الخطبة : 0213 - رمضان4 - غزوة بدر - صدقة الفطر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0213 - رمضان4 - غزوة بدر - صدقة الفطر.


1988-05-06

الخطبة الأولى:

  الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

غزوة بدر :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يا أهل القليب ، والقليب هو البئر ، يا عتبة بن ربيعة ، يا شيبة بن ربيعة ، يا أُميّة بن خلَف ، يا أبا جهل بن هشام ، النبي عليه الصلاة والسلام نادى قتلى بدرٍ واحدًا واحدًا بأسمائهم بعد أن كانوا جثثًا ملقاةً في ساحة المعركة ، يا عتبة بن ربيعة ، يا شيبة بن ربيعة ، يا أُميّة بن خلَف ، يا أبا جهل بن هشام هل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا فإنّي وجدتُ ما وعدني ربّي حقًّا ؟ لقد كذَّبتموني وصدّقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس ، فقال المسلمون : يا رسول الله ، أتُنادي قومًا جيّفوا ؟ قال : نعم ، ما أنتم بأسْمَعَ لي منهم ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني . إذًا كانت معركة بدرٍ أيّها الأخوة المؤمنون أوّل مواجهةٍ حقيقيّة بين المسلمين ، وبين كفّار قريش ، وكانت معركةً حاسمة ، بُنِيَ على نتائجها مصير هذا الدِّين ، وقد وقعتْ هذه المعركة في السابع عشر من رمضان ، وها نحن قد أصبحنا قريبين من هذا اليوم في هذا الشّهر ، وليْسَتْ العبرة معركة بدرٍ بالذات لأنّها وقعَت ، وانتهَت بِنَصر المسلمين ، وانتهَت بِتَرسيخ معالم هذا الدّين ، ولكنّ العِبرة أن نستنبط منها دروسًا بليغة إذا واجهنا أعداءنا أعداء المسلمين ، وأعداء الأمّة العربيّة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام قُبَيل معركة بدر رفع يديه إلى الله ، وناجاه مُناجاة المضْطرّ ، فقال : " اللهمّ إنْ تهْلك هذه العِصابة- ويقصدُ بها جماعة المؤمنين ، وكلمة العصابة في أصل معناها تعني الجماعة ، الجماعة الخيِّرة ، ولكنْ المفهوم الذي اكْتسبتهُ هذه اللّفظة كان مفهومًا متأخِّرًا - قال عليه الصلاة والسلام :

((اللهمّ إنْ تهْلك هذه العِصابة فلن تعبد في الأرض أبداً))

[ الطبري عن علي ]

 وجعل يرفع يديه إلى السماء ، ويدعو بلهفةٍ ورجاء ، حتى سقط الرّداء عن مَنْكِبَيه الشريفين ، فتقدّم أبو بكرٍ رضي الله عنه يُسوّي عليه رِداءهُ ، ويُواسي لهفتهُ وضراعتهُ ، ويقول : " يا رسول الله ، بعد مناشدتك ربّك فإنّه سيُنجز لك ما وعدكَ ".

 

ثقة النبي عليه الصلاة والسلام بِنَصْر الله لا حدود لها :

 قد نقف عند هذا النصّ وقفةً متأنّيةً ، أَيُعقلُ أن يكون أبو بكرٍ الصّديق أكثرَ ثقةً بِنَصر الله من سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ ألَم يكن النبي عليه الصلاة والسلام في غار ثَور ، وقال له الصّديق : " يا رسول الله ، لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا ؟ ألمْ يقل له النبي عليه الصلاة والسلام : يا أبا بكر ، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما ؟ " ألَم يقل له مرّةً أخرى: والله لقد رأوني ، ألَم يقل له النبي عليه الصلاة والسلام : يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى :

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾

[ سورة الأعراف : 198]

 هذا نصّ صريح يؤكّد أنّ ثقة النبي عليه الصلاة والسلام بِنَصْر الله لا حدود لها ، ولكّنه في هذا النصّ يبدو أنّ سيّدنا الصّديق يخفّف من رَوْع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، يا رسول الله ، بعد مناشدتك ربّك فإنّه سيُنجز لك ما وعدكَ ، علماء السيرة لهم رأيٌ في هذا النّصّ، يقولون : إنّ الله سبحانه وتعالى لا ينْصُر المؤمن إلا إذا أخذ بكلّ الأسباب ، وبعدها يتوكَّلُ على ربّ الأرباب ، فالنبي حينما يرجو ربّه ، وحينما يناشدهُ النَّصْر ، وحينما يدعوه ، لعلّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يتوهّم أنّ في الإعداد ضعفًا ، أو تقصيرًا ، لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾

[ سورة الأنفال: 60 ]

 لكلّ عصرٍ قوّته ، لكلّ عصرٍ وسائلهُ الفعالة في ردْع المعتدين ، لكلّ عصرٍ وسائلهُ التي تُتيحُ لِمَن يملكها أن ينتصر على خصْمِهِ .

 

نموذجٍ حيّ من جنود النبي عليه الصلاة والسلام :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كان جيشُ المسلمين ضئيل العدد ، قليل العُدَد ، فأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام خرجوا معه ، وهم لا يزيدون عن ثلاثمئة ، بل ينقصون ‍! ولكنّ الواحد منهم كألف ، والألف من أعدائهم كأُفّ ، فهم يُحبّون الموت ، كما يحبّ أعداؤهم الحياة ، لقد استعرضَ النبي عليه الصلاة والسلام جيْشهُ كما يفعلُ القائدُ قُبَيل المعركة ، لاستجلاء معنويّات الجيش ، فقال عليه الصلاة والسلام : أشيروا عليّ أيّها الناس ويعني بذلك الأنصار ، لأنّ الأنصار بايعوه على نُصرته في المدينة ، وها هو يُزمعُ أن يخرج إلى الكفار في بدر ، ففي هذه مخالفةٌ لبُنود الاتّفاق بينه وبين الأنصار ، فقال : أشيروا عليّ أيّها الناس ، وكان يعني بهذا الأنصار ، فقال له سعد بن معاذ : والله لكأنّك تريدنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ فقال : أجَل ، أنتم المعنيّون بهذا القول ، استمعوا أيّها الأخوة من نموذجٍ حيّ من جنود النبي عليه الصلاة والسلام .
 قال : يا رسول الله ، لقد آمنّا بك وصدّقناك ، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ ، وأعطيْناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا ، على السَّمْع والطاعة ، فامْضِ يا رسول الله لما أردْت ، فنحن معك ، فو الذي بعثك بالحق ، لو استعرضْت بنا هذا البحر فخُضْتهُ لخُضْناه معك ، ما تخلَّف منّا رجلٌ واحد ، وما نكرهُ أن تلقى بنا عدوّنا غدًا ، إنّا لصُبر في الحق ، صدُق عند اللّقاء، فَصِلْ حِبال من شئْت ، واقْطَع حبال من شئْت ، وعاد من شئتَ ، وسالِمْ من شئْت ، وخُذْ من أموالنا ما شئْت ، وأعطنا ما شئْت ، وما أخذْت منّا كان أحبّ إلينا مما تركْت ، فلعلّ الله يُريك منّا ما تقرّ به عيْنُك ، فَسِرْ على بركة الله تعالى .
 هذه عيْنة من المقاتلين ، باعوا أنفسهم في سبيل الله ، عاهدوه على أن ينْصروه في السّراء والضّراء ، في المنشط والمكره ، في وُعورة الحياة وفي ليونتها ، هكذا كان أصحاب النبي، بينما يذكر القرآن الكريم أنّ أصحاب سيّدنا موسى قالوا له :

﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾

[ سورة المائدة : 24]

 بينما أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام : فامْضِ يا رسول الله لما أردْت ، فنحن معك ، هذه عينةٌ من المقاتلين .
 ولننْظر إلى عَينة أخرى من القيادة ؛ من الجيش الضئيل ، الذي يبدو ضعيفًا بِعَدده وعُددهِ ، روى أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : " كنّا يوم بدرٍ كلَّ ثلاثة على بعير - أي يتعاقبونه ويتناوبونهُ ، والإمكانات محدودة ، والإمكانات مئة بعير ، و العدد ثلاثمئة - وكان أبو لبابة وعليّ بن أبي طالب زميليّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، سيّدنا رسول الله هو نبيّ هذه الأمّة ، ورسول البشريّة ، هو قائد الجيش ، هو زعيم الأمّة ، ومع ذلك أعطى نفسهُ كما يُعطى أيّ مقاتلٍ في هذا الجيش ، فقال : أنا وعليّ وأبو لبابة على راحلةٍ ، فلمّا كان دورُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم في المَشي ، قالا له : يا رسول الله ، نحن نمشي عنك ، وابق راكبًا ، فقال عليه الصلاة والسلام قولتهُ المشهورة : " لا ، ما أنتما بأقوى منِّي على السَّيْر وما أنا بِأغنى منكما عن الأجر ".
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إنّ هذا الذي يمشي وصاحباهُ يركبان هو رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فهل يُدهشنا بعد هذا شجاعةُ أصحابه ؟ وتَضحيّاتهم ، وإقبالهم على الموت ، بعد أن سوّى نفسه بهم في كلّ شيء وهل يُدهشُنا تعلّقه به ؟ وتفانيهم في محبّته ؟ وقد كان لهم أبًا وأُمًا وأخًا لقد صدق الله العظيم :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم :4]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا نموذجٌ من القيادة ، وذاك نموذجٌ من المقاتلين ، بقيَ كيف سيُواجهُ هذا الجيش الصغير بِعَدده وعُدَدِهِ جيشَ الكفار الأكثر عددًا وعُددًا ؟ الله سبحانه وتعالى يقول في آيةٍ يوضّح فيها المعادلة الدقيقة التي تحكمُ النَّصْر في المعركة ، يقول تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾

[ سورة الأنفال :64-65]

 واحد إلى عشرة إذا كان الطَّرَف الأضعفُ مؤمنًا ، يكفي أن يكون أقلّ من عدوّه بنسبة واحد إلى عشرة حتى ينتصر عليه ، أُعيدُ عليكم الآية :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال :64-66]

 لهذه الآية نسبتان ؛ في حالة قوّة الإيمان ؛ واحد إلى عشرة ، وفي حالة ضعف الإيمان واحد إلى اثنين ، وفي حالة انعدام الإيمان النَّصر للأقوى ، عندئذٍ نتحدّث عن القوّة العدديَة ، والعُدَد ، ونتحدّث عن ظروف المعركة ، ونتحدّث عن كلّ العوامل التي من شأنها أن تكون حاسمة في إحراز النَّصْر .

سرّ عظمة الإسلام :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ السرُّ في عظمة الإسلام الذي يبدّل طبيعة الإنسان فيروي التاريخ أنّ الخنساء مات أخوها صَخر في الجاهليّة ، فبكَتْ ، وبكَتْ ، وبكَتْ ، وأبْكَتْ حتى كتبتْ ديوانًا من الشِّعر في رِثاء أخيها صَخْر ، ثمّ أسلمت الخنساء ، وأنجبتْ أربعة أولاد ، وذهب أولادها إلى معركة القادسيّة واسْتشهدوا جميعًا في معركةٍ واحدة ، وأُعلِمَتْ بذلك ، نقل لها خبر استشهادهم ، فماذا قالت ؟ ما زادتْ عن أن قالَتْ : الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم ، وأرجو الله أن يجمعني بهم في مستقرّ رحمته تعالى ، ما الذي حدثَ ؟ هذه هي عظمة الإيمان ، هذه هي عظمة الإسلام ، قبل أن تسلم كادَتْ تفقدُ توازنها ، قبل أن تسلم كتبَتْ ديوانًا في رثاء أخيها صخر ، فلمّا أسلمَت ما زادت عن أن قالت : الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم ، وأرجو الله أن يجمعني بهم في مستقرّ رحمته تعالى .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ سيّدنا خالد رضي الله عنه ، قال وهو على فراش الموت : لقد خُضْتُ سبعين معركةً أو زهاءها ، وما في جسمي موضعُ شبرٍ إلا وفيه ضربةُ سيفٍ ، أو طعنةُ رمْحٍ ، وهأنذا أموت على فراشي فلا نامَتْ أعْيُن الجبناء ، هذا هو الإيمان ، لك يومٌ لا يتقدّم ، ولا يتأخّر ، الإنسان لا تُميتهُ المعركة ، ولا يُميتهُ القتال ، ولكن يميتهُ إذا انتهى أجله ، فهذا سيّدنا خالد خاض أكثر من مئة معركةٍ وما في جسمه موضعُ شبرٍ إلا وفيه ضربةُ سيفٍ ، أو طعنةُ رمْحٍ ، قال : وهأنذا أموت على فراشي فلا نامَتْ أعْيُن الجبناء ، إنّ الإنسان كما قال الله عز وجل :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج :19-22]

 خُبيب بن عليّ وقعَ أسيرًا في يدي الكفار فساوَمُوه على إيمانه ، ولوّحوا له بالنجاة إذا هو كفر بمحمّد صلى الله على محمّد ، لكنّ إيمان خُبيب كان كالشمس قوّة ، وبعدًا ، ونورًا ، ونارًا ، وما محاولاتهم في ردّه عن إيمانه إلا كمن يُحاوَلُ أن يقتنص الشمس بِرَمية نبْل ، فلمّا يئسوا ممّا يرجون قادوا خُبيبًا البطل إلى مصيره المحتوم ، وخرجوا به إلى مكانٍ يسمّى التنعيم خارج مكّة حيثُ يكون هناك مصْرعهُ ، وما إن بلّغوه أنّهم سيقتلونه حتى اسْتأذنهم بأن يُصلّي ركعتين ، فصلّى في خُشوعٍ وسلام وإخباتٍ ، وتدفّقَتْ روحهُ في هذه الصّلاة سعادةً ، وثقةً برضاء الله عز وجل ، ولكنّه التفتَ إلى قاتليه وقال : والله لولا أن تحسبوا أنّ بي جزعًا من الموت لازددْتُ صلاةً ، وقال بيتين من الشّعر :

ولسْتُ أُبالي حين أُقتلُ مسلمًا  على أيّ جَنبٍ كان في الله مصرعي
***

 ثمّ أعدّوا العدّة لقتله فشَدُّوه من أطرافه إلى جذْع نخلةٍ ، واستعدّوا لرميه بالسّهام والنّبال ، وهنا اقترب منه أبو سفيان وقال له : يا خُبيب ، أَتُحِبّ أن يكون محمّد مكانك ، وأنت سليمٌ معافى في أهلك ؟ فصاحَ خُبيب رضي الله عنه ، وقال : والله ما أُحبّ أن أكون في أهلي، ولا في ولدي ، وعندي عافيةُ الدّنيا ، ونعيمها ، ويُصابُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم بِشَوْكة، فما كان من أبي سفيان إلا أن ضربَ كفًّا بكفّ ، وقال : والله ما رأيتُ أحدًا يحبّ أحدًا كحُبّ أصحاب محمّد محمَّدًا .
 إيمانٌ بأنّ الأجلَ لا يزيدُ ولا ينقص ، إيمانٌ بِرَسُول الله صلى الله عليه وسلّم ، حبّ عامرٌ بالنبي عليه الصلاة والسلام .
 سعيد بن عامر عيَّنهُ سيّدنا عمر واليًا لحمص ، فكانتْ تأخذه الغَشيَة من حينٍ لآخر ، فلمّا سئِلَ ، قال : لقد شهِدتُ مصْرع خُبيب الأنصاري في مكّة وقد بضعَتْ قريشٌ لحمهُ، وحملوه على جذْعةٍ ، فكلّما ذكرتُ هذا المشهد الذي رأيتهُ ، وأنا يومئذٍ من المشركين ، ثمّ تذكَّرتُ تركي نُصرة خُبيبٍ يومها ، أرتجفُ خوفًاً من عذاب الله ، ويغشاني الذي يغشاني .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ اللّقطات كثيرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، صحابيّ جليل اسمه عُمير بن حِمام الأنصاري رضي الله عنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلّم حينما دنا من المشركين يوم بدرٍ ، قال النبي عليه الصلاة والسلام : قوموا إلى جنّة عرضها السموات والأرض ، فقال : يا رسول الله ، جنة عرضها السموات والأرض ! فقال : نعم، فقال : بَخٍ بخٍ ، فقال النبي الكريم : وما يحملكَ على قول بَخٍ بخٍ ، قال : لا ، والله يا رسول الله إلا رجاءَ أن أكون من أهلها ، فأخرج ثمراتٍ كنّا في قرنه أي في جعبته ، فجعل يأكل منهنّ، ثمّ قال : لئِنْ أنا حييتُ حتى آكلَ ثمراتي هذه ، إنّها إذًا لحياةٌ طويلة ، فرمى ما كان معه من الثّمْر فقاتلهم حتى قتِل .

 

لقطة من لقطات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لقطةٌ أخرى من لقطات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، سيّدنا خالد بهرَتْ عبقريّتهُ الحربيّة قوّاد الروم وأمراء جيشهم ، ممّا حمل أحدهم واسمه جرجة على أن يدْعُوَ خالدًا إلى البروز إليه في إحدى فترات الراحة بين القتال ، وحين يلتقيان في وجه القائد الروماني يحدّث سيّدنا خالد فيقول : يا خالد اُصْدُقني ولا تكذبْني هل أنزلَ الله على نبيّكم سيفًا من السّماء فأعطاك إيّاه فلا تسلُّه على أحدٍ إلا هزمْتهُ ؟ قال خالد : لا ، فقال الرجل : فلِمَ سُمِّيت سيف الله ؟ فقال خالد رضي الله عنه : إنّ الله بعثَ فينا رسوله فمِنَّا من صدَّقهُ ، ومِنّا من كذّبه ، وكنتُ فيمن كذّبهُ ، حتى أخذ الله القلوب إلى الإسلام ، وهدانا بِرَسُوله فبايعناه ، فدعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال لي : أنت سيفٌ من سيوف الله تعالى ، فهكذا سُمّيتُ سيف الله ، فقال القائد الروماني : وإلام تدعوني ؟ قال خالد : إلى توحيد الله وإلى الإسلام ، فقال القائد الروماني : هل لمن يدخل في الإسلام مثل ما لكم من المثوبة والأجْر؟ فقال خالدٌ : نعم ، وأفضَل ، فقال الرجل : كيف وقد سبقتموه ؟ قال خالد : لقد عشنا مع رسول الله ، ورأينا آياته ، وحُقّ لِمَن رأى ما رأينا ، وسمع ما سمعنا أن يُسلم في يُسْر ، أما أنتم ، يا معشر من لم ترَوْهُ ، ولم تسْمعوه ثمّ آمنتم بالغيب فإنّ أجركم أجزل وأكبر إذا صدقتم الله في سرائركم ، ونواياكم ، وصاح القائد الروماني ، وقد دفع جوادهُ إلى ناحية خالد ، ووقفَ بِجِواره علِّمني الإسلام يا خالد ، وأسْلم على يديه ، وصلّى ركعتين لم يصلّ سواهما ، ثمّ استأنف الجيشان القتال ، وقاتل جرجة الروماني في صفوف المسلمين مستميتًا في طلب الشّهادة حتى نالها ، وظفر بها .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حينما يضحّي الإنسان بحياته ، يُضحّي بأغلى شيءٍ يملكهُ، والجود بالنّفس أقصى غاية الجود ، لذلك الشّهداء يوم القيامة مع النبيّين والصِّدَّيقين .

 

إصابة الهدف أكبر ميزات السّلاح :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ألا إنّ القوّة الرَّمْيُ ، ألا إنّ القوّة الرَّمْيُ ، ألا إنّ القوّة الرَّمْيُ ))

[مسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]

 هذا حديث دقيق ، مهما تقدّم السّلاح تبقى إصابة الهدف أكبر ميزات السّلاح ، فالقوّة في السلاح نابعة من إحكامه لإصابة الهدف ، فيقول عليه الصلاة والسلام :

(( ألا إنّ القوّة الرَّمْيُ ، ألا إنّ القوّة الرَّمْيُ ، ألا إنّ القوّة الرَّمْيُ ))

[مسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]

 وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام :

((إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة ؛ صانعه محتسباً به ، والمعين به ، والرامي به فى سبيل الله ))

[ الخطيب عن أبي هريرة]

 وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام :

(( من تعلّم الرّمْي ثمّ تركهُ فليس منّا ))

[ مسلم عن عقبة بن عامر]

 أيها الأخوة الأكارم ، الأمّة العربيّة تواجهُ عدوًّا شرسًا ، إنّكم تسمعون كلّ يوم ما يجري في الأرض المحتلّة من أعمال عنفٍ يندى لها جبين البشريّة ، من أعمال وحشيّة تترفّع عنها وُحوش الغاب .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما أحْوَجنا في مواجهتنا مع عدوّنا أن نستنبط من معركة بدْرٍ الكبرى هذه الدروس والمواعظ ، والله سبحانه وتعالى ينصرُ المؤمنين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

صدقة الفطر :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ وعدتكم في خطبةٍ سابقة أن أتحدّث عن صدقة الفطر ، أو عن زكاة الرأس كما يُسمّيها الفقهاء ، صدقة الفطر ، أو زكاة الفطر ، أو زكاة الرأس فرضها الله عز وجل طهرةً للصائم ، وطُعمةً للمساكين ، طهرةً للصائم ممّا بدرَ منه من لغْوٍ في الحديث ، أو زلّة في السّلوك عن غير قصْدٍ منه ، لأنّه لا صغيرة مع الإصرار ، وعَوْنًا للفقراء والمساكين والمُعْوِزين ، وإغناءً لهم عن السّؤال ، وهذه الزكاة تجبُ على كلّ مسلمٍ عندهُ قوت يومه ذكرًا كان أو أنثى ، صغيرًا كان أو كبيرا ، فقيرًا كان أو غنيًّا ، وعلى المسلم أن يدفع هذه الصّدقة عن نفسه أوّلاً ، ثمّ عن كلّ فرْد يمونهُ أي يطعمه ، أو يلي عليه أي يتولّى أمرهُ ، كزوجته وأولاده إن كانوا صغارًا ، ولا مورد لهم ، وعن أمّه وأبيه ، وإخوته وأخواته إن كان ينفق عليهم أو يتولّى أمرهم ، وتجبُ على المولود الذي يولد قبل صلاة العيد ؛ لأنّها زكاة الرّأس ، وهذا رأس ، وبعضهم يتطوّع تقرُّبًا إلى الله عز وجل فيدفع عن الجنين الذي في بطن أُمّه .
 وأما مقدارها فهو نصف صاعٍ من برّ أي قمح ، أو صاعٌ من شعير ، عن كلّ فرْدٍ ، ويجوز دفعُ قيمتها بالنقد المتداول ، قبل أربعة عشر عامًا قدّرها العلماء بِلَيرتين سوريتين ، هكذا عندي في الورقة ، أما الآن فالعلماء قدّروا أنّ زكاة الفطر حدّها الأدنى الذي لا يجوز أن ينزل عنه خمسٌ وعشرون ليرة لكلّ رأسٍ ، وحدّها الأقصى بِحَسب الوُسع والغنى ، فهناك من يدفعُ عن كلّ شخصٍ مئة ليرة ، وهناك من يدفعُ مئتين ، فلا حدّ لأكثرها ، أما حدّها الأدنى فخَمْسٌ وعشرون ليرة .
 شيءٌ آخر ؛ وتُدفع للفقراء والمساكين ، وأبناء السبيل المنقطعين ، والغارمين ممن تعذَّر عليهم قضاء ديونهم ، ويجوزُ أن تُعطى لمِسكينٍ واحدٍ أو لعدّة مساكين ، والأقربون من المستحقين أولى من غيرهم ، وأهل الإيمان والصّلاح أولى من غيرهم .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ إنّ صوم رمضان معلَّقٌ بين السماء والأرض ، ولا يُرفع إلا بزكاة الفطر ، هناك ملاحظة ، وهي لو أنّ الإنسان دفع زكاة فطره إلى جمعيّة من الجمعيّات الخيريّة ، فينبغي أن يُعلمها ؛ لأنّ هذه الجمعية قد تأخذ هذا المال ، وتدفعهُ على التراخي ، بعد عيد الفطر ، فإذا وزعت هذه الزكاة بعد عيد الفطر فالصّيام يبقى معلَّقًا بين السماء والأرض ؛ زكاة الفطر أو الرأس بعد عيد الفطر صدقةٌ عاديّة لا تسقط زكاة الفطر ، فالذي يريد أن يدفع زكاة رأسه ، أو زكاة فطر لِجَمعيّات خيريّة ، ينبغي أن يُعلمها ، وأنا أنصح الجمعيّات الخيريّة أن تجعل أموال زكاة الفطر في حيِّزٍ مستقلّ حتى تنفقها قبيل اليوم الأوّل من أيّام عيد الفطر .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كما قلتُ قبل قليل زكاة عيد الفطر طُهرةٌ للصائم وطعمةٌ للمسكين ، طهرة مما بدرَ منه ، من لغو في الحديث ، أو نظْرة لا يريدها ، وطُعمةٌ للفقراء ، وإغناءٌ لهم في هذا الشّهر الكريم عن سؤال الناس .

المبادرة إلى دفع الصدقات :

 الأسبوع الماضي جزاكم الله كلّ خير ، وقد ذكرت لكم أنّ تبرّعات هذا المسجد بلغَت تسعة عشر ألف ليرة ، ولم أكن أتوقّع أنّ الأسبوع الذي يليه قد دفعت جزاكم الله كلّ خير، وأكرمكم ، وحفظ لكم صحّتكم ، وأهلكم ، وأموالكم ، كان مجموع ما دفع في الأسبوع الماضي ثمانيةً وثلاثين ألفاً ، وقد قال لي بعضهم : إنّ هذا الرّقم يُعدّ رقمًا قياسيًّا من بين مساجد دمشق، فهذا من فضل الله علينا وعليكم ، لأنّ الله سبحانه وتعالى إذا سمح للعبد أن يعمل صالحًا فهذا من فضل الله عليه ، إذا أراد الله إظهار فضله عليك خلق الفضْل ونسبهُ إليك ، ولكنّ هذا الأسبوع فوجئتُ أنّ ستّ جمعيّات في وقتٍ واحد قد طلبَت هذا المسجد ، لماذا طلبَت هذا المسجد ؟ لِحُسْن ظنّها بكم ، لأنّها شعرَت أنّ هذا المسجد يحقّق أرقامًا قياسيّة في دفع التبرّعات وزكاة الأموال ، وزكاة الفطر ، فجمعيّة المساعدة الخيريّة ؛ دار العجزة ، وجمعيّة إغاثة فقراء الصالحيّة ، وجمعية أرباب الشعائر الدّينيّة ، وجمعية ركن الدّين الخيريّة ، وجمعيّة الشيخ محي الدّين الذي استأثرَت بهذا المبلغ في الأسبوع الماضي ، وجمعيّة القنوات الخيريّة ، هذه الجمعيات الستّ وضَعَت كلّ ثقتها بكم ، فادفعوا لها من زكاة أموالكم ، أو من زكاة فطركم ، أو من الصّدقات التي قال الله عنها :

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة الذاريات : 19]

 فادفعوا يدفع الله عنكم كلّ مكروه ، ولا تنسوا بعض الأحاديث الشريفة :" استمطروا الرّزق بالصّدقة " ، " صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ " ، " بادروا بالصّدقة فإنّ البلاء لا يتخطّاها "، " الصّدقة تقعُ في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير "، وهذا الشهر شهر الكرم ، وشهر الجود ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام أجوَد ما يكون في رمضان ، فادفعوا يدفع الله عنكم كلّ مكروه ، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء .

 

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت ، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا .
 اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا. اللهم استر عيوبنا ، واغفر ذنوبنا ، واقبل توبتنا ، وفكَّ أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018