الخطبة : 0227 - تفسير سورة الفجر - خلق الأنعام والإنسان متشابها جنينياً. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0227 - تفسير سورة الفجر - خلق الأنعام والإنسان متشابها جنينياً.


1988-09-16

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

النصيحة لكلّ مسلم أعظم عبادة عند الله :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ روى الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال فيما يرويه عن ربه قال الله تعالى في الحديث القدسي :

(( أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي ))

 وفي رواية : النصح لكل مسلم .
 فإذا نصحت لله ، أي دللت الناس على الله ، دللتهم على طاعته نصحتهم أن يجتنبوا ما نهى الله عنه ، دللتهم على أسمائه الحسنى ، دللتهم على صفاته الفضلى ، بينت لهم طريق الوصول إليه ، وضحت لهم طريق الإقبال عليه ، جعلت لهم منهجاً يسيرون عليه ، وضحت لهم طرق التقرب إليه ، عرفتهم بألوهيته ، عرفتهم بربوبيته ، عرفتهم بتسييره ، عرفتهم برحمته ، عرفتهم بعلمه ، عرفتهم بحلمه ، إذا دللت الناس عليه ، إذا هديتهم إليه ، فهو أعظم عبادة عند الله عز وجل ، يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي :

(( أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي ))

 هل نصحت أخاك أن يصلي ؟ هل نصحت أخاك أن يتعرف إلى الله ؟ هل نصحت أخاك أن يجول فكره في ملكوت السموات والأرض ؟ هل نصحت أخاك أن يتصدق من ماله الحلال ؟ هل نصحت أخاك أن يقيم على طاعة الله ؟ إذا فعلت ذلك فهذا الذي تفعله أحب عبادة إلى الله عز وجل :

(( أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي ))

 أي دلّ الناس على الله ، بيّن لهم طريق الهداية ، بيّن لهم طريق الضلال ، بيّن لهم نتائج الهداية ، بيّن لهم نتائج الضلال ، بيّن لهم ما عنده من ثواب ، وما ينتظر الكافر من عقاب ، جلّ في ملكوت السموات والأرض ، هذا كله مما يشمله هذا الحديث القدسي :

(( أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي ))

 أي أن تدل الناس عليه ، أن تنصحهم بطاعته ، أن تنصحهم بالتزام العبادات ، أن تنصحهم بترك المنكرات ، أن تنصحهم بفعل الطاعات ، أن تنصحهم بأداء الأموال لمستحقيها .
 أما الرواية الثانية : أو النصح لكل مسلم ، فإذا كان الذي أمامك مسلماً يجب أن تنصحه فيما يبتغيه منك ، إن كنت بائعاً هل تنصحه ؟ في كل المهن ، في كل الحرف ، في كل الأعمال يجب أن تنصح لأخيك ، يجب أن تسدل له النصيحة ، أو أن تنصحه إذا عاملته، لأن النبي عليه الصلاة والسلام في تعريف جامع مانع يقول :

((‏‏الدّينُ النَّصِيحَةُ ، قالوا : لمن يا رسول اللّه ؟! قال: لِلَّهِ وكِتابِهِ وَرَسُولِهِ وأئمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعامَّتِهِمْ ))

[‏مسلم عن تميم الداريّ رضي اللّه عنه‏‏ ]

الإكرام و الابتلاء :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ آية من سورة الفجر ، يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

[ سورة الفجر : 15 - 16]

 هذه الآية من سورة الفجر تنطوي على معانٍ دقيقة جداً ، فربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾

[ سورة الفجر :1-14]

 هنا " إن ربك لبالمرصاد " إنه رقيب على كل مخلوق ، إنه يعلم السر وأخفى ، يعلم ما في النفوس ، عليم بذات الصدور " إن ربك لبالمرصاد " وبيان ذلك " فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه " أي إنسان هذا ؟ قال علماء التفسير : إنه الإنسان الكافر ، إنه الإنسان الضال ، إنه الإنسان البعيد عن الله عز وجل " فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه " أي إكرام هذا ؟ قال العلماء : هو الإكرام الحادث ، وليس الإكرام الباقي ، الإكرام الذي هو حقيقة عين الإكرام ، هو ما كان في الجنة التي لا يخرج منها الإنسان ، أما الإكرام في الدنيا فهذا سماه الإنسان إكراماً وهو في حقيقته ابتلاء ، هذا الذي يظن أن الإنسان إذا ملك المال ، أو ملك القوة ، أو ملك الجاه ، أو ملك متاع الدنيا ورغائبها ، إذا ظن الإنسان أن هذا إكرام من الله عز وجل فهو في ضلال مبين " فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول " ، هو ، " ربي أكرمني " هذه مقولته ، هذه دعواه ، يظن واهماً أن الله يحبه ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 55-56]

 ليس هذا إكراماً ، وليس هذا امتناناً ، وليس هذا إيثاراً ، وليس هذا عطاءً ، بل هو كما وصفه الله عز وجل ابتلاء ، الإنسان قد يبتلى بالمال ، فإذا أنفقه في طاعة الله ، وكان إنفاقه له في طاعة الله سبباً لسعادته الأبدية بمعنى أنه إذا أنفقه في سبيل الله فكان أثره مستمراً إلى ما بعد الموت ، عندئذٍ يصبح المال نعمة وإكراماً وامتناناً ، أما إذا أنفقه على هواه ، أنفقه فيما تشتهي نفسه ، بذره تبذيراً ، أسرف في استعماله إسرافاً ، فإنه والحالة هذه ليس إكراماً ، ولا امتناناً ، إنما هو ابتلاء وقد رسب في الامتحان .

 

الدنيا دار بلاء و انقطاع :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا الذي يتوهم أن الدنيا محل الإكرام ، ومحل العقاب ، واهم جداً ، إن الدنيا أيها الأخوة أحقر وأصغر من أن تكون ثواباً لأتقيائه ، أو أن تكون عقاباً لأعدائه ، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لن يفرح لرخاء ، ولن يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، ليست دار إكرام ، إنما هي دار بلوى، ليست دار جزاء إنما هي دار عمل ، ليست دار نعيم ، إنها دار جهاد ، جهاد النفس والهوى .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإكرام والتنعيم الذي ورد في هذه الآية كما قال بعض المفسرين هو إكرام صوري ، أي بحسب الصورة يملك المال الوفير ، ويملك الجاه العريض ، ويملك المتع الكثيرة ، ويملك مباهج الدنيا ، بحسب الصورة ، فقال بعض العلماء : هو الإكرام والتنعيم الصوريان . وقال بعض العلماء الآخرين : إنما هو الإكرام الحادث أي المؤقت لا الباطل ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام في وصف الدنيا بأنها دار بلاء وانقطاع . بلاء يبتلى بها الإنسان ، وانقطاع تنقطع عند الموت شاء أو أبى .

 

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

[ سورة الفجر: 15]

 هذه مقولة الإنسان ، هذه دعواه ، هذه ما أقره الله عليها ، ما رضيها منه ، بدليل أن الله سبحانه وتعالى في آخر الآية قال :

﴿ كلا ﴾

 وكلا حرف نفي وردع ، أي أن الله سبحانه وتعالى يردع هذا الإنسان عن أن يتوهم كذلك ، يردعه أن يظن كذلك ، يردعه عن أن يتوهم أن هذا المال الذي بين يديه هو إكرام من الله عز وجل ، إنما هو ابتلاء .
 الحظوظ أيها الأخوة موزعة في الدنيا ، موزعة توزيع ابتلاء ، فهذا مادة امتحانه المال ، وهذا مادة امتحانه الجاه ، وهذا مادة امتحانه الجمال ، وهذا مادة امتحانه الذكاء ، وكل إنسان أعطي مادة ليمتحن بها ، فإما أن ينجح بها في الدنيا ، وإما أن يرسب ، وسوف توزع الحظوظ في الآخرة توزيعاً آخر ، إنما توزع توزيع جزاء ، وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء ، لذلك يقول بعضهم : إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقة ، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين ، هذا الذي يتوهم أن الدنيا إذا كانت بيد إنسان فهو مكرم على الله بعيد عن الحقيقة بعداً كبيراً ، إذاً كأن الله سبحانه وتعالى يقول : يا عبادي ليس عطائي إكراماً إنما هو ابتلاء ، وليس حرماني هواناً إنما هو دواء .

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ﴾

[ سورة الفجر: 15-16]

 قد يحس الإنسان في ساعة الضعف أنه هين على الله عز وجل ، قد يحس الإنسان في ساعة الحرمان أن الله لا يحبه ، أن الله لم يؤثره ، أن الله لم يعطه ، هذا الشعور شعور مرضي ، وغير صحيح ، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

[ سورة الفجر: 15-16]

(( إن اللّه تعالى ليحمي عبده المؤمن من الدنيا ، كما يحمي المريض أهله الطعام))

[البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن حذيفة ]

(( ‏إن الله تعالى يحمي عبده المؤمن كما يحمي الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة‏ ))

[ أبو الشيخ في الثواب عن حذيفة ]

 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يجب أن نعلم علم اليقين أن الذي يتوهم أن السعادة في الدنيا هي كسب المال من أي وجه ، ودون أي حساب ، وإنفاقه على شهوته ، دون أي رادع ، ودون أي قيمة خلقية ، هذا الإنسان ضال ضلالاً كبيراً .

 

الغنى الحقيقي هو غنى الأعمال الصالحة :

 شيء آخر ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾

[ سورة الأنبياء : 35]

 ولكن هناك حالة واحدة يصبح فيها المال ، ويصبح فيها الجاه ، وتصبح فيها القوة ، وتصبح فيها الزوجة ، هذه هي التي يظنها الإنسان البعيد نعماً ، هذه النعم يمكن أن تكون نعماً حقيقةً ، إذا بذلت بطاعة الله عز وجل ، إذا روعي فيها مرضاة الله عز وجل ، فالزوجة التي أنت حريص على هدايتها ، وعلى أن تكون في الموقع الصحيح ، وعلى أن تكون طائعة لله عز وجل ، هذه الزوجة التي هديتها ، فأعانتك على حفظ دينك هي نعمة حقيقية من نعم الله عز وجل ، وكذلك المال ، وكذلك أي شيء يناله الإنسان في الدنيا .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ آيات القرآن الكريم يجب أن نتدبرها ، لقول الله عز وجل :

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

[ سورة محمد : 24]

 إذا فهمنا هذه الآية فهماً صحيحاً انقلبت المقاييس ، سعينا للدار الآخرة ، لأن الإمام علياً كرم الله وجهه يقول : " الغنى والفقر بعد العرض على الله " والغنى الحقيقي هو غنى الأعمال الصالحة ، والفقر الحقيقي هو فقر الأعمال الصالحة ، وسيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام يقول عقب ما فعله في مدين من العمل الطيب حيث سقى للمرأتين قال :

﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

[ سورة القصص: 24]

 والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

[ سورة المجادلة: 11]

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأحقاف: 19]

 فالعمل الصالح هو الذي يرفعك عند الله عز وجل ، وهو الغنى الحقيقي ، فهذا الذي أوتي من الدنيا نصيباً يجب أن ينفقه في طاعة الله ليكون من السعداء المهتدين .

 

لكلّ مخلوق مادة يمتحن بها :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ سيدنا سراقة في قصته دليل دقيق على مغزى هذه الآية ، سيدنا سراقة بن مالك - كما تروي الأخبار - كان فارساً من فرسان قومه المعدودين ، طويل القامة ، عظيم الهامة ، بصيراً باقتفاء الأثر ، صبوراً على أهوال الطرق ، كان أريباً ، لبيباً ، وشاعراً ، وكانت فرسه من عتاق الخيل ، سيدنا مالك حينما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام سمع أن قريشاً وضعت مئة ناقة جائزة لمن يأتي بالنبي عليه الصلاة والسلام حياً أو ميتاً ، أغرته هذه الجائزة ، وسال لعابه عليها ، فما إن سمع ذلك حتى جهز فرسه ، ولبس درعه، وامتشق حسامه ، وانطلق يعدو خلف محمد وصاحبه ، إلى أن أدركه ، ولما أدرك هذا الصحابي الجليل - وكان قبلها من غير المسلمين - ولما أدرك محمداً وصاحبه ساخت قوائم فرسه في الأرض ، فاستغاث بالنبي عليه الصلاة والسلام ، فدعا الله عز وجل أن ينقذه ، فأنقذه ، ثم تاقت نفسه للجائزة مرة ثانية ، فعدا يريد النبي وصاحبه ، فساخت قدما فرسه مرة ثانية ، عندها استغاث بهما وقال : إليكما زادي ومتاعي وسلاحي ، فخذاه ، ولكما عليّ عهد أن أرد عنكما من ورائي من الناس ، فقالا له : لا حاجة لنا بزادك ومتاعك ، ولكن ردّ عنا الناس ، فلما همّ بالعودة ناداهم قائلاً تريثوا أكلمكم ، فو الله لا يأتيكم مني شيء تكرهونه ، فقالا له : ما تبتغي ؟ قال : والله يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر دينك ، ويعلو أمرك ، فعاهدني إذا أتيتك في ملكك أن تكرمني ، واكتب لي بذلك ، فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام لما همّ بالانصراف : كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ قال سراقة : كسرى !! قال : نعم ، ودارت الأيام وحينما فتح النبي عليه الصلاة والسلام مكة شق صفوف المسلمين ليصل إلى النبي الكريم فلما دنا منه قال: يا رسول الله أنا سراقة بن مالك ، فقال عليه الصلاة والسلام : ادن مني يا سراقة ، هذا يوم وفاء وبر ، فأقبلت عليه ، وأعلنت إسلامي بين يديه ، ونلت من خيره وبره ، ولم يمضِ على هذا اللقاء إلا أشهر معدودات حتى قبض النبي عليه الصلاة والسلام ، فحزن سراقة عليه أشدّ الحزن، وجعل يتراءى له ذلك اليوم الذي همّ فيه لقتل النبي عليه الصلاة والسلام من أجل مئة ناقة ، وكيف أن نوق الدنيا كلها أصبحت لا تساوي عند سراقة قلامة من ظفر النبي عليه الصلاة والسلام ، هكذا الإيمان ، نوق الدنيا كلها أصبحت لا تساوي عند سراقة قلامة ظفر النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد أحضرت بعض الغنائم من بعض الغزوات وكان فيها تاج كسرى ، وكان سيدنا عمر يعلم وعد النبي عليه الصلاة والسلام لسراقة ، فما كان إلا أن ألبس سراقة تاج كسرى ، وهو يبلغ ثمنه رقماً خيالياً ، فما كان من سراقة - وهنا موطن الشاهد ، ذكرت هذه القصة لهذا المكان - إلا أن قال : أعيرابي من بني مدلج على رأسه تاج كسرى !! وفي يديه سواره !! ثم رفع رأسه وقال : اللهم إنك منعت هذا المال رسولك ، وكان أحب إليك وأكرم عليك مني ، ومنعته أبا بكر ، وكان أحب إليك مني وأكرم عليك مني ، وأعطيتنه فأعوذ بك أن تكون فعلت ذلك لهواني عليك ، ثم لم يقم من مجلسه حتى قسمه بين المسلمين .
 يقول سيدنا علي كرم الله وجهه : فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ؟ فإن قال أهانه : فقد كذب ، وإن قال : أكرمه ، فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا .
 عودة إلى الآية الكريمة :

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

[ سورة الفجر: 15]

 هذه مقولته .

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

[ سورة الفجر: 16]

 كلا ، ليس هذا صحيحاً ، يا عبادي ليس عطائي إكراماً ، إنما هو ابتلاء ، وليس حرماني هواناً إنما هو دواء ، وكل مخلوق كريم على الله عز وجل ، ولكن لكل مخلوق مادة امتحن بها ، فإذا نجح فسيعوضه الله سبحانه وتعالى في الآخرة الخير الكثير ، لهذا ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس .

 

الله سبحانه وتعالى حكيم في تصرفاته :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى حكيم في تصرفاته ، إذا عرفت أنه لا شيء يقع في هذا الكون إلا بإرادته ، وإذا علمت علم اليقين أن إرادته متعلقة بحكمته ، وأن حكمته متعلقة بالخير المطلق ، رضيت بنصيبك من الله عز وجل ، وسعيت إلى الدار الآخرة ، وقد أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي وتكدري وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا رأى شيئاً من مظاهر الدنيا كان يقول :

(( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة‏ ))

[‏البخاري‏ عن أنس ]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني . والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

وحدانية الخالق و تكريم الإنسان على الحيوان :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ من الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل هذه الآية القرآنية التي تشير إلى حقيقة علمية ، يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ ﴾

[ سورة الزمر : 6 ]

 أي أنتم والأنعام .

﴿ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾

[ سورة الزمر : 6 ]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يستفاد من هذه الآية أن خلق الأنعام من الوجهة الجنينية يشبه خلق الإنسان ، ففي هذه الآية إشارة إلى وحدانية الخالق ، وإشارة إلى تكريم الإنسان على الحيوان ، فما أبعد الفرق بين الإنسان والحيوان ، من الوجهة الجنينية خلق الأنعام كخلق الإنسان، وشتان بين الإنسان والحيوان ، هذا مكرم أودع الله فيه فكراً ، وأودع الله فيه تكليفاً ، وسخر له ما في السموات والأرض ، وهذا الحيوان مسخر للإنسان ، فشتان ما بين النوعين مع أن البنية واحدة ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ﴾

[ سورة الزمر : 6 ]

 شيء آخر : لماذا أشار الله سبحانه وتعالى إلى الظلمات الثلاث ؟ بعض المفسرين قال : إنما هي ظلمة البطن ، وظلمة المشيمة ، وظلمة الرحم .
 والإمام القرطبي في تفسيره يقول : إنما هي ظلمات ثلاث ، ظلمة بطن المرأة ، وظلمة صلب الرجل ، وظلمة الرحم .
 وقد فسرت هذه الظلمات بأنها ظلمة الخصية ، وظلمة المبيض ، وظلمة الرحم ، ظلمات ثلاث ، لماذا الظلمات ؟ ما مغزى كلمة الظلمات في هذه الآية .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ لا يمكن أن تتخلق الخلية في بدايتها إلا في ظلام تام ، فإذا ظهر لهذه الخلية بصيص من ضوء كوني تلفت وماتت .
 شيء آخر وهو أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ﴾

[ سورة الزمر : 6 ]

 أي يتم تلقيح الحوين المنوي للبويضة ، فالبويضة الملقحة تتولى عناية الله سبحانه وتعالى تخليقها في الرحم ، ولابد لهذه البيضة الملقحة التي هي من خلق الله من أن تخلق سابقاً في المبيض ، وأن يخلق الحوين المنوي في الخصية .

﴿ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ﴾

[ سورة الزمر : 6 ]

 خلقت الحوينات ، وخلقت البويضات ، ثم لقحت هذه البويضة ، ثم خلقت لتكون الإنسان ، فالآية الكريمة :

﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ﴾

[ سورة الزمر : 6 ]

 فالذي خلق الحوين ، والذي خلق البويضة هو الذي خلق الإنسان من بويضة ملقحة :

﴿ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ﴾

[ سورة الزمر : 6 ]

 والآن الزرع الجنيني لا يتم إلا في الظلام الدامس ، وهذا من الإعجاز العلمي للقرآن الكريم :

﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾

[ سورة الزمر : 6 ]

 أي الذي خلق الأنعام هو الذي خلق الإنسان ، والذي خلق الحوين هو الذي خلق البويضة ، والذي خلق البويضة والحوين هو الذي خلق البويضة الملقحة .

﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾

[ سورة الزمر : 6 ]

التّفكر في عظيم خلق الله و بديع صنعته :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ في خلق الإنسان آيات مذهلة ، آيات لو تأملها الإنسان لخرّ خاشعاً لله عز وجل .

﴿ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ﴾

[ سورة الطور: 35 ]

 من خلق الإنسان في بطن أمه ؟ من شقّ له سمعه ؟ من شقّ له بصره ؟ من أودع فيه القلب ؟ من أودع فيه الدماغ ؟ من جعل له هذه الأجهزة التي يتحرك بها ؟

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾

[ سورة الزمر : 6 ]

إلى متى أنت باللذات مشــغول  وأنت عن كل ما قدمت مســؤول
***
أيا غافلاً تبدي الإســاءة والجهلا  متى تشكر المولى على كل ما أولى؟
عليك أياديه الكرام وأنت لا تراهــا  كأن العيــــــــــــــــــن حولاء أو عميـــــــــــــا
لأنت كمزكوم حوى المسك جيبـه  ولكنه المحــــــــروم ما شمه أصــــــــــــلا
***

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى يأمرنا ، وأمر الله في القرآن يقتدي الوجوب .

﴿ قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ﴾

[ سورة يونس : 101]

﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ* يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ* إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾

[سورة الطارق : 5 ـ 8]

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾

[ سورة عبس : 24-32]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما خلق الله السموات والأرض إلا كي نفكر في عظيم خلقه وبديع صنعته ، فإذا عرفنا ذلك خشعت قلوبنا لقول الله عز وجل :

﴿ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فاطر: 28 ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ لا عبادة كالتفكر ، تفكر ساعة خير من عبادة ستين عاماً، وإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018