الخطبة : 0226 - تفسير سورة التين - الشريان الفرعي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0226 - تفسير سورة التين - الشريان الفرعي.


1988-09-02

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإنسان هو أحسن ما خلق الله سبحانه وتعالى :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ من سور القرآن القصيرة التي وردت في الجزء الثلاثين سورة التين ، يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ* ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾

[ سورة التين : 1-8]

 من هذه السورة أيها الأخوة المؤمنون نقف عند آيتين اثنتين :

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين : 4]

 يجمع العلماء على أن الإنسان هو أحسن ما خلق الله سبحانه وتعالى ، خلقه في أحسن تقويم ، زوده بجسم يُعد أعقد آلة في الكون ، جعل له قوائم ينتصب عليها ، جعل له يدين يعمل بهما ، جعل له عقل كالميزان يميز الحق من الباطل ، والخير من الشر .
 قال بعض العلماء في قوله تعالى :

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين : 4]

 أي لم نجعله منكباً على وجهه يمشي على أربع ، له لسان زلق ، وله يد وأصابع يقبض بها ، وله رجلان يمشي بهما ، مزيناً بالعقل ، مؤدباً بالأمر ، مهدياً بالتمييز ، مديد القامة، يأكل طعامه بيده ، هذا قول أبي بكر الرازي :

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين : 4]

 خلقه مكرماً .
 ويقول عالم آخر : ليس لله خلق أحسن من الإنسان ، جعله حياً ، جعله عالماً ، جعله قادراً ، جعله مريداً ، جعله متكلماً ، جعله سميعاً ، جعله بصيراً ، جعله مدبراً ، جعله حكيماً ، هذا ما يفسر بعض الأحاديث الشريفة التي رويت عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم على صورته ، أي على صفاته ، جعلك تختار ، جعلك متكلماً ، جعلك مريداً ، جعلك سميعاً ، جعلك بصيراً ، جعلك مميزاً .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الإمام علي كرم الله وجهه : أتحسب أنك جرم صغير ، وفيك انطوى العالم الأكبر .

 

المقومات التي يرقى بها الإنسان إلى أعلى عليين إن أحسن استخدامها :

1 ـ الكون :

 لكن الشيء الذي أريد أن أقرّه في هذه الآية هو أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ، أي في أحسن حالة يرقى بها إلى الله عز وجل ، هذه بعض التفسيرات ، خلقه في أحسن حالة يرقى بها إلى الله ، فلو حقق المراد الإلهي من خلقه لسعد في الدنيا والآخرة ، ما هذه الحالة التي خلقه الله بها كي يرقى إليه ؟
 أولاً : خلق له السموات والأرض مسخرة له .

﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية : 13 ]

 فهذا الكون كله مسخر لك ، تسخير تعريف ، وتسخير تكريم ، فينبغي أن تعرفه، وينبغي أن تشكره ، لهذا يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147 ]

 لا بد من أن تؤمن ، لأن الكون كله مسخر لك تسخير تعريف ، ولا بد من أن تشكر لأن الكون كله مسخر لك تسخير تكريم ، فهذا الكون إن دققت فيه ، وتأملت في آياته ، فوصلت منها إلى الله عز وجل كنت في أعلى عليين ، فإذا أعرضت عنه ، ولم تعن به ، ولم تلق له بالاً ، ومررت عليه كما تمر على شيء لا قيمة له ، مررت عليه وأنت عنه معرض .

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة يوسف : 105]

 إذا كنت كذلك :

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

[ سورة التين: 5]

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين: 4]

 ليسمو إلى الله عز وجل من خلال هذا الكون المعجز ، فإن لم يتأمل به ، فإن لم ينظر إلى طعامه وشرابه ، فإن لم ينظر مما خلق ، فإن لم ينظر في السموات والأرض :

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

[ سورة التين: 5]

 هذا أحد مقومات الحال التي وصفها الله عز وجل بأنها في أحسن تقويم :

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين: 4]

2 ـ العقل :

 شيء آخر : لقد زود الله سبحانه وتعالى الإنسان بهذا العقل الراجح ، فلو أعمله في خلق السموات والأرض ، فلو أعمله في تمييز الخير والشر ، فلو أعمله في معرفة الحق من الباطل ، لو أعمل فكره ، وأعمل عقله ليهتدي به إلى الحقيقة رفع إلى أعلى عليين ، فإذا عطل عقله وسخره لجمع الدرهم والدينار ، والإيقاع بين الناس ، واقتناص الملذات :

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

[ سورة التين: 5]

 بالكون ترقى إلى أعلى عليين ، وبعدم التأمل فيه تهبط إلى أسفل سافلين ، وبالعقل ترقى به إلى أعلى عليين ، وبتعطيله وعدم استخدامه وتزويره تهبط به إلى أسفل سافلين .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين: 4]

 أي هناك حالة إذا استفاد منها يرقى بها إلى أعلى عليين ، خلق له السموات والأرض ، وسخرها له ، خلق له العقل قوة إدراكية يميز بها الحق من الباطل ، والخير من الشر، وأودع فيه الشهوات ، هذه الشهوات يرقى بها في حالتين ، في حالة الصبر وحالة الأداء، فلو ترك الزنى لارتقى إلى الله صابراً ، ولو تزوج لارتقى إلى الله شاكراً ، لو كسب المال الحلال، لو ترك المال الحرام ارتقى إلى الله صابراً ، ولو كسب المال الحلال ارتقى إلى الله شاكراً .

 

3 ـ الشهوة :

 والحالة الثالثة ، والمقوم الثالث من حالة الإنسان التي وصفت بأنها في أحسن تقويم ليرقى بها إلى أعلى عليين ، هو أن الله سبحانه وتعالى أودع فيه هذه الشهوة .

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة آل عمران: 14 ]

 لولا أن الله سبحانه وتعالى أودع فينا هذه الشهوات لما ارتقينا بها إلى رب الأرض والسموات ، إذاً هذه الحالة التي هي أحسن حالة أن الله سخر لك الكون ، وزودك بالعقل ، وأودع فيك الشهوة .

 

4 ـ حرية الاختيار :

 وفوق هذا وذاك جعلك مريداً كما قال بعض العلماء ، جعلك مختاراً ، جعلك ذا مشيئة حرة .

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 3]

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

[ سورة البقرة : 148 ]

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف : 29 ]

 هذه الإرادة الحرة ، أو حرية الاختيار ، أو أن يجعلك الله مريداً بها ترقى إلى الله ، فلو أن الله سبحانه وتعالى أجبر عباده على الطاعة لسقط الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لسقط العقاب ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يعص مغلوباً ، ولم يطع مكرهاً :

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين: 4]

 كون عظيم ، وعقل راجح ، وشهوة بمثابة المحرك الذي يدفعه إلى الله عز وجل ، وفوق هذا وذاك جعل له مشيئة حرة تعطي عمله قيمة ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة البقرة : 284]

 إلى أن يقول :

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

5 ـ الشرع :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ كون عظيم ، وعقل راجح ، وشهوة دافعة ، وإرادة حرة من أجل أن تجعل لعملك عند الله قيمة ، وفوق هذا وذاك بعث الأنبياء والمرسلين ، وأنزل معهم الكتاب بالحق ، وجعل لك تشريعاً ، هو ميزان على الميزان إذا كان العقل ميزاناً ، فالشريعة ميزان العقل ، فماذا بعد هذا ؟

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 6]

آيات الله في خلقه :

 لله آيات في السموات والأرض ، ولله آيات في كتابه الكريم ، ولله آيات في خلقه ، إن معاملة الله سبحانه وتعالى لعباده كيف أنه يسعد المؤمن ، ويشقي الكافر ، يرفع الأمين ، ويخفض الخائن ، يعز الصادق ، ويذل الكاذب ، هذا التعامل هو آية ثالثة من آيات الله عز وجل.

﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾

[ سورة التين : 1-4]

 بعضهم يقول : إن جسم الإنسان هو أعقد آية بالكون ، لا يتسع الحديث عما في هذا الجسد من آيات دالة على عظمة الله عز وجل ، يكفي أن أقول لكم : إن في الدماغ مئة و أربعين مليار خلية استنادية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد ، يكفي أن أقول لكم : إن في شبكية العين مئة و ثلاثين مليون عصية ومخروط تنعكس الصورة عليها ، إن في الكليتين طريقاً يزيد عن مئتي كلو متر يقطعها الدم في اليوم خمس مرات ، إن في السنتيمتر مربع في المعدة ثمانمئة عصارة هاضمة ، خمسة و ثلاثون مليون عصارة هاضمة في المعدة .
 شيء عن القلب ؛ قلب الجسد من أعجب ما خلق الله عز وجل ، إنه مضخة ، مزدوجة تضخ الدم الذي يحمل الغذاء والوقود إلى كل خلية ونسيج وعضو وجهاز :

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين: 4]

 عن طريق شبكة من الأوعية يزيد طولها عن مئة و خمسين كيلو متر ، في جسد كل منا شبكة أوعية دموية يزيد طولها عن مئة و خمسين كيلو متر ، إنه يعمل منذ الشهر الثاني ، القلب ينبض منذ الشهر الثاني للجنين ، من حياة الجنين وحتى يحين الحين ، لا يغفل ولا يغفو ، لا ينسى ، ولا يسهو ، لا يقعد ، ولا يكبو ، لا يشكو ، يعمل من دون راحة ، ولا مراجعة ، ولا صيانة ، ولا توجيه ، الإنسان بجبروته يؤذيه ، وبنار الحقد يكويه ، وبالأحزان يبليه، وهو أساس حياة الإنسان ، وشمس عالمه ، عليه يعتمد في كل أعماله وأحواله ، ومنه تنبع كل قواه وحركاته ، وهو آلة خارقة ، لا يعرف التعب إليها سبيل ، تزداد قدرتها أضعافاً كثيرة ، لتواجه الجهد الطارئ ، إنها عضلة من أعقد العضلات .

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين: 4]

 بناءً وعملاً وأداءً ، ومن أمتنها وأقواها ، تنقبض وتنبسط ثمانين مرة في الدقيقة ، من دون كلل أو ملل ، ويصل النبض في الجهد الطارئ إلى مئة و ثمانين ، ويضخ القلب - دققوا جيداً – ثمانية آلاف لتر من الدم في اليوم الواحد ، ويضخ القلب من الدم في طول عمر الإنسان ما يكفي لملء مستودع بحجم إحدى أكبر ناطحات السحاب في العالم ، أي ثلاثمئة ألف متر مكعب يضخ الدم في عمر إنسان متوسط ، وينفرد القلب باستقلاله عن الجهاز العصبي ، فتأتمر ضرباته وتنتظم بإشارة كهربائية من مركز توليد ذاتي ، هي أساس تخطيط القلب ، وتتغذى عضلة القلب بطريقة فريدة ، ومن أعجب ما فيه دساماته المحكمة التي تسمح للدم بالمرور في اتجاه واحد ، وهو مبدأ ثابت في المضخات ، حتى إذا سكن القلب في قفصه واستراح من غصصه خلّف وراءه جثة هامدة ، كأنها أعجاز نخل خاوية ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ‏‏ألا وَإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألاَ وَهِيَ القَلْبُ ))

[ متفق عليه ‏عن النعمان بن بشير رضيَ اللّه عنهما‏ ]

 لك أن تفهم هذه الآية :

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين: 4]

 أي له أجهزة بالغة التعقيد ، تعمل بأداء عجيب ، فيها دقة بالغة ، فيها صيانة رفيعة، فيها أداء معجز ، ولك أن تفهم هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى زودك بحالة لو عرفت قيمتها لارتقيت إلى أعلى عليين ، الكون وما فيه مسخر لك ، والعقل وإمكاناته مسخر لك ، والشهوات أودعت في نفسك لترقى بها ، وحرية الاختيار تعطي عملك قيمة ، والأنبياء والرسل جاؤوا ليدلوك على الطريق الصحيح ، وكذلك الكتاب الذي أنزل معهم هو شريعة محكمة ، ميزان على الميزان .

 

تفسير قوله تعالى :

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾

 أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

[ سورة التين: 4-5]

 من هذا التقويم البيان .

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 1 ـ 4]

 به تعبر عن حاجاتك ، وعن مشاعرك ، وعن أفكارك ، به تتواصل مع بني جنسك، به تتعلم ، به تعلم ، به تنقل التراث من جيل إلى جيل .

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

[ سورة العلق : 1 ـ 5]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ فماذا عن قوله تعالى :

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

[ سورة التين: 5]

 بعض العلماء قالوا : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ، حالة الشباب " ثم رددناه أسفل سافلين " أي ثم يرد إلى أرذل العمر ، حيث يصغر عقله ، ويضعف جسده ، وينحني ظهره ، تضعف عضلاته ، تضعف ذاكرته ، يقل شأنه ، يصبح إنساناً هامشياً ، يصبح ذا ظل ثقيل ، يعيد الحديث ، يمله السامعون ، يبتعد عنه الأبناء .

﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾

[ سورة النحل : 70]

 نعوذ بالله من أرذل العمر ، وبعضهم قالوا : ثم رددناه أسفل سافلين ، أي إلى النار، مهما طغى وبغى ونسي المبتدا والمنتهى إذا كان كافراً بالله فمصيره إلى النار .
 وبعضهم قال : يرد إلى الشقاء بعد أن كان في سعادة .
 وبعضهم قال : الإنسان حينما طغى وبغى ونسي المبتدا والمنتهى وامتلأ عجباً وغروراً جعله الله مملوءاً قدراً ، مشحوناً نجاسةً ، وأخرج هذه النجاسة على ظاهره ، تارةً باختياره، وتارةً على وجه الغلبة ، أي هذا الإنسان إذا ضعفت أجهزة إفرازه عن أن تنضبط باختياره سقطت مكانته ، ثم رددناه أسفل سافلين .

 

بعض المعاني التي أشار إليها العلماء في الآية التالية :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

 هؤلاء مستثنون من أرذل العمر ، يقول عليه الصلاة والسلام في تفسير هذه الآية :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

 فقال عليه الصلاة والسلام : " ‏لا يخرف ولا يهرم‏" .

[‏ للإمام القرطبي‏ ]

 تزيده الأيام مكانة ، وعقلاً ، وشأناً ، ورفعةً ، يموت في أحسن حال ، صنائع المعروف تقي مصارع السوء ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، أي هؤلاء لا يخرفون ولا يهرمون ، يكبرون ، يشيخون ، ولكنهم لا يخرفون ، لا يضيعون ، لا يختل توازنهم ، لا يسقط شأنهم ، لا تنعدم مكانتهم .
 وبعضهم قال : من قرأ القرآن - استمعوا جيداً - من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، هذه بشارة ، من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر ، وهناك قول للنبي عليه الصلاة والسلام :

(( ومن جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))

[ الجامع الصغير عن أنس]

 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( ‏طوبى لمن طال عمره وحسن عمله‏ ))

[‏البخاري عن ابن عباس‏ ]

 وفي تفسير هذه الآية أيضاً :

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة التين: 5 -6]

 قال : من أمضى شبابه في طاعة الله كتب الله له في شيخوخته مثل ثواب أعماله في شبابه ، هذا معنى آخر من معاني الاستثناء :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾

 قال العلماء : غير مقطوع ، الأجر لا ينتهي ، أي حياة أبدية ، أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، حياة كلها سعادة بسعادة لا تنتهي أبداً .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه بعض المعاني التي أشار إليها العلماء في قوله تعالى:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾

[ سورة التين: 4 -6]

الإنسان إما أن يكون أشرف المخلوقات أو أسفلها :

 يا أخوة الإيمان : الإنسان ليس له حالة وسطى ، إما أن يكون أشرف المخلوقات .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة: 7 ]

 وإما أن يكون أسفل المخلوقات .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾

[ سورة البينة: 7 ]

 أنت بين أن تكون خير البرية ، وبين أن تكون شر البرية ، والثمن أن تكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه السورة على قصرها خطيرة جداً ، إنها تضعك أمام مسؤولياتك ؛ إما أن ترقى بهذه الإمكانات التي زودك الله إياها إلى أعلى عليين ، وإما أن تعرض عنها ، ولا تحسن استغلالها ، فتهوي بها إلى أسفل سافلين ، وليس هناك حالة بين الحالتين ، ركب الحيوان من شهوة بلا عقل ، وركب الملك من عقل بلا شهوة ، وركب الإنسان من عقل وشهوة ، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني . والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الشريان الفرعي :

 في الفخذ شريان فرعي يمكن أن يحل محل شريان القلب ، وكل عمليات القلب الآن تبدأ العملية بأخذ الشريان الفرعي الذي هو بمثابة قطع الغيار من الفخذ ليوضع في القلب ، وقد اكتشف أيضاً أن الزائدة الدودية التي تسمى خطأ زائدة دودية سماها بعضهم زائدة المدافعة .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018