الخطبة : 0196 - السنة الميلادية - التدخين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0196 - السنة الميلادية - التدخين.


1988-01-01

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر .
 اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

السنة الميلادية .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ اليوم هو اليوم الأوّل من العام الميلادي الجديد ونحن جميعًا في كلّ يومٍ نودّع عامًا ، ونستقبلُ عامًا ، وهكذا إلى أن يأتيَ أمْرُ الله ، وما دام أمرُ الله لابدّ واقعٌ ، فالإنسان إذًا هو بضعة أيّام كلّما انقضى منه يومٌ انقضى بضعٌ منه ، وتعلمون أيّها الإخوة أنّ الإنسان بين أيّامٍ ثلاثة ، يومٍ مضى ، ويوم تعيشهُ ، ويومٍ سيأتي ، فاليوم الذي مضى مَضى بِخَيره وشرّه ، بسَعادته وشقائه ، واليوم الذي سيأتي لا تملكهُ ، فلا أحدَ يعلمُ ما سيكون عليه حالُهُ صبيحة اليوم التالي ، هل هو من الأحياء أم الأموات ؟ هل هو من الأصحّاء أم من المرضى ؟ هل هو من أصحاب العقول أم ممّن فقَدَ العقل ؟ هذا اليوم الذي سيأتي لا نملكهُ ، وهذا اليوم الذي مضى لا جدوى من الحديث عنه ، بقيَ الساعة التي أنت فيها ، باب التوبة أبواب التوبة مفتّحة لكلّ مخلوق .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا خير في العيش إلا ................

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في خطبةٍ موجزة من خُطب النبي عليه الصلاة والسلام ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال خَطَبَنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال في خطبته :

(( أيّها الناس ، لا خيْرَ في العيش إلا لِعَالمٍ ناطق ، أو مستمعٍ واعٍ ))

 اُطلبوا العلم ، طلبُ العلم فريضة ، فريضةٌ على كلّ مسلم ، طلبُ العلم فرض عين ، طلب الفقه حتمٌ واجب على كلّ مسلم .
 أيها الأخ الكريم ؛ لا خيار لك في هذا ، إما أن تكون متعلِّمًا أمْر دينك ففيه النجاة من عذاب الدنيا ، وعذاب الآخرة ، وإما أن تجهل ، ومع الجهل معصية ، ومع المعصية مصيبة ، وبعد المصيبة هلاكٌ إلى الأبَد .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ قال عليه الصلاة والسلام :

(( كن عالمًا ، أو متعلِّمًا أو مستمعًا ، أو محبًّا ، ولا تكن الخامسة فتَهْلَكَ ))

 قال تعالى :

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير ﴾

[ سورة المجادلة الآية : 11 ]

 عاملٌ واحد ، جعلهُ الله أساسًا للتفاضل بين خلقه ، لن يقبل ، ولن يجعل المال من هذا العامل ، ولا الغنى ، ولا الحسب ، والنّسَب ، ولا التمدّن ولا أن يسكن المدينة ، ولا أن يسكن البادية ، كلّ هذه العوامل لا قيمة لها عند الله تعالى ، كن ابن من شئت واكتسب أدبًا ، العامل الوحيد هو عامل العلم ، قال تعالى :

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 9 ]

 بِعامِلِ العلم لا يستوي الناس عند الله تعالى ، بالعوامل الأخرى لا تقدّم ولا تؤخّر .

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين مصفح عن أبواب الناس لو أقسم على الله لأبره ))

[ أخرجه الطبراني في الأوسط أنس بن مالك رضي الله عنه ]

 قال تعالى :

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 44 ]

 لا المال ، ولا الجاه ، والقوّة ، والتمدّن ، ولا التحضّر ، ولا تحصيل العلم الدنيَوِيّ يُعدّ عند الله عاملاً للتفضيل بين خلقه ، أن تعرف الله ، وأن تعبدهُ ، وكفى بك علما أن تخشى الله تعالى .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لأنّ العلم بالله ينفعك بعد الموت ، وما سوى ذلك ربّما نفعك قبل الموت ، فإذا كان معه الجهل ساء إليك قبل الموت وبعدها إنّ كثير العمل لا ينفع مع الجهل ، وإنّ قليل العمل ينفع مع العلم ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لا خيْرَ في العيش إلا لِعَالمٍ ناطق ، أو مستمعٍ واعٍ ))

 إن لم تكن عالمًا فكُن عالمًا ، أما أخطرُ شيء في الحياة أن تكون نصف عالمٍ ، تعلَّمتَ شيئًا وغابَتْ عنك أشياء ، قال :
 قل لِمَن يدّعي في العلم فلسفةً حفظْت شيئًا وغابَتْ عنك أشياء
 العلم غيرُ الكامل خطرٌ على صاحبه لأنّ هذا نصف العالم ليس عالمًا فَيُفيدُ من علمه ، وليس جاهلاً فيقبلُ أن يتعلّم ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لا خيْرَ في العيش إلا لِعَالمٍ ناطق ، أو مستمعٍ واعٍ ))

 هل تحضرُ مجالس العلم ؟
 هل تتعلّم ما قال الله لك في القرآن الكريم ؟
 هذا المنهج الإلهي ، ما فيه من خير ، ما أوامر الله ؟ ما نواهيه ؟ ما آياته الكونيّة ؟
 أيّها الناس إنّكم في زمنِ هُدنة ، نحن الآن في زمن هُدنة ، تمامًا كالعام الدّراسي ، الطلاب جميعًا سواسيَة ، لهم ميزاتٌ موحّدة ، كلّهم يُسمّى طالبًا ، كلّهم له حقّ دُخول المدرسة ، كلّهم له حقّ استماع المحاضرات ، كلّهم له حقّ دُخول المكتبة ، ولكن بعد أن يأتي الامتحان يُفرز هؤلاء الطلاب ، إلى طلابٍ ناجحين ، وإلى طلاّب راسبين ، ونحن في الدنيا جميعًا نأكل ونشرب ، وجميعًا نسكنُ في بيوتنا ، ولنا زوجاتٌ وأولاد ، ولنا أعمال ، هذا هو زمَنُ الهُدنة ، ولكن بعد أن يأتي ملك الموت فيُختمُ العمل فإما إلى جنّة يدوم نعيمها ، أو إلى نار لا ينفذُ عذابها .
 أيها الناس إنّكم في زمن هُدنة ، وإنّ السَّيْر بكم سريع ، دقّق أيّها الأخ الكريم كيف مضَتْ هذه الأعوام ؟ كنتَ تعيشُ في الخمسينات ، وإذا أرَّخْت سنةً تقول ألفٌ وتسع مئة وستّة وخمسون ، واليوم في التاريخ تكتب ألفٌ وتسع مئة وثمانيةٌ وثمانون ، وسيأتي عام التّسعين ، ولابدّ في أحد الأعوام من أنْ يأتيَ وعْدُ الله عز وجل ، وتُطْوى هذه الصّفحة ، ويُختم العمل ، ويُساق الإنسان إلى الجنّة أو إلى النار ، فنحن في زمنٍ خطير ، هذا الزّمن الذي نعيشهُ ، وهذا الوقت الذي نستهلكهُ ، هذا النَّفسُ الذي نتنفَّسُه ، هذا الدّماغ الذي نُعملهُ ، هذا اللّسان الذي ننْطق به ، وهذه العَين التي نُبصر بها ، هذه الأذن التي نسمع بها ، هذه اليد التي نعمل بها ، هذه الرّجل التي نتنقّلُ بها ، كلّ حركةٍ ، وكلّ سكنَةٍ سوف نُحاسبُ عنها في الوقت المناسب .

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء الآيات : 88-89 ]

بين الماضي والمستقبل .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع ذهاب العام الماضي ، ومجيء العام الجديد ينبغي أن ندرك خُطورة الوقت ، الوقت أثمنُ شيءٍ نملكهُ في الدنيا ، إنّك بالوقت تعرف الله عز وجل ، فإذا اسْتهلكتهُ في أهداف رخيصة ، في مشاحنات فارغة ، في القيل والقال ، إذا اسْتهلكْت الوقت الثمين في سفاسف الحياة ، فقد غامرْت برأس مالك ، رأسُ مالك الأوْحد الوقت ، هذا الوقت كيف تمضيه ؟

(( لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل فيه ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والبزار في مسنده ]

 نحن في أخطر مرحلةٍ من مرحلة حياتنا التي بدأتْ في عالم الأزل ، وسوف تنتهي إلى الأبد ، إما في نعيم مقيم ، وإما في عذاب أليم ، هذا الوقت الذي نعيشهُ سيُبنى عليه مصيرنا ، هذا الوقت الذي نستهلكهُ ستُبنى عليه سعادتنا في الدار الآخرة ، كيف نمضي الوقت ؟ أنتعلَّم العلم ؟ أنَطْلبُ العلم ؟ أنُطَبِّقُ العلم ؟ أنتقرَّبُ إلى الله عز وجل ؟ أنَتْلو كتابهُ ؟ أنقرأُ سنّة نبيّه عليه الصلاة والسلام ؟ أنفعلُ الخيرات ؟ أنُنْفق الأموال في سبيل الله تعالى ؟ أنُعَلِّمُ الآخرين الخير ؟ كيف نمضي الوقت ؟
 يقول عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لا خيْرَ في العيش إلا لِعَالمٍ ناطق ، أو مستمعٍ واعٍ ))

 إنّكم في زمن الهدنة ، كلّنا مُعافَون ، ولكن إذا جاءَت ساعة الحساب ، قال تعالى :

﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾

[ سورة الطور الآية : 45 ]

 إنّكم في زمن هدنة ، وإنّ السير بكم سريع ، لِيَسأل كلٌّ منّا كيف مضَتْ عليه هذه السنون ، يقول لك أحدهم قبل قليل كنت في المدرسة الابتدائيّة والآن لك زوجة وأولاد ، وأولادك في المدرسة الابتدائيّة ، وقد زوَّجْت أولادك ، هل بقيَ من العمر مثل ما مضى ؟ هل بقي بقدْر ما مضى ؟ إذا كان الذي بقي أقلّ ممّا مضى لأنّ معترك المنايا كما قال عليه الصلاة والسلام بين الستّين والسبعين ، قال بعضهم : من بلغ سنّ الأربعين فقد دخل أسواق الآخرة ، ومن بلغ الستّين فهو كفاكهةٍ أيْنَعَتْ وحان قطافها ، فما بالُ هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا ؟ ماذا أعْددْت لساعة الموت ؟ ماذا أعددْت لساعة الرحيل ؟ ماذا أعددْت لساعة الفراق ؟ ماذا أعْددْتَ لِتَرك الأحبّة ؟ ماذا أعددْت لِتَرك هذا البيت ؟
 أيها الإخوة الأكارم ؛ وإنّ السَّيْر بكم سريع ، أيّام تمضي سريعًا ؛ من شتاء إلى خريفٍ إلى ربيع إلى صيف ، والأياّم تمضي سريعًا ، من أوّل الأسبوع إلى آخره ، ومن أوّل الشهر إلى آخر الشهر ، الأياّم تمضي سريعًا ، ولقد رأيتم الليل والنهار كيف يُبليان كلّ جديد ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام ويقرّبان كلّ بعيد ، ويأتيان بكلّ موعود ، قال الإمام عليّ رضي الله عنه وكرّم الله وجهه : كلّ متوقّع آت ، وكلّ آتٍ قريب ، الليل والنهار يبليان كلّ جديد ، ويقرّبان كلّ بعيد ، ويأتيان بكلّ موعود ، الأيّام تمضي سريعًا هنيئًا لِمَن عرف الله تعالى ، وهنيئًا لمن طاعه ، كنتُ البارحة مع إخوةٍ كرام فأُلْهِمْتُ هذا الدعاء : الحمد لله الذي جمعنا على طاعةٍ في هذه الليلة وكم من أُناسٍ اجتمعوا على معصية الله تعالى ، ما معنى كلمة العيد ؟ معنى كلمة العيد أنّك عُدْتَ فيه إلى الله عز وجل ، العيد من العودة ، وليس معنى العيد أن تعصيَ الله تعالى فيه ، العيد أن تعود إليه تائبًا ، راجعًا محبًّا ، مشتاقًا منيبًا منقطعًا .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ولقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كلّ جديد ، ويقرّبان كلّ بعيد ، ويأتيان بكلّ موعود ، فقال له المِقداد يا رسول الله وما الهُدْنة ؟ قبل قليل إنّكم في زمن هُدنة ، وما الهُدنة ؟ قال : دارُ بلاءٍ وانقطاع ، تعريفٌ جامعٌ مانعٌ للدنيا ، دارُ بلاءٍ ، ودار انقطاع ، معنى دار بلاء أي دار امتحان ، تُمْتحنُ هنالك ، تُمتحنُ في صحّتك ، تُمتحن في زوجتك ، وفي أولادك ، وفي دكّانك ، وفي وظيفتك ، وأنت وراء الطاولة ، كلّ حركة وكلّ سكنةٍ تُمتحنُ بها ، إما أن تنجح وإما أن ترسب ، يُعطيك الله المال لِيَنظر كيف تفعل ؟ أتكون كثعلبة ؟ ثعلبة كان حمامة المسجد ، ما من وقتٍ يؤذّن فيه المؤذّن إلا وثعلبة خلف رسول الله ، قال : يا رسول الله اُدع الله أن يُغنيَني فإنّني فقير ، قال : يا ثعلبة ، قليلٌ تؤدّي شكره خيرٌ من كثير لا تؤدّي شكره ، فقال : ادع الله أن يغنيَني ، فدعا له النبي عليه الصلاة والسلام بالغنا ، غاب ثعلبة عن المسجد ، ابتعدَ عن رسول الله ، وترك الصلوات في المسجد ، وترك صلاة الجمعة وانشغل بماله ، أرسَل الله له من يُطالبهُ بِزَكاة ماله ، فقال له : قلْ لصاحبك : ليس في الإسلام زكاة مال ! امتحنهُ الله فرسَب ، تُمتحنُ قبل الزواج ، هل تصبرُ عن النّساء ؟ تمتحنُ بعد الزواج ؛ هل تلْهيك هذه الزوجة عن طاعة الله ، وعن حضور مجالس العلم ، تُمتحنُ وأنت فقير ، هل أنت صابر ؟
 أيها الإخوة الأكارم ؛ الحظوظ موزّعةٌ في الدنيا توزيع ابتلاء ، وسوف تُوزّع توزيعًا آخر هو توزيع جزاء ، في ضوء النتائج التي امتحِنْت بها توزّع في الآخرة الحظوظ مرّةً ثانية ، أجملُ تعرف ، تعريفٌ جامعٌ مانع دار بلاءٍ وانقطاع ، كلّ شيء في الدنيا بلا ثمَن ، مهما كنت غنيًّا ، لابدّ من قبرٍ يضمّك ، مهما كنت وجيهًا ، لابدّ من نزول القبر ، العمر مهما طال فلابدّ من نزول القبر ، والليل مهما طال فلا بدّ من طلوع الفجر ، وكلّ مخلوق يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزّة والجبروت ، قال الشاعر :

 

كلّ ابن أنثى وإن طالَتْ سلامته  يومًا على آلة حدباء محمول
فإذا حـملْت إلى القبور جنازةً  فاعلمْ بأنّك بعدها محمـولُ

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ قال عليه الصلاة والسلام : الهُدنة دار بلاءٍ وانقطاع فإذا التبسَتْ عليكم الأمور كقِطَع الليل المظلم ؛ كثُرَت المذاهب والنظريات طُرِحَت نظريات الكُفر بالله تعالى ، ابتعد الناس عن الدّين ، تعلّقوا بالدنيا ، وتخاصموا ، وظهرَتْ الفِتَن كقِطَع الليل المظلم ، يُمسي الرجل مؤمنًا ، ويصبحُ كافرًا ، إذا التبسَت عليكم الأمور كقِطَع الليل المظلم فعليكم بالقرآن الكريم ، فإنّه شافعٌ مشفّع ، وشاهد مصدّق ، فمَن جعلهُ أمامهُ قادهُ إلى الجنّة ، ومن جعلهُ خلفهُ ساقهُ إلى النار ، وهو أوضحٌ دليل إلى خير سبيل من قال به صدَق ، ومن عملَ به أُجِرَ ، ومن حكمَ به عدَل .

 

 

هرقل والمسلمون .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ بمناسبة العام الميلاديّ الجديد ، هرقلُ كان بين رجاله الكبراء ، وكان الحديث عن هؤلاء العرب الذين خرجوا من جزيرتهم وفتحوا البلاد ، وخضَعَتْ لهم العباد ، كان يسأل رجاله المقرّبون إليه ، ما شأن هؤلاء ؟ وما قصّتهم ؟ اختلفوا في أفكارهم ، وفي تحليلاتهم وفي تقويمهم ، إلى أن وقفَ كبار القسّيسين ، وهو عالمٌ كبير بدِين النَّصْرانيّة ، وقال : أما تعلمُ لما نُصِرَ علينا المسلمون ؟ قال : لا ، وحقّ المسيح ، قال : أيها الملك ، لأنّ قومنا بدَّلوا دينهم ، وغيَّروا مِلَّتهم ، وجحدوا بإجابة المسيح عيسى بن مريم صلوات الله عليه ، وظلموا بعضهم ، وليس فيهم من يأمرُ بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، وليس فيهم عدلٌ ولا إحسان ، ولا يفعلون الطاعات ، وضيَّعوا أوقات الصلوات ، وأكلوا الربا وارتكبوا الزنا ، وفشَتْ فيهم المعاصي والفواحش ، وهؤلاء المسلمون طائعون لربّهم متّبعون دينهم ، رُهبانٌ بالليل ، فرسانٌ بالنهار ، لا يفترون عن ذِكْر ربّهم ، ولا عن الصّلاة على نبيِّهم ، ليس فيهم ظلمٌ ، ولا عُدوان ، ولا يتكبّر بعضهم على بعض ، وشعارهم الصّدق ، ودثارهم العبادة ، وإن حملوا علينا لا يرجعون ، وإن حملنا عليهم فلا يُولّون ، قد علموا أنّ الدنيا الفناء ، وأنّ الآخرة هي دار البقاء ، فلمّا سمِعَ هرقلُ ما قال هذا القسيس قالوا جميعًا : وحقّ المسيح لقد صدَقْتَ بهذا .
 هكذا كان أجدادنا ، وبهذه الأخلاق نُصِروا ، بهذا التمسّك ، وبهذا الأمر بالمعروف ، والنّهي عن المنكر ، في الليل رهبان ، وفي النهار فرسان لا يتكبّر بعضهم على بعض ، لا يأكل بعضهم حقّ بعض ، كانوا طائعين لله ، منقادين لأوامر الدِّين فرفعهم الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[ سورة النور الآية : 55 ]

 وربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم الآية : 59]

 أقول قولي هذا ، وأستغفر الله لي ولكم ، فيا فوز المستغفرين .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

التدخين :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ موضوع خطير جدًّا فشا بين الناس ألا وهو التدخين لا أقول لكم حرام ولا حلال ، لكنّني أضعُ بين أيديكم هذه الحقائق ، قال العلماء : تحوي أوراق التَّبْغ على أشباه قلويّات سامّة ، في طليعتها النيكوتين ، واحد من عشرة من الغرام من النيكوتين ، يكفي لِقَتل كلبٍ متوسّط الحجْم ، قتلٌ فوريّ ، في مدّة قليلة ، وقطرةُ واحدة في عين فأرٍ تقتلهُ حالاً ، وثماني قطرات محقونةٍ تحت الجلد ، تقتلُ حصانًا في أربع دقائق ، هذه الحقائق بديهيّة ، لا تظنّوا أنّها غريبة ، فأبحاث قديمة جدًّا ، والكتاب الذي أخذتُ منه هذه المعلومات مطبوع قبل عشر سنوات .
 شيءٌ آخر ، العلماء قالوا : أضرار التدخين تشْملُ جهاز التنفّس ، فهو يُضْعف الوظائف التنفّسيّة ، ويؤدّي إلى التهاب الأنف والبلعوم المُزْمِنَين ، وإلى التهاب الحنجرة ، والقصبات الرئويّة ، ونسبة السرطان عند المدخّنين هي ثمانية أمثال غير المدخّنين ، ثمانية أمثال نسبة إصابة السرطان عند المدخّنين ، والتدخين يعسّر وسائل الدّفاع عن الطرق التنفسيّة ، فالرغامى ؛ هذه القصبة الهوائيّة زوّدها الله عز وجل بأفعال وديّة تتحرّك نحو الأعلى دائمًا حركةً مستمرّة ، فكلّ شيء دخل إلى الحنجرة لا ينبغي ان يبقى فيها تدفعهُ نحو الأعلى ، الشيء الغريب أنّ في الدخان موادّ تُصيب هذه الأهداب بالشّلل ، الأهداب تتحرّك نحو الأعلى دائمًا ، كلّ شيء دخل القصبة خطأً ، ولا ينبغي أن يبقى ، فهذه الأهداب تدفعه نحو الأعلى ، تتجمّع في أسفل الحنجرة ، والتدخين يصيب هذه الأهداب المتحرّكة بالشلل ، إذًا تصبح الرئة والرغامى عُرضةً للإصابة بالأمراض الإنسانيّة .
 شيءٌ آخر ، مضارّ التدخين في جهاز الدوران ، الدخان يحرّر مادّة من شأنها أن تسرّع القلب ، وتضيّق الشرايين ، وتقلّبها ، ويسبّب الدخان نوبة خنّاق الصّدْر ، أن تصلّب الشرايين الإكليليّة ، وأيّة علبة دخان اقرؤوا تحتها أنّ الدخان ضارّ بالأجهزة التنفسيّة والأوعية والقلب ، هذا كلامٌ علمي ، مأخوذ من آلاف الحالات ، نجمةٌ من كبار الأطباء في العالم الغربي قدَّمَتْ تقريرًا من ثلاث مئة وسبعين صفحة من القطع الكبير عنوانه الدخان والصحّة ، هذا التقرير يؤكّد حتمًا أنّ هناك أخطارًا مدمّرةً خطيرةً من جرّاء التدخين ، فالله سبحانه وتعالى يحلّ لنا الطيّبات ، ويحرّم علينا الخبائث ، فإذا ثبتَ بالدليل القطعي أنّ هذا ممّا يؤذي صحّتنا ، ويؤذي القلب ، ويؤذي الشريان التاجي ، يسبّب تصلّب الشرايين ، وتسرّع القلب ، والتهاب الرئة ، وضعف المناعة في القصبات الهوائيّة ، يسبّب تراجع شلل الأهداب في الرغامى ، كلّ هذه الأضرار المحقّقة ، وبعدها ندخّن ، وبعدها نتلف أعصابنا بأيدينا ، نتلف قلوبنا بأيدينا ، أليس العمر رأس عمرك أيّها الأخ الكريم ؟ هل معنى ذلك أن تبقى في الفراش ، الصحّة تاجٌ على رؤوس الأصحّاء لا يراها إلا المريض .

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018