الخطبة : 0355 - آيات من سورة البقرة5 ، الطاعة والهدى والاستقامة - الطيور. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0355 - آيات من سورة البقرة5 ، الطاعة والهدى والاستقامة - الطيور.


1991-07-26

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

جوهر الدين طاعة الله عز وجل :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ انطلاقًا من أنَّه لا شيءَ يعْلو على كلام الله عز وجل ، وأنَّ فهْم كلام الله عز وجل أعْظَمُ عملٍ يفعلُه الإنسان ، لأنَّه إذا فَهِمَهُ وعرفَ أبعادهُ ، وطبَّقَهُ سَعِدَ في الدنيا والآخرة ، في سورة البقرة أيها الأخوة آيةٌ ذات رقم مئة وواحدٌ وخمسون ، يقول الله عز وجل :

﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 151 ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ جوْهرُ الدِّين أن تُطيع الله عز وجل ، النّشاط الذي ينبغي أن يستحوذ عليك هو طاعة الله عز وجل ، لقول الله عز وجل :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب : 71]

 لنْ تستطيع أن تقطف ثِمار الدِّين إلا بالتِزامِكَ بالأمْر والنّهي ، لن تستطيعَ أن تسْعَدَ بهذا الدِّين ، لن تستطيع أن تشعرَ أنّك من الفائزين ، ومن الفالحين ، ومن المتفوِّقين ، ومن المُوَفَّقين إلا إذا أطعْتَ الله عز وجل ، قد يسألُ سائلٌ : كيف يعصي الإنسان ربّه ؟ متى ؟ ولِمَ ؟ وكيف ؟ وقد يُجيبُ مُجيبٌ : الطاعة أيّها الأخوة إذا عزَلْتها عن نتائِجِها رأيْتَها ثقيلةً عليك، والمعصيَة إذا عزَلتها عن عِقابها رأيْتَها محبّبةً لك ، أما إذا نظرْت إلى الطاعة ، وربطتها بنتائجِها ، و نظرْت إلى المعصِيَة وربطتها بِنَتائجها ، فسوف تبادر إلى أمْر الله طائعًا ، و تبتعد عن نهْيِهِ مُختارًا .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا تأمَّل الإنسان كلام الله عز وجل ، إذا تأمَّل وعْدَهُ ووعيدهُ ، إذا تأمَّل الآيات التي يعدُ الله بها المؤمنين في الدنيا والآخرة ، وإذا تأمّل الآيات التي يوعِدُ الله بها الكافرين في الدنيا والآخرة ، إذا ربطَ الطاعة بِنَتائِجِها ، والمعصيَة بِنَتائِجِها سهُلَ عليه الطاعة ، وابْتَعَدَ عن المعصِيَة بُعْد الأرض عن السماء ، هذه نقطة ؛ إذا أُمِرْتَ بالصّلاة فانْظُر إلى نتائجِها ، إذا أُمرْتَ بِغَضِّ البصَر فانْظُر إلى نتائِجِه ، إذا أُمرْتَ بالاستقامة فانظر إلى نتائجها ، وإذا نُهيتَ عن معْصِيةٍ فانْظُر إلى الهلاك الذي ينتظرُ صاحبها ، هذه نقطةٌ أولى في الموضوع .

 

من تمام النّعمة أن يكون عملك وفْقًا لِمُقتضيات الإيمان :

 والنقطة الثانيَة أيها الأخوة المؤمنون ؛ في الهُدى شيئان ؛ أن تؤمِن وأن تفْعَلَ ما يقتضِيهِ الإيمان ، أما أن تؤْمِن فهذه نِعمةٌ ناقصة ، أما أن يكون عملك وفْقَ مقتضيات الإيمان فهذا من تمام النِّعْمة ، لذلك ربّنا عز وجل يقول :

﴿ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 150]

 تمام النّعمة أن يكون عملك وفْقًا لِمُقتضيات الإيمان ، إذا آمنْتَ من دون أن توقِعَ عملك وفْق الإيمان فهذه نعمةٌ ناقصة ، بل ربّما كانت هذه النِّعمةُ نَعْمةً ، بل ربّما كانت هذه النِّعْمةُ حَسْرةً يوم القيامة .

 

الله عز وجل لا يكلّف الإنسان إلا ما في وُسْعِهِ :

 النّقطة الثالثة في موضوع الاستقامة أيّها الأخوة ، قد يقول قائلٌ : هذا الأمْرُ فوقَ طاقتي ! يجبُ أن تعلمَ أيّها الأخُ الكريم أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُكَلِّفُ نفسًا إلا وُسْعَها ، فَبِمُجَرَّد أنّ الله كلّفك بهذا فهو في وُسْعِك وهو العليم الخبير ، والوُسْع لا تأخذُه من المُكلّف ، يجبُ أن تأخُذهُ من المُكَلِّف ، المُكلِّفُ هو الذي يُقدِّرُ الوُسْعَ تمامًا ، فلو توهَّم الإنسان أنّ غضَّ البصَرَ فوق طاقته ، وأنّ تحرِّي الحلال فوق طاقته ، لقد وقَعَ في وَهْمٍ كبير ؛ لأنّ الوُسْعَ لا تُحَدِّدُهُ أنت بل يُحَدِّدُه خالقك ، لأنّ الله عز وجل لا يكلّف الإنسان إلا ما في وُسْعِهِ ، وإذا كان هناك مَشَقَّة فالله سبحانه وتعالى هو الذي أمرنا بِقَصْر الصلاة في السّفر ، هو الذي أمرنا بالإفطار في السّفر ، هو الذي خفَّف عنّا حينما يعلمُ أنّ في تطبيق أمْرهِ مَشَقَّة ، إذًا الوُسْعُ لا ينبغي أن تستنبطَهُ من كلام المُكَلَّف ، بل يجبُ أن تستنبطَهُ من كلام المُكَلِّف ، فإذا ربطْت الطاعة بِنَتائِجِها ، والمعصيَة بِنَتائِجها ، وإذا أيْقَنْتَ أنّ تمام النِّعمة أن تفعَلَ وفْق مقتضيات الهدى ، وإذا أيْقنْتَ أنّ كلّ ما أمر الله عز وجل في وُسْعِ الإنسان ، إذا كنت كذلك سَهُلَت الطاعة ، وصَعُب عليك أن تعْصِيَ الله عز وجل :

تعصي الإله وأنت تظهر حبّه  ذاك لعمري في المقال بديعُ
لو كان حُبُّكَ صادقًا لأطَـعْتَهُ  إنّ المُحِبّ لِمَن يحبّ يُطيــع
***

النبي الكريم مِنْ جِنْس البشَر وهو عربي نشأ في قريش :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ تعلَّموا ما شئْتُم ، اقرؤوا ما شئْتُم ، تفقّهوا ما شئْتم ، إن لم تنقلب هذه الحقائق إلى أعمال ، وإلى الْتِزام ، وإلى سُلوك ، فإنَّها حجَّةٌ علينا ، وليْسَت حجّةً لنا. الآية الكريمة قوله تعالى :

﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 151]

 هذه مِنْ تُبيِّن أنّ النبي عليه الصلاة والسلام مِنْ جِنْس البشَر ، وثانيًا أُرْسِلَ في الأمّة العربيّة وهو عربيّ ، وثالثًا نشأ في قريش ، وهم يعرفون صِدْقهُ ، وأمانتهُ ، وعفافهُ ، ونسَبَهُ، رسولٌ منكم ؛ من بني جلدتكم ، من قومكم ، من بيئتِكم ، نشأ بين ظهرانيكم ، تعرفون صِدقهُ ، وأمانتهُ ، وعِفَّتَهُ ، ونسَبَهُ ، ويمكن أن نسْتنبطُ أنّ الذي يدعو إلى الله عز وجل لو كان في كلامه كذِبٌ ، أو كان في استقامتهِ خَلَلٌ ، أو كان في سُمعتهِ تَجريحٌ ، أو كان في أمانتِهِ ضعفٌ ، كلّ الكلام الذي ينطقُ به مهدورٌ في الأرض ، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

 لنْ تستطيعَ أن تتكلّم بالحقّ إذا كان هناك شُكوك في سُلوكك ، إذا كان هناك شُكوك في اسْتِقامتك ، لأنّ الله عز وجل جَعَلَ هذا النبي الأميّ ينشأُ بين قريش ، يعرفون أمانتهُ، وعفافهُ ، واستقامتهُ ، وصِدقهُ ، ونسَبَهُ ، كما أرسلنا فيكم رسولاً رحمةً من عندنا ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنما أنا رحمة مهداة ))

[الحاكم عن أبي هريرة ]

 ما مهمّة هذا الرسول الكريم ؟ يتلو عليكم آيات الله الدالة على عظمته ، كيف نعرفُ الله ؟ إلا من خِلال الكون ، الكون كلّهُ مَظْهرٌ لأسماء الله الحُسنى ، وصفاته الفضلى ، الكون كلُّهُ تَجسيدٌ لكمالات الله عز وجل ، فكلّما جالَ فِكركَ في مظاهر الكون ازْدَدْتَ معرفةً بالله عز وجل ، ويمكن أن نقول : إنّ التفكُّر في آيات الله التي بثَّها في السموات والأرض أقصَرُ طريقٍ إلى الله ، وأوْسَعُ باب تدخلُ منه إلى الله عز وجل .

 

التزكية أساس الدين :

 قال تعالى :

﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 151 ]

 هنا ، التزكيَةُ أساس الدِّين ، التَّزكِيَةُ في اللُّغَة : التطهير ، والنماء ، ففي مَعْنى التَّزْكِيَةِ أيّها الأخوة تَطهيرٌ ونماء ، وعلى حدِّ تعريفِ بعضهم تَخْلِيَةٌ وَتَحْلِيَةٌ ، التَّطْهير من الدَّنَس، والدَّنَس حركة الإنسان في غفلةٍ عن الله عز وجل ، إذا تحرَّك الإنسان وفْق مقتضيات الشّهوة ، من دون هُدًى من الله عز وجل ، إذا غفلَ عن منهج الله ، وتحرَّك في الدّنيا لا بدّ من أن يدْنُسَ ، ولا بدّ من أن يرتَكِبَ الخطايا والموبقات ، فالتَّطهيرُ هنا هو التطهير من كلِّ دَنَسٍ سَبَّبَتْهُ الغفلة عن الله ، وعن منهجه ، وسبَّبتْهُ الحركة في الأرض بِدافِع الشّهوات ، فكلّ مؤمنٍ مِن لوازِمِ إيمانه ، ومن لوازم دعوة النبي عليه الصلاة والسلام تَزْكِيَةُ المؤمنين ، فالكذب والنميمة والغيبة والانحراف والكِبْر والاسْتِعلاء وغصْبُ الأموال ، هذه كلّها دَنَسٌ ، بِسَبب غفلةٍ عن منهج الله ، والغفلة عن منهج الله بِسَبب جهلٍ بِحقيقة مقام الألوهيّة ، ومقام العبوديّة لهذه الألوهيّة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ التّزكيَة مِن معانيها التّطهير ، والتزكيَة مِن معانيها النَّماء والزيادة ، فأنت بين فِطرةٍ وبين صِبْغة ، بين فطرةٍ فُطِرْت عليها كنقاء الثّلْج ، وبين صِبْغةٍ تصْطبغُ بها فيها مَظْهرٌ لِكلّ الكمالات البشريّة ، قال تعالى :

﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ ﴾

[ سورة البقرة: 151 ]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ خطَّان أساسيان ينبغي أن تسير فيهما معًا ، الخطّ الأوّل: خطّ معرفة الله عز وجل ، والخطّ الثاني : خطّ معرفة أمْرِهِ ، إنَّك إن عرفْتَهُ بحثْتَ عن أمْرِهِ ، إنْ عرفْتَهُ تريد أن تتقرَّب إليه ، وكيف تتقرَّبُ إليه إلا بِطَاعَتِهِ ؟ فإذا سِرْتَ في خطّ معرفة الله ، وفي خطّ معرفة أمْرهِ عرفْتَهُ وعبَدْتَهُ ، فإذا عرفْتَهُ وعبدْتَهُ حقَّقْتَ الهدف الذي من أجله خُلقْت .

 

السنّة النبويّة تَبْيانٌ وتَفْصيلٌ لما جاء في القرآن الكريم :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ قال تعالى :

﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

[ سورة البقرة: 151 ]

 وقد قال علماء التفسير : إنَّ كلمة الحِكمة إذا وردَت مع الكتاب فإنّما تعني السنّة النبويّة المطهَّرة ، والكتاب إذا أُطلقَ انْصرفَ إلى القرآن الكريم ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يتْلو عليكم آياته الدالة على عظمته ، ويتْلو عليكم الكتاب ، والحكمة منه ، أيْ السنّة النبويّة المطهّرة ، وهي في حقيقتها تَبْيانٌ وتَفْصيلٌ لما جاء في القرآن الكريم .
 يا أيها الأخ الكريم ؛ هذه مهمّة النبي ، ومهمّة كلّ داعِيَةٍ يدعو إلى الله ورسوله نيابةً عن النبي صلى الله عليه وسلّم ، قال تعالى :

﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108 ]

 الدعوة إلى الله ينبغي أن تتركَّزَ في أمورٍ أساسيّة ، تعرف الناس بالله من خلال الكون ، وتزكِيَة النّفْس الإنسانيّة من خلال تطهيرها من كلّ دنسٍ سبَّبَتْهُ الغفلة عن الله ، وعن منهجه ، وتزكيَة النّفْس بكلّ كمالٍ بشريّ أُعِدَّتْ له لِيَكون هذا الكمال البشريّ زادًا للنّفْس في الآخرة لِتَسْعَدَ به إلى أبد الآبدين ، قال تعالى :

﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 151 ]

أميّة النبي كمال فيه :

 نحن أمَّة أُمِّيَّة كما قال عليه الصلاة والسلام ، لو أنّ هذه الدَّعْوَة النبويّة ظهَرَت في مجتمعٍ ذي حضكمالارةٍ عريقة لقال الناس : إنَّها هبَّةٌ حضاريّة ، لو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام تلقّى من ثقافة عصره ما تلقّى لقالوا : إنَّه عبقريّ اسْتَوْعَبَ ثقافة عصْرهِ ، وقفزَ في المستقبل ، وجاء بِفِكْرٍ دالٍّ على عبقريّته ، ولكنّ حِكمة الله عز وجل شاءَتْ أن يكون النبي أُمِّيًا، والأمِّيَةُ في النبي عليه الصلاة والسلام كمالٌ له بينما الأميّة في غير النبي نقص فيه ، الأميّة في النبي دليل على أنّ كلّ ما قالهُ لم يقُلْهُ عن الهوى ، وهذا مِصداقُ قول الله عز وجل :

﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4]

 ولكنّ كلام البشَر لابدّ من أن يُمازِجَهُ الهوى ، أكثرُ النظريّات ، وأكثرُ الدّعوات أساسها الشهوات ، وأساسها المصالح ، وأساسها الأهواء ، فدعوات الأرض تنطلق من الهوى، ودَعْوةُ السماء مبرّأةٌ عن الهوى ، لذلك الوصْفُ الجامعُ الشامل الذي وُصِفَتْ به دَعوة النبي بأنّه لا ينطقُ عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه الرّسالة السّمحاء ، هذه الرّسالة التي جعلها الله خاتمة الرّسالات كلّها ، انْطَلَقَت من الصّحراء ، انْطلقَت من مجتمعٍ بعيدٍ كلّ البُعْد عن مقتضيات الحضارة ، انْطلقَتْ من رَجُلٍ عُرِفَ بالأمانة والاستقامة ، والصِّدْق والمروءة ، والنَّسَب والعفاف ، ولمْ يُعْهَد منه اتِّصالٌ ثقافي ، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 151 ]

 هذه الدَّعْوَةُ خالصةٌ من قِبَل الله عز وجل .

 

السعي لهداية الخلق و تعريفهم بربهم :

 شيءٌ آخر ، أتيْنا إلى بيت القصيد ، قال تعالى :

﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي ﴾

[ سورة البقرة: 151 -152]

 يخاطِبُ الله عز وجل المؤمنين ، يقول : اُذْكروني ، اُذْكروا النِّعَمَ التي أنْعَمتها عليكم ، اُذْكروا نعمة الإيجاد ، اُذْكروا نعمة الإمداد ، اُذْكروا نعمة الهدى والرَّشاد ، اُذكروني في أنفسكم ، اُذكروني في آلائي ، اُذكروني في نَعْمائي ، اُذْكروني في بلائي ، اُذْكروني للآخرين ، كما تفضَّلْتُ عليكم وأرسلتُ رسولاً منكم يتْلو عليكم آياتنا ، قال تعالى :

﴿ وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي ﴾

[ سورة البقرة: 151 -152]

 يا أيها الأخ الكريم ؛ إذا هُديتَ إلى الله ، وإذا عرفْت حِكمة وُجودك ، إذا عرفْتَ سِرَّ وُجودك ، إذا وضَعْتَ يدَك على المهمة التي من أجلها جئْت إلى الدنيا ، إذا رأيْتَ طريق الحقّ واضحًا ، فلماذا تبْخَلُ به على الآخرين ؟ الله عز وجل يأْمُرُكَ أن تذْكُرهُ كما ذكرك ، يأمرك أن تسْعى لِهِداية الخلْق كما هُدِيتَ إلى الحقّ ، يأْمُرك أن تتَّخِذَ منهج النبي صلى الله عليه وسلّم في الدّعوة إلى الله منْهجًا مُصَغَّرًا ، وطريقًا واضحًا ، وأسلوبًا حكيمًا في تعريف الناس بالله ، اُذكروني في أنفسكم ، اُذكروني في آلائي ، اُذكروني في نَعْمائي ، اُذْكروني في بلائي ، اُذْكروني لغيركم ، عرِّفوهم بأسماء الله الحسنى ، عرِّفوهم بكتابي ، عرّفوهم بِسُنّة النبي عليه الصلاة والسلام .

 

وجوب ارتباط ذكر الله بشكره :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول الله عز وجل في الحديث القدسي :

(( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ .....))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 ما معنى فاذكروني أذْكُرْكُم ؟ ذِكْرُ الله عز وجل أُنْسٌ للقلب ، أي يأتي على المؤمن ساعة يقول : أنا أسْعَدُ من في الأرض إلا أن يكون من هو أسْعَدُ مِنِّي أتقى منِّي ، لأنّ الله عز وجل إذا تجلّى على قلب المؤمن ملأهُ سعادةً ويقينًا ، فاذكروني أذْكُرْكُم من حيثُ أنّني أُؤنِسُ وحْشَتَكُم ، أُؤنِسُ غربتَكُم ، أؤنِسُ ضياعكم ، وهناك شيءٌ آخر أنَّ ذِكْرُ الله عز وجل يلقي في قلب العبد الأمَل ، ولا شيءَ يُشقي الإنسان كأنْ يهْتزّ أملهُ ، وكأن يعيشَ بلا هدف ، قال تعالى :

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾

[ سورة البقرة: 152]

 لا يكفي أن تذكرَ الله عز وجل ، لابدّ مِن أن تشكُرهُ ، لماذا ؟ لأنّ هذا الكون سخَّرهُ الله تسخير تعريف وتكريم ، فتَسْخيرُ التعريف يقتضي أن تعرفهُ ، وتسخير التكريم يقتضي أن تشكرهُ ، فقد تعرفُ النِّعمة بعقلك ، ولكن لا تقف الموقف اللائق من خالقك ، فأيَّة نِعمةٍ إذا ذكرتَ الله تعالى صاحِبَ النِّعمة ، سيَّجْتَ هذه النِّعمة بِسِياجٍ من خالقك ، عندئذٍ لا تزول ، قال تعالى :

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾

[ سورة إبراهيم : 7]

 إذا سيَّجْتَ النِّعْمة بالشُّكْر كانت هذه النِّعْمةُ في حِصْنٍ حصين ، أما إذا نسيتَ المُنْعِم ، واسْتغرقْتَ في النِّعمة ، أما إذا نسَبْتَ هذه النِّعمة إلى غير الله عز وجل ، لذلك قالوا في الشّكر : إنّ أولى مراتبه أن تعلم أنّ هذه النِّعمة من الله تعالى ، مجرّد أن تعلمَ أنَّ النِّعمة من الله تعالى فهذا أحَدُ ألوان شُكرها ، والمرتبةُ الثانيَة أن يمتلئ قلبُك حمْدًا وامْتِنانًا وعِرْفانًا بالجَميل ، وهذه مرتبةٌ ثانية ، والمرتبة الثالثة أن تنطلقَ في خِدمة الخلق ليكون شكرك عمليًا ، لا كلامًا وأحوالاً .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قال تعالى :

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾

[ سورة البقرة: 152]

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))

[الطبراني عن أبي رافع ]

 كما هُديتَ اِسْعَ إلى هِداية الآخرين ، وكما تنوَّر قلبكَ بِذِكْر الله تعالى اِسْعَ إلى أن تذْكرَ الله في الآخرين ، كما عرفْت الله من خلال الكون عرِّف الآخرين بهذا الطريق ، كما اتَّصَلْت بالله عز وجل فشَعَرْتَ بِنَشْوَة الاتِّصال بيِّن هذه النَّشْوة لِمَن كان بعيدًا مَقطوعًا لعلّه ينجذبُ إلى طريق الإيمان .

 

من أراد تطبيق أمر الله فالصبر سلاحه :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ بقيَ في الفقرة آيةٌ واحدة ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 153]

 يجبُ أن تعلم أيُّها الأخ أنَّ التكاليف الإلهيّة مُكْلفةٌ بِمَعنى أنّ النفس تميلُ إلى أن تفعلَ شيئًا ، وتميلُ إلى أن تَدَع فِعْلَ شيءٍ بِحَسبِ جِبِلَّتها وطبيعتها ، أو ما يُسمِّيه المناطقة الطَّبْعُ البشري ، جاء التكليف يأمرك بما يتمنَّى طبْعك أن يبتعِدَ عنه ، وينهاك بما يتمنَّى طبْعُكَ أن يقتربَ منه ، فكان التكليفُ مكلفًا ، وهذا سببُ رقيّ الإنسان في الجنّة ، أنَّه آثرَ الله ومرضاته ورسوله على أهواء نفسه ، لذلك قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة البقرة: 153]

 يجبُ أن تعلم أنّ الله إذا قال لك : افْعَل ، فطبْعُكَ البشري يميلُ إلى ألا تفعل ، وإذا أمركَ ألا تفعل فطبْعُكَ البشريّ يميلُ إلى أن تفْعل ، فإذا أردْت أن تطبّق أمْر الله عز وجل فلابدّ مِن أن تتسلَّح بالصَّبْر ، قال تعالى :

﴿ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة البقرة: 153]

 ولكنّ هذا الصّبر له أمدٌ ربّما ينتهي عندهُ ، تأتي الصّلاة ، الصَّبْرُ سُلوكٌ سلبي أن تُحجِمَ عن إعلان الألَم والضَّجَر ، ترقُّبًا لما تنتظرُ من نتائج ، بينما الصّلاة تُلقي في قلب الإنسانِ سعادةً ينسى بها مشاقّ الأمْر ، ومشاقّ النَّهْي .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ قال تعالى :

﴿ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة البقرة: 153]

 ربّما لمْ تكن نفسك في المستوى الإلهي عندئذٍ اسْتَعِن بالصَّبْر ، فإذا وصلْت إلى مستوى من الرُّقيّ تنسَجِمُ نفسُكَ مع الطاعة ، عندئذٍ تكون الصلاة مِعْوانًا ثانيًا لك على تنفيذ أمْر الله عز وجل ، وكلّ هذا مختصرٌ في قول الله تعالى في الفاتحة : " إياك نعبد وإياك نستعين .." ولا تنس أيها الأخ الكريم أنَّ الله سبحانه وتعالى في عَليائِهِ يقول لك :

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 153]

 خالق الكون معك بِعِلْمِهِ ، وبِقُدرتِهِ ، وبِخِبْرتِهِ ، وبِرَحمتِهِ ، وبلُطْفِهِ ، وبِغِناه ، إنّ الله مع الصابرين ، وهذه كما قال العلماء : معِيَّة خاصّة ، المعيّة العامّة وهو معكم أينما كنتم ، بينما المعيّة الخاصّة هو معكَ بالتوفيق ، هو معَكَ بالحِفظ ، هو معَكَ بالدِّفاع عنك ، هو معك بالتَّسْديد ، هو معك بالرّعاية ، هو معك بالنّصْر ، هو معك بالتأييد ، ومن لا يتمنَّى أن يكون الله معه ؟ ولكن لا تنْسَوا يا إخوة الإيمان أنّ هذه المعيّة مشروطة ، لها ثمَنٌ باهِظ قال تعالى :

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾

[ سورة المائدة: 12 ]

الوقفات المتأنية عند كلام الله لفهم مدلولاته و أبعاده :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ أن نقف عند آيةٍ من آيات الله ، أن نفهمها فهْمًا دقيقًا ، أن نفهَمَ أبعاد كلماتها ، أن نفهمَ مَدلولاتها ، أن نفهم ما ترمي إليه ، أن نسعى إلى تطبيقها ، لا أعتقدُ أنّ في الحياة عملاً أخْطَرَ ولا أجْدى من أن تفْهَمَ كلامَ ربِّك ، وأن تكون في مُستوى هذا الكلام ، هذا الذي يدفعني من حينٍ إلى آخر أن أجعل موضوع الخطبة آيةً من كلام الله عز وجل نقفُ عندها وقفةً متأنِّيَة فلعلّ الله سبحانه وتعالى يرحمنا بها .
 على تنفيذ التكاليف قال تعالى :

﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

[ سورة البقرة: 151-157]

 اللهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الطيور :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ انْطلاقًا من قول الله عز وجل :

﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا ﴾

[ سورة البقرة: 151 ]

 من آيات الله الدالة على عظمته آيةٌ قرآنيّة تُشيرُ إلى آية كونيّة ، فالآية القرآنية قوله تعالى :

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ ﴾

[ سورة الملك: 19 ]

 والآية الثانية قوله تعالى :

﴿ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[سورة النحل : 79]

 والآية الثالثة قوله تعالى :

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[سورة الأنعام : 38]

 يقول بعض العلماء الذين تخصَّصوا في الطيور : إنَّ عَدَدَ الطُّيور في الأرض يزيدُ عن مئة مليار طائر ، البشر جميعًا خمسة مليارات تقريبًا ، في جوّ السماء ما يزيد عن مئة مليار طائر ، لها أشكال ، ولها أحجام ، ولها ألوان ، ولها أصوات يحار فيها العقل البشري ، أما الذي يلفتُ النَّظر في قوله تعالى :

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[سورة الأنعام : 38]

 قد يعجبُ الإنسان هل هناك طائرٌ يطير بلا جناحَين ؟ أو هل هناك طائرٌ يطيرُ بِجناحٍ واحدٍ ؟ ولكنّ ذِكْرَ هذا الشيء البديهي فيه - كما يقول المفسّرون عِنايةٌ بهذا الشيء – أي هل نَظَرْت إلى جناحَي الطائر اللَّذَين يطيرُ بهما ؟ هل نظرْتَ إلى تطابقهما التامّ من حيثُ ترتيب الرّيش وحجمهُ وتنوُّعهُ وتدرُّجه ؟ تطابقٌ يكادُ يكون تامًّا من حيث الترتيب ، والحجم ، والتنوُّع ، والتدرُّج ، والتنسيق ، وهل نظرْت إلى ريش الطائر الذي هو أساس طيرانِهِ ؟ إنّهُ يجمعُ المتناقضَين ، خفيفٌ إلى درجة انْعِدام الوزْن ، ومتينٌ إلى درجة صلابة الفولاذ ، خفيفٌ ومتين ، وهذا هو سرّ الطائرة ، لا تنجحُ صناعة الطّيَران إلا أن تجْمَعَ في موادها الأوّليّة بين المتانة ، وبين الخِفَّة .
 شيءٌ آخر ؛ إنّ جناحَ الطائر أشدُّ تَحَمُّلاً ومتانةً من جناح الطائرة بِنِسْبة كلٍّ من جِسْمِهِ إلى حجمه .
 وهناك شيءٌ آخر ؛ جناحُ الطائر قابلٌ للإصلاح فأيُّ خللٍ في ريشه ينبُت ريشٌ مكانه من دون أن يضطرّ أن يقعد عن الطَّيَران ، هذا الذي أشارَتْ إليه الآية الكريمة :

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[سورة الأنعام : 38]

 أما قوله تعالى أُمَمٌ أمثالكم فيعني أنّ هناك نِظاماً اجتماعياً يفوق حدّ التصوُّر ، هذه الطُّيور جماعات ، حينما تطير تطيرُ على شكل الحرف V ، لهذا السِّرْب قائدٌ ومساعدان ، لكلّ سِرْبٍ من أسراب الطيور قائدٌ ومساعدان وهذا هو معنى قوله تعالى : " إلا أمم أمثالكم " ولها لغةٌ تتفاهم بها ، ولها عِنايةٌ فائقةٌ بِصِغارها ، هذا بعضُ ما كشَفَهُ الإنسان من ملامِح الحياة الاجتماعيّة التي تَحياها الطّيور ، ولكنّ الشيء الذي لا يُصدَّق أنَّ دافِعَ الطائر إلى الهجرة لا يزال لغزًا ، ما الذي يدفعها في الوقت الفلاني في الربيع أو قُبيل الشّتاء في الخريف أنْ تُهاجر ؟ يا تُرى أيَدْفَعُها شدَّة الحرّ ؟ وُضِعَت الطّيور في أماكن باردة ، ومع ذلك انْدفَعَت إلى الهِجرة ، أيَدْفعُها طول النهار وامْتِداد الضّوء ؟ وُضِعَتْ في ظروفٍ ذات إضاءةٍ منخفضة وقصيرة ومع ذلك انْدَفَعَت إلى الهِجرة ، فالذي يدفعها إلى الهِجرة لا يزال مجهولاً ، بل إنّه يطابقُ قوله تعالى :

﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ ﴾

[ سورة الملك: 19 ]

 شيءٌ آخر ، إذا انْدَفَعَتْ إلى الهجرة ، ما الذي يُحَدِّدُ لها المسار ؟ أَهِيَ التضاريس أم هي أشِعَّة الشمس أم هو المجال المغناطيسي ؟ كلّ فرضِيَّةٍ أثْبتَ العلماء خطأها ، لازلْنا في قوله تعالى :

﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ ﴾

[ سورة الملك: 19 ]

 وقوله تعالى :

﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[سورة النحل : 79]

 وهذه الآية مِن أعْجَب الآيات ، فالله نسَبَ إلى ذاتِهِ مباشرةً تسْيير الطائر لأنّ الطائر يقوم بِرِحلةٍ يعجزُ عن إدراكها العقل ، لو غيَّر في زاويته درجةً لجاء في بلادٍ بعيدة كلّ البعْد عن موْطِنِه ، إذًا ما الذي يدفعُه إلى الهجرة ؟ وما الذي يدفعُهُ إلى أن يخزِّن من الشُّحوم ما يُعينه على قطْع سبْعة عشر ألف كيلو متر في الهواء ؟ ما الذي يعينهُ على أن يبقى في الجوّ ستًا وثمانين ساعة يطيرُ ؟ ما الذي يهديه في ظلمات البرّ والبحر ؟ أشِعَّة الشّمس أم التضاريس أم المجال المغناطيسي ؟ أم أنّ شيئًا خفيًّا لا يعرفه العلماء ؟ لذلك بحثٌ علمي استغرقَ أكثر من عشرين عامًا كان في نهاية المطاف أن قال مَن أشْرَفَ على هذا البحث : إنّ إيقاعاتٍ خفيّةً تلقى في الطائر تدْفعُهُ إلى الهِجرة ، وإلى تحديد مساره ، وإلى اسْتِكمال شروط رحلته ، وهذا هو مِصداقُ قوله تعالى :

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ ﴾

[ سورة الملك: 19]

 ومِصداق قوله تعالى :

﴿ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[سورة النحل : 79]

 ومصداق قوله تعالى :

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[سورة الأنعام : 38]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ربّنا عز وجل يقول :

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

[ سورة الذاريات : 20]

 آيات لا تعَدّ ولا تُحصى في خلقنا ، في طعامنا ، في شرابنا ، في أولادنا ، في أزواجنا ، فيمَن حولنا ، في النباتات ، في الأسماك ، في الأطيار ، في التضاريس ، في الهواء، في الماء ، في المناخ ، في المجرّات ، وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ تدلّ على أنّه واحِدُ ، كلّما تأمّلْت في الكون ازْدَدْت معرفةً بالله ، وكلّما عرفْت أمْرهُ ونهيَهُ عرفت عظمة الله عز وجل من خلال خلقه ، ومن خلال أمره ، ومن خلال فطرته .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018