الخطبة : 0185 - البيان - الدم . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0185 - البيان - الدم .


1987-10-23

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ، ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير إنك على كل شيء قدير .

التقديم والتأخير .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم يقول :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن الآيات : 1 ـ 4 ]

 في الآية قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان ، هذا التقديم ، تقديم رتبي ، أي أن المنهج مقدم على الوجود .

﴿ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴾

[ سورة الرحمن الآيات : 1 ـ 4 ]

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 1 ]

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ﴾

[ سورة الكهف الآية : 1 ]

معنى البيان .

 فكأن القرآن الكريم في كفة والكون في كفة .

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن الآيات : 1 ـ 4 ]

 لعل هذا البيان الذي امتن الله به علينا من أجل أن نفهم القرآن ، ولعل هذا البيان الذي امتن الله به علينا من أجل أن نعلم القرآن ، لأنه المنهج الذي يفضي إلى سعادتنا في الدنيا والآخرة .  في القرآن الكريم استنباط دقيقة ، فتقديم تعليم القرآن على خلق الإنسان يعني شيئاً مهماً ، وأن يأتي تعليم البيان عقب تعليم القرآن يعني شيئاً مهماً فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( ‏خيركم من تعلم القرآن وعلمه ))

[ البخاري و الترمذي عن علي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عثمان ]

 هذا البيان ، هذا النطق ، هذا التعبير ، الذي امتاز به الإنسان ، الإنسان ينطق ، يعبر عن حاجاته ، يعبر عن أفكاره ، يعبر عن عواطفه ، يعبر عن معتقداته ، ينقل أحاسيسه ، ينقل مشاعره عبر البيان .  موضوع الخطبة اليوم :  هذا البيان ، هذه اللغة ، ذاك الكلام ، الذي امتن الله به علينا ، كيف أن هذا البيان يقود بعض الناس إلى أسفل السافلين ، ويقود بعضهم الآخر إلى أعلى عليين ، كيف أن هذا البيان معول عليه في استقامة الإيمان ، يقول الله تعالى :

﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ﴾

[ سورة النساء الآية : 114 ]

 يجلس الناس في السهرات ، في النزهات ، في لقاءاتهم ، في ندواتهم ، في أفراحهم ، في أتراحهم ، ماذا يتكلمون ؟ ما موضوع حديثهم ؟ ما مضمون مناقشاتهم ؟ يقول الله عز وجل :

﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ﴾

[ سورة النساء الآية : 114 ]

 غيبة ، نميمة ، تزين للدنيا ، تشجيع على الإقبال عليها فحش ، بذاءة خوض في أعراض الناس .

﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾

[ سورة النساء الآية : 114 ]

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 1 ]

 إصلاح بين الناس .

﴿ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾

[ سورة النساء الآية : 114 ]

 قال تعالى :

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

[ سورة المائدة الآية : 2 ]

 العلماء قالوا : البر صلاح الدنيا ، والتقوى صلاح الآخرة .  تعاونوا في لقاءاتكم ، في ندواتكم ، في مجالسكم ، في اجتماعاتكم .

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾

 على صلاح الدنيا ، على انتشار الفضيلة ، على انتشار السكينة .

﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

قال تعالى : لا خير في كثير من نجواهم ......................

﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾

[ سورة النساء الآية : 114 ]

 سيدنا عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ يقول :  والذي لا إله غيره ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان .  وعبد الله بن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنهما ، وبارك الله في العبادلة يقول :  لا تتكلم فيما لا يعنيك ، فإنه فضل ، ولا أمنوا عليك الوزر ، ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضع .  قال بعضهم :  ما كل ما يعلم يقال ، وما كل ما يقال له رجال أهل لسماعه ، ولا إذا وجد الرجال آن الأوان ، لا بد من أن تعرف ما ينبغي أن يقول ، وهذا الذي ينبغي أن يقال ، لمن يقال ، ويجب أن تعرف ثالثاً ، أن هذا الذي ينبغي أن يقال ، ولمن ينبغي أن يقال ، متى ينبغي له أن يقال ، لا بد من أن تعرف الموضوع المناسب ، والرجل المناسب ، والوقت المناسب ، لا تتكلم فيما لا يعنيك ، فإنه فضل ، ولا أمنوا عليك الوزر ، ولا تتكلم فيما يعنيك ، حتى تجد له موضعاً مناسباً ، في الوقت المناسب ، وفي المكان المناسب ، وللشخص المناسب .  فإن رب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه ، فيعاب عليه ، ولا تماري حليماً ، ولا سفيهاً ، فإن الحليم يقليك ، يجافيك ، والسفيه يؤذيك ، واذكر أخاك إذا تغيب عنك ، بما تحب أن يذكرك به ، إذا غبت عنه ، واعف مما تحب أن يعفيك من ، وأعمل عمل رجل يرى أنه مجاز بالإحسان مأخوذ بالإجرام .  أيها الإخوة المؤمنون ؛ ماذا يقول النبي العدنان ، يقول عليه الصلاة والسلام :‏

(( عليك بطول الصمت إلا في خير ، فإنه مطردة للشيطان ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

‏(( من كثر كلامه كثر سقطه‏ ))

[ أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهما ]

 اللسان الذرب ، الثرثار ، حبل بيد الشيطان ، يرسله متى يشاء لمن يشاء ، ‏عليك بطول الصمت ، نصيحة نبوية .

‏(( عليك بطول الصمت إلا في خير ، فإنه مطردة للشيطان عنك وعون لك على أمر دينك ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))

[ أخرجه أحمد والبيهقي عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 ‏يا رسول اللّه ! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟

(( فقال : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ ))

[ أخرجه الترمذي عن معاذ بن جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ وقال حديث حسن صحيح ]

 عن عائشة رضي اللّه عنها قالتْ : قلتُ للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم حسبُك من صفيّة كذا وكذا ـ قال بعضُ الرواة : تعني قصيرة ـ فقال :

(( لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ ))

[ أخرجه أبي داود والترمذي ]

 قصيرة .

(( قذف المحصنة يهدم عمل مئة سنة ))

[رواه الطبراني والبزار وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقد يحسن حديثه ، وبقية رجاله رجال الصحيح عن حذيفة]

 قد يتكلم الرجل بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفا ، لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ‏منْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيه‏ ))

[ أخرجه ‏الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

قال تعالى : ولا تجسسوا ......................

﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾

( سورة الحجرات : 12 )

 التجسس كما جاء عند علماء التفسير تتبع الأخبار السيئة .

﴿ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾

( سورة يوسف : 87 )

 والتحسس تتبع الأخبار الطيبة .

 

قال تعالى : والذين هم عن اللغو معرضون ......................

 والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نعرض عن اللغو بين فريضتين ، بين فريضة الصلاة ، وبين فريضة الزكاة ، في قوله تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾

( سورة المؤمنون الآيات : 1 ـ 4 )

 يا رب ، رفع الله عز وجل من شأن استقامة اللسان حتى جعلها بين الصلاة والزكاة .

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾

( سورة المؤمنون الآيات : 1 ـ 7 )

 أيها الإخوة الأكارم ؛ توفي رجل بعهد النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال رجل آخر ورسول الله يسمع ، أبشر بالجنة ، فقال عليه الصلاة والسلام : ومن أدراك ؟ لعله تكلم فيما لا يعنيه ، أو بخل فيما لا ينقصه ، ومن أدراك أنه من أهل الجنة ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ‏إن العبد ليقول الكلمة ، لا يقولها إلا ليضحك بها الناس يهوي بها أبعد مما بين السماء والأرض ))

[‏الخرائطي في مكارم الأخلاق والبيهقي عن أبي هريرة‏ ]

 من أجل أن يضحكهم ، على حساب فلان ، على حساب علان ، يجرح فلان ، يكشف عورة فلان ، يفضح فلان ، يغتاب فلان ، ينقل حديث فلان ، من أجل أن يضحك من في المجلس ، يهوي بها أبعد ما بين السماء والأرض ، ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( ‏وإنه ليزل عن لسانه أشد مما يزل عن قدميه ))

[‏الخرائطي في مكارم الأخلاق والبيهقي عن أبي هريرة‏ ]

 عثرة القدم لا تميت ، ولكن عثرة اللسان قد تميت .  احفظ لسانك أيها الإنســان لا يلدغنك إنه ثعبـــان  كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعان

 

قال تعالى : وقولوا للناس حسنا......................

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾

( سورة البقرة الآية : 83 )

 أمر إلهي " وقولوا للناس حسنا " انتق الكلمة الطيبة التي لا تجرح انتق الكلمة الحانية ، انتق الكلمة اللطيفة ، انتق الكلمة التي تزيد المودة وابتعد عن الكلمة التي تقيم الهوة بين الرجلين ، وقل لعبادي ، هؤلاء عبادي قل لهم ، أن يفعلوا كذا وكذا .

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً ﴾

( سورة الإسراء الآية : 53)

 كم في القضاء من دعاوى تفريق بسبب كلمة قاسية قالتها الزوجة وكم بين الشركاء من مشكلات انتهت إلى فسخ الشركة من كلمة قاسية قالها أحد الشريكين .

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً ﴾

( سورة الإسراء الآية : 53)

﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

( سورة فصلت الآية : 34)

 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق‏ ))

[‏أخرجه البزار وأبو يعلى والطبراني في مكارم الأخلاق من حديث أبي هريرة وبعض طرق البزار رجاله ثقات‏ ]

 حتى أن الله عز وجل أخبرنا في كتابه العظيم أن الحرمان مع الأدب أفضل من البذاءة مع العطاء .

﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾

( سورة البقرة الآية : 263 )

 الحرمان مع الأدب خير من العطاء مع البذاءة ، ومع المن ، ومع الكلمة القاسية ، يقول عليه الصلاة والسلام :

‏(( يا أيُّهَا النَّاسُ أفْشُوا السَّلامَ ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ ، وَصِلُوا الأرْحامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ ))

[‏‏ أخرجه الترمذي وقال حديث صحيح‏ ]

 

 

جاء رجل إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام ، وكان سفيهاً ، سفيهاً ، شريراً ، عن عائشة رضي الله عنها : أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه قال : بئس أخو العشيرة ، وبئس ابن العشيرة ، فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه ـ السيدة عائشة استغربت هذين الموقفين المتناقضين ـ فلما انطلق الرجل قالت عائشة : يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه ؟ ـ يعني ما تفسير هذا ؟ ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة ، متى عهدتني فحاشاً ـ أنا لست فاحشاً ، أنا أساير الناس ، ألاين الناس ، أباسط الناس ـ متى عهدتني فحاشاً ، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره .  هذا الذي يبتعد عنه الناس مخافة شره ، مخافة أذاه ، مخافة فحشه مخافة بذاءته ، مخافة قوله القاسي ، هذا شر الناس عند الله يوم القيامة علمنا بهذا درساً ، أن داروا سفهاءكم‏ ، السفيه لا تصطدم معه ، فيؤذيك داره ، تجنب أن تصطدم معه ، هذا درس بليغ ،يا عائشة ، متى عهدتني فحاشاً ، ‏إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره .  لذلك ليفحص كل منكم نفسه وفق هذا الحديث ، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك .

 

ذكرى المولد .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ نحن على أبواب مجيء مناسبة عزيزة على كل مسلم ، مناسبة ذكرى مولد رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وسوف نعالج هذا الموضوع إن شاء الله تعالى في خطب قادمة ، ولكن من باب التمهيد لهذه الذكرى العطرة أسوق لكم هذه القصة .  سيدنا سعد بن الربيع رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ عقب معركة أحد افتقده أصحاب رسول الله ، لما فرغ الناس لقتلاهم في أحد قال عليه الصلاة والسلام : من منكم رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع ، أين هو ، أفي الأحياء هو ، أم في الأموات ؟ فقال رجل من الأنصار أنا أبحث عنه يا رسول الله ، فانطلق هذا الرجل إلى ساحة المعركة ليراه أفي الأموات هو أم مع الأحياء ، لما وصل إلى ساحة المعركة وجده جريحاً بين القتلة ، وبه رمق ، يعني به بقية حياة ، فقال له إن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات ، فقال هذا الصحابي الجليل : أنا في الأموات ، يبدو أن جرحه بليغ ، وأنه مشارف على الموت فقال أنا في الأموات ، ولكن أبلغ رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مني السلام ، وقل له إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خيراً ما جزى نبياً عن أمته ، في أية سعادة هذا الإنسان ، وهو يودع الحياة ، كم هي حاله سعيدة ، لم يذكر قبل أن يموت إلا أن يبلغ النبي هذا السلام ، قل له جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته ، وأبلغ قومك السلام عني ، وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف ، قال هذا الأنصاري رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ : فلم أبرح حتى مات ، فجئت رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته خبره ، فبكى حتى أخضل لحيته .  ماذا يستنبط من هذه القصة ، هي قصيرة ، هي ليست قصة إنما هي حدث واحد ، ماذا يستنبط منها ، هذا الصحابي وهو يودع الدنيا كم هو سعيد ، إذا اتبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام وجاء ملك الموت وأنت على خير حال ، عندئذٍ تعرف قيمة هذه الدعوة ، عندئذٍ تعرف أن الدنيا لا قيمة لها عند الله ، لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ، عندئذٍ أن البطولة أن يأتيك ملك الموت وأنت على خير حال ، وأنت قد بذلت كل غال ورخيص ، وكل نفس ونفيس ، إذا نظرت إلى ماضيك ، وقد أفنيت شبابك في طاعة الله ، وأفنيت عمرك في خدمة الخلق ، عندئذٍ ترى مقامك عند الله ، يبدو أن هذا الصحابي الجليل رأى مقامه عند الله ، وفتحت له أبواب الجنة ، عندئذٍ ما وسعه إلا أن يقول أبلغ عني رسول الله السلام ، وقل جزاك عنا خير ما جزى نبياً عن أمته .  أيها الإخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام رحمة مهداة ، ونعمة مجزاة ، اعرفوه قبل فوات الأوان ، طبقوا سنته قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال .  أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الدم :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كلنا جميعاً لابد من أن يرى نقطة من دمه تسيل ، لجرح طفيف أو لشيء آخر ، هل منكم من يصدق أن هذا الدم الذي يسيل عالم قائم بذاته قبل كل شيء ، الميليمتر المكعب من هذا الدم ، دقق على المسطرة كم هو ضلع الميليمتر مكعب ، في الميليمتر المكعب خمسة ملايين كرية حمراء خمس ملايين ، في دم الإنسان ما يزيد عن خمسة وعشرين مليوناً من الكريات الحمراء ، خمس وعشرين مليون مليون ، البليون ألف مليون ، أما مليون مليون يعني واحد أمامه ، خمسة وعشرين أمامها اثنى عشر صفر مليون مليون ، وقد وصف بعضهم الكرية الحمراء بأنها حمال لا يعرف التعب ، أبداً ، تجول في الجسم في اليوم الواحد ألفاً وخمسمائة دورة ، في اليوم الواحد ، كل كرية تجول في الجسم ألف وخمسمائة دورة في اليوم الواحد ، وتعمر هذه الكرية مئة وعشرين يوماً عمرها ، تقطع في هذا العمر من المسافات ما يزيد عن ألف ومئة وخمسين كيلو متر ، هذه الكرية الحمراء التي لا ترى إلا بالمجهر ، كل خمس ملايين كرية تساوي ربع نقطة من الدم ، هذه الكرية الحمراء الحمال الذي لا يعرف التعب تنقل من الأكسجين ما يزيد عن ستمئة لتر من الأكسجين إلى الخلايا والأنسجة والأعضاء ، والأجهزة من أجل أن تنقي الدم من غاز الفحم ، ومن أجل أن تمنحه مولد الحموضة ، من منا يصدق أن هذه الكرية الحمراء التي لا ترى بالعين إن خمسمئة وأربعة وسبعين حمضاً أمينياً يسهمون في تكوينه مكونة من خمسمئة وأربع وسبعين حمض أميني ، هذه الكرية الحمراء يتم صنعها في خمسة أيام وتنتج معامل الدم في نقي العظام اثنان ونصف مليون كرية في كل ثانية .  اللنفاوية ، فقرات الظهر ، أضلاع الصدر ، عظم القص ، عظم الساق ، كل هذه الأماكن معامل لصنع الكريات الحمراء ، الشيء الخطير جداً أن في الجسم جهاز دقيق دقيق ، حساس حساس ، جهاز الرقابة فالرقابة على كمية الدم مستمرة ، وبحساسية بالغة ، وهذا الجهاز مهمته معرفة ما يطرأ على الدم من زيادة أو نقصان ، فإذا طرأ عليه نقصان أعطى هذا الجهاز إشارة إلى معامل نقي العظام كي تزيد من إنتاجها ، كي يعود الحجم إلى وضعه الطبيعي ، ومن هنا تأتي الحجامة التي هي سنة نبوية ، وهناك أحاديث صحيحة تؤكدها ، أن الحجامة هي في حقيقتها إنقاص للدم من الإنسان ، هذا الإنقاص يسبب تنشيطاً وحثاً لمعامل نقي العظام على زيادة إنتاجها لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( ‏احتجموا لخمس عشرة ، أو لسبع عشرة ، أو لتسع عشرة ، أو إحدى وعشرين ، لا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم ))

[ البزار و أبو نعيم في الطب عن ابن عباس‏ ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الأحاديث النبوية التي فيها إرشادات صحية وطبية ، هي توجيهات إلهية ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إن هو وحي يوحى ، فهذا الدم الذي يجري في عروقكم ، هذه بعض مواصفاته يعني اطلعت على كتاب يزيد عن ألفين صفحة عنوانه أمراض الدم فقط ، فالدم عالم قائم بذاته ، المصل ، الكريات الحمراء ، الكريات البيضاء ، الصفائح عددها ، تولدها ، موتها ، حركتها ، وظائفها شيء لا يصدق ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

(سورة الذاريات الآية : 21)

﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ﴾

( سورة عبس الآيات : 17 ـ 22)

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يجب أن نفكر في خلق السماوات والأرض ، وأقرب شيء لنا أجسادنا .

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ ﴾

( سورة فصلت الآية : 53 )

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت وبارك لنا فيمن أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك اللهم من جميع الذنوب ونتوب إليك ، اللهم اغفر ذنوبنا ، واقبل توبتنا ، وخذ بيدنا إلى ما فيه رضاك يا رب العالمين ، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018