الخطبة : 0144 - الرسول سبيل الله - لا شيء يفوق حليب الأم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0144 - الرسول سبيل الله - لا شيء يفوق حليب الأم.


1986-10-10

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر .
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تمهيد :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ إذا عرضت لك الدنيا، فاذكر الموت، وإذا وقعت في الذنوب، فاذكر التوبة، وإذا كسبت المال، فاذكر الحساب، وإذا جلست إلى الطعام فاذكر الجائع، وإذا دعتك نفسك إلى ظلم الناس، فاذكر قدرة الله عليك الذي سلطك عليهم، ولو شاء لسلطهم عليك، وإذا نزل بك بلاء فاستعن بلا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا مرضت، فعالج نفسك بالصدقة، وإذا أصابتك مصيبةٌ، فقل : إنا لله وإنا إليه راجعون .
 وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، خطب في بعض خطبه ، فقال :

(( أيها الناس إنه لا خير في العيش إلا لعالمٍ ناطق ، أو مستمعٍ واعٍ ، أيها الناس إنكم في زمن هدنة ، وإن السير بكم لسريع ، وقد رأيتم الليل والنهار يبليان كل جديد ويقربان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود ))

 فقال له المقداد : يا رسول الله وما الهدنة ؟ فقال :

(( دار بلاءٍ ، وانقطاع ))

 تعريف الدنيا :
 دار بلاء وانقطاع ، فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم ، فعليكم بالقرآن ، فإنه شافع مشفَّع ، وصادقٌ مصدَّق ، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل ، من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ))

 

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله ، وأصحابه الطيبين الطاهرين ، الهداة المهديين ، الذين كانوا علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء .
 يقول سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه: من حمل ذنبه على ربه فقد فجر، إن الله تعالى لا يطاع استكراهاً، ولا يعصى بغلبة، فإن عمل الناس بالطاعة، لم يحل بينه وبينهم، فإن عمل الناس بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا، وإن عملوا بالمعصية، فليس هو الذي أجبرهم ولو أجبرهم على الطاعة لأسقط الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لأسقط العقاب، ولو أهملهم لكان عجزاً في القدرة، فإن عملوا بالطاعة فله المنَّة عليهم، وإن عملوا بالمعصية، فله الحجة عليهم.
 اللهم يا أكرم الأكرمين، تب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر ذنوبنا، واقبل توبتنا، وفك أسرنا، وأحسن خلاصنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، واختم بالصالحات أعمالنا.

 

الرسول سبيل الله :

 أيها الإخوة الأكارم ؛ آية قرآنية وقفت عندها ملياً ، هذه الآية يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً * وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُوراً ﴾

[ سورة الفرقان الآيات : 27 - 30]

 حينما يأتي يوم القيامة على ماذا يندم الإنسان ؟
 يندم على أثمن شيءٍ في الدنيا ، لم يقل يا ليتني اشتريت بيتاً فخماً ، لا ؟ !
 يقول الظالم يوم القيامة يا ليتني تزوجت فلانة بنت فلان ، لا ؟ !
 يقول الظالم يوم القيامة يا ليت كان عندي كذا ، وكذا من المال ، لا ؟ !
 الذي يقوله هو أثمن ما في الدنيا .

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ ﴾

 دققوا جيداً فيما سيقول ، هذا الذي سيقوله هو أثمن ما في حياتكم الدنيا .

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾

 لم يقل الله عز وجل يا ليتني اتخذت إلى الله سبيلا ؟!

﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾

 لأنه لا سبيل إلى الله عز وجل ، إلا بصحبة دليل ، بصحبة عارفٍ بالله بصحبة مرشدٍ إلى الله عز وجل .

﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾

 ولم يقل يا ليتني اتخذت سبيلاً مع الرسول ، لذلك قال علماء الأصول : إن العلم الشريف لا يؤخذ إلا عن الرجال، لا يؤخذ عن الكتب وحدها العلم في الصدور، وليس في السطور .

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾

 أثمن ما في الدنيا أن تعرف الله عز وجل .
 أثمن ما في الدنيا أن تتخذ إليه سبيلا .
 أثمن ما في الدنيا أن تصبر نفسك مع الذين يخشون ربهم .
 أثمن ما في الدنيا أن تكون مع الصادقين .
 أثمن ما في الدنيا أن تكون متعلماً .
 كن عالماً، أو متعلماً أو مستمعاً، أو محباً.
 سيدنا علي يقول : يا كميل ، الناس ثلاثة :
 عالمٌ ربانيّ ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمجٌ رعاع ، أتباع كل ناعق ، لم يستضيؤوا بنور العلم ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق ، فاحذر يا كميل أن تكون منهم .
 إذا ذهبت إلى بلدٍ، وعدت منه، فأصابك ندمٌ شديد، تندم على ماذا؟ على أثمن ما في هذا البلد، يا ليتني اشتريت هذه الحاجة، ثمينة جداً وسعرها معتدلٌ جداً .
 إذا جئت إلى الدنيا، وخرجت منها ما هو أثمن شيء فيها؟

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

 مهما يكن غنياً، مهما يكن قوياً، مهما يكن صحيحاً .

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

 أربعة أشياء : ما لم تكن عندك ، فأنت في خسارة كائناً من تكون ، أنت في خسارةٍ محققة .

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾

 يا ليتني حضرت مجالس العلم ، يا ليتني تعرفت على الله عز وجل ، يا ليتني عرفت الحلال والحرام ، فتركت الحرام واتبعت الحلال ، يا ليتني عرفت الحق والباطل ، فتركت الباطل واتبعت الحق ، ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا وما هو شر ما في الدنيا ؟

﴿ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً ﴾

 أن تصحب صاحباً يدلك على طريق جهنم، أن تصحب صاحباً يحببك بالحرام، أن تصحب صاحباً يزهدك بالآخرة، أن تصحب صاحباً يبيح لك المعاصي، أن تصحب صاحباً يغريك أن تخالف أمر الله عز وجل .

﴿ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً ﴾

 اتخذته خليلاً، وصاحباً، وصدقته واتبعت ما أمرني به، فأهلكني، وأرداني.

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾

[ سورة إبراهيم الآية : 22 ]

﴿ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ﴾

 يخذله، يشمت به، يزاود عليه .

﴿ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

[سورة إبراهيم الآية 22]

 ما من شيءٍ أشد على النفس من شماتة العدو، وألد أعداء الإنسان الشيطان، وسوف يقف على رؤوس الخلق، ليشمت بكل من أضله وكل من أغواه، وكل من أرداه، ويقول إن الله وعدكم وعد الحق وهذه هي الجنة والنار.

﴿ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾

[سورة إبراهيم الآية 22]

هجر القرآن :

﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُوراً ﴾

 وقف العلماء عند هذه الكلمة ، ففهموها على مستوياتٍ عدة :

1- هجر سماع :

 فقال بعضهم :
إن هجره يعني : هجر سماعه ، لا يحب أن يسمعه ، ولا أن يقرأه ، ولا أن يستمع إلى تفسيره ، ولا أن يدقق فيه ، هجر سماعٍ ، وقراءة .

﴿ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُوراً ﴾

2-هجر تطبيق :

 وقال بعضهم :
 إن هجر القرآن يعني شيئاً آخر ، إن قومي هجروا العمل به ، حياتهم في واد ، وأحكام كتابهم في وادٍ آخر ، لا يطبقونه في زواجهم ، ولا في تجارتهم ، ولا في بيعهم ، ولا في شرائهم ، ولا في علاقاتهم ، ولا في عبادتهم .
 هجره يعني : هجر سماعه أو هجر تلاوته .
 وهجره يعني : هجر العمل به ، إنهم لا يقفون عند حلاله ، ولا ينتهون عن حرامه ، إنهم نبذوه وراء ظهورهم .

3- هجر تحكيم :

 والمعنى الثالث : هو هجر تحكيمه ، والاحتكام إليه ، قال تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

[سورة الأحزاب الآية : 36]

 إذا قضى الله ورسوله أمراً ، إذا قال الله عز وجل :

﴿ يمحق الله الربا ﴾

 هذا أمره في الربا لا خيار له، لا يتردد، لا يقع في حيرة، لا يقع في صراع، لا يقول: والله أنا محتار ماذا أفعل؟ ما دام حكم الله واضحاً، هذه الحيرة، حيرة شكٍ، لا حيرة إيمان.

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة النور الآية : 30 ]

 هذا حكم الله في النظر إلى النساء، والله محتار أين أذهب ببصري في الطريق؟

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

[سورة الأحزاب الآية : 36]

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

[ سورة النساء الآية : 19 ]

 هذا قضاء الله في معاملة الزوجة، هذا الذي يؤذي زوجته من أجل أن تتنازل له عن مهرها .

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 229 ]

 هجر القرآن الكريم ، هجر تحكيمه ، وهجر الاحتكام إليه ، في أمور الحياة كلها .

 

4- هجر تدبير :

 وشيءٌ آخر فهمه العلماء من هجر القرآن الكريم ألا وهو هجر تدبره .

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

[ سورة محمد الآية : 24 ]

 يقرأ هكذا من دون أن يفهم ، من دون أن يقف عند محكمه ومتشابهه ، من دون أن يقف آياته الدالة على عظمته ، من دون أن يقف عند أخباره ، يقرأ هكذا لا يتدبره ، يقول : هذا القرآن بحر من وقع فيه غرق ، لا يا أخي !..

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

5- هجراستشفاء :

 وشيءٌ آخر فهمه العلماء من هجر القرآن الكريم ، ألا وهو هجر الاستشفاء به في الأمراض النفسية ، الأمراض النفسية هي أعراض لمرض واحد ، وهو البعد عن الله عز وجل ، الكبر من أعراض القطيعة والبعد ، والأثرة من أعراض البعد ، والترفع عن الناس من أعراض البعد ، والبخل من أعراض البعد ، والحقد من أعراض البعد والبغضاء ، والكراهية من أعراض البعد ، فلو اتصلت بالله عز وجل لشفا نفسك من كل أمراضها ، هذه هي صبغة الله عز وجل .

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾

[سورة البقرة الآية : 138 ]

 فترك سماعه ، وترك العمل به ، وترك تحكيمه ، وترك تدبره ، وترك الاستشفاء به ، هذه المعاني كلها تعنيها كلمة :

﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُوراً ﴾

الخلاصة :

 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ لو علَّقتم القرآن في بيوتكم ، لو زينتم به غرف استقبالكم ، لو وضعتموه في مركباتكم ، لو وضعتموه في جيوبكم ، لو تزينتم بزيه .
 العبرة تطبيقه ...
 القرآن وصفة إلهية ، لو قرأت الوصفة الطبية هل تشفى من مرضك ؟ لو قرأت هذه الوصفة ، وفهمتها ، هل تشفى ؟ لو حفظتها هل تشفى ؟ وصفةٌ إلهية ، لا أقول لك لا تقرأها ، لكن قراءتها وحدها لا تغنيك عن الشفاء شيئاً ، لا بد من أن تتجرع الدواء ، لا بد من تطبيق ما في كتاب الله ، ما آمن بالقرآن من استحلَّ محارمه .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الإمام الغزالي رضي الله عنه له كلمة في العلم تتصل في هذا الموضوع :
 إن الله عز وجل ـ دققوا جيداً ـ هو الحقيقة الكبرى والوحيدة في هذا الكون ، ليس في الكون إلا الله ، وإن العمل الإنساني الوحيد المجدي يقوم على تحصيل علمٍ ، هو في الواقع أساس العمل الموصل إلى الله عز وجل ، يعني ؛ أثمن ما في الحياة الدنيا أن تتعرف على الله عز وجل ، أن تعرفه لتعرف كيف تعمل من أجله ، فإذا عملت من أجله سعدت إلى الأبد ، هذا هو كل ما في الدنيا ، والعلم كما يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه :
 والعلم فضيلة في ذاته على الإطلاق قال تعالى:

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 9 ]

 يعلمون ماذا ؟ يعلمون ، أغفل الله المفعول به ، وأطلق الفعل ، وجعله في موضع الفعل اللازم ، ليكون العلم في حد ذاته فضيلةً على الإطلاق .

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 ورتبة العلم أعلى الرتب والعلم فضيلة في ذاته على الإطلاق من غير إضافةٍ ، وأعظم الأشياء رتبة في حق الآدمي السعادة الأبدية ، وأفضل وسيلةٍ إليها ، بل لن تصل إليها إلا بالعلم ، والعمل ، ولا يتوصل للعمل إلا بالعلم ، بكيفية العمل فأصل السعادة في الدنيا ، والآخرة هو العلم ، فهو إذاً أفضل الأعمال على الإطلاق ، ما من عملٍ أجدى ، وأنفع من أن تتعرف إلى الله عز وجل ، لابد من حضور مجالس العلم ، لابد من فهم كتاب الله ، لابد من فهم سنة رسول الله ، لابد من فهم أحكام الفقه ، لابد من أن يكون عملك منطبقاً على المنهج الذي رسمه الله لنا ، من أجل أن تصل إلى دار السلام ، ودار السلام لا موت فيها ، ولا حزن ، والله يدعو إلى دار السلام . قال الله في الحديث القدسي :

(( أعددت لعبادي مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ))

[متفق عليه]

 فالعلم بلا عملٍ جنون ، والعمل بغير علمٍ لا يكون ، والعمل فرض عين على كل مسلم ، قد يكون علم الطب فرض كفاية ، قد يكون علم الرياضيات فرض كفاية ، ولكن العلم بالله فرض عين على كل مسلم .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفد الأزد .
 فعن علقمة بن يزيد ، قال حدثني أبي عن جدي ، قال : وفدت سابع سبعةٍ من قومي ـ انظروا إلى فصاحة أجدادكم ـ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما دخلنا عليه ، وكلمناه ، أعجبه ما رآه من سمتنا ، وزينا ، كان عليه الصلاة والسلام يقول : أصلحوا رحالكم ، وحسنوا لباسكم ، حتى تكونوا شامةً بين الناس . رآنا بزيٍّ حسن ، وسمتٍ حسن ، وقار ، فلما رآنا ، ولما دخلنا عليه وكلمنا ، أعجبه ما رأى من سمتنا ، وزينا ، فقال : من أنتم ، قلنا مؤمنون ورب الكعبة ، فتبسم عليه الصلاة والسلام ، فقال : إن لكل قولٍ حقيقةً ، فما حقيقة قولكم ـ الامتحان ـ اسأله ما الذي جعلك تؤمن ؟ ما دليلك على أن الله رحيم ؟ ما دليلك على أن هذا الكتاب كتاب الله ؟ حاوره ، أيقظ تفكيره ، سألهم إن لكل قولٍ حقيقة ، فما حقيقة قولكم ، وإيمانك ، قلنا : خمس عشرة خصلة ، خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها ، وخمسٌ منها أمرتنا أن نعمل بها ، وخمسٌ منها تخلقنا بها في الجاهلية ، فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئاً ، فقال عليه الصلاة والسلام : ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي ، قلنا يا رسول الله : أمرتنا رسلك أن نؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، والبعث بعد الموت ، قال : وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها ، قلنا : أمرتنا أن نقول لا إله إلا الله ، وأن نقيم الصلاة ، ونؤتي الزكاة ، ونصوم رمضان ، وأن نحج البيت إن استطعنا إليه سبيلا ، فقال عليه الصلاة والسلام : وما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية ، قلنا : الشكر عند الرخاء ـ يعني إذا دخلت إلى البيت ، لك زوجة ، لك أولاد ، في البيت طعام ، في البيت بعض ما يريحك ، صحتك طيبة ، قل : يا رب لك الحمد ، يا رب لك الشكر ، على هذه النعم ، لو فقد الإنسان بعض أجهزته ، لو تعطل بعض أجهزته ، لو ارتبك بعض أجهزته ، وخيِّر بين أن يدفع كل ما يملك وبين أن يعود هذا الجهاز إلى طبيعته لدفع كل ما يملك ـ الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء ـ الصبر نصف الإيمان ، الصبر كالرأس من الجسد الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ـ الصبر عند البلاء والرضا بمرِّ القضاء ، والصدق بمواطن اللقاء ، وترك الشماتة بالأعداء هذه الخمس التي كانوا عليها في الجاهلية ، فإن رأيت يا رسول الله أن نترك إحداها تركناها ، فقال عليه الصلاة والسلام : حكماء ، علماء كدتم من فقهكم أن تكونوا أنبياء ـ أعجبه هذا الكلام ـ فما كان منه إلا أن قال لهم : وأنا أزيدكم خمساً، خمسٌ أمنتم بها، وخمسٌ عملتم بها وخمسٌ تخلقتم بها، وأنا أزيدكم خمساً ، ستتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون ، فلا تجمعوا مالا تأكلون ، ولا تبنوا مالا تسكنون، ولا تنافسوا في شيءٍ أنتم عنه غداً زائلون ، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون ، وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون .
 فانصرفوا، وقد حفظوا وصيته عليه الصلاة والسلام ، وعملوا بها .
 ريحك الطيب ، ما غيرك ، أين مالك ، ما أفقرك ، ويلف بالكفن ويوضع بالنعش ، ويقول حينما يخرج من بيته ، وأولاده ، وأطفاله اليتامى يبكون من حوله : يا أهلي، يا ولدي ، يا أبنائي ، لا تلعبنَّ بكم الدنيا ، كما لعبت بي ، جمعت المال مما حلَّ ، وحرم ، فأنفقته في حلِّه وفي غير حله ، فالهناء لكم ، والتبعة عليّ .
 أيها الإخوة الأكارم :

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته   يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حمــلت إلى القبور جنازة فاعلـم بأنـك بعدها محمول

 حاسبوا أنفسكم قبل تحاسبوا .
 من حاسب نفسه حساباً عسيرا ، كان حسابه يوم القيامة يسيرا ، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة حساباً عسيراً .
 وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه ، وعمل إلى ما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

حليب الأم :

 أيها الإخوة الكرام ؛ في العالم وفي معظم الدول الأجنبية شركات كبرى تصنع الحليب وتجهزه على شكل حليب جاف ، والذي يطلع على هذه المعامل يرى فيها العجب العجاب ، ولكن هذه المعامل كلها أُلزمت حديثاً أن تضع على كل إعلان لبضاعتها في أي مكان ، وعن طريق أية وسيلة العبارة التالية :
 لا شيء يفوق حليب الأم في تغذية الطفل وحمايته من الأمراض .
 قلت سبحان الله إن التجهيزات والخبرات التي بُذلت من أجل تصنيع هذا الحليب فوق حد التصور ، ومع ذلك لم يستطع الإنسان حتى الآن أن يرفع مستوى تجهيزه للحليب كمستوى حليب الأم . لابد في كل إعلان من أن يُكتب في ذيله حليب الأم لا شيء يفوقه ، وهو أجدى وأنفع للطفل من أي حليب آخر .
 وقعت على مقالة في موضوع حليب الأم ، فقرأت فيها أن في حليب الأم مواد نوعية يصعب تصورها ، كما يصعب تقليدها ، وأن الهوة واسعة جداً بين الإرضاع الوالدي ، والإرضاع الصناعي ، وإن الإرضاع الوالدي آمن طرق التغذية للأطفال ، لأن في حليب الأم مواد مضادة للالتهابات المعوية والتنفسية ، الالتهاب الأمعاء المزمن ، والتهاب القصبات أكثره بسبب الإرضاع الصناعي .
 وفي حليب الأم مواد تمنع التصاق الجراثيم بمخاطية الأمعاء .
 وفي حليب الأم مواد حالة للجراثيم ، وفي حليب الأم كريات بيض مزودة بمضادات حيوية ، تقي أمراض الكلية ، والزحار ، والشلل والكزاز . أي أن مناعة الأم كلها في حليب الأم .
 في حليب الأم مواد حامضية تقتل الجراثيم في الأمعاء .
 أحصيت نسبة الوفيات عند الأطفال ، فكانت نسبة الوفيات في الأطفال الذين يرضعون إرضاعاً صناعياً ثلاثة أمثال عن نسبتها في الإرضاع الطبيعي .
 وقد اكتشف العلماء أن الآفات التي تظهر في الإنسان في وقت مبكر في حياته كتصلب الشرايين ، والآفات القلبية ، ومرض السكري ، والبدانة بسبب الإرضاع الصناعي ، وإن الإرضاع الوالدي يقي من سرطان الثدي عند الأم ، ويقي من الموت المفاجئ .
 وإن حليب الأم جاهز في أعلى درجات الجاهزية ، جاهز بالحرارة المطلوبة ، فهو بارد صيفاً ، ساخن شتاءً ، جاهز بالتعقيم ، فهو خال من الجراثيم ، لا يحتاج إلى غلي مسبق ، ثم إلى تبريد ، يقي من سوء التغذية ، يقي من الأمراض المعدية ، سهل الهضم ، يهضم في ثلث الوقت الذي يستغرقه حليب الإرضاع الصناعي .
 سهل التحضير ، كيف يُحضر ؟ يُحضر بطريقة واحدة ، أن تضع الأم ابنها على ثديها .
 سهل التحضير ليلاً ، وفي السفر ، يقي الأم الأورام الخبيثة ، الفطام السريع يحدث رضاً نفسياً ، وانحرافات سلوكية. فالله سبحانه وتعالى نبهنا إلى أن الإرضاع يُستحسن أن يكون حولين كاملين ، لئلا يحدث رضٌّ عاطفي ، ورضٌّ نفسي ، وانحرافات سلوكية .
 قال تعالى :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

[ سورة البلد الآيات : 8-10]

 قال بعض المفسرين النجدان هما النهدان ثديا أمه ، هذه هدية الله عز وجل .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك اللهم هب لنا علاً صالحاً يقربنا إليك .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018