الدرس : 13 - سورة الأنفال - تفسير الآيات 38 - 40 ، قوة الإسلام باتباع منهج الله عز وجل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 13 - سورة الأنفال - تفسير الآيات 38 - 40 ، قوة الإسلام باتباع منهج الله عز وجل


2009-07-24

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

 

الكافر إنسان أنكر الحقائق الناصعة كالشمس وسلك مسلكاً يخالف منهج الله عز وجل:

أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثالث عشر من دروس سورة الأنفال، ومع الآية الثامنة والثلاثين وهي قوله تعالى:

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ﴾

اللغة العربية اختارها الله لكلامه، ويبدو أنها من أرقى اللغات الإنسانية، في هذه الآية الدقيقة يقول الله عز وجل مخاطباً نبيه:

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾

أي أليس السياق اللغوي يقتضي أن تكون الآية قل لهم:

﴿ إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾

فلماذا جاءت الصياغة بهذه الطريقة

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾

الكافر إنسان أنكر الحقائق وسلك مسلكاً يخالف منهج الله
قال علماء البلاغة والتفسير: إن الآية الكريمة لم تخاطبهم، بل ذكرتهم بضمير الغائب، لتكون الآية عامة لكل الكفار قديماً وحديثاً وإلى قيام الساعة، كانت الآية متعلقة بفئة معينة فإذا هي متعلقة بكل الكفار على وجه الأرض.

 

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾

أي أيّ إنسان ولو وقع في الكفر، والكفر أكبر انحراف فكري سلوكي، الكافر إنسان أنكر الحقائق الناصعة كالشمس ، وسلك مسلكاً يخالف منهج الله عز وجل،

 

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا ﴾

أي إن يتوب الكافر

﴿ يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾

و هذه رحمة الله.

(( لو أتيتني بملء الأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي )).

[ورد في الأثر].

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

( سورة النساء).

 

المؤمن لا يكره الكافر لذاته بل يكرهه لفعله وكفره:

الله عز وجل لا يكره الكافر كشخص، يبغض عمله، هناك دليل لطيف: عمير بن وهب من كفار مكة يخاطب صفوان بن أمية، يقول له: المؤمن لا يكره الكافر لذاته بل يكرهه لفعله وكفره
والله لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها، ولولا أطفال صغار أخشى عليهم العنت من بعدي، لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه، صفوان انتهزها مناسبة، قال: أما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر، لا تقلق عليهم، وأما ديونك فهي عليّ بلغت ما بلغت، فامضِ بما أردت، أي اذهب واقتل محمداً وأرحنا منه، فسقى سيفه سماً، وامتطى ناقته، وتوجه نحو المدينة ليقتل محمداً، ولكن بحجة أن يفك أسيره ـ وكان ابنه أسيراً في المدينة ـ عندما وصل المدينة رآه سيدنا عمر فقال: هذا عدو الله جاء يريد شراً، قيده بحمالة سيفه، وساقه إلى النبي، وقال: يا رسول الله هذا عدو الله جاء يريد شراً، النبي الكريم بأخلاق سامية، قال: أطلقه يا عمر، فأطلقه، قال: ابتعد عنه، فابتعد عنه، يا عمير أقبلْ، فأقبلَ، قال له: سلم علينا، قال له: عمت صباحاً يا محمد، قال له: قل السلام عليكم، قال: هذا سلامنا، لا يوجد غيره، سأله: ما الذي جاء بك إلينا ؟ قال له: جئت أفك ابني من الأسر، قال له: وهذه السيف التي على عاتقك، قال له: قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر ؟ فقال له النبي الكريم: ألم تقل لصفوان لولا ديون لزمتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه ؟ عمير وقف ! قال له: أشهد أنك رسول الله، لأن هذا الذي كان بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله وأنت رسوله، وأسلم.
الشاهد ليس هنا، الشاهد يقول سيدنا عمر: " دخل عمير على رسول الله والخنزير أحب إليّ منه، وخرج من عنده وهو أحب إليّ من بعض أولادي ".
هذا الدين، المؤمن لا يكره الكافر لذاته أبداً، يكرهه لفعله، لكفره.

ارتباط العداوة بين المؤمن وغير المؤمن بالكفر:

لذلك العداوة التي بين المؤمن وبين غير المؤمن عداوة مرتبطة بالكفر، بالعمل السيئ.
ارتباط العداوة بين المؤمن وغير المؤمن بالكفر
تماماً كما لو أن ابناً عاقاً عاد لأبيه ففي لحظة واحدة الأب يقبله، ويرحب به، ويحبه، يؤكد هذا المعنى ما ورد في الأثر أنه:

(( إذا قال العبد: يا رب، قال الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد العاصي: يا رب، يقول الله له: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك ))

أنا أنتظرك، لذلك ورد:

(( لو يعلم المعرضين انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف إرادتي بالمقبلين ؟))

[ ورد في الأثر].

الله عز وجل يحب كل عباده، يريد أن يطهرنا، يريد أن يسعدنا، يريد أن يدخلنا جنة عرضها السماوات والأرض، خلقنا لها.
لذلك:

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا ﴾

عن كفرهم، وانحرافهم، وأعمالهم، إن ينتهوا عن كفرهم، عن ضلالهم، عن تكذيبهم، عن انحرافهم، عن أعمالهم الإجرامية.

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا ﴾

أي كافر إلى يوم القيامة، بتبديل التاء بالياء أصبحت الآية لكل الكفار في أي زمان ومكان، وها شأن الله مع العصاة، هو ينتظر توبتهم،

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

 

تعامل الله مع عباده وفق قواعد ثابتة:

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ﴾

إن عادوا إلى كفرهم، من سنة الله عز وجل أن القوانين ثابتة، وهذا شيء ينقلنا إلى حقيقة أن الله عز وجل يتعامل مع عباده وفق قوانين، والقانون علاقة ثابتة بين شيئين.
يتعامل الله مع عباده وفق قواعد وقوانين ثابتة
شيء مريح جداً للمؤمن أن يتعامل مع الله وفق قواعد ثابتة.

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل الآية: 97 ).

لك أن تقول هناك قانون الحياة الطيبة، قانون يحتاج إلى إيمان بالله، وعمل صالح

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

هناك قانون كيف يلتف الناس حولك ؟

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 ).

تتصل بالله، تكتسب رحمة، تنعكس الرحمة ليناً، يلتف الناس حولك، تبتعد عن الله يصبح القلب قاسياً، ينعكس القلب غلظة، ينفض الناس من حولك، قانون ثان.

 

الله عز وجل يحب عباده جميعاً لذلك وضع لهم قواعد ثابتة للتعاون معهم:

في القرآن الكريم قوانين ثابته وضعها الله لنا لنتعامل بها معه
القضية رائعة جداً لو قرأت القرآن، وحاولت أن تضع يدك على قوانينه، هذه القوانين يمكن أن تتعامل مع الله بها بشكل قطعي، لأن الله عز وجل يحب عباده جميعاً، وضع لنا قواعد ثابتة بالتعاون معه.

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾

( سورة يونس الآية: 60 ).

رافع الرأس، شامخاً، فإذا أساء الإنسان سوف يتحمل اللوم، والتحجيم، والنقد والتشهير.
فلذلك قانون العزة

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

إذاً كأن الله سبحانه وتعالى يريد من القرآن لا أن يكون كتاب تاريخ، يريده أن يكون كتاب قوانين.

 

 

الله عز وجل أراد أن يعلمنا أن نأخذ بالأسباب:

 

لذلك الشيء المألوف أن الله سبحانه وتعالى يغفل تفاصيل كثيرة.

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ﴾

( سورة الكهف الآية: 83 ).

الله عز وجل أراد أن يعلمنا أن نأخذ بالأسباب
من هو ؟ في أي عصر، في أي بلاد ؟ في آسيا، في إفريقيا، في أوربا.

﴿ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ﴾

( سورة الكهف الآية: 83 ).

أراد الله أن يعلمنا أن نأخذ بالأسباب، لو جاءت تفاصيل كثيرة حول ذي القرنين لانقلبت هذه القواعد الثابتة إلى قصة، وقعت ولن تقع مرة ثانية، فالذي يريد أن يبحث عن تفاصيل في القرآن أغفلها القرآن كأنه يفسد على الله هدايته لخلقه.
بالضبط، أضرب هذا المثل دائماً: أستاذ جامعي يعطي الاقتصاد، أراد أن يبين لطلابه متى ينجح التاجر، فقال على شكل قصة: لي صديق، اشترى محلاً تجارياً في مركز المدينة، أول شرط أن يكون المحل في موقع تزاحم الأقدام، واختار بضاعة أساسية مواد غذائية، واختار أصنافاً متفوقة، جيدة، ووضع سعراً معتدلاً، ولم يبع ديناً، هذا الأستاذ أعطى طلابه عن طريق هذه القصة أن عوامل نجاح التجارة ؛ موقع المحل، البضاعة، نوع البضاعة، السعر، عدم البيع ديناً، ربح أرباحاً طائلة، أحد طلابه قال له: هذا الشخص ما اسمه ؟ الاسم لا قيمة له إطلاقاً، قال له طالب آخر: هذا الشخص طويل أم قصير ؟ قال له طالب ثالث: أبيض أسمر ؟ المحل بأي مكان ؟ الأستاذ أراد نقل الحقائق كقوانين لنجاح التجارة.
فحينما تأتي هذه التفاصيل التي تعد في فن القصة عبئاً عليها يكون هذا السائل قد أفسد على المدرس هدفه من هذه القصة.

 

بطولة الإنسان أن يسكت حيث سكت القرآن:

لذلك البطولة أن تسكت حيث سكت القرآن، يا ترى امرأة العزيز بعد أن أصبح يوسف عزيز مصر، هل تزوجها ؟ والله لا أعرف، ويجب ألا أعرف، لماذا ؟ لأن الله اختار من المغيبات مجموعة آيات، أنا أرى أن الحكمة أن تكتفي بالذي ذكره الله عز وجل.
بطولة الإنسان أن يسكت حيث سكت القرآن ويكتفي بالذي ذكر فيه
عندما حاول المفسرون نقل تفاصيل القصص القرآنية من بني إسرائيل وقعنا في متاهة لا تنتهي، وقعنا فيما يسمى بالإسرائيليات، تفسيرات غير معقولة إطلاقاً.

﴿ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا ﴾

( سورة ص الآية: 23 ).

ببعض كتب التفسير أخذاً عن كتب بني إسرائيل أن له تسع وتسعين زوجة، وأنا لي زوجة واحدة، قال الله: نعجة لم يقل زوجة، تجد تعليلات، تفصيلات، أشياء غير مقبولة إطلاقاً.
لذلك أنا أنصح أن تبتعدوا عن أي تفاصيل مأخوذة من كتب بني إسرائيل عن قصص الأنبياء، أتمنى ذلك.
هنا الآية الكريمة:

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ﴾

من قاتلك ينبغي أن تقاتله دفاعاً عن أرضك و دينك:

الآن الآية الثانية:

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

( سورة الأنفال ).

يقول: إن الله عز وجل أمرنا أن نقتلهم، لا، أمرنا أن نقاتلهم، ما الفرق في اللغة بين أن تقتل وأن تقاتل ؟ الفرق كبير جداً، أن تقاتل أي هناك جهة تقاتلك، لو أن الأمر واقتلوهم موضوع آخر، الآية الكريمة:

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ ﴾

هذا الذي يقاتلك ينبغي أن تقاتله وتقاومه
أوضح مثل ما يجري أمامنا، دولة احتلت بلداً، قتلت مليون، أعاقت مليون، شردت خمسة ملايين، نهبت الثروات، نحن ديننا دين سلام، دين محبة، لا نعمل شيئاً، من قال لك ذلك ؟ لا يوجد جهة في الأرض تقبل ذلك.

 

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ ﴾

هناك من يقاتلك، هناك من يحتل أرضك، هناك من ينهب ثروات الأمة، هناك من يذل الشعب.
لذلك يريدوننا أن نلغي آيات القتال في القرآن الكريم، هكذا يريدون، قال تعالى:

 

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ ﴾

لم يقل: واقتلوهم، هذا الذي يقاتلك ينبغي أن تقاتله، ينبغي أن تقاومه، ينبغي أن تقف في وجهه، ينبغي أن تمنعه من تنفيذ مخططاته، يريد أرضاً، يريد ثروة، يريد هيمنة.
أحد السياسيين الكبار في دولة عملاقة قال: هو لا يعجبه أن يكون العالم مئتي دولة يتمناه خمسة آلاف دولة.
كل مشاريعهم عبارة عن تقسيم البلاد إلى دويلات، هذا مشروع الشرق الأوسط، تقسم الدول إلى خمس أو ست دول، تقسيم البلاد إلى دويلات بحسب الانتماءات الطائفية وفرعون موسى من أقدم الفراعنة، أو من أقدم الطغاة، قال الله عنه:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

( سورة القصص ).

 

أثر المقاومة الكبير الذي قلب موازين الأرض:

أنا لا أتصور أن عدواً يحتل أرضنا، ينهب ثرواتنا، يذل شبابنا، يمنع إقامة الشعائر في ديننا، نحن دين سلام، دين محبة، نحن إسلامنا متسامح، الآن المسلمون كأنهم يستجدون من العالم الغربي نحن نحب العدل، نحب التسامح، نحب السلام، من قال لك ذلك ؟ هذا الذي يقاتلك ينبغي أن تقاتله، وأساساً كانوا يتوهمون أن احتلال بلد شرق أوسطي كان نزهة والمقاومة هي التي أقضت مضجعهم.
أثر المقاومة الكبير الذي قلب موازين الأرض
والله مرة سمعت تصريحاً لكبار الموظفين في البينتاغون، قال: ماذا نفعل بحاملات الطائرات، وماذا نفعل بالصواريخ العابرة للقارات، وماذا نفعل بهذه الجيوش، لأنه لا تجرؤ دولة في الأرض أن تحاربه، قال: ولكن ماذا نفعل بهذا الذي أراد أن يموت ليهز كياننا ؟ هذا ليس له حل.
معنى ذلك أن المقاومة كان لها أثر كبير في العراق وفي فلسطين، المقاومة قلبت موازين أهل الأرض، عشرة آلاف مقاتل معهم أسلحة بدائية، تحت الأرض يتصدون لرابع جيش في العالم ؟ لأول جيش من حيث تنوع الأسلحة، لأكبر جيش في المنطقة، هذا الذي حصل، فأنا أتمنى أن تكون الآية واضحة تماماً، قال الله:

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ ﴾

هناك قتال مشترك، هناك جهة تقاتلك ينبغي أن تسكت ؟ ينبغي أن تستسلم ؟ ينبغي أن تقول إسلامنا إسلام سلم، إسلام محبة ؟ لا أبداً، الإسلام له أظافر،

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ ﴾


فعل قاتل فعل مشاركة، مثلاً، ضارب تضربه ويضربك، قاتل تقتله ويقتلك، حاور تحاوره ويحاورك، وزن فاعل باللغة يعني المشاركة.

 

تناقض الاستسلام مع ديننا العظيم:

قال تعالى:

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ ﴾

عدو احتل أرضك، نهب ثروات، أذل شعبك، موقفي السلام ؟ الاستسلام ؟ مستحيل !.
كبار القادة الغربيين من أين استمدوا قيادتهم ؟ من مقاوتهم للاحتلال،عندما احتلت ألمانيا فرنسا لماذا تألق أحد كبار الزعماء وصار رئيساً للبلاد ؟ لأنه قاوم الاحتلال، في العالم كله، الإنسان يكون بطلاً إذا قاوم الاحتلال، فكأنهم يريدون أن يحتلوا أرضنا، وأن ينهبوا ثرواتنا، وأن نكون نحن وديعين كالحمل، أن نستسلم، هذا يتناقض مع ديننا.

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾

الإنسان يكون بطلاً إذا قاوم الاحتلال فالاستسلام يتناقض مع ديننا
سبحانك يا رب، كأن الهدف مشروع، تكون فتنة، الطرف الآخر يريد الإباحية، أرأيت إلى هذه الصحون ؟ هناك إحصاء دقيق ثمانمئة محطة فضائية، أربعمئة منها محطة إباحية، ثلاث و عشرون مليون موقع إباحي بالانترنيت، يريدون أن يعمموا إباحيتهم علينا، فهذه الصحون تمثل الغزو الثقافي الغربي، كانوا يجبروننا بالقوة المسلحة على أن نفعل ما يريدون، لكنهم الآن يجبروننا بالقوة الناعمة بالمرأة على أن نريد ما يريدون.

 

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾

حتى لا يفتتن الشباب بالجنس، الآن الجنس هاجس معظم الشباب الذين شردوا عن الله عز وجل، أليس كذلك ؟.

 

(( إذا رأيت شحاً مطاعاً ـ المادية المقيتة ـ وهوى متبعاً، الجنس، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ـ الكبر )).

[ أبو داود، ابن ماجه، الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني ]

كل إنسان محور العالم، يقول لك: هذا الموضوع لا يناسب العصر، يكون هناك آية قرآنية في هذا الموضوع، من أنت ؟ قال:

يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ
***

من أنت ؟ يقول لك: هذا الحكم لا يطبق عندي الآن، الله عز وجل لا يعلم أن هناك ظروفاً أخرى يصعب تطبيقه ؟! الله مشرع، قال:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

( سورة البقرة الآية: 286 ).

 

الشباب عماد الأمة و مستقبلها فعلينا الحفاظ عليهم:

لذلك أيها الأخوة،

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾

الشباب عماد الأمة ومستقبلها فعلينا الحفاظ عليهم
أحياناً يحتلون بلداً، أول شيء يشجعون إلغاء الحجاب، يشجعون الاختلاط، دور اللهو، النوادي الليلية، دور السينما، الأفلام، يوزعون أفلاماً إباحية.
حدثني أخ، قال لي: والله توزع أفلام إباحية، زنا محارم، بلا ثمن، و بكميات فلكية.

 

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾

نحن عمادنا الشباب، عماد الأمة الشباب، الشباب هم المستقبل، فإذا شردوا عن الله عز وجل أين المستقبل ؟ انتهت الأمة، الأمة بشبابها، الكهول يمثلون الحاضر، والشيوخ يمثلون الماضي، الآن اجلس مع شيخ، أقصد إنساناً متقدماً في السن، يقول لك: في سنة ألف و تسعمئة و عشرين دفعنا نقوداً كيلا نذهب إلى الجيش مثلاً، يتكلم عن الماضي قبل خمسين عاماً، هو يعيش الماضي، و إنسان كهل يعيش الحاضر، لكن المستقبل لمن ؟ للشباب، إذا الشاب عاش للجنس انتهى، أي حينما يفسد الشباب ينتهي المستقبل:

 

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى ﴾

الآن القتال لاحتلال منابع النفط، القتال لاحتلال موقع استراتيجي، القتال لاحتلال ونهب ثروات كبيرة جداً، القتال من أجل السيطرة، كلها أهداف شيطانية أرضية، أما القرآن الكريم ماذا يقول:

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾

خضوع لله عز وجل.

 

الابتعاد عن الأشياء التي تصرف الشباب عن دينهم و مستقبلهم:

والله أيها الأخوة، لو أتيح لنا أن نعيش في مجتمع نطبق الدين تطبيقاً كاملاً، تجد أن الشباب منصرفون إلى مستقبلهم، أما الآن ألف شيء يصرفهم عن الدراسة، أفلام، ندوات وفضائيات، وانترنيت، ومواقع، ألف شيء يصرفهم عن مستقبلهم، ألعاب الكومبيوتر أصبحت بالملايين، كل أموال الطفل يضعها في نادي الكومبيوتر، ثم يأخذ من أخيه، ثم يمد يده إلى مال أبيه من دون إذنه، بلا أي هدف، لعب، هم يعيشون على أنقاض الشعوب.
يجبالابتعاد عن الأشياء التي تصرف الشباب عن دينهم و مستقبلهم
والله أنا أتمنى هذه الألعاب التي لا طائل منها أن تلغوها من حياة أولادكم، قال لي أخ: يأتي ابني من الصباح ـ هو يعمل بنادي الكومبيوتر ـ من أجل الألعاب، إلى متى ؟ نحن حينما تشل هذه الأمة يكون هذا الشلل بشلل شبابها.

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾

والله أنا أرى أن المقاومة في البلاد المحتلة تركت أثراً كبيراً جداً، الآن العالم الغربي يعد للمليون قبل أن يحتل دولة شرق أوسطية ثانية، أليس كذلك ؟ بسبب المقاومة، أنا أقول هذه الآية دقيقة جداً:

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾

لو أتيح لنا فرضاً أن نطبق منهج الله كاملاً، لا يوجد فتن في الطريق، لا يوجد مناظر مثيرة في الطريق، لا يوجد انحراف عند الشباب، الآن الانحراف عند الشباب يكاد يغطي معظم الشباب، من هذه المناظر التي يراها في الطريق، وبينه وبين الزواج عدة أعوام، مشكلة كبيرة جداً نحن قد لا ننتبه لها شيء أودعه الله في كل إنسان، فإذا استثير يومياً قد يصمد إلى بعض الوقت، بعد ذلك تنهار مقاومته، هؤلاء يريدون هكذا، يريدون الإباحية.

 

محاربة ما نقله الغرب إلينا لئلا نصل إلى ما وصلوا إليه:

أقسم لي أخ في الله مقيم في أستراليا قال لي: الإنسان المحافظ بالتعابير الدارجة، الأصولي، المنتمي إلى دين، التقليدي، القديم، هذا في استراليا، إذا رأى ابنته تتزين عصراً فقط يحذرها من أن تحمل فقط، وصلوا إلى هنا.
علينا محاربة ما نقله الغرب إلينا لئلا نصل إلى ما وصلوا إليه
شاب أحب فتاة استأذن والده من الزواج منها قال له: لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري ـ أبوه كان زير نساء ـ فلما أحبّ ثانية، قال له: أيضاً هذه أختك وأمك لا تدري، فلما أحب الثالثة قال: إنها أيضاً أختك وأمك لا تدري، هذا الشاب ضجر من أبيه وشكا إلى أمه قالت له: خذ أياً شئت أنت لست ابنه وهو لا يدري.
هذا الغرب ! سفير دولة عظمى يقام له حفل في وزارة الخارجية ليعطى أوراق اعتماده للدولة التي سيكون فيها سفيراً، هذا الحفل رجال ونساء، كل واحد مع زوجته، هذا السفير معه شريكه الجنسي و ليس زوجته، شيء طبيعي جداً، أين نحن ؟!
أيها الأخوة،

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾

لئلا نصل إلى ما وصلوا إليه.

﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

أي إذا انتهوا انتهاء حقيقياً أو انتهاء تمثيلياً، هناك فرق، أحياناً الإنسان يكون ذكياً جداً يمارس شيئاً، فإذا ضُبط بالجرم المشهود يعلن توبته الشكلية، لكنه يتابع هذا العمل سراً، فالله عز وجل يقول:

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

بصير بانتهائهم إذا كان حقيقياً، أو إذا كان خلبياً، أو إذا كان صورياً.

 

من عاد إلى طاعة الله عاد الله إلى توفيقه و حفظه و تأييده:

أيها الأخوة الكرام:

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ﴾

( سورة الأنفال ).

﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 19 ).

من عاد إلى طاعة الله عاد الله إلى توفيقه وحفظه وتأييده
هذه آية واسعة، إن عدت إلى طاعة الله يعود الله إلى توفيقك، وحفظك، وتأييدك، وإن كنت مستقيماً وعدت إلى ما كنت عليه سابقاً الله عز وجل يعود إلى معاقبتك، هناك قوانين ثابتة.
هناك قوانين ثابتة أوضح مثل أن قانون السقوط أنت إن آمنت به أو لم تؤمن واقع بك، الدليل اركب طائرة وقل: هذا القانون لا أؤمن به أنا أحتقره، انزل بلا مظلة هل تلغي فعله فيك ؟ لا، إنما تنزل ميتاً، ما معنى مظلة ؟ المظلة تأدب مع قانون السقوط، ما دام في سقوط نعمل مساحة كبيرة جداً من قماش غير نافذ يعمل مقاومة للهواء، هذه المقاومة تجعل الهبوط بطيئاً فتنزل واقفاً، فالإنسان إذا رفض قانوناً لا يستطيع أن يلغي عمله به هذه النقطة دقيقة، الدين له قوانين إن أخذت بها نجوت، وإن لم تعبأ بها فهي مطبقة عليك شئت أم أبيت، القوانين التي جاء بها القرآن إن آمنت بها، وصدقتها، وتأدبت معها، وعملت وفقها تنجو، أما إذا لم تؤمن بها، لن تستطيع إيقاف عملها فيك:

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾

خضوع لمنهج الله.

﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

إذا كان الانتهاء انتهاء حقيقياً، أو صورياً الله بصير.

 

الإسلام قوي لأن الله معه:

الإسلام قوي لأن الله معه

 

﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾

 

( سورة الأنفال ).

النقطة الدقيقة في هذه الآية:

﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾

الله عز وجل ينصركم على قلتكم، هذا الذي يؤمن معكم، ينبغي ألا يتوهم أنه بانضمامه لكم قواكم، لا، الإسلام قوي إن كان كثيراً أو قليلاً، لأن الله معه.

﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ﴾

لا تعلقوا كبير أهمية على ترككم، أنتم أقوياء بالله، فإن كانوا معكم كانوا هم أقوياء أيضاً، فإن تركوكم أنتم أقوياء من دونهم.

﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾

أيها الأخوة الكرام، هذه الآيات تبين أن الإسلام قوي.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018