الخطبة : 0222 - الحج - يوم التروية - ملوحة البحار . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0222 - الحج - يوم التروية - ملوحة البحار .


1988-07-22

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الوقوف بعرفة لقاء روحي بين العبد و ربه :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ نحن في أيامٍ مباركة ؛ نحن في أيام الحج ، ونحن في اليوم الثامن مِن ذي الحجة - يوم التروية - وفيها يتوجه الحاجُّ إلى مِنَى ، ليبيت فيها مؤدياً خمس صلواتٍ ، استعداداً ليوم اللقاء الأكبر - يوم عرفة - قال عليه الصلاة والسلام :

((الحج عرفة))

[ الترمذي و أبو داود عن النعمان بن بشير]

 والإنسان في هذه الدنيا خُلِقَ ليعرف الله عزَّ وجل ، قال تعالى :

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

 والعبادة طاعةٌ طوعيَّة ، تسبقها معرفةٌ يقينية ، تُفضي إلى سعادةٍ أبدية ، كيف تعبده قبل أن تعرفه ؟ كيف تستقيم على أمره وأنت لا تعرفه ؟ كيف ترجو ما عنده وأنت لا تعرفه؟ كيف تخافُ عقابه وأنت لا تعرفه ؟ كيف تشتاق إليه وأنت لا تعرفه ؟ أصل الدين معرفته.
 أعرابيٌ جاء النبي عليه الصلاة والسلام قال : " جئتك يا رسول الله لتعلمني من غرائب العلم . فقال عليه الصلاة والسلام : وماذا صنعت في أصل العلم ؟ - تريد غرائب العلم ماذا صنعت في أصل العلم ؟ - قال : وما أصل العلم ؟ قال : هل عرفت الرب ؟ " هل عرفته؟ هل عرفت ما عنده مِن نعيمٍ مقيم ؟ هل عرفت ما ينتظر العاصي من عذابٍ أليم ؟ هل ذقت طعم قربه ؟ هل ذُقت طعم التجلي الذي يتجلاه على قلبك ؟ الحجُّ يوم عرفة ، الحج عرفة ، مَن لم يقف في عرفة فلا حجَّ له ، ومَن لم يعرف الله عزَّ وجل فلا حج له ، مَن لم يغلب على ظنه أن الله غفر له حين يفيض مِن عرفات فلا حج له .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ وبعد طلوع شمس يوم التاسع من ذي الحجة يتجه الحجاج إلى عرفات ؛ مُلَبّين ، مهللين ، مكبِّرين ، وقد أجمع العلماء- على اختلاف المذاهب -أن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم ، ففيه يتمُّ اللقاء الروحي بين العبد وربه ، وفيها يتلَقّى المؤمن النَفَحات الربّانية التي تغسل قلبه مِن كل دَرَن ، وفيها تطهر نفسه مَن كل شائبة ، ويرتاح قلبه مَن كل هَمّ ، ويرقى فؤاده إلى أعلى عليين . ولا شيء يؤلم الحاج في عرفات ، وقد عرف طرفاً من كمال الله عزَّ وجل ، لا شيء يؤلمه إلا تلك الأيام التي مضت وقد أمضاها في سفاسف الأمور ، أمضاها في القيل والقال ، أمضاها في أهدافٍ خسيسة تنتهي في الدنيا .

 

النفحات القدسيّة التي يتلقَّاها الحاج في عرفات :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ مَن عرف الله زَهِدَ فيما سواه ، هذا الحج ، هذا الفرض العظيم ؛ إنما فرضه الله علينا كَيّ نتفرَّغ مِن همومنا ، من هموم معاشنا ، من هموم علاقاتنا ، ونتجه بكليتنا إلى الله عزَّ وجل ، والموعد في عرفات ، ويوم اللقاء في عرفات ، وعرفات رُكن الحج الأعظم .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه النفحات القدسية التي يتلقَّاها الحاج في عرفات ، على الرَغْمِ مِن المتاعب ، ومِن شدة الحر ، ومِن شدة الازدحام ، إنها لا تُنْسَى ، ما مِن يومٍ إلا ويذكر الحاج فيه هذا اللقاء الروحي الذي هو أسعد أيام حياته ، مِن هنا يَحِنّ الذي حجَّ سابقاً إلى أن يحجَّ كل عام ، طمعاً لما ينتظره مِن سعادة القُرب ، ولذَّة اللقاء .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا وقف الحاج في عرفات وقوفاً صحيحاً ، وقد خرج مِن بيته تائباً ، مخلصاً ، مطيعاً ، مُلَبِّياً ، عرف شيئاً مِن كمال الله عزَّ وجل ، عندئذٍ يرى أن الدنيا أقل من جناح بعوضة ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء ))

[مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله ]

 علامة الإيمان ؛ أن ترى أن الدنيا صغيرةً في عينيك ، وعلامة النفاق أن ترى أن الدنيا هي كل شيء ، لهذا ورد في الحديث الشريف أنه :

(( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ ، وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَة ))

[ ابن ماجه عن زيد بن ثابت]

الوقوف في عرفات يُعرّف المؤمن بحقيقة الدنيا :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا وقف الحاج في عرفات ؛ عرف حقيقة الدنيا ، وكيف أنها مطيَّةٌ للآخرة ، وكيف أن الدنيا دار تكليف وأن الآخرة دار تشريف ، وأن خير ما في الدنيا طاعة الله سبحانه وتعالى ، إذا وقف الحاج في عرفات تذوَّق قوله تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 هذه السورة القصيرة التي نُكْثِر مِن قراءتها في الصلاة ، ربنا سبحانه وتعالى يقسم بالعصر ، بالزَمَن الذي هو أثمن شيءٍ في حياة الإنسان ، بل إن الإنسان بِضْعَة أيام ، هذا الزمن الذي يقسم الله به ، المُقْسَم عليه . .

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

[ سورة العصر: 2-3]

 إذا مضى اليوم ولم تزدد فيه إيماناً ، ولم تزدد فيه عملاً ، ولم تزدد فيه دعوةً إلى الله عزَّ وجل ، ولم تصبر على ما أصابك ، فهذا اليوم خسارةٌ في خسارة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا وقف الحاج في عرفات وقوفاً صحيحاً ، رأى أن الله سبحانه وتعالى هو كل شيء ، وأنه لا إله إلا هو ، وأنه في السماء إلهٌ وفي الأرض إلهٌ ، إذا وقف الحاج في عرفات رأى أن الله خالق كل شيء ، وهو على كل شيءٍ وكيل ، عندها يوَحِّد ، إذا وقف الحاج في عرفات وقوفاً صحيحاً تذوّق قوله تعالى :

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود : 55-56]

 إذا وقف الحاج في عرفات وقوفاً صحيحاً عرف أن كل المَتاعِب تأتي مِن الشِرْك.

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 213]

 إذا وقفت في عرفات وقوفاً صحيحاً ؛ كشف الله عن بصيرتك ، وعرفت سرّ وجودك في الدنيا ، وعرفت قيمة الدنيا ، وعرفت أثمن ما في الدنيا ، وعرفت أين كنت وإلى أين المصير ، هذه المعرفة سبب السعادة الأبدية . لذلك هذا الذي يذهب إلى الحج وليس في مستوى الحج ، ليس في مستوى هذا اللقاء العظيم ، ليس في مستوى هذا التجلّي الكبير ، ليس في مستوى هذا الإخلاص الشديد ، إنه قد ضيَّع وقته وماله سُدى .

 

طاعة الله هي علامة معرفته :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ معرفة الله هي كلّ شيء ، الإمام الغزالي رضي الله عنه يقول : " حيثما وردت كلمة العلم في الكتاب والسُنَّة فإنما تعني العلم بالله " . لأن الإنسان قد يعرف أشياء كثيرة ولا يعرف الله عزَّ وجل . علامة معرفة الله طاعته ، ومَن يعصِ الله فهو لا يعرفه ، لأن الصحابي الجليل سيدنا بلالاً رضي الله عنه يقول : "لا تنظر إلى صِغَر الذنب ولكن انظر على مَن اجترأت ".

((ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فِتُّك فاتك كل شيء ، وأنا أحبُّ إليك من كل شيء ))

[ من مختصر تفسير ابن كثير ]

((خلقت السموات والأرض ولم أعيّ بخلقهن ، أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كل حين ؟ لي عليك فرضية ولك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلِّطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك فيها إلا ما قسمته لك ولا أبالي ، وكنت عندي مذموماً))

الحج عرفة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ صدق النبي عليه الصلاة والسلام إذ يقول :

((الحج عرفة))

[ الترمذي و أبو داود عن النعمان بن بشير]

 يؤكد هذا يا إخوة الإيمان قول الله عزَّ وجل :

﴿مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾

[سورة البقرة : 198]

 لقد هُدِيتم إليه في عرفات ، رأيتم الحقيقة العظمى ، رأيتم أن الله هو كل شيء ، وأنه لا إله إلا الله ، وأن الله سبحانه وتعالى سميعٌ بصير ، غنيٌ عظيم ، قديرٌ حكيم ، إذا وقفت وقوفاً صحيحاً ؛ تجلَّى الله على قلبك ، وعرفت طرفاً من هذه الأسماء الحسنى .

 

فرض الحج على من استطاع إليه سبيلاً :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى فرض على الناس الحج مَن استطاع إليه سبيلاً ، فقال ربنا سبحانه وتعالى في الحديث القدسي :

(( إنَّ عبداً أصححت له جسمه ، وأوسعت عليه في المعيشة ، فأتت عليه خمس حجج لم يأت إليَ فيهن لمحروم ))

[من الدر المنثور عن خباب ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام : " من ملك زاداً وراحلةً تبلِّغه إلى بيت الله الحرام فلم يحج ، فلا عليه أن يموت غير مسلم " ذلك أن الله يقول :

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾

[ سورة البقرة : 97]

 والله سبحانه وتعالى فرض هذه الفريضة فقال عليه الصلاة والسلام :

(( ما حجوا - يتحدث عن الحجاج - ما حجوا حتى أذن الله لهم ، وما أذن لهم حتى غفر لهم ))

[ من كنز العمال عن علي ]

 لو لم يأذن الله لهم لم يحجوا ، وما داموا قد حجوا ملبين ، طائعين ، مخلصين فقد غفر الله لهم . ويقول عليه الصلاة والسلام :

((من حجَّ هذا البيت فلم يرفث ، ولم يفسق ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))

[ رواه البخاري عن أبي هريرة ]

 ويا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

((العمرة إلى العمرة كفارةٌ لِما بينهما ، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة ))

[ رواه البخاري عن أبي هريرة ]

 وروى البخاري أيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((أفضل الجهاد حجٌ مبرور ))

[ رواه البخاري عن عائشة ]

 والحج المبرور هو الحج الذي لا يخالطه إثم . وفي حديثٍ آخر رواه الإمام الطحاوي :

((الحج جهاد المرأة والضعيف ))

 نوعٌ من الجهاد ، عبادةٌ بدنية .

 

للحاج دعوةٌ مُسْتجابة والنفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله :

 وكان صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث يفيدنا حينما نستقبل حُجّاج بيت الله الحرام - يقول لمن يؤدِّي الفريضة - فريضة الحج - :

(( قَبِلَ الله حجك ، وغفر ذنبك ، وأخلف نفقتك))

[ من الأذكار النووية عن ابن عمر]

 والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ آخر يقول :

((يغفر الله للحاج ولمن استغفر له الحاج))

[ من الدر المنثور عن أبي هريرة ]

 للحاج دعوةٌ مُسْتجابة ، والنفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله ، بسبعمئة ضعف، أيْ أجر هذه النفقة بسبعمئة ضعف .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حجاً مبروراً ، وسعياً مشكوراً ، وذنباً مغفوراً ، وأن يتقبَّل حجنا ، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب الدعاء .

 

الحكمة من العبادات الاستقامة على أمر الله و السعادة بقربه :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ كلمةٌ قصيرة ؛ هذه العبادات التي شَرَعَها الله لنا وراءها حِكَمٌ عظيمة ، إن لم نَفْقَه هذه الحكمة أُديت أداءً شكلياً ، وربما أديت أداءً على غير الذي أراده الله سبحانه وتعالى ، عندئذٍ يُصْبِح أداء هذه العبادات عبئاً على الإنسان ، وليس في مصلحة إيمانه ، مَن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً . ليست القضية أن تقف وتركع وتسجد ، القضية أن تُصلي ، ولن تصلي إلا إذا استقمت على أمر الله ، لن تتصل بالله إلا إذا كان العمل مستقيماً ، والقُرْب شديداً .
 شيءٌ آخر : لن يقبل الله منك صومك إلا إذا نهاك هذا الصوم عن كل معصية ؛ " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه " . وكذلك الحج ، مَن عاد مِن الحج ولا يزال مقيماً على المعاصي فكأنه ما ذهبَ إلى بيت الله الحرام ، لأن الله سبحانه وتعالى أراد مِن الحج أن تعرفه ، فإذا عرفته عرفت كل شيء وإن فاتك فَاتك كل شيء.
 وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

ملوحة البحار :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ مِن آيات الله الدالّة على عظمته هذه الملوحة التي نجدها في البحار ، يقول العلماء : إن في كل لترٍ واحدٍ من ماء البحر سبعةً وعشرين غراماً مِن المِلح، بل إن العالم بأسره يستهلك في السنة ما يزيد عن خمسين مليون طن مِن مِلح البحر ، وإن ملوحة مياه البحر نِسْبَتها ثلاثة ونصف بالمئة مِن مجموع مياه البحر ، بل إن في الكيلو المتر المكعَّب - الكيلو المتر المكعب ، هو مكعب ضلعه كيلو متر ، ألف متر - بل إن في الكيلو المتر المكعب من مياه البحر أربعة وثلاثين مليون طن من الملح . لو جفف المحتوى الملحيّ لمياه البحر ، وغُطيت به اليابسة لبلغ سمك الملح في كل مكانٍ في العالم مئة وثلاثة وخمسين متراً ، لو استخرج ملح البحار وجفف ، ووضع على اليابسة - على قارّاتها الخمس - لم نغادر مكاناً إلا وفرشنا عليه هذا الملح الذي استخرجناه مِن مياه البحار ، لبلَغ ارتفاع الملح المجفف على سطح اليابسة كلها مئة وثلاثة وخمسين متراً . السؤال الذي يُلفت النظر : من أين جاءت هذه الكمية الكبرى من ملح البحار الذي هو كلور الصوديوم ؟ سؤالٌ كبير ، يقول بعضهم : في البحار من الملح ما يساوي أربعة ملايين ونصف ميل مكعب ، هذه كلها أرقام دقيقة مستخلصة من كتبٍ علمية . فمن أين جاء هذا الملح ؟ كيف وضع في البحر ؟ هناك نظرياتٌ كثيرة ، هذه النظريات بعضها يقول : إن في قيعان البحار صخوراً ملحية تفتتت وذابت في هذا الماء ، وبعضهم يقول : إن السبب مياه الأنهار . كل هذه النظريات التي تحاول أن تفسِّر ملوحة مياه البحر ، تجد الطريق مسدوداً لسببٍ بسيط ، هو أن في الأرض عدداً كبيراً من البُحيرات العَذبة ، فإذا كانت مياه الأنهار وحدها كافيةً لتمليح مياه البحار ، فلماذا بقيت هذه البحيرات الضخمة - وهي أشبه ما تكون ببحارٍ صغيرة - مئات الملايين مِن السنين ، وهي عذبةٌ حلوة المذاق ؟ ما تفسير ذلك ؟ لا يزال سبب تشكُّل الملوحة في مياه البحر لغزاً كبيراً ، ولا يفسَّر إلا بالآيات التالية، يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾

[ سورة الفرقان : 53]

 يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾

 لن يصبح مالحاً ولو صبَّت عليه الأنهار ، ولو تفتتت فيه الصخور ، ولو كانت على مسير الأنهار جبالٌ من الملح ، تبقى البحيرة العذبة بحيرةً عذبة .

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾

[ سورة الفرقان : 53]

 وهذا الملح الأجاج مِن خَلْق الله ، ومِن تصميم الله ، ومِن إرادة الله عزَّ وجل ،

﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾

 لا يبغي هذا على هذا ، لو أن نهراً عذباً صبَّ في بحرٍ ، لسار عشرات بل مئات الكيلو مترات وبقي عذباً ، لأن بين البحرين برزخاً طبيعته لا زالت مجهولةً حتى الآن .

﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ﴾

[ سورة الفرقان : 53]

 الحِجْر يمنع انتقال الأسماك ، أسماك المياه العذبة إلى المياه المالحة ، والعكس صحيح .
 يا أيها الأخوة المؤمنون آيةٌ أخرى ، هذه البحار ما كان لها أن تكون ، لولا أن الله سبحانه وتعالى حينما صَمَّمَ الأرض ، جعل لها أحواضاً كبيرة ، يكفي أن بعض المحيطات يزيد عُمْقها عن عشرة كيلو مترات ، مَن خَلَقَ هذه الأحواض ؟ ففي سورة الواقعة :

﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة الواقعة : 68-70]

 أجاجاً كمياه البحر . . . أفلا تشكرون !!

﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة الواقعة : 68-70]

 آيةٌ ثالثة :

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ﴾

[ سورة فاطر : 12 ]

 قصص كثيرة تتحدَّث عن موت ألوف الأشخاص في مياه البحر عطشاً . قد تغرق السفن وينجو بعض ركَّابها ، ويركبون سفينة النجاة ، لكنَّهم يموتون عطشاً وهم على ظهر البحر، إذاً :

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[ سورة فاطر : 12 ]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أحواض البحار آية ، ومياه البحار آية ، وملوحتها آية ، وما فيه مِن أسماكٍ آية ، وما فيه مِن أصدافٍ وحِليٍّ آية ، والله سبحانه وتعالى بَثَّ في الأرض آياتٍ كثيرة ، فقال تعالى :

﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾

[ سورة الذاريات : 20]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018