الخطبة : 0184 - الصديق2 - الجبال . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0184 - الصديق2 - الجبال .


1987-10-16

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بربوبيته وإرغاما لمن جحد به و كفر، وأشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم رسول الله سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صل وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و على ذريته و من والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، و لا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا فيما جرت به المقادير، إنك على كل شيء قدير، اللهم علمنا ما ينفعنا، و انفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أثر الصديق في حياة الإنسان :

 أيها الأخوة المؤمنون، كان موضوع الخطبة الأسبوع الماضي عن الصداقة و الصديق، و كيف أن للصديق أثرا كبيرا جدا في حياة الإنسان، في معتقده، في قيمه، في سلوكه، في سعادته، في شقاءه، في دنياه، في أخراه، حتى أن بعضهم كان يقول: قل لي من تصاحب أقل لك من أنت " لأن للصديق أثرا كبيرا و بالغا في حياة الإنسان، ورد في حق الصديق آيات كثيرة و أحاديث عديدة، تبين الجانب الإيجابي و الجانب السلبي، فالنبي عليه الصلاة و السلام يقول:

(( لرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

الرَّجل على دين خلِيلِه :

 من خليلك، من صاحبك؟ مع من تقضي أوقاتك، مع من تذهب إلى نزهاتك، من هذا الذي تمحضه ودَّك، من هذا الذي تبثه همك، من هذا الذي تسترشده، من هذا الذي تستنصحه، من هذا الذي تلازمه، من هذا الذي ترتاح إليه، قل من هو أقل لك من أنت، النبي عليه الصلاة و السلام يقول:

(( الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 شيء خطير، إنك على دينه، على معتقده، على تصوراته، أو على أوهامه، أو على ضلاله، أو على خطئه، أو على خطله:

(( الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 يجب أن تحسن اختيار الأصدقاء، يجب أن تعرف مع من تذهب إلى هذه النزهة، ربما أفسد عقيدتك، ربما حملك على معصية كانت سبب الشقاء و الهلاك، ربما أغراك بالمنكر، ربما كان الحديث عن الدنيا، فيئست عن رحمة الله، ربما كان الحديث عن مباهج الدنيا فشعرت أنك محروم، قل لي من تصاحب أقل لك من أنت:

(( الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أكثر الذين يقبلون على الدين ثم ينحسرون لو تتبعت أحوالهم لعرفت أن أصدقاء السوء الذين زهدوهم في الدين و رغَّبوهم في الدنيا، زهدوهم بمجالس العلم و رغبوهم بمجالس السمر، زهدوهم في الدخل الحلال و رغبوهم في الدخل الحرام، زهدوهم بطاعة الله و رغبوهم بمعصيته، هؤلاء الذين ينتكسون، هؤلاء الذين يقعون في طريق الإيمان، هؤلاء الذين يرتدون، هؤلاء الذين يسقطون، إنما كان سقوطهم بسبب صاحب السوء، صديق السوء، فالنبي عليه الصلاة و السلام يقول:

(( الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

ندم الظالم على صحبة رفيق السوء :

 استمعوا أيها الأخوة المؤمنون، هذا الظالم حينما يأتيه ملك الموت، على ماذا يندم، ما الشيء الذي يندم عليه في الدنيا، الشيء الذي يندم عليه في الدنيا هو أثمن ما في الدنيا، هذا الظالم حينما يأتي الواحدَ الديان، و أعني بالظالم الذي ظلم نفسه، فأبقاها في جهالة الجهل، و في ضلالة المعصية، و في وحول الشهوات، هذا الذي ظلم نفسه حينما يأتي يوم القيامة على ما يندم، يندم على أثمن ما في الدنيا، قال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾

[سورة الفرقان: 27-28]

 يندم على أنه صاحب رفيق السوء و لم يصاحب أهل الحق، لم يكن منضويا تحت أهل الحق، لم يصاحب المؤمنين، بل صاحب المنافقين، لم يصاحب أهل الدين، بل صاحب أهل الدنيا، لم يصاحب من يرقى به إلى الله حالُه، بل صاحب من دنَّسه في وحول الشهوات، قال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾

[سورة الفرقان: 27-28]

السبيل إلى الله يحتاج إلى رسول :

 السبيل إلى الله يحتاج إلى رسول، و الرسول بُدء به، لأن الرفيق قبل الطريق، قال تعالى:

﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾

[سورة الفرقان: 27-28]

 ما الذي جعله من الظالمين؟ ما الذي جعله من الهالكين؟ ما الذي جعله من أصحاب الجحيم، أنه اتخذ فلانا خليلا، فموضوع الصداقة و الصديق شيء خطير إلى أعبد الحدود، ربما كان تأثير الصديق أبلغ تأثير في حياة الإنسان، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ﴾

[سورة الفرقان: 29]

الشيطان هو الصديق الضال :

 بشكل أو بآخر ورد ذكر الشيطان على أنه هو الصديق، هو الصديق الضال، إنه الشيطان، الشيطان نوعان، شيطان الجن و شيطان الإنس، و هذا الصديق الذي يغري بالمعصية و يحبب بالدنيا و يزهد بالآخرة إنه شيطا، فاحذره، و الشيء الذي يلفت لنظر كما أن الأمراض تنتقل بالعدوى كذلك الحسنات و السيئات تنتقل بالعدوى، و لكن الشيء الخطير أن عدوى السيئات أسرع من عدوى الحسنات، لماذا؟ لأن السيئات غالبا ما تتعلق بالشهوات، و الشهوات بضاعة حاضرة، ولذة حاضرة، بينما الحسنات تتعلق بالآخرة، و الآخرة قد يرونها بعيدة.

عدوى انتقال السيئات :

 لذلك عدوى انتقال السيئات أخطر و أسرع من عدوى انتقال الحسنات، يقول عليه الصلاة و السلام:

((مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً ))

[البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 أيها الأخوة المؤمنون، الصداقة أيَّة صداقة خطيرة، إن لم تكن في طاعة الله، لكن من الصداقات ما هو عابر، صديق سيارة، تسافر إلى مدينة، تلتقي برجل يجلس إلى جانبك، هذا صديق عابر، صديق طائرة صديق مهمة، و لكن أخطر أنواع الأصدقاء من كان صديق العمر، الذي يلازمك في الليل و النهار، في السراء و الضراء، في إقبال الدنيا و إدبارها، هذا الذي يلازم هو أخطر أنواع الأصدقاء، قد يقنعك بالباطل، و قد يقنعك بالحق، قد بالحرام، قد يزين لك عمل الشيطان، قد يزين لك كل ما حرم في الشرع، فلذلك إن كنت يجب أن تحذر الصديق العابر مرة فيجب أن تحذر صديق العمر ألف مرة.

صاحب من يرقى بك علمه :

 أيها الأخوة المؤمنون، يجب أن تعتمد الصداقة على قوة العقيدة، و سمو الأعمال، لا تصاحب أناسا عاديين، صاحب من يرقى بك علمه، صاحب من تسمو به أخلاقك، شيئان أساسيان، العقيدة و العمل، لا تصاحب إلا من يرقى بعقيدتك، أو أن يسمو بعملك، هذا الصاحب احرص عليه و ابحث عنه و ابذل له، من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته " صاحب مثل هؤلاء " من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته.

الأخوة في الله تدوم بطاعة الله :

 أيها الأخوة المؤمنون، العلاقة بين أخوين في الله، أو أن الأخوة في الله لا تدوم و لا ترقى، و لا تمتن إلا بطاعة الله، قاعدة هذه، لو أن علاقة نشأت بين مؤمنين، هذه العلاقة أساسها محبة الله عز وجل، هذه العلاقة لا تستمر و لا تزيد و لا تشتد أواصرها إلا بطاعة الله، فإذا عُصي الله من كليهما أو من أحدهما انفصمت هذه العلاقة، و تلاشت، يقول عليه الصلاة و السلام:

((عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَيَقُولُ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا وَكَانَ يَقُولُ لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ سِتٌّ يُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ وَيَنْصَحُهُ إِذَا غَابَ وَيَشْهَدُهُ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ وَيَتْبَعُهُ إِذَا مَاتَ وَنَهَى عَنْ هِجْرَةِ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ ))

[أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ]

 سمعت أن مجموعة من الأصدقاء كانوا يجتمعون في كل أسبوع مرة، و قد استمرت سهراتهم سبعة عشر عاما، من دون انقطاع، سأل بعضهم هذا السؤال: ما هو سر استمرار هذا اللقاء الأسبوعي؟ فتوصلوا إلى أن هناك شيئين، ليس في هذا المجلس غيبة، وليس فيه نساء لو دخلت المرأة لأفسدت ما بين الرجال، و لو دخلت الغيبة لأوقعت بينهم العداوة و البغضاء، لذلك لا تدوم المودة إلا بطاعة الله عز وجل.

((عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَيَقُولُ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا وَكَانَ يَقُولُ لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ سِتٌّ يُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ وَيَنْصَحُهُ إِذَا غَابَ وَيَشْهَدُهُ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ وَيَتْبَعُهُ إِذَا مَاتَ وَنَهَى عَنْ هِجْرَةِ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ ))

[أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ]

الأخوة في الله تدوم بالتواصي بالحق :

 شيء آخر، من أراد لصداقة الإيمان أن تستمر، من أراد لأخوة الدين أن ترقى، فعليه أن يسيِّجها بالتواصي بالحق، سيدنا عمر كان يقول: أحب ما أهدى إلي أصحابي عيوبي.
 و فرق كبير بين النصح و بين التشهير إنك إذا توجهت إلى أخيك تثير عنده بعض نقاط الضعف بأدب و احترام و إخلاص و شفقة و اعتدال من دون أن يدري أحد بهذا إنك تنصحه، فإذا وجهت له النقد أمام ملإ من أصدقاءه أو أصحابه فإنك تشهِّر به، و في أغلب الأحيان يقبل منك الصديق النصح و لا يقبل التشهير، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 كان عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إذا التقى برجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول له: تعالَ يا أخي نؤمن ساعة بربنا و قد علم النبي هذا السلوك، فقال عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ تَعَالَ نُؤْمِنْ بِرَبِّنَا سَاعَةً فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ لِرَجُلٍ فَغَضِبَ الرَّجُلُ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرَى إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ يُرَغِّبُ عَنْ إِيمَانِكَ إِلَى إِيمَانِ سَاعَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ رَوَاحَةَ إِنَّهُ يُحِبُّ الْمَجَالِسَ الَّتِي تُبَاهَى بِهَا الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ السَّلَام ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 أي إذا جلست مع أخيك في الله فليكن الحديث عن الله، عن آياته القرآنية عن آياته الكونية، عن صلاح الدنيا، عن صلاح الآخرة، عن الأمر بالمعروف، عن النهي عن المنكر، عن عمل صالح يرقى بكما؟.

 

الأخوة في الله تدوم بإخباره أنك تحبه :

 أيها الأخوة المؤمنون، مما يمتن هذه العلاقة الخالصة أن تعلم أخاك أنك تحبه، يقول عليه الصلاة و السلام:

((عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ ))

[الترمذي عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ]

 لا تلزم الصمت، كان رجل عند النبي عليه الصلاة و السلام، فمر رجل فقال الأول:

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمْتَهُ قَالَ لَا قَالَ أَعْلِمْهُ قَالَ فَلَحِقَهُ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ فَقَالَ أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ ))

[ أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 أفصح عن هذه المشاعر، أفصح عنها، أعلم أخاك أنك تحبه، فإنه مما يزيد هذه العلاقة متانة.

 

من لوازم الأخوة أن تسأل أخاك عن اسمه :

 أيها الأخوة المؤمنون، من لوازم الصداقة أن تسأل أخاك عن اسمه، و عن اسم أبيه و عن عمله، وممن هو، من أجل أن تعرفه معرفة صحيحة، فلعله في مصلحة أنت في أشد الحاجة إليها، يجب أنت تنفعه، يجب أن تعمل حاجتك عنده، لذلك من لوازم الأخوة في الله أن تسأله عن اسمه و اسم أبيه و عن عمله وممن هو، فإن هذا يمتن العلاقة بين الإخوة، قال عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ يَزِيدَ بْنِ نَعَامَةَ الضَّبِّيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَسْأَلْهُ عَنْ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَمِمَّنْ هُوَ فَإِنَّهُ أَوْصَلُ لِلْمَوَدَّةِ))

[الترمذي عَنْ يَزِيدَ بْنِ نَعَامَةَ الضَّبِّيِّ]

 وهناك قول: رب أخ لك لم تلده أمك " و الأرواح كما ورد في صحيح البخاري:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

اختيار الأصدقاء وفق العقيدة الصحيحة :

 أيها الأخوة المؤمنون، يجب أن يتم اختيار الأصدقاء وفق العقيدة الصحيحة، فمن زاغت عقيدته أو أنكر شيئا من الدين، أو زاغت به الأهواء، لا ينبغي أن تصاحبه، لأن في مصاحبته خطرا على عقيدتك.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا قَالَ لَا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 تزور أخا ليس لك عنده مصلحة، و لا نعمة و لا لتشكره و لا لتسترضيه لا قرابة و المصلحة ولا منفعة، ولا مطمع، تزوره لا لشيء إلا أنك تحبه في الله، يقول عندئذ الله سبحانه و تعالى في الحديث القدسي:

((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ))

[الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

 ويقول عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

الأخوة في الله تدوم بتبادل الهدايا :

 أيها شيء آخر يزيد المودة، إنها الهدايا، لك أخ تزوج قدِّم له هدية، لك أخ مرض عده و قدم له هدية، ولا تهتم بقيمتها، لو أن لها قيمة قليلة إن معناها كبير، لو قدمت له قلما، لو قدمت له شيئا إنه يزيد في المحبة، هكذا قال عليه الصلاة و السلام، لكن الهدية لها دور خطير إذا نشأت جفوة بين الأخوين، إذا نشا سوء تفاهم، إذا نشأت سحابة حين الجفاء من البرود، إذا كان ما بين الصديقين فعلاجه أن يقدم له الهدية، قد أمرنا النبي عليه الصلاة و السلام فقال:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 لكن النبي عليه الصلاة و السلام من أخلاقه أنه كان يقبل الهدية و يثيب عليها، كان يعد الهدية دينا يثيب عليها، اقبلها و أدِّ ما يقابلها في مناسبة أخرى، إن هذه الهدايا المتبادلة، لم يقبلوا " قال: تهادوا " إذا قُدمت لك هدية فرد عليها بهدية، قدمت لك خدمة رد عليها بخدمة، لا يُقبل منك أن تقول لأخيك و قد قدم لك خدمة: جزاك الله خيرا، قال عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ))

[أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 النبي عليه الصلاة و السلام يقول:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 فعل تهادوا من أفعال المشاركة، يعني ليهدي كل منكم أخاه تلقَّ الهدية و كافئ بمثلها، إلا أن تكون لمن ترجو الخير منه في الدنيا فهذه رشوة، بحث آخر، قدم الهدية لا ترج منه شيئا في الدنيا إلا تزيده محبة في الله فقط، إن كان لها هدف آخر فلها حكم آخر، قُدِّم لأحد الخلفاء هدية فقال: هي لرسول الله هدية و لنا رشوة، فالهدية تذهب بوحر الصدر، و كان عليه الصلاة و السلام يقبل الهدية و يثيب عليها، و قد قال عليه الصلاة و السلام:

(( خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ))

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِي]

الأخوة في الله تدوم بمدارة أخيك :

 أنت مع أخيك المؤمن بين المداهنة و بين المداراة، و المداهنة بذل الدين من أجل الدنيا، أما المداراة فبذل الدنيا من أجل الدين، داره و لا تداهنه.
 ملخَّص هذه الخطبة، يقول عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]

إن الصديق الحق من كان معك  ومن يضر نفسه لينفعك
و من إذا ريب الزمان صدعك  شتَّت فيك شمله ليجمعك
***

 شابان وقد كنت قد أسمعتكم هذه القصة قبل عام فيما أذكر، شابان في عهد عمر رضي الله عنه دخلا عليه وهما يسوقان رجلا قتل أباهما، فعقد مجلسا لمحاكمته و بعد سماع أقوال الشهود و إقرار القاتل، الاعتراف سيد الأدلة، و إقرار القاتل حكم عليه بأن يُقتل، قال تعالى:

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾

[سورة البقرة: 179]

 زوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم، لكن المحكوم عليه بالقتل طلب مهلة ثلاثة أيام، كي يذهب إلى أهله ليعطيهم مالا، كان قد خبَّأه، وليودع أولاده، و يوصي، فقال له عمر: ومن يضمنك؟ ألا تعود، فلم يتكلم أحد ممن في المجلس، لأن أحدا لا يعرفه، فما كان من أبي ذر رضي الله عنه إلا أن قال: أنا أضمنه يا أمير المؤمنين، ضمنه، و ذهب هذا المحكوم عليه بالقتل إلى أهله، ليودع و ليعطيهم الذي خبأه لهم، و ليوصي، و مضت الأيام الثلاثة و حضر الشابان ليشهدا مقتل قاتل أبيهما، لكن الرجل لم يحضر، إلى أن كادت الشمس تغيب، و كان ينفذ حكم القتل في الكفيل، ثم حضر الرجل، و قبيل تنفيذ الحكم فيه سأله عمر: لِم وفيت بوعدك و أنت تعلم أنه القتل؟ أي وفاؤك بالع يعني أنه الموت، فقال هذا الرجل: إنما جئت حتى لا يقال: إن الوفاء قد مات، عندها توجه إلى أبي ذر رضي الله عنه، قال: وأنت يا أبا ذر لِم ضمنته و أنت لا تعرفه؟ قال: ضمنته لئلا يقال: إن المروءة قد ماتت، عندها قال الشابان: ونحن عفونا عنه، فقال عمر: لم عفوت عنه؟ قالا: لئلا يقال: إن السماحة قد ماتت " الوفاء و المروءة والسماحة لو أخذ الناس بهذه الثلاثة ما كان بينهم جائع، و لا عريان و لا مغبون و لا مهضوم، و لأقفرت الجفون من المدامع، و لمحت الرحمة الشقاءَ من القلوب، أما إذا ماتت المروءة وانعدم الوفاء وشحت النفوس فاقرأ على....
 أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، و العاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العامين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلّ و سلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التفكر في الجبال كيف نصبت :

 أيها الأخوة المؤمنون، ربنا سبحانه و تعالى في القرآن الكريم يقول:

﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا ﴾

[ سورة المرسلات: 27 ]

 نحن مدعوون بنص الآية الكريمة إلى أن ننظر إلى الجبال كيف نصبت، مجموعة من آيات الله في القرآن الكريم تشير إلى تفصيل هذه الآية، يقول الله تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا*وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾

[سورة النبأ: 6-7]

الجبال أوتاد في الأرض :

 الجبل وتد، ثلثا الجبل مغروس في الأرض، عبر طبقاتها المتعددة، و في أثناء الدوران لا تنزاح الطبقات المتباينة عن بعضها بسبب أن وتدا وهو الجبل يربطها جميعا، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا*وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾

[سورة النبأ: 6-7]

الجبل ثلثاه تحت الأرض :

 معنى آخر، يقول الله سبحانه و تعالى مشيرا إلى أن هذا الجبل الذي تراه عينك إنما الذي تراه منه الثلث الظاهر، و له ثلثان تحت الأرض، كل جبل ثلثه فوق الأرض و ثلثاه تحت الأرض، فجبال همالايا التي يزيد ارتفاعها عن اثني عشر ألف متر هذا هو الثلث الظاهر، بينما ضعف هذه المسافة مغروسة تحت الأرض كالوتد، من هنا قال الله عز وجل:

﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾

[سورة النازعات: 32-33]

الجبال جعلها الله أكناناً :

 المعنى الثالث، قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا ﴾

[سورة النحل: 81]

 أي السلاسل الجبلية التي على السواحل تجعل المنطقة التي خلفها منطقة جافة، و ليست رطبة، ليست منطقة رياح عاتية، لو ذهبت إلى حلب عن طريق حمص لرأيت أن الأشجار كلها مائلة في فتحت بين سلسلتي الجبال المنصوبة على السواحل، فالجبل في هذه الآية جعله الله أكنانا، قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا ﴾

[سورة النحل: 81]

 تبدُّل الطَّقس و المناخ متعلق بالجبال، بفتحاتها، و كيف أنها مصدات للرياح.

الجبال مستودعات للأنهار :

 المعنى الرابع، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ﴾

[سورة الرعد: 3]

 العلاقة بين الأنهار و الجبال هي أن الجبال مستودعات للأنهار، قال تعالى:

﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ﴾

[سورة الرعد: 3]

توزيع الجبال على سطح الأرض يجعلها مستقرة :

 المعنى الخامس، قال تعالى:

﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾

[سورة النحل: 15]

 هذه الكرة مع دورانها السريع لابد أن تضطرب، أما إذا وُزعت الجبال توزيعا دقيقا دقيقا على سطحها بحيث يؤدي هذا التوزع إلى استقرارها مع دورانها، فهذا مما تعنيه هذه الآية، قال تعالى:

﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾

[سورة النحل: 15]

 لئلا تضطرب الأرض في أثناء الدوران.

الجبال تجعل الأرض مستقرة :

 المعنى السابع، قال تعالى:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا ﴾

[سورة النمل: 61]

 من جعلها مستقرة، من جعلها ساكنة سكونا تاما؟ مع أنها متحركة، تقطع الأرض في الثانية الواحدة ثلاثين كيلومترا، تدور حول نفسها بسرعة ألف و ستمائة كيلو متر في الساعة، حول نفسها، و حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلومتر في الثانية، ومع ذلك تبني البناء فلا يتشقق، لو أنها اضطربت بميزان الزلازل بأقل وحدة لتهدمت الأبنية، قال تعالى:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾

[سورة النمل: 61]

الجبال تضاعف مساحة الأرض :

 شيء آخر، قال تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا ﴾

[سورة المرسلات:27]

 العلماء قالوا: الجبال تضاعف مساحة الأرض أربعة أضعاف، لو أخذت المساحة التي يشغلها الجبل كانت أقل من مجموع سطوحه بخمسة أجزاء، فهذه الجبال تضاعف المساحات و تلطف الأجواء و لها وظائف لا يعلمها إلا الله، لذلك ربنا سبحانه و تعالى يقول:

﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا ﴾

[سورة المرسلات:27]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، و أكرمنا و لا تهنا، و آثرنا و لا تؤثر علينا، و أرضنا وارض عنا، و اقسم لنا من خشيتك مت تحول به بيننا و بين معصيتك، و من طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، و متعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، و انصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، و لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018