الترغيب والترهيب - الدرس : 020 - كتاب العلم - الترغيب في الرحلة في طلب العلم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 020 - كتاب العلم - الترغيب في الرحلة في طلب العلم


1997-04-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

من أعظم النشاطات وأقدس المهمات للإنسان أن يطلب العلم:

 لا زلنا أيها الأخوة في كتاب العلم، وفي الترغيب في طلب العلم، وبيان فضله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

(( ما من رجل سلك طريقا يطلب فيه علماً إلا سهل الله له به طريق الجنة ))

 

[ مسلم عن أبي هريرة]

 هذا الحديث يحتاج إلى شرح، الإنسان له نشاطات كثيرة في حياته الدنيا، قال تعالى:

 

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

 

( سورة الليل )

 الإنسان له حركة في الحياة، طبعاً هناك دوافع، هناك دوافع إلى الطعام والشراب، دوافع إلى الطرف الآخر، دوافع إلى تأكيد الذات، هذه الدوافع التي في داخل الإنسان تدفعه إلى الحركة، الإنسان حركي، وليس سكونياً، حركته سببها الدوافع التي في داخله، تدفعه إلى أن يأكل، وإلى أن يشرب، وإلى أن يتزوج، وإلى أن يؤكد ذاته، فبسبب الدوافع الإنسان له حركة، هذه الحركة من أجل هذه الحركات، من أعظم النشاطات، من أقدس المهمات أن يطلب العلم، أن يخرج من بيته لطلب العلم، العلم بالله، العلم بحقيقة العلم، العلم بحقيقة الحياة الدنيا، العلم بحقيقة الإنسان، العلم بالشيء الذي ينفعه بالدنيا والآخرة، العلم بالكليات، بالجزئيات ميسر، كل إنسان عنده حرفة، عنده اختصاص، يحمل شهادة، هذا طبيب، هذا صيدلي، هذا مهندس، هذا مدرس، هذا العلم الذي تعلمه ليكسب قوته هذا نوع من الحرف، أما العلم الذي يعرفه بحقيقة الكون، بحقيقة الإنسان، هذا هو العلم الحقيقي .

 

طاعة الرحمن أهم شيء في الدين بعد الإيمان:

 

(( ما من رجل سلك طريقاً يطلب فيه علماً ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 خرج من بيته، بحث عن خطبة جمعة ليستفيد منها، هناك أناس كثيرون يريد أن يؤدي الفريضة، ولو في الركعة الثانية من صلاة الجمعة، وانتهى الأمر، ولا يعنيه أن يستفيد من هذه الصلاة شيئاً، لو إنسان بحث عن مسجد لينتفع من خطبته، بحث عن مجلس علم لينتفع مما يلقى فيه من علم، بحث عن إنسان يعينه على معرفة دينه، بحث عن عمل صالح، البحث عن علم يعرفك بذاتك، هذه:

 

(( ما من رجل سلك طريقاً يطلب فيه علماً ))

 فكيف إذا طريق ينتهي به إلى الجنة ؟ الذي يحصل أنت في هذا الدرس عرفت أن الإنسان مخير، بهذا الدرس عرفت أن الإنسان مكلف، بهذا الدرس عرفت أن الإنسان عليه أن يعبد الله، بهذا الدرس عرفت أن أهم شيء في الإيمان، أهم شيء في الدين بعد الإيمان طاعة الرحمن، فكلما عرفت حقيقة، وقنعت بها، وتعمقت في نفسك، انقلبت إلى عمل، بعد حين دون أن تشعر، دون أن تدري، السلوك انضبط، النوايا سمت، الأعمال الصالحة بدأت، هذا الذي تفعله من استقامة، وعمل صالح، وذكر، وقرب من الله، هذا الذي تفعله ينتهي بك إلى الجنة .

 

 

الموت يأتي فجأةً والقبر صندوق العمل:

 تصور إنساناً خرج من بيته ليتعلم، تصور طريقاً مستمراً، أوله في بيتك وآخره في الجنة، الإنسان يأتيه الأجل، وهذا الأجل لا مرد له من الله .
 البارحة كنت في تعزية، صديق لي، وبيننا علاقة طيبة جداً قديمة وحميمة، جالس في مكتبه في وزارة، فجأة انحنى رأسه وسلّم الروح إلى الله عز وجل، هو في الخمسينات، الموت شيء مخيف، أن الإنسان يغادر الدنيا فجأةً، يا ترى أنهى حساباته ؟ أنهى الذمم ؟ هل هو مستعد لهذه الساعة ؟ الموت يأتي فجأةً، والقبر صندوق العمل .
 ذكرت مرة طرفة: أن شركة طيران ـ سأتصور لهذه الشركة خصائص نادرة جداً ـ عرضت عليك أنك إذا اشتريت بطاقة طائرة فيها، لن تستطيع أن تسترجع الثمن إن لم تسافر، لو أنك لم تسافر لخطأ ما لن تستطيع أن تسترجع ثمن البطاقة، والبطاقة إلى أمريكا، ثمنها مئتا ألف، وهذا الشركة هي التي تأخذك من بيتك، ولا يقف سائق السيارة إلا دقيقة واحدة، المواعيد من الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساء، تصور هذه الشركة ! المبلغ مئتا ألف، وأنت إنسان بحاجة إلى هذا المبلغ، وإن تخلفت عن الرحلة لن تسترد هذا المبلغ، هم يأخذونك من البيت، هم لا ينتظرون إلا ثانية، ولا دقيقة واحدة، والموعد من الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساء، شيء بديهي جداً أن تقف وراء الباب الساعة الثامنة صباحاً، وبيدك حقائبك .
 هذا معنى الآية الكريمة:

 

 

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾

 

( سورة آل عمران )

 ما دام الموت لا نعرف متى يأتي، من هذه اللحظة، وفي أي وقت آخر يأتينا ملك الموت، والإله العظيم يأمرنا أو ينهانا عن أن يأتينا الموت إلا ونحن مسلمون، إذاً يجب أن تكون مستعداً في عباداتك، في معاملاتك، في ذممك، في علاقاتك، لملاقاة الله عز وجل، فالإنسان إذا حضر مجلس علم، تعلم تفسير كلام الله عز وجل، عرف سنة رسول الله، كلما عرف شيئاً، وتعمق في فهمه، وقنع به، وتبناه، من دون أن يدري انقلب هذا الشيء إلى عمل .

 

الانضباط يفضي بالإنسان إلى العمل الصالح و منه إلى القرب من الله عز وجل:

 الملاحظ أن الإنسان يساق إلى مجلس علم دون أن يشعر، يسمع كلاماً، يسمع توجيهات، تعليقات، أحكاماً، طموحات، أهدافاً، لو أنه راقب نفسه، والأصح لو أن غيره راقبه، لرأى أن هناك أمور قد تركها، و كلمات لم يعد ينطق بها، ونظرات غضّ بصره عنها، ودخل تركه، دون أن يشعر، انضبط، بعد الانضباط هناك عمل صالح، بعد العمل الصالح هناك قرب من الله، دون أن يدري سلك طريقاً ينتهي به إلى الجنة .
 من أخطر الأعمال أن ترتدي ثيابك، وأن تخرج من بيتك لتعرف الحقيقة، أقدس عمل، أجلّ عمل، قد تنشئ أكبر جسر في العالم .
 ذكرت لكم في اسطنبول جسر بين قارة أوربا وآسيا، أحد أضخم الجسور في العالم، جسر عملاق، والذي أنشأه أحد عدة مهندسين في العالم، محمول على حبال، وهو عال جداً، وأربع حارات، حارتان للمشاة، ارتفاعه خمسة و ستون متراً، وتمر تحته أكبر باخرة، وكل حباله فولاذية معلقة، ومع ذلك هذا الذي صممه، وأشرف على تنفيذه، يوم الافتتاح ألقى بنفسه من الجسر إلى البحر فنزل ميتاً، ذهبوا إلى الفندق فإذا به قد كتب رسالة قال فيها: لقد ذقت الحياة كلها، فلم أجد لها طعماً، أردت أن أذوق طعم الموت، هذا لم يسلك طريقاً يلتمس فيه علماً، لم يعرف سرّ وجوده، لم يعرف أن عليه رسالة ينبغي أن يؤديها، لم يعرف قيمة الحياة الدنيا التي هي مزرعة الآخرة، لم يعرف أن هذه الحياة حياة دنيا، وهي إعداد لحياة عليا، لم يعرف الله عز وجل، ذاق كل شيء أكل، وشرب، والتقى بنساء، وعلا في الأرض، وتألق، ولكنه لم يجد للحياة طعماً فأراد أن يذوق طعم الموت .

 

 

على الإنسان أن يعرف الغاية من وجوده:

 فيا أيها الأخوة الكرام، احرصوا على طلب العلم، احرصوا على معرفة الحقيقة، احرصوا على معرفة سرّ وجودكم، احرصوا على معرفة كتاب الله، وسنة رسول الله، احرصوا على معرفة غاية وجود الإنسان، هذا إذا الإنسان :

 

 

(( سلك طريقاً يطلب فيه علماً ))

 

[مسلم عن أبي هريرة]

 هذا الطريق أوله من بيتك، وآخره في الجنة، ما عليك إلا أن تسلك هذا الطريق؛ طريق العلم، انعكس هذا على بيتك، أنت اسأل زوجة أحد أخواننا الكرام، اسأل الزوجة كيف حال زوجك قبل أن يعرف الله ؟ لأجابتك بأنه لا يحتمل، فظاظة، قسوة بالغة، انحراف، كلام لا يليق به، كسب للمال عشوائي، إنفاق للمال عشوائي، علاقات لا ترضي الله عز وجل، اسأل هذه الزوجة كيف حال زوجك بعد أن عرف الله ؟ لأجابتك: صار ملكاً، انضبط، أصبح هناك قيم و مبادئ تحكمه، و يسعى إلى هدف مقدس .
 الذي يلفت النظر أيها الأخوة أن المؤمن شاب، بالتسعين شاب، هدفه كبير، غير المؤمن جالس في المقهى يلعب النرد، حتى ساعة متأخرة من الليل، جالس يتابع الأشياء الساقطة على الشاشة، حياة الإنسان تافهة جداً من دون معرفة لله عز وجل .
 الحياة من دون دين لا تعاش، من دون هدف سامٍ لا تعاش، من دون مبادئ لا تعاش، من دون قيم لا تعاش، من دون كتاب لا تقرأه وتتفاعل معه لا تعاش، من دون قدوة عظيمة تتبعها كالنبي الكريم لا تعاش .

 

الدين أصل في الحياة الدنيا:

 أهل الدنيا إن تركوا الدين كل شيء يمُل في الحياة، يدخل إنسان فقير لبيت غني، يتصور أن الغني غارق في السعادة، وقد يكون بيت الفقير هو المليء بالسعادة .
 حدثني أخ قبل يومين وهو عندي صادق، دخل على رجل، له حجم مالي لو دفع زكاة ماله لكفى نصف أهل الشام، زكاة ماله فقط، بمئات، لا أقول مئة واحدة بل مئات الملايين، لا من الليرات بل من الدولارات، ومع ذلك شكا له همه، ضيق، سقم، ضجر، ملل، لا يدري ماذا يفعل، في بيته غير مرتاح، في عمله غير مرتاح، ذكر أشياء غير معقول أبداً، قال هذا الأخ الكريم: في الوقت نفسه، في اليوم نفسه، جاءت إلى محله امرأة فقيرة، تطلب منه مساعدة ألف ليرة بالشهر، قال لها: من أين أنت يا أختي ؟ قالت: أنا من داريا، لي زوج، ولي أولاد، وزوجي يكسب رزقاً حلالاً، ورزقه يكفي مصروفنا، نحن بحاجة إلى أجرة البيت، فأخذ عنوان البيت، كان عنده اجتماع بداريا لجمعية خيرية فحضر هذا الاجتماع وأعطاهم الاسم، وطلب إليهم أن يدفعوا لها ألف ليرة كل أسبوع، قال: نحن لا بد من التحقيق، فذهبوا إلى التحقيق وكان معهم هذا الأخ الكريم، يصف لي هذا البيت، البيت غرفة ثلاثة أمتار ونصف بثلاثة أمتار ونصف، ملحق بها مكان اسمه تحت الدرج بلا باب، وهناك موقد و طاولة، وبعض الحاجات، هذا هو البيت، والزوج كان مريضاً مضجعاً في سريره، و في البيت أربعة أولاد، الذي لفت نظره الأدب الجم في هذه الأسرة، كيف حالكم يا أختي ؟ قالت: الحمد لله ؟ نحن سعداء جداً، نحن مقصرون في شكر الله،  شيء غير معقول، قبل ساعات كان مع رجل زكاة ماله تحل مشكلات نصف فقراء دمشق، وهذه امرأة تسكن في غرفة واحدة، ومطبخها تحت الدرج، وتملك حاجات خشنة جداً، فطلب من اللجنة أن تعطيها ألفي ليرة في الشهر، قالت: لا، نريد ألفاً، أعطوا الألف الآخر لغيرنا، لعله أكثر استحقاقاً .
 عمل موازنة، معقول أسرة بغرفة واحدة، شاكرة، حامدة، سعيدة، لكن ينقصها ألف ليرة، أعطوها ألفاً ثانية لم تقبل ؟!

 

 

الإنسان لا يحيا و لا يرقى إلا بالعلم:

 أخواننا الكرام، الإنسان بالعلم يحيا، بالعلم يرقى، بالعلم يسمو عمله، بالعلم يعرف حقيقة وجوده، بالعلم يصبح إنساناً راقياً جداً، هذا الحديث دقيق جداً:

 

 

(( ما من رجل سلك طريقاً يطلب فيه علماً إلا سهل الله له به طريق الجنة ))

 أنا أحياناً والله أخجل من بعض الأخوان، يأتون من مكان بعيد، من أطراف المدينة، من خارج دمشق، ليحضروا صلاة الفجر .
 واحد من الصحابة الكرام يسكن في مكان بعيد، فتاقت نفسه أن يسكن إلى جانب المسجد النبوي، فعرض على النبي رأيه، أنه أنا سأبيع هذا البيت، وسأشتري بيتاً إلى جانب المسجد ؟ عليه الصلاة والسلام بَشَّر كل هؤلاء الذين يأتون من مكان بعيد قال: " مكانكم تكتب آثاركم ".
 ابقَ في مكانك و لك أجر مضاعف حينما تأتي تلتمس بهذا المجيء علماً .

 

 

على الإنسان أن يلتمس العلم بالله والعلم بأمر الله والعلم الذي ينفعه في الدنيا والآخرة:

 

 أيها الأخوة:

(( ما من رجل سلك طريقا يطلب فيه علماً إلا سهل الله له به طريق الجنة ))

 لكن ما كل علم يلتمس، النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن أذن لا تسمع، ما كل علم يلتمس، التمس العلم بالله، والتمس العلم بأمر الله، والتمس علماً ينفعك في دنياك وفي آخرتك، والتمس علماً يعرفك بالله، المقصود العلم النافع بالدين، حتى في الدين هناك علوم في الهامش، بعيدة جداً غير عملية، العمر محدود، يجب أن تضع يدك على أصل الدين، وعلى جوهر الدين، وعلى الأصول قبل الفروع، وعلى الأشياء العملية قبل النظرية .
 الحديث الآخر قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو عمل ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ))

 

[أخرجه مسلم وابن خزيمة عن أبي هريرة ]

 ولعلنا غداً إن شاء الله نقف عند الحديث وقفة متأنية إن شاء الله .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018