الخطبة : 0224 - تفسير سورة العصر - البيان واللغة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0224 - تفسير سورة العصر - البيان واللغة.


1988-08-12

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الفوز والسعادة والنجاح في سورة العصر :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ كان الأولى أن يكون موضوع الخطبة اليوم عن الهجرة، لأن غداً أول يوم من أيام العام الهجري الجديد ، أعاده الله عليكم باليمن والبركة ، ولكن نظراً لضرورات الموضوع السابق ، موضوع سورة التكاثر ، آثرت أن يكون الموضوع اليوم ، السورة التي بعدها ، إتماماً للفائدة ، وفي الأسبوع القادم - إن شاء الله تعالى - لقوله تعالى :

﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾

[سورة الكهف: 23-24]

 وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( من عدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت ))

[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وقال هذا إسناد مجهول وروي من وجه آخر ضعيف]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ السورة التي بعد سورة التكاثر هي سورة العصر . في سورة التكاثر بيّن الله سبحانه وتعالى أن الناس لو يعلمون علم اليقين ليرون التكاثر جحيماً ، فالذي يسعى للتكاثر يسعى لحتفه وهو لا يدري ، ولكن ما البديل ؟ . البديل جاء في سورة العصر . . إذا كان التكاثر جحيماً فما هو النعيم ؟ إذا كان التكاثر شقاءً فما هي السعادة ؟ إذا كان التكاثر خسراناً فما هو الفوز ؟ . . إن الفوز ، والسعادة ، والنجاح ، والفلاح ، مبين في سورة العصر . بسم الله الرحمن الرحيم :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أتدرون ماذا قال الإمام الشافعي عن هذه السورة ؟ قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : " لو فكر الناس في هذه السورة لكفتهم " . أي لو لم يكن في كتاب الله تعالى - الذي هو يزيد عن ستمئة صفحة - إلا سورة العصر لكفت .

 

الزمن رأسمال الإنسان :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ والعصر : هذه الواو كما يقول علماء التفسير واو القسم ، والله سبحانه وتعالى يقسم بالعصر . ففي سور كثيرة يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

[سورة القيامة: 1-2]

 وهنا يقسم . فما الحكمة من قوله تعالى فلا أقسم في موطن ؟ وأقسم في موطن؟
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ بيننا وبين بعض المجرات التي اكتشفت حديثاً ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية ، والضوء كما تعلمون يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلومتر ، فكم يقطع في الدقيقة ؟ وكم يقطع في الساعة ؟ وكم يقطع في اليوم ؟ وكم يقطع في السنة وبيننا وبين هذا النجم ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية ؟ ومع ذلك يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

 وفي هذه السورة يقول :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2]

 أي إذا قسنا مواقع النجوم ، مواقع النجوم ، وهذه المسافات البعيدة الفلكية إلى قدرة الله فليست بشيء ، أما إذا قسنا هذا الزمن الذي نحياه في هذه الحياة الدنيا ، فهو بالنسبة إلينا كل شيء . قال بعض العلماء : الزمن رأسمال الإنسان ، والخسارة أن يضيع جزء من رأسمالك، أو أن تفقد كل رأسمالك .

 

تفسير العصر :

 العصر كما قال بعض علماء التفسير هو الدهر ، وبعضهم قال : هو الزمن . والدهر والزمن لا يسبَّان ، هناك أناس في ساعات غضبهم ، وفي ثورة غضبهم يسبون الدهر ، ويسبون الزمن ، وما الزمن إلا وعاء يحتوي أفعالنا ، فلذلك لا ينبغي أن يسب الإنسان الدهر ، ولا ينبغي أن يسب الإنسان العصر ، ولا ينبغي أن يسب الإنسان الزمن . وقال بعض العلماء : هذا الزمن ظرف لشؤون الله الجليلة ، به يخلق الإنسان ، ويرزقه ، ويعزه، ويذله ، ويرفعه . ومن العلماء من فسر العصر بأنه زمن النبي عليه الصلاة والسلام هذا الزمن الذي امتلأ بالبطولات ، إنه عصر الأبطال ، إنه الزمن الذي عاد على الإنسانية بالخير ، إنه الزمن الذي شعَّ فيه الهدى وملأ الآفاق .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إما أن تفسر العصر بأنه عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وإما أن تفسر العصر بأنه الدهر أو الزمن ، وهو رأسمال الإنسان ، وإما أن تفسر العصر بأنه إشارة إلى الجزء الأخير من النهار ، وهذا الجزء الأخير من النهار يشير إلى زوال الدنيا .

 

الزمن هو أخطر شيء في حياة الإنسان :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أثر عنهم أنهم كانوا إذا التقوا يقرأ كل منهم على صاحبه سورة العصر ، وبعدها يسلم ، فإذا صافحه يقول له :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 السلام عليكم ورحمة الله ، هكذا . . لأنها كما قال أحد الأئمة الكبار أجمع سورة في القرآن . والإنسان في حقيقته بضعة أيام ، الإنسان في حقيقته مجموعة من الأيام والسنوات والشهور ، فإذا انقضى بعضها انقضى بعض منه ، فالوقت هو رأسمال الإنسان ، فمن ذهب إلى بلد أجنبي ليشتري بضاعة يربح بها أرباحاً طائلة في بلده ، فإذا ذهب إلى هذا البلد الأجنبي، ومعه رأسمال ، إذا أنفق رأسماله على طعامه وشرابه وملذاته ، ولم يبق معه شيء يتاجر به ، أليس هذا العمل حمق وغباء وخسارة ؟ إن رأسمالك أيها الأخ الكريم هو الوقت ، فإذا لم تحسن إنفاق الوقت فقد خسرت خسراناً مبيناً ، لماذا ؟ لأن الآخرة ، تلك الحياة الأبدية يتحدد مصيرك فيها بحسب إنفاق الوقت في هذه الحياة الدنيا ، فإما أن تنفق الوقت في طاعة الله عز وجل ، وفي معرفته ، وفي الاستقامة على أمره ، وفي الأعمال الصالحة التي تتقرب بها إليه ، وإما أن تنفقه إنفاقاً رخيصاً ليس بعده من طائل عندئذ تكون الخسارة محققة .
 ما من تاجر ينفق من رأسماله ، رأسماله يشتري به بضاعة ليربح بها ، فإذا استهلك رأسماله يكون قد خسر تجارته ، وخسر قوته التي بها يجول ويصول .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الوقت هو رأسمالك ، وقد قال بعضهم : الإنسان بين ثلاث ساعات ؛ وقت مضى لن يعود . . ما مضى فات ، والمؤمل غيب ، ولك الساعة التي أنت فيها . إنكم لا تملكون إلا هذه الساعة التي أنتم فيها ، فالذي مضى مَضى لا يُسترجع ، عقارب الزمن لا ترجع ، والمؤمل غيب .  من منا يعلم ما سيكون بعد غد أو بعد بعد غد ؟ ولك الساعة التي أنت فيها . . وبعضهم يقول : الإنسان بين يوم مفقود ، لا جدوى من الحديث عنه ، ويوم مشهود هو رأسماله ، ويوم موعود ساعة الموت ، ويوم مورود يوم القيامة ، و يوم ممدود ؛ إما في جنة يدوم نعيمها أو في نار لا ينفذ عذابها .
 فالله سبحانه وتعالى يبين لنا أن أخطر شيء في حياتك هو الوقت وهو الزمن ، كيف تستهلكه ؟ أتستهلكه فيما يفنى ؟ أتستهلكه فيما تخلفه في البيت وتمضي إلى القبر من تدون شيء ؟ أتستهلكه فيما لا جدوى منه ؟ أتستهلكه في القيل والقال ؟ أتستهلكه في المكر بين الناس ؟ أتستهلكه في جمع الدرهم والدينار ولن تأخذ معك إلى القبر شيء ؟ أم في ماذا تستهلكه؟ أتستهلكه في معرفة الله ؟ أتحضر مجالس العلم ؟ أتقرأ القرآن ؟ أتعمل الصالحات ؟ أتأمر بالمعروف ؟ أتنهى عن المنكر ؟ أتصلح ذات البين ؟ أتعلم أولادك ؟ كيف تستهلك الوقت؟ اجر دراسة لوقتك ، كم ساعة تنام ؟ كم ساعة تعمل ؟ هذه الساعة التي تقضيها في البيت ، ماذا تفعل بها ؟ أتقرأ قصة إسلامية ؟ أتقرأ شيئاً من كتاب الله ؟ أتبحث عن حكم في الفقه ؟ أتجلس إلى عالم تستفيد من علمه ؟ أتزور أخاً في الله ؟ أتعود مريضاً ؟ . . هذا الوقت كيف تستهلكه ؟ . . هناك من يستهلك الوقت في الغيبة ، وفي النميمة ، وفي المعاصي ، وفي الموبقات ، وفي اقتناص الملذات ، وفي الإيقاع بين الناس ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَالْعَصْرِ﴾

 أي أخطر شيء في حياتك أيها الإنسان الوقت ، لأنك في مجملك بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك . .
 إذا كنت تركب قطاراً ، والقطار يسير وله محطة يقف عندها ، فكل دقيقة تمضي والقطار يسير لابد من أن تقلل من وقت المكوث في القطار ؛ لأن القطار له وقت لينزل كل الركاب ، فكل دقيقة تمضي وكل ساعة إنما هي تمضي من وقت محدود لابد من أن ينقضي ، لهذا قال الإمام علي كرم الله وجهه :" كل متوقع آت ، وكل آت قريب " .

 

الإنسان في خسر إلا إن عرف حقيقة فوزه :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه السورة كما يقول الإمام الرازي فيها وعيد شديد ، لأن الله سبحانه وتعالى حكم على كل العباد بأنهم في خسران مبين ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . . الإنسان حينما يستهلك وقته في الدنيا فهو في خسارة ، مهما حقق فيها من مكاسب ، لو بلغ قمة الغنى ، لو بلغ قمة المجد ، لو بلغ ذروة العلو في الأرض ، لو بلغ أعلى درجة في القوة ، لو حصل أموال الدنيا ، لو جعل حياته كلها متع رخيصة ، إنه في خسارة :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2]

 الإنسان مطلق الإنسان ، والمقصود به الإنسان الغافل الذي لم يعرف ربه ، الإنسان الكافر ، الإنساني الجاحد ، هذا الذي نسي الله ، هذا الذي أدار ظهره للدين ، هذا الذي اتخذ القرآن مهجوراً ، هذا الذي أضاع الصلاة واتبع الشهوات ، هذا في خسارة ولو بلغ قمة المجد ، والغنى ، والقوة ، والعلو في الأرض ، ولو جمع حطام الدنيا إنه لفي خسر ، بنص كلام خالق الكون ، بنص كلام مبدع الكون ، الذي خلقك يبين لك ، أن الإنسان لفي خسر ما لم يفعل كذا وكذا . . ماذا عليه أن يفعل ؟ أربعة أشياء إن فعلتها فلست خاسراً ؛ تمّ ربحك ، وتحقق فوزك ، وصدق فلاحك ، وأصبح فوزك حقيقة واقعة ، أن تعرف الحق ، وأن تعمل به ، وأن تدعو إليه ، وأن تصبر عليه . . معرفة وعمل ، ودعوة وصبر . إن مضى يومك وفيه أحد هذه البنود ، أو جلها ، أو معظمها ، أو كلها فأنت رابح .

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 الإيمان والعمل الصالح ، الإيمان وحده لا يكفي ، الإيمان بلا عمل كالشجر بلا ثمر ، يُقطع ويُلقى في النار . الإيمان وحده لا يقدم ولا يؤخر . . تعلموا ما شئتم فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم . كل علم وبال على صاحبه ما لم يعمل به . وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن إلا الذين آمنوا . .
 أيها الأخ الكريم ، أي وقت استهلكته لمعرفة الله ؟ هل تأتي المعرفة من دون جهد ؟ هل سمعتم أن شخصاً نال شهادة عليا من دون أن يذهب إلى الجامعة ؟ من دون أن يداوم ، أو يقرأ ، أو يذاكر ، أو يلخص ؟ هل سمعتم أن إنساناً نزل عليه العلم هكذا ؟
 ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 متى آمنت ؟ وما الوقت الذي خصصته كي تؤمن بالله ؟ هل حضرت مجالس العلم ؟ هل تفكرت في ملكوت السموات والأرض ؟ هل تصفحت كتاب الله ؟ هل عرفت أمر دينك ؟ إذا كنت مؤمناً حقاً فمتى آمنت ؟ ما الجهد الذي بذلته حتى أصبحت مؤمناً ؟ على يد من تعلمت ؟ أي كتاب قرأت ؟ أي إنسان التقيت ؟ إلا الذين آمنوا . . وما قيمة الإيمان إنه كلام في كلام . إنه كلام لا جدوى منه ، هناك مئتا موضع في كتاب الله عز وجل قرن الله عز وجل الإيمان بالعمل الصالح ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . .

 

الحكمة من أن كلمة خسر جاءت نكرة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حينما قال الله عز وجل :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

 جاءت كلمة خسر نكرة ، وقال علماء التفسير : هذا تنكير التعظيم . . الإنسان لا يعرف معنى هذه الآية إلا إذا ذاق الخسارة ؛ أن يشتري بضاعة ، وتستهلك من وقته جهداً كبيراً، وأن يأتي بها إلى محله ، ثم يبيعها ويجمع ثمنها ، وبعدئذ يجري حساباً دقيقاً ، فإذا هو قد خسر رأسماله . لا يعرف معنى الخسارة إلا من ذاقها ، لكن خسارة المال تعوض ، وخسارة الأثاث تعوض ، وخسارة الأشياء المادية تعوض ، لكن أكبر خسارة تخسرها أن تخسر نفسك ، أن تخسر هذه الحياة الدنيا التي جئت إليها لتكسبها كي تسعد في حياتك الأبدية . أعظم خسارة أن تخسر نفسك ، أعظم خسارة أن تضيع وقتك ، فهذه الخسارة التي جاءت نكرة إنما هي تنكير تعظيم ، لأنها خسارة ما بعدها خسارة . إن خسارة الحياة الدنيا هي خسارة كل شيء ، الذي خسر الشهادة العلمية قد ينجح في حياته العملية ، الذي خسر في زواجه قد ينجح في أولاده ، الذي خسر أولاده قد ينجح في عمله ، الذي خسر المال قد ينجح في الجاه العريض ، فكل شيء في الدنيا إذا خسرته يمكن أن يعوض ، أما أن تخسر الحياة الدنيا وتخسر معها نفسك ، لذلك الخسارة هنا جاءت خسارة منكرة ، إشارة إلى أن هذه الخسارة فيها كل أنواع الخسارة ، تنكير تعظيم ، وتنكير شمول .

 

أرقى الأعمال الصالحة أن تدعو إلى الله :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 من أرقى الأعمال الصالحة أن تدعو إلى الله ، لذلك جاء عطف وتواصوا بالحق على الذين عملوا الصالحات جاء - كما يقول علماء التفسير - عطف الخاص على العام تعظيماً لشأنه ، فإن التواصي بالحق من ضمن الأعمال الصالحة ، ولكن لأنه عمل عظيم ؛
 لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس ، خير لك من حمر النعم ، خير لك من الدنيا وما فيها ، لذلك جاء عطف الخاص على العام تنويهاً لشأنه العالي . فإذا أردت أن تعمل صالحاً ما من عمل صالح أعظم عند الله من كلمة الحق ، ما من عمل صالح أعظم عند الله من أن تأخذ بيد إنسان إلى الله عز وجل ، من أن تدله على خالقه ، من أن تسعده بالإقبال عليه ، من أن تزوده علماً ينفعه في دينه ودنياه ، فربنا سبحانه وتعالى لم يرد أن يكون الإنسان كاملاً في ذاته ، أراد أن يكون كاملاً في ذاته مكملاً لغيره . لهذا قال عليه الصلاة والسلام :

(( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ))

[ البخاري عن عثمان ]

 من تعلّمه وعلّمه ، من كان كاملاً مكملاً ، من كان صالحاً مصلحاً ، من كان عالماً معلماً .

 

ضرورة التواصي بالحق :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ قال العلماء : التواصي بالحق أوسع بكثير من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزء من التواصي بالحق، ولكن التواصي بالحق أن تدل على الله عز وجل ، أن تذكر به ، أن تعرف بذاته الكاملة ، أن تدل الناس عليه ، أن تبين لهم آيات الكون الدالة على عظمته ، أن تبين لهم أمره ونهيه ، أن تبين لهم لماذا هم على وجه الأرض ؟ لماذا هم مخلوقون ؟ إلى أين المصير ؟ ما هو الموت ؟ ماذا بعد الموت ؟ ما البرزخ ؟ ما البعث والنشور ؟ ما طبيعة الجنة وما طبيعة النار ؟ . .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما من مؤمن يحس بمحبة لله عز وجل إلا ويحس مع هذا الإحسان ، ويشعر مع هذا الشعور أن عليه واجباً ؛ أن ينقل الحق للآخرين ، والله سبحانه وتعالى لم يرض أن تتعلم العلم فقط ، لم يكتف بذلك :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 أي يجب أن توصوا بعضكم بعضاً ، يجب أن يوصي بعضكم بعضاً بالحق ، بينوا ، وضحوا ، ذكروا ، في بيتك ، مع أسرتك ، في عملك ، في مركبة النقل ، في السوق ، في النزهة :

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[سورة الرعد الآية 28]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ﴾

[سورة الأحزاب: 41-43]

التواصي بالصبر :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ والتواصي بالصبر جزء من التواصي بالحق ، وأيضاً حينما عطف الله التواصي بالصبر على التواصي بالحق ، عطف الخاص على العام تنويهاً لشأنه ، ولكن يستنبط من هذا أن الحق ليس طريقاً محفوفة بالأزهار ، الحق طريق وعرة :

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ ، وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلَّا مَلَأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا ))

[أحمد عن ابن عباس]

 إذاً ينبغي لمن يتبع الحق أن يوطن نفسه على الصبر ، فلا بد من معارضة ، ولابد من خصوم، ولابد ممن يعارض هذه الدعوة ، قد تعارضك زوجتك ، وقد يعارضك أخوك ، وقد يقف في وجهك صديقك :

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

 وطِّن نفسك على أن الحق مر في نظر الناس أحياناً ، وطن نفسك على أنه من كان مع الحق ربما ابتعد عنه الناس : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 من هنا يُستنبط أن الحق يحتاج إلى بذل جهد ، ويحتاج إلى الصبر ، مطلق الصبر ، بعضهم فسر الصبر بأنه صبر على الطاعات : وتواصوا بالصبر . وبعضهم فسره بأنه صبر عن الشهوات ، كذلك يصح ، وبعضهم يقول : إنه صبر على النائبات . صبر على الطاعات ، وصبر عن الشهوات ، وصبر على النائبات . . لابد من الصبر .

(( الصبر نصف الإيمان ))

[الترمذي وأحمد والدارمي ]

((عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ : عَدَّهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِي أَوْ فِي يَدِهِ التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ وَالتَّكْبِيرُ يَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ وَالطُّهُورُ نِصْفُ الْإِيمَانِ ))

[قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ ]

 الإيمان نصف صبر ونصف شكر ، الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ، فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان . .

 

سورة التكاثر وسورة العصر سورتان متكاملتان :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الكمال أن يكون الإنسان كاملاً في ذاته مكملاً لغيره . سورة التكاثر وسورة العصر سورتان متكاملتان ، يكمل بعضهما الآخر ، فبينما بيّن الله سبحانه وتعالى أن التكاثر في نظر الحقيقة جحيم ، بيّن الخلاص بالإيمان والعمل الصالح ، والدعوة إلى الله ، والصبر عن الشهوات ، وعلى الطاعات ، وفي النائبات .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه السور القصيرة التي يكثر الناس قراءتها في الصلاة، والتي يحفظها الناس جميعاً من دون استثناء ، لو تأملها الناس حق التأمل ، لو وقفوا عند معانيها الدقيقة ، ولو وقفوا في مفهوماتها الصحيحة لكفتهم ، ولأغنتهم ، ولقلبت حياتهم من الشقاء إلى النعيم ، ومن الضياع إلى الهدى ، ومن الوحشة إلى الأنس .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني . .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

البيان و اللغة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 1-4]

 هذه اللغة وهذا البيان ميزةٌ يمتاز بها الإنسان ، هذا تكريمٌ كرم الله به الإنسان ، البيان ، فالطفل مثلاً يبكي ، يا ترى أهو جائع أهو محصور؟ أهو بحالةٍ غير نظيفة ؟ ما سبب بكائه ؟ أهو يشعر بالحر ؟ أهو خائف ؟ إنه يبكي ، تعبيرٌ مبهم لا يوضِّح الحقيقة إذا لم يتحقق. والهرة تموء ، والذئب يعوي ، والكلب ينبُح ، والفرس تصهل ، والحمام لها هديل ، والضفادع لها نقيق ، والحمار له نهيق ، والعصافير لها زقزقة ، أعطى الله سبحانه وتعالى هذه الحيوانات التي خلقها أعطاها صوتاً واحداً ، تعبِّر به عن بعض الحاجات الأساسية ، ولا تستطيع هذه الحيوانات أن تعبِّر عن أدقِّ الرغبات ، ولا عن أدقِّ المشاعر ، ولا عن أدقِّ الحاجات ، إنها أصواتٌ مبهمة . لكن الله كرم الإنسان بهذه اللغة ، إنه يلفظ ثمانية وعشرين حرفاً . تتألف الكلمات من هذه الحروف ، ولو أن هذه الحروف شُكِّلت بشكلٍ أو بآخر ، لكان بإمكانها أن تؤلِّف ما لا حصر له من الكلمات ، يحوي قاموس لسان العرب وحده ما يزيد عن مئة ألف مادة ، والمادة تحتوي من عشر إلى عشرين كلمة ، أي مليونا كلمة في لسان العرب ، ونحن لا نستعمل أكثر من أربعمئة كلمة من كل هذا القاموس الطويل .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما سرُّ اللغة ؟ أن حروفاً تأتلف فتصبح كلمات ، والكلمات بعضها أفعال ، وبعضها أسماء ، بعضها أدوات ، بعضها مرفوعات ، بعضها منصوبات ، تأتي الجمل من ائتلاف الكلمات ، تأتي المعاني التفصيلية ، يعبِّر الإنسان باللغة عن مشاعره ، يعبِّر عن أفكاره ، يعبِّر عن أدق الحالات . ففي اللغة العربية مثلاً : نظر إلى الشيء ، رأى ، وفيها حمْلَق ، وفيها بحْلَق ، وفيها حدَّق ، وفيها نظر شزراً ، وفيها شخَص ، وفيها رنا ، وفيها لاح ، وفيها لمح ، وفيها استشرف ، وفيها استشفَّ ، وفيها حدَّج ، كلُّ هذه الكلمات تؤدِّي معانٍ دقيقةٍ جداً لحالات النظر ، فإذا نظرت إلى إنسان وأنت تحبُّه ، فأنت تحدِّجه ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( حَدِّثِ الْقَوْمَ مَا أَقْبَلُوا عَلَيْكَ بِوُجُوهِهِمْ فَإِذَا الْتَفَتُوا فَاعْلَمْ أَنَّ لَهُمْ حَاجَاتٍ ))

[ أخرجه الدارمي عن الحسن ]

 وإذا نظرت إلى الشيء ، وتمطَّيت ، يعبر عن هذه الحالة باستشراف ، تتمطى لترى ، تقول : استشرف فلان ، وإذا نظرت إلى الشيء ، وتلمَّسته بيديك ، تقول : استشفَّه ، فإذا ظهر الشيء ثم اختفى يقال : لاح الشيء ، فإذا نظرت ثم أعرضت ، تقول : لمحت ، فرقٌ دقيقٌ بين لاح ، وبين لمح ، وبين استشرف ، وبين استشف ، وبين حدَّج ، وبين حملق ، إذا حملقت في الشيء ، ظهر احمرار باطن جفنك ، وإذا حدَّقت بالشيء ، اتسعت حدقة عينك .

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 1-4]

 خمسون فعلاً يعبَّر بها عن حالات النظر الدقيقة المتنوعة . أما الطفل يبكي ، والهرة تموء ، والكلب يعوي ، والحمار ينهق ، والفرس تصهل ، والغراب ينعِق ، صوتٌ واحد، يعبِّر به عن حاجاته الأساسية ، من دون أن تعرف المقصود الدقيق من هذه الحاجة .

 

حياة الإنسان لا معنى لها من دون منهج يسير عليه :

 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ وقف بعض علماء التفسير عند هذه الآية العظيمة :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 1-4]

 جاء تعليم القرآن قبل خلق الإنسان ، وجاء تعليم البيان بعد خلق الإنسان ، فهل هذا الترتيب ترتيباً زمني ؟ أيعقل أن يُعلَّم الإنسان القرآن قبل أن يخلق ؟ هذا ترتيبٌ رُتَبيّ ، لا ترتيبٌ زمني ، أي حياة الإنسان لا معنى لها ، ولا جدوى منها من دون منهج يسير عليه ، إن وجود المنهج مقدمٌ على وجود الإنسان ، إن وجود القرآن الكريم أخطر من وجود الإنسان ، لذلك يقول الله عزَّ وجل :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 1-4]

  لماذا علمه البيان ؟ ليتعلَّم القرآن ، لماذا يتعلم القرآن ؟ ليعرف الحلال من الحرام، لماذا يجب أن يعرف الحلال من الحرام ؟ ليهتدي إلى رب الأكوان ، ولماذا يهتدي إلى رب الأكوان ؟ لينعم بالجنان .

(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

 إذا قرأتم هذه الآية ، تذكَّروا عظيم فضل الرحمن :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 1-4]

 تفتح كتاباً فتقرأ به ، إنك تقرأ ما كتبه عالمٌ قبل ألفي عام ، وإنك تكتب ، وإنك تستمع ، فهذه اللغة التي كَّرم الله بها الإنسان ، يستعملها مشافهةً ، ويستعملها قراءةً صامتة ، ويستعملها كتابةً ، إن تراث البشرية ينقل من جيلٍ إلى جيل عن طريق اللغة ، لهذا كانت أول آيةٍ في كتاب الله :

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

[ سورة العلق : 1-5]

 هذه هي اللغة التي بها ترقى ، بها تعرف كتاب الله ، بها تتعلم ، بها تُعلم ، بها تسجِّل ، بها تقرأ .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول سيدنا عمر رضي الله عنه : "تعلموا العربية فإنها من الدين " . أي جزءٌ من دينك أن تتعلَّم هذه اللغة ، لغة القرآن ، ولغة النبي العدنان ، ولغة أهل الجنّة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ في لغتنا دقائق جليلة ؛ خَلْق ، وخُلُق ، وخَلِق ، تغيير الحركات تؤدِّي إلى معانٍ متباعدة ، فالخُلق : الخُلق الحسن ، والخَلق : البُنية ، والثوب الخَلِق : المهترئ ، تغيير الحركات يغير المعنى . البَر : اليابسة ، والبُر : القمح ، والبِر : الإحسان .
 قَدَمَ : أي سبقه بقدمه ، وقَدُمَ : حضر ، وقَدِمَ : أصبح قديماً . وحَسَبَ : بمعنى عدَّ ، وحَسُبَ : أي انتسب إلى حسبٍ ونسب ، وحَسِبَ : بمعنى ظن . فهذه اللغة الدقيقة التي اختارها الله لتكون لغة القرآن ، ألا ينبغي أن نتعلَّمها ونحن العرب ؟ ونحن عرب ، هي لُغتنا .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة الزمر : 9 ]

 و يقول أيضاً :

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴾

[ سورة طه : 114]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018