الخطبة : 0193 - أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0193 - أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام.


1987-12-11

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر .
 اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تمهيد :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كلّكم يعلم أنّ في الإسلام عقيدة ، هذه العقيدة يجبُ أن تعلم بالضرورة ، وطلب العلم فريضة على كلّ مسلم ، وهذا الحدّ الأدنى من العقيدة الذي يجبُ أن تُعلمَ بالضرورة ، إنّما هو فرضُ عين ، وليس فرض كفاية ، ربّما كان التبحّر في بعض العلوم الدينيّة فرض كفاية ، إذا قام به البعض سقط عن الكلّ ، ولكنّ الحدّ الأدنى ، وما يجبُ أن يُعلم بالضرورة من العقيدة الدينيّة التي هي أساس بنيان المؤمن إنّما هي فرض عين على كلّ مسلم ، وفي الإسلام عقيدة يجبُ أن تعلم بالضرورة ، وفي الإسلام عبادات يجبُ أن تؤدّى على الوجه الذي أراده الله عز وجل ، هناك الصلاة ، والصّيام ، والحجّ ، والزكاة ، هذه العبادات معلّلة ، ولها أهدافٌ واضحة ، قال تعالى :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 103 ]

 هذه هي العلّة ، وهذه هي أهدافها ، وتلك حكمتها ، قال تعالى :

﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم ﴾

[ سورة التوبة الآية : 103 ]

 هذا عن الزكاة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية : 45 ]

 هذا عن الصّلاة ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 183 ]

 هذا عن الصّيام ، وكذلك الحجّ .
 العبادات ؛ عبادات شرعها الله عز وجل من أجل تطهير نفوسنا من الأدران ، ومن أجل أن نقبل بها على الواحد الديان ، هذا شطرٌ آخر في الإسلام .
 العقيدة والإيمان محلّها القلب ، والإسلام محلّه الجوارح ، يجبُ أن تنقاد هذه الجوارح من عَينٍ ، وأُذنٍ ، ولسانٍ ، ويدٍ ، ورجلٍ ، أن تنقاد كلّها إلى أمر الله تعالى ، أن تأتمر بأمره وأن تنتهيَ عما نها الله عنه ، وهذا قسمٌ آخر في الدّين .
 هناك شطرٌ ثالث إنّه المعاملات ؛ للبيع أحكامٌ دقيقة فصّلها الشّرع ، فالتفقُّه في الدِّين حتمٌ واجبٌ على كلّ مسلم ، كيف يبيع ؟ وكيف يشتري ؟ وكيف يتزوّج ؟ وكيف يعْقدُ عقدًا ؟ وكيف يرْهَن ؟ وكيف يستأجر ؟ هذه كلّها تحت بابٍ كبير اسمهُ المعاملات .
 وفي الإسلام بابٌ رابع خطير خطير ؛ إنّه الأخلاق ، إنّ الأخلاق ثمرة الدِّين ، سيّدنا جعفر حينما سأله النجاشي حدّثني عن الإسلام قال :
 أيّها الملك كنّا قومًا أهل جاهليّة نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونسيء الجوار ، حتى بعث الله فينا رسولاً ؛ نعرفُ أمانته وصِدقه ، وحسبهُ ، ونسبهُ ، فدعانا إلى الله لِنَعبدهُ ، ونوحّدهُ ، ونهانا عمّا يعبدُ آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصِدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرّحم ، وحُسن الجوار ، وكفّ عن المحارم .

 

القيم الأخلاقية :

 جوهرُ الدِّين هذه القيَم الأخلاقيّة .

الحلم :

 واليوم حديثنا في هذه الخطبة عن فضيلةٍ كبيرة إنّها الحِلم ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( أما علمت أن الحليم كاد يكون نبياً ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط من حديث عمر بن الخطاب

(( حديث الضب ))

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( الحلم سيّد الأخلاق ))

 فيا أيها الإخوة المؤمنون ؛ الناس يتفاوتون أمام المثيرات ، هناك كلمةٌ تثيرُ النفس ، هناك موقفٌ يثير المشاعر ، هناك تصرّف يثير المشاعر ، كيف تقفُ ؟ ماذا تفعل ؟ ماذا تقول ؟ هناك التفاوُت ، الله سبحانه وتعالى أثنى على نبيّه العظيم ، فقال تعالى :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم الآية : 4]

 أعرابيّ جاء النبي عليه الصلاة والسلام ، هذه قصّة مهمّة جدًّا ، يُستنبطُ منها الشيء الكثير .
 عن أبو هريرة رضي الله عنه :

(( أن أعرابياً جاء إلى رسول الله يستعينه في شيء قال عكرمة : أراه في دم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم قال : أحسنت إليك ؟ . قال الأعرابي : لا ولا أجملت . فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه. فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إليهم : أن كفوا . فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت فقال له : إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت . فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال : ' أحسنت إليك ؟ ' . فقال الأعرابي : نعم فجزاك الله من أهل وعشير خيراً. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إنك كنت جئتنا

[ فسألتنا ]

 فأعطيناك فقلت ما قلت وفي نفس أصحابي عليك من ذلك شيء فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم . قال : فلما جاء الأعرابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي أكذاك ؟ . قال الأعرابي : نعم فجزاك الله من أهل وعشير خيراً ))

 

وهنا المغزى .

(( قال أبو هريرة : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً فقال صاحب الناقة : خلو بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها وأعلم بها ، فتوجه إليها صاحب الناقة فأخذ لها من قشام الأرض ودعاها حتى جاءت واستجابت وشد عليها رحلها واستوى عليها ، ولو أني أطعتكم حيث قال ما قال دخل النار ))

[أخرجه البزار في مسنده]

 فالحلم سيّد الأخلاق ، هذه الأخلاق العنيفة ، وهذا الردّ القاسي ، هذا الانفجار لا ينبغي أن يكون من المؤمن .
 شيءٌ آخر ، وهو أنّ سيّدنا داود عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام ربّنا سبحانه وتعالى حدّثَنا عن حلمه ، قال تعالى :

﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾

[ سورة الأعراف الآية : 66 ]

 وجهًا لوجه ، إنّك سفيهٌ كاذب ، قال تعالى :

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِين ﴾

[ سورة الأعراف الآيات : 67-68]

 هكذا كان ردّه ، قالوا له أنت سفيهٌ كذّاب ، فكان ردّه كما قال تعالى :

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِين ﴾

[ سورة الأعراف الآيات : 67-68]

أخلاق الأنبياء .

 النبي عليه الصلاة والسلام هو قدوَتُنا ، هو أُسْوَة حسنةٌ لنا ، قيل عن النبي عليه الصلاة والسلام إنّه ما انتقم لنفسه قطّ ، إلا أن تُنْتهَكَ حرمةٌ لله تعالى فينتقم لله تعالى ، ما انتقم ، يعني لم يأخذ بالغضب أبدًا ، كان يغضبُ إذا انْتُهِكَتْ حرمةٌ لله تعالى ، أما أن يغضبَ لنفسه ، فهذا ليس من أخلاقه الشريفة .
مرَّةً كان عليه الصلاة والسلام يوزّعُ الغنائم ، فجاءهُ أعرابيّ ، وقال له : اِعْدِلْ يا محمّد ، فإنّ هذه قسمةٌ ما أُريدَ بها وَجه الله تعالى !!!؟
 ما قولكم ؟!
 هل هناك كلمة فيها استفزاز لنبيّ هذه الأمّة ، ولِرَسول هذه الأمّة ، ولأعلى مخلوقٍ على وجه الأرض .
 اِعْدِلْ يا محمّد ، فإنّ هذه قسمةٌ ما أُريدَ بها وَجه الله تعالى ! فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن قال له : وَيْحَكَ يا أعرابيّ ، فمَنْ يعْدِل إن لم أعدِل ، خِبْتُ وخسرْتُ إن لم أعدل ، ونهى أصحابهُ على أن يمسُّوهُ بأذى ، إنّه رسول العدْل .
 نهى الرجل عن أن يقبّل ابنًا دون الآخر .
 إلى هذا المستوى كان عدلهُ صلى الله عليه وسلّم ، والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ دقيق ، بل في خطبةٍ من خطبه الموجزة صنَّف الناس إلى أربع فئات ، قال :

(( إِنَّ بني آدم خُلِقُوا على طبقات شَتَّى ، أَلا وإن منهم البطيءَ الغَضَبِ سريعُ الفَيء . والسريع الغضب سريع الفَيءُ . البطيء والغضب بطيء الفيء فَتِلْكَ بِتلك ، أَلا وإن منهم بطيء الفيء سريع الغضب ، أَلا وخيرهم بطيءُ الغضب سريع الفيء . وشرهم سريع الغضب بطيء الفيء . أَلا وإن منهم حَسَنُ القضاء حسن الطلب . ومنهم سَيء القضاء حَسَنُ الطلب ، ومنهم سيء الطلب حسن القضاء ، فتلك بتلك . أَلا وإن منهم سيء القضاء سيء الطلب . أَلا وخيرهم الحسنُ القضاء الحسنُ الطلب ، وشرَّهم سيء القضاء سيء الطلب ))

 النبي عليه الصلاة والسلام حينما تحدّث عن التجار وصفَهم بسَبْع صفات ؛ الذين إذا حدّثوا لم يكذبوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونوا ، وإذا باعوا لمْ يُطروا ، وإذا اشتروا لم يذمّوا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسّروا .
 ويقول عليه الصلاة والسلام في ختام هذا التصنيف الدقيق :

(( أَلا وإن الغضب جَمْرَة في قلب ابن آدم . أما رأيتم إِلى حُمْرَة عينيه ، وانتفاخ أوداجه ؟ فمن أحسّ بشيء من ذلك فَلْيَلْصَقْ بالأرض ))

 إذا كنت واقفًا فاجلس ، توضّأ اغْتسل ، ولا تجعل الأمر يزداد ، هذه نصيحة النبي عليه الصلاة والسلام .
 قال :

(( وجَعلنا نلتفت إِلى الشمس . هل بقي من النهار شيء ؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- : أَلا وإنه لم يَبْقَ مِن الدنيا فيما مضى منها إِلا كما بَقِيَ من يومكم هذا فيما مضى منه ))

[ أخرجه الترمذي ]

 سيّدنا عمر بن عمر العزيز أغلظ له رجلٌ في القول ، فنظر عمر قليلاً وقال : أردْت أن يستفزَّني الشيطان بعزّ السلطان ، فأنالَ منك اليوم ما تنالهُ منِّي غدًا ، لا والله .
 وقد قيل أعْقلُ الناس أقلّهم غضبًا ، فإن كان للدّنيا كان نماءً ومكرًا ، وإن كان للآخرة كان حلمًا وعلمًا .
 الأذكياء جدًّا لا يغضبون ، وعدُّوا هذا منهم دهاءً ، وإن كانوا مؤمنين يُعَدّ هذا منهم حلمًا وعلمًا .
 لقد قال عمر : أفْلحَ منكم من حفِظَ من الغوى والغضب .
 وقال بعضهم : من أطاع شهوتهُ وغضبهُ قاداهُ إلى النار .
 ومن صفات المؤمن أنّه لا يغضبهُ الغضب ، ولا تجمحُ به الحميّة ، ولا تغلبهُ الشّهوة ، ولا يفضحُه بطنهُ ، ولا يستخفّه حرصهُ .
 وقيل لعبد الله بن المبارك : أجْمِلْ لنا حُسْن الخُلُق في كلمةٍ واحدة ؟ فقال : لا تغضَب .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الإنسان أحيانًا يأخذهُ الغصب فيلْعَنُ الأشياء التي حوله ، ويلعنُ هذا الباب الذي أمامه ، ويلعن هذه الآلة التي توقّفَت في وقت حرج ، يلعن ابنه أحيانًا ، النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً نازَعَتْهُ الرِّيحُ رِداءهُ فلعَنَها ! فقال عليه الصلاة والسلام : لا تلعنها ، فإنّها مأمورةٌ مسخَّرة ، وإنّ من لعَنَ شيئًا ليس له بأهلٍ رجَعَتْ اللّعنة عليه ، هذه الآلة تعطَّلَت لعدم الصّيانة ، فلا تلعنْها ، النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه مرَّةً : من هو الصُّرْعة فيكم ؟ والصُّرعة هو شديد البأس ، فقالوا : يا رسول الله ، الذي لا تصرعهُ الرّجال ، فقال عليه الصلاة والسلام : ولكنّه الذي يملك نفسهٌ عند الغضب ، فالذي يملكُ نفسه عند الغضب هذا هو البطَل لأنّه سيْطَر عليها .
 أعرابيّ جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال : يا رسول الله ، أوْصِني ولا تُكثر ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( لا تغضب ))

 وقال عليه الصلاة والسلام :

(( سُبابُ المسلم فُسوق ، وقتاله كفر ))

[ رواه مسلم ]

 وما من مسلمَين إلا وبينهما سِتْرٌ من النار ، فإذا قال أحدهما لصاحبه كلمة فجر فقد خرق سِتْر الله عز وجل .
 ويُرْوى أنّ أعرابيًّا وفدَ إلى النبي عليه الصلاة والسلام يريدُ أن يتعلَّم الإسلام ، ولم تكن له معرفةٌ سابقة بالنبي ، ولا بما يدعو إليه ، فلمّا جاء النبي قال : رأيتُ رجلاً يصدر الناسُ عن رأيه ، ولا يكون شيئًا إلا صبروا عنه ، قلتُ : من هذا ؟ قالوا : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقلتُ : عليك السلام يا رسول الله ، فقال : لا تقلْ عليك السلام ، تحيّة الموت ، ولكن قل : السلام عليكم ، فقال : السلام عليكم يا رسول الله ، قال هذا الأعرابيّ : قلتُ أنت رسول الله ؟ قال : أنا رسول الله الذي إذا أصابكَ ضُرٌّ فدَعَوْتهُ كَشَفَهُ عنك ، وإن أصابكَ عامٌ - يعني سنةٌ مجدبةً - ودعَوْتهُ أنبتها لك ، وإذا كنتَ في أرضٍ قفْرٍ ، فزلّت راحلته ردَّها عليك ، فهل عرفْت من هو الله عز وجل ؟ الذي بيده كلّ شيء ، والذي إن دعوتهُ أجابك ، وإن استنصرهُ نصرك ، وإن لجأت إليه أعاذك من كلّ مكروه ، فقال : يا رسول الله : أوْصني ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : لا تسبنَّ أحدًا فقال : فما سببْتُ أحدًا بعدهُ ولا حُرًّا ، ولا بعيرًا ، ولا شيئًا ، ولا تحقِرَنَّ شيئًا من المعروف ، وأن تكلّم أخاك وأنت منبسطُ الوجه ، هذا معروف ؛ أن تكون طليق الوجه ، مع موظّفيك ، مع من هم دونك ، ربّما كانتْ بسْمةٌ منك تشفي القلوب ، ربّما كانتْ بسْمةٌ منك تشجّعهم على العمل ، لا تضنّ عليهم بِبَسمةٍ ، ولا بكلمة طيّبة ، وإنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسَعوهم بأخلاقكم .
 ثمّ قال عليه الصلاة والسلام : إنّ ذلك من المعروف ؛ أن تلقى أخاك بِوَجه طلْق ، ثمّ قال : وإن امرؤٌ شتمكَ وعيَّرك ، بما يعلمُ فيك ، فلا تُعَيِّرْهُ بما تعلمُ فيه ، فإنَّما وبالُ ذلك عليه ، لا تنقم من شخصٍ يعرف أسرارك إن عيَّرك ، لا تفضحْهُ ، كُنْ أرقى منه ، إن فعلت هذا فأنت في مستواه ، اجْعلهُ يندمُ على فعلته ، لا تعيّرهُ بما تعلمُ فيه ، ولو عيّرك بما يعلمهُ فيه .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذه بعض أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام ، إنّه نبيّ الرحمة ، ونبيّ الخلُق العظيم ، وإنّه كما وصفهُ ربّنا سبحانه وتعالى فقال تعالى :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم الآية : 4]

 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

المقاومة :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حينما من منّا معاشر العرب والمسلمين لا يعيشُ في هذه الأيّام مِحنة إخوةٍ لنا في الأرض ، إنّنا أيّها الإخوة ، نُكبرُ فيهم نضالهم ، ومقاومتهم للمحتلّ الغاصِب ، وتصميمهم على استرجاع أرضهم ، ومن منّا نحن معاشر العرب والمسلمين ما يستنكر الأساليب الوحشيّة في هذه الانتفاضة الثائرة ، الذي استنكرَ العالم كلّه من خلال صحافته ، ومن أجهزة إعلامه ، إنّنا مع هؤلاء المقاومين في كلّ جوارحنا ، وإمكاناتنا ، سائلين المولى عز جلّ وعلا أن يثبّت أقدامهم ، وأن ينصرهم على عدوّهم ، إنّه نعم المولى ونعم النصير .

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018