيْتَهُ ، وإذا مات شيَّعْتَهُ ، ولا تسْتطل عليه بالبنيان ، فتحجبَ عنه الرِّيح إلا بإذنه ، وإذا اشْتريْت فاكهةً فأهْدِ له منها ، فإن لم تفعل فأدْخِلها سرًّا ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظَ ولدهُ ، ولا تؤْذِه بِقُتار قدرك إلا أن تغرف له منها " .
 هذا هو حقّ الجار ؟ من هو الجار أيّها الأخوة المؤمنون ؟ قبل قليل قلت : والجار ذي القربى والجار الجنب ، الأقربُ إليك جِوارًا هو الجار ذو القربى ، وأما البعيد فهو الجار الجنب ، وأنت ملزمٌ بأداء حقّ هذين الجارَيْن ، الأقربُ إليك دينًا هو الجار ذو القربى ، وأما الأبعد عنك دينًا فهو الجار الجنب ، والأقرب إليك نسبًا هو الجار ذو القربى ، والأبعد نسبًا هو الجار الجنب ، إذًا الجوار جميعًا على اختلاف قرابتهم ، واتِّصالهم ، ودينهم ، هم جيرانٌ لك، وعليك أن تؤدِّي حقّ الجوار ، وقد قال بعض العلماء : من سمِعَ النّداء فهو جار ، أي إذا أذَّنَ المؤذّن آخر بيتٍ يسمعهُ هو من الجيران ، وقال بعض العلماء : الأربعون بيتًا من الجيران ، شرقًا وغربًا ، وشمالاً وجنوبًا ، وقد نُضيف الأربعون طابقًا نحو الأعلى من الجيران .

 

حقوق الجار :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

((والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، قيل : ومن يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : الذي لا يأمن جاره بوائقه ))

[ البخاري عن أبي شريح]

 ليس بمؤمن لا يأمن جاره بوائقه
أي هذا الذي يؤذي جيرانه ، فما هو الحدّ الأدنى من أداء حقوق الجار ؟
 قال بعض العلماء : كفّ الأذى ؛ أنْ تكفّ عنهُ أذاك ، أذى القول ، وأذى العمل ، وأيّ أذًى يمكن أن يعدَّ أذًى في مقياس كلّ عصْر ، فإذا رفعْت صوت المذياع ، وأولاد جيرانك يدرسون ، فهذا من الأذى ، وإذا سمحْت للماء القذِر أن ينْصبّ على جارك في الطابق الأدنى فهو أذًى ، وإذا سمحْت لإنسانٍ أن يتطاوَلَ على جارك ، وأنت بإمكانك أن تمنعهُ ، فهذا من الأذى .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أوّل حقّ من حقوق الجار ، بل هو أدنى حقّ أنْ تكفَّ عنه أذاك ، والشيء الثاني أن تحْسِنَ معاشرته ، ومن حُسن معاشرته أنَّه إذا استعانَ بك أعنْتهُ ، وإن استقرضَكَ أقْرضْتهُ ، وإن افتقرَ أعنتَهُ ، وإن مرضَ عُدْتهُ ، وإن أصابهُ خيرٌ هنَّأتَه ، وإن أصابتهُ مصيبةٌ عزَّيتهُ ، وإن مات شيَّعْتهُ ، ولا تستطل عليه بالبناء - هذا من باب الأذى - ولا تسْتطل عليه بالبنيان ، فتحجبَ عنه الرِّيح إلا بإذنه ، وإذا اشْتريْت فاكهةً فأهْدِ له منها ، فإن لم تفعل فأدْخِلها سرًّا ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظَ ولدهُ ، ولا تؤْذِه بِقُتار قدرك برائحة الطعام إلا أن تغرف له منها .
فالبنْد الأوّل من حقوق الجار ، أو من واجبات الجار تجاه الجار ألا يؤذيك ، والبند الثاني أن يحسن معاشرته ، والبند الثالث أن يحسن إليه .

 

إكرام الجار الجنب و لو كان مشركاً :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ شيءٌ دقيق في موضوع الجِوار ، اسْتُشهِدَ غلامٌ في معركة أحُد ، فجَعَلَتْ أمّه تمسَحُ التراب عن جبينه ، وتقول : هنيئًا لك الجنة على مسْمعٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقال عليه الصلاة والسلام : " وما يُدريك فلعلّه كان يتكلم فيما لا يَعنيه ، أو يمنعُ عن جيرانه ما لا يضرّه منْعُه ".
 أمرنا الرسول الكريم بإكرام الجار ولو كان مشركاً
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أحاديث إكرام الجار جاءتْ مطلقةً ، أيْ تشْملُ الجار المسلم ، وغير المسلم ، لذلك كان للنبي عليه الصلاة والسلام جارٌ مشرك ، فحينما وزَّعَ لحْم الأُضحيَة ، قال : ابدؤوا بِجارنا فلاناً ، ويُروى أنّ أبا حنيفة النّعمان رضي الله عنه كان له جارٌ مغنِّ ، وكان يقلقه ليلاً نهارًا ، وكان يملأُ الجوّ بأغانيه ، كان يغنِّي ويقول : أضاعوني وأيَّ فتًى أضاعوا لِيَوم كريهةٍ وطِعانِ خلس ، فَمِنْ غرائب الصُّدف أنَّه قد أُلقيَ القبضُ عليه ، وسيق إلى السّجن ، فجاء أبو حنيفة النّعمان وتوسّط إلى جاره ، فمن كان بيَدِهِ الأمْر هالهُ أن يأتِيَهُ أبو حنيفة بنفسه ، متوسِّطًا لدى جاره ، فأطلقَ جارهُ ، وكلّ من ألقيَ القبضُ عليه في ذلك اليوم إكرامًا لأبي حنيفة ، وفي طريق العودة قال له أبو حنيفة : يا فتى هل أضعناك ؟ وكان هذا الموقف المشرّف سببًا في إسلامه .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الخلْق كلّهم عيال الله ، وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعِيالِهِ .
 شيءٌ آخر ، عن اللَّيْث بن نافع عن ابن عمر أنَّه قال : " لقد أتى علينا زمانٌ وما أحدٌ أحقّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم " وربّما أتى على الناس زمانٌ يكون فيه الدّينارُ والدِّرْهم أحبّ إلى الإنسان من أخيه المسلم ، كان الأخ المسلم أغلى وأحبّ إلى المرء من الدِّرْهم والدِّينار ، وربّما جاء يومٌ يصبحُ الدِّرْهم والدِّينار أحبّ إلى الإنسان من أخيه .

إكرام الصاحب بالجنب :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا عن الجار ذي القربى ، القريب مكانًا ، والقريب دينًا ، والقريب نسبًا ، وهذا عن الجار الجنب ، الأبعد مكانًا ، والأبعد دينًا ، والأبعد نسبًا ، فماذا عن الصاحب بالجنب ؟ قال بعض العلماء : الصاحب بالجنب هي الزوجة ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول مخاطبًا المؤمنين :

((أكرموا النّساء فوالله ما أكرمهنّ إلا كريم ، وما أهانهنّ إلا لئيم ، يغلبْن كلّ كريم ، ويغلبهنّ لئيم ، وأنا أحبّ أن أكون كريمًا مغلوبًا ، مِن أن أكون لئيمًا غالبًا ))

[ ابن عساكر عن علي بسند فيه مقال كبير ]

 وكان يقول عليه الصلاة والسلام :

((أكرموا النّساء فإنّهن المؤنِسات الغاليات ))

[ الحاكم والطبراني عن عقبة بن عامر]

 وكان عليه الصلاة والسلام يوصِي بالنّساء خيرًا ، وكان إذا دخَلَ بيته لفَّ ثوبه لئلا يوقظ أهله ، فالصاحب بالجنب في رأي بعض علماء التفسير هي الزوجة ، وفي رأي علماء آخرين هو الجار الطارئ ، جار السَّفر ، أو جار التعليم ، أو جارُ الصناعة ، ويمكن أن يُضاف على ذلك جار الخدمة الإلزاميّة ، أيُّ مكانٍ ، أو أيُّ زمانٍ ، أو أيُّ موقفٍ ، أو أيّ قصْدٍ ، أو أيّ هدفٍ ، جَمَعَكَ مع إنسانٍ لوقتٍ ما فهو الصاحب بالجَنْب ، وسوف تُحاسبُ عنه ، وإنّ الله سبحانه وتعالى ليسأل العبد عن صُحبة ساعة ، إنّ الله سبحانه وتعالى ليسأل العبد عن صُحبة ساعة . تروي كتب السيرة أنّ النبي عليه الصلاة والسلام دخَلَ غيضةً ، فقطَعَ منها قضيبين ، أحدهما مِعْوَجّ ، والآخر قويم أي مستقيم ، فخرج فأعطى صاحبهُ العود القويم ، وأخذ المِعْوَجّ ، فقال هذا الصاحب : يا رسول الله أنت أحقُّ بهذا ؟ فقال : كلاّ يا فلان ، إنّ كلّ صاحبٍ يصْحبُ صاحبًا فإنّه مسؤول عن صحابته ، ولو ساعةً من نهار ، معنى ذلك أنّ الرفيق في السَّفر ، يجبُ أن تؤثرهُ في المكان الأصْلَح ، الرفيق في العمل ، الزميل في العمل يجبُ أن تؤثرهُ، يجبُ أن تنصحهُ ، يجبُ أن ترعاهُ ، يجبُ أن تعرف حقّه ، لهذا شمَلَتْ هذه الآية الجار القريب ، والجار البعيد ، الجار المسلم ، والجار غير المسلم ، الجار القريب نسبًا ، والجار البعيد نسبًا ، وشمَلتْ أيضًا الجار الطارىء ، لو ذهبْت في سفرٍ ، لو ذهبت إلى العمرة ، لو ذهبت إلى الحجّ ، لو سافرْت في تجارة ، لو سافرْت في طلب العلم ، لو كنت في معمل ، لو كنت في دائرة ، لو كنت في أيّ مكانٍ ، لو كنت في صناعة ، لو كنت في حِرفةٍ ، جارك في العمل ، جار الحِرفة ، الزَّميل ، هذا صاحبٌ بالجَنب ، وسوف تحاسبُ عنه يوم القيامة .

 

ضرورة معرفة الله ومعرفة أمره ومعرفة القوانين التي تحكمُ خلقهُ :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾

[ سورة النساء : 36]

 أصل الدين معرفة الله عز وجل
هذه أوامر الله تعالى ، بعضها جاء في آيات القرآن الكريم ، وبعضها جاء في سنّة النبي عليه الصلاة والسلام ، ولا تنْسَوا أنّكم أيّها الأخوة المؤمنون مأمورون باتّباع النبي عليه الصلاة والسلام في نصّ القرآن الكريم ، قال تعالى :

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[ سورة الحشر : 7]

 فإذا كان في الأمْر آيةٌ قرآنيّة ، أو حديثٌ صحيحٌ صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فهذا أمْرُ الله يجبُ أن تأخذ به ، ولكن يجبُ أن تعرف الله أوَّلاً ، كما قلتُ في الخطبة السابقة ، هناك علمٌ بالحقيقة ، وعلمٌ بالشريعة ، وعلمٌ بالخليقة ، متى تحبُّ أن تعرف أمرهُ ونهْيَهُ؟ إذا عرفْت الآمِر بحثْتَ عن أمْره ، إذا عرفت الله سبحانه وتعالى بحثْت عن أمرِهِ ونهْيِهِ ، لذلك قال تعالى :

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191]

 معرفة الله من خلال الكون أصْلُ الدِّين ، ومعرفة أمره ونهْيِهِ أصْلُ العبادة ، ومعرفة القوانين التي تحكمُ خلقهُ أصلٌ في صلاح الدنيا .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

آيات الآفاق :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ انطلاقًا من أنّ التفكّر في خلق السموات والأرض طريقٌ إلى معرفة الله ، وطريق إلى عبادته ، وتعلُّم العلوم الماديّة طريقٌ إلى صَلاح الدّنيا ، انطلاقًا من هذه الحقيقة ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة فصّلت : 53]

 من آيات الآفاق قول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم :

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾

[ سورة الذاريات : 47]

 سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ
كلّكم يعلم - وقد تكلَّمْتُ عن هذا كثيرًا - أنّ الضَّوْء يقطعُ في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة ، ويقطع في الدقيقة ثمانية عشر مليون كيلومتر ، ويقطع في الساعة ألف مليون كيلو متر ، ويقطع في العام عشرة آلاف مليار كيلو متر ، فإذا قرأتم في كتب الفلك أنّ هذا النَّجْم يبعُد عنَّا سنةً ضوئيّة ، هذا رقمٌ فلكي ، ومعنى سنة واحدة ضوئيّة أي يبْعد عنَّا عشرة آلاف مليار ، أو عشرة آلاف مليون مليون كيلو متر ، هذا مِن أجل أن نعرف معنى كلمة : والسماء بنيناها بأيْد وإنا لموسعون ، القمر الذي طبَّل الإنسان وزمَّر حينما وصلهُ ، وقال : غَزَونا الفضاء ، يبْعُد عنَّا ثانيةً واحدة وزيادة ، والشمس تبعدُ عنَّا ثماني دقائق ، مئة وستّة وخمسون مليون كيلو متر يقطعها الضَّوء في ثماني دقائق ، والمجموعة الشمسيّة قطرها ثلاث عشرة ساعةً ضوئيّة ، أما الذي أُريدُ أن أُؤَكِّدَهُ أنّ أقربَ نجْمٍ إلى الأرض غير المجموعة الشمسية يبعدُ عنَّا أربع سنوات ضوئيّة فقط ، هذه المسافة من أجل أن تعرفوا ما هي والسماء بنيناها بأيْد وإنا لموسعون ؟ ومن أجل أن تقطعها في سيارة تسير بسُرعة مئة كيلو متر تحتاج إلى اثنين وأربعين مليون سنة ، من أجل أن تصل إلى أقرب نجمٍ إلى الأرض ، والذي بُعدهُ عن الأرض أربع سنواتٍ ضوئيّة ، تحتاج إلى اثنين وأربعين مليون سنة ، وهناك النسْرُ الطائر يبعدُ عنَّا أربع عشرة سنةً ضوئيّة ، وهناك النسْر الواقع يبعدُ عنَّا ثلاثين سنةً ضوئيّة ، وهناك السّماك الرامح يبعدُ عنَّا خمسين سنةً ضوئيّة ، وهناك المرأة المسلسلة تبعدُ عنَّا ألف سنةٍ ضوئيّة ، واكْتُشِفَتْ مجرَّةٌ قبل عامَين تبْعُد عنَّا ستة عشر ألف مليون سنة ضوئيّة هذه أرقامٌ دقيقة ، قال تعالى :

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾

[ سورة الذاريات : 47]

 آيةٌ ثانية ، يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة الواقعة : 75-76]

 ذلكم هو الله تعالى الذي أحسن كلّ شيءٍ خلقه .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018