وضع داكن
03-02-2023
Logo
ندوات الإعجاز العلمي - الندوة : 18 - العقرب.
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

مقدمة :

  السماء ، البرزخ ، النحل ، الأرض ، ظلمات الفضاء ، الكون ، النمل ، الكواكب، دقة الإنسان .
 التفكر في الخلق والكون ، حوارات مع الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أحد علماء دمشق ، يجريها عبد الحليم قباني .
المذيع :
 اللهم صلّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
 أخوة الإسلام السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ؛ إن نظرة واحدة في القرآن الكريم تؤكد لنا أن الله جل وعلا كما أنزل للناس كتاباً مقروءاً فقد جعل هذا الكون ناطقاً بخالقيته وقدرته ، يدرك ذلك من يقرأ في آيات الله تبارك وتعالى ، وما يشهد الكون به على عظمة الله سبحانه وتعالى ، ولذلك يمكن القول : إن القرآن الكريم والكون هما مصدرا الحقائق الدينية والعلمية ، والله أنزل الكتاب بالحق :

﴿ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾

[ سورة الإسراء : 105 ]

 وخلق أيضاً الكون بالحق ، خلق السموات والأرض بالحق ، ولا يتصور تصادم حقين مصدرهما واحد ، أو تصادم الحق مع نفسه ، ومن ثَمّ فلا تصادم بين الدين الموجود في الكتاب والعلم المنشور في صفحة الكون .
 فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق ، والخطيب والأستاذ الديني في جوامع دمشق ، أهلاً وسهلاً بكم يا سيدي .
 لقد سقتَ في كتابك الإعجاز العلمي في القرآن والسنة قصة واقعية حول العقرب والانفجار النووي ، فالعناية البالغة والقدرة على خلق الإنسان والحيوان والنبات ، هذه الصفات من صنع الله عز وجل ، نحن نسوق مثْلَ هذه الأمثلة كي ندل على خلقية الله وقدرته ، فلنبدأ مع هذه القصة ، ونشارك الأخوة المستمعين في هذه الحلقة .

الكون والقرآن مصدرا المعرفة :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ عبد الحليم- جزاك الله خيراً - لا بد من تعقيب لطيف على هذه المقدمة التي أدليت بها ، الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، وقد ذكرت قبل قليل أن الكون والقرآن مصدران للمعرفة ، ذلك أن الحق دائرة يمر بها أربعة خطوط ، خط النقل الصحيح ، وهو القرآن والسنة ، وخط العقل الصريح ، وخط الفطرة السليمة ، وخط الواقع الموضوعي المأخوذ من الكون ، ولأن العقل الصريح من خلق الله عز وجل ، ولأن الفطرة السليمة من برمجة الله عز وجل لهذا الإنسان ، ولأن الواقع الموضوعي هو خلق الله ، ولأن القرآن هو كلام الله ، والسنة تفصيل نبيه صلى الله عليه وسلم ، إذاً هذه الخطوط الأربعة من أصل واحد ، وإذا اجتمعت الفروع في أصل واحد كانت فيما بينها متساوية.
 إذاً أنا أعتقد أنه لابد من تطابق النقل الصحيح مع العقل الصريح مع الفطرة السليمة مع الواقع الموضوعي ، أما إذا كان النقل غير صحيح فيتناقض مع العقل ، أما إذا كان العقل تبريرياً غير صريح فيتناقض مع النقل ، أما إذا كانت الفطرة منطمسة فتتناقض مع المنهج الإلهي ، أما لو تصورنا فطرة سليمة ، وواقعاً موضوعياً ، وعقلاً صريحاً ، ونقلاً صحيحاً فهذه الأشياء الأربعة حتمية تطابقها مئة في المئة ، وهذا ما عبر عنه بعض العلماء الكبار حينما ألّف كتاباً عنونه : تطابق النقل مع العقل .
 الكون خلقه ، والقرآن كلامه ، والعقل جهاز أودعه الله فينا من خلق الله ، والفطرة جبلة جَبَلنا عليها ، كلها من الله عز وجل .
 الحقيقة أن اختياري لهذا الموضوع في كتاب الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة لا من حيثيات الموضوع ، بل في النتائج المترتبة عنه ، الإنسان له خصائص يتميز بها ، وفيه خصائص يشترك فيها مع بقية المخلوقات ، لكن الحقيقة الأولى أن أية صفة مادية يتصف بها الإنسان ففي المخلوقات الأخرى ما يفوقه بها ، فهو إذا عطل عقله ، ولم يبحث عن الحقيقة ، ولم يكن مؤمناً ، فما من مخلوق من الحيوانات إلا ويفوقه في خصائصه المادية ، لكن الإنسان ميزه الله بالعلم ، منحه قدرة إدراكية ، ميزه الله بالخلق ، ميزه الله بالإيمان ، فلو لم يبحث الإنسان عن هذه التي تؤكد إنسانيته هبط إلى مستوى الحيوان .

العناية البالغة والقدرة على الخلق من صنع الله عز وجل :

 ثمة مقالة وقعت تحت يدي من قبل ، مضمونها أن فرنسا قبل خمسة وثلاثين عاماً قامت بتفجير نووي في صحراء الجزائر

 وهذا التفجير النووي لهيب حارق ، وضغط ماحق ، الإنسان يتوهم أن التفجير النووي يقتل الكائنات الحية بفعل الحرارة المرتفعة

حرارة التفجير النووي لا تبقي أي كائن حي

 هذا الكلام صحيح ، ولكن كلاماً لا يقلّ عنه صحة أن الضغط الذي يولده هذا الانفجار يسحق كل شيء

ضغط التفجير النووي يسحق كل شيء

 فمن لم يمت بالحرارة مات بالضغط ، فإذا قلنا انفجاراً نووياً ، فينبغي ألا يبقى كائن حي كائناً من كان بعد هذا الانفجار ، طبعاً هذا الانفجار لا يبقي نباتاً ، ولا حيواناً ، ولا إنسانًا ، هذا الانفجار أحدث حفرة كبيرة جداً

التفجير النووي يحدث حفرة كبيرة جدا

 وشّكل كرة من النار تعلو إلى مسافات شاسعة ، وبعد نهاية الانفجار ، وسكون الأرض وجدوا عقرباً يمشي في أرض الانفجار

نجت العقارب من التفجير النووي

 إنها مفاجأة غريبة عجيبة ، شيء مدهش ، شيء غير مجرّب في البحوث العلمية ، لذلك عكف علماء الحيوان ربع قرن على دراسة هذا العقرب !!

مقاومة العقرب لظروف البيئة:

 الآن يبدأ المغزى ، وجدوا أن العقرب يستطيع أن يبقى بلا طعام ولا شراب ثلاث سنوات ، ووجدوا أن العقرب يستطيع أن يكتم أنفاسه تحت الماء يومين كاملين

يستطيع العقرب كتم أنفاسه تحت الماء يومين كاملين

 ووجدوا أنه إذا وضع العقرب في ثلاجة ، وكانت البرودة من عشر درجات إلى عشرين درجة تحت الصفر فإنه لا يتأثر

العقرب لا يتأثر بالبرودة الشديدة

 فلو نقل إلى رمل الصحراء المحرقة في درجة ستين فإنه يتكيف مع هذا التبدل الحراري الطارئ .

العقرب يتحمل شمس الصحراء المحرقة

 ثم إنه إذا وضع في حمام من الجراثيم الفظيعة لم يتأثر بها إطلاقاً ، وكأنه في حمام بارد ، ثم إنهم عرضوه لأشعة نووية تزيد ثلاثمئة ضعف ما يتحمله الإنسان فتحملها

يتحمل العقرب التعرض للأشعة أكثر من الإنسان ب 300 مرة

 شرّحوه فلم يجدوا فيه دماً ، بل فيه مصلٌ أصفر ، ماذا يعلمنا هذا ؟ قلت قبل قليل : ليست العبرة في هذه الحقائق المدهشة عن العقرب ، بل العبرة فيما سوف نستنبطه منه.

 أبدأ الموضوع بمثل بسيط جداً ، عندكم في البيت طاولة صغيرة توضع في غرفة الضيوف ، لو أنك قدمت لهذا الضيف كأس شراب يضعه على هذه الطاولة ، ما وزن هذه الكأس ؟ قد يكون وزنها مئتي غرام ، هذه الطاولة لو وقفت أنت عليها لاحتملت ، هي صممت لتتحمل كأسًا من الشراب لا يزيد على مئتي غرام ، لكنها تتحمل إنساناً يقدر وزنه بثمانين كيلو ، فكم وضع فيها احتياطي من القوة المتحملة للضغط ؟ وزن الكأس مئتا غرام ، الكيلو خمس كؤوس ، الثمانون كيلو أو المئة كيلو يقف عليها فلا تنكسر ، خمسمئة ضعف .
 لو تصورنا أن كل عضو في الإنسان معه احتياطي ألف ضعف ، معنى ذلك انتهى المرض ، لا مرض أبداً ، يمكن أن نقول بشكل أو بآخر : إن الإنسان سريع العطب ، خثرة في الدماغ تشلّ حركته ، نقطة دم في شريانه التاجي توقف القلب ، يقال : سكتة قلبية ، خثرة دماغية ، نمو خلايا غير منتظم تنهي حياته .
المذيع:
 فضيلة الدكتور ، بعد أن تحدثنا عن العقرب ، وما جرى له ، وأنه احتمل الصقيع، واحتمل البرود ، واحتمل رمل الصحراء ، فطبعاً الإنسان هنا سريع العطب .

الأمراض و سرعة العطب وسائل تربوية لتقريب الإنسان إلى الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 طبعاً هو سريع العطب ، الشيء الذي أتمنى أن يكون واضحاً تماماً أن الله عز وجل واجب الوجود ، بينما ما سوى الله ، وهو الكون ، أو بالمصطلح القرآني السموات والأرض ممكن الوجود ، الذات الإلهية واجبة الوجود ، وما سوى الله من الكون ممكن الوجود ، معنى ممكن أيْ ممكن أن يكون ، وممكن ألا يكون ، وإذا كان يمكن أن يكون على ما هو كائن ، أو على غير ما هو كائن ، كان من الممكن أن يكون الإنسان متحملاً لكل الضغوط ، ولكل المتغيرات في الحياة ، إذاً لا مرض .

مرض الإنسان أداة تربوية:

 مثل آخر ، نحن نأتي إلى الدنيا تِباعاً ، وكان من الممكن نأتي جميعاً دفعة واحدة ، وأن نغادرها دفعة واحدة ، إذاً لا موت ولا حزن ، يجب أن نعلم علم اليقين أن الله عز وجل واجب الوجود ، بينما خلقه ممكن الوجود ، يمكن أن يكون هذا الخلق موجوداً أو غير موجود ، وإذا كان موجوداً فيمكن أن يكون على ما هو كائن ، أو على خلاف ما هو كائن

 لو أن قلب الإنسان ، ودماغه ، وعضلاته ، والجهاز الهضمي ، والجهاز الإفرازي ، كان باحتياطي كبير جداً يتحمل كل التقلبات ،

الإنسان يمرض لأن المرض أداة تربوية له

 وكل المؤثرات ، معنى ذلك أنه المرض أُلغِيَ ، ولكن المرض مقصود لذاته ، إنه أداة تربوية ، قال تعالى :

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 155-157]

 هذه المصائب هي من تصميم الله عز وجل ، الإنسان كلفه الله حمل الأمانة ، وكلف أن يتعرف إليه ، وكلفه أن يطيعه ، فإذا جاء إلى الدنيا ، ولم يكن قائمًا بما كلفه الله به، أو غفل عن معرفة الله ، وعن طاعته ، فلا بد من مذكِّر ، لو أن أباً قال له ابنه : يا أبتِ ، لا أحب أن أدرس ، مثلاً ، فالأب سمح لابنه ألا يدرس ، هذا حينما أصبح راشداً لم يجد معه شهادة يعمل بها ، ولا رأس مالٍ ، ولا بيتاً ، ولا مكانة اجتماعية ، فحقد على أبيه ، قال : يا أبتِ، أنا حينما سألتك ألا أدرس لمَ لم تنهرني ؟ لمَ لم تؤدبني ؟ أنا لا أعلم أنت تعلم ، فكأن الأب ارتكب في حق ابنه خطأ كبيرًا ، لأنه سمح له أن يفعل ما يريد ، وهو جاهل ، فربنا عز وجل يقول :

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة القصص : 47]

 حينما يصمَّم الإنسان على أنه سريع العطب ، وقد يصاب بأمراض وبيلة ، وأمراض عضالة ، وقد تنهار معنوياته أحياناً ، هذه كلها وسائل تربوية ، لتقريبه إلى الله عز وجل .

أنواع المصائب :

 لكن بشكل موضوعي المصائب لها أنواع منوعة ، فالمصيبة في حق الشارد والتائه مصيبة ردع أو قصم ، إذا كان فيه بقية خير كانت ردعًا ، وإذا لم يكن فيه خير كانت قصمًا ، لكن المصيبة في حق المؤمن مصيبة دفع إليه ، أو رفع إليه ، أما المصيبة في حق النبي فهي كشف كماله ، بالمصيبة ينكشف كمال النبي ، وبالمصيبة يدفع المؤمن إلى الله عز وجل ، أو يرتقي عنده في الأجر والثواب ، بينما الشارد والغافل إما أن تكون مصيبته مصيبة قصم أو أن تكون مصيبته مصيبة دفع ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

المذيع :
 فضيلة الدكتور ، هنا في مثل هذه الحالة التي نتحدث فيها عندما يأتي مرض للإنسان نرى بعض الناس يقولون : لا أريد الذهاب إلى الطبيب ، ولكن الله يداويني ، هناك بعض الناس من يفكر بمثل هذه الطريقة ، وهناك من يفكر بطريقة أخرى ، بل يعتمد على الطبيب بشكل دائم ، ما هي الطريقة المثلى  في مثل هذه الحالة ؟

الأخذ بالأسباب و التوكل على الله :

الدكتور راتب :
 الطريقة المثلى سألخصها ، ثم أشرحها : أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
 العالم الآن غربيٌّ وشرقيٌّ ، العالم الغربي أخذ بالأسباب ، واعتمد عليها ، وألّهها، فوقع في الشرك ، والمجتمع المتخلف لم يأخذ بها فوقع بالمعصية ، هم مخطئون ، ونحن مخطئون ، إنك إن أخذت بالأسباب فينبغي أن تعتمد على الله ، تأخذ بها عبادة ، وأن تعتمد على الله يقيناً ، وإنك إن لم تأخذ بها فقد وقعت في المعصية ، بدليل أن الله عز وجل قال عن ذي القرنين :

﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾

[ سورة الكهف : 84-85]

 النبي عليه الصلاة والسلام علّمنا في سنته أنه لما هاجر أغلق كل الاحتمالات، وهيأ علاجاً لكل التوقعات ، فهيأ من يأتيه بالأخبار في غار ثور ، وهيأ من يمحو الآثار ، آثار الأقدام ، وهيأ ناقة نجيبة ، وهيأ دليلاً رجح فيه الخبرة على الولاء ، كان مشركاً ، غطى كل الاحتمالات ، أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، فلما وصلوا إليه لم يضطرب ، فعَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَا فِي الْغَارِ :

(( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا ، فَقَالَ : مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي بَكْرٍ]

 هو أخذ بالأسباب تعبّداً ، وهو يوقن بحفظ الله له ، أما المسلم المعاصر فلا يأخذ بالأسباب ، ويقول : توكلنا على الله ، هذا ليس توكلاً ، إنما هو تواكل . في بعض الأحاديث عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ :

(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ : حَسْبِيَ اللَّهُ ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ـ الكيْس العمل والسعي والأخذ بالأسباب ـ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

[أبو داود وأحمد عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 استعن بالله ولا تعجز . العجز ؛ أن أستسلم لقدري ، وألا أتحرك ، وألا أخذ بالأسباب . ألخّص ذلك : أنت تمشي على طريق ضيق ، عن يمينك وادٍ سحيق ، هو وادي الشرك ، وعن يسارك واد سحيق ، هو وادي المعصية ، إن أخذت بالأسباب ، واعتمدت عليها كما قال الصحابة الكرام في حنين: لن نغلب من قلة ، عددهم كبير ، اعتمدوا على العدد فقط ، قالوا يوم حنين :

﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾

[ سورة التوبة : 25]

 وحينما لا تأخذ بالأسباب ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ : قَالَ رَجُلٌ :

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ ؟ قَالَ : اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ ))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

 سيدنا عمر رأى أعرابياً يقود ناقة جرباء ، قال : كيف تعالجها ؟ قال : أدعو الله أن يشفيها ، قال له : يا أخا العرب ، هلا جعلت مع الدعاء قطراناً ؟
 مشكلة العالم الإسلامي عدم الأخذ بالأسباب ، يجب أن نأخذ بها ، وكأنها كل شيء ، ثم نتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء .

خاتمة و توديع :

المذيع :
 إذاً كما ذكرتم فضيلة الدكتور ، على الإنسان أن يتخذ الأمر الوسط بين الأخذ بالأسباب والتوكل ، إذاً يأخذ بالاثنين معاً .
 طبعاً في مثل هذه الحلقات نتعلم نحن وإياكم الحكمة من بعض الأمور ، ذكرنا أن العقرب لم يمت من هذا الانفجار الكبير ، ولكن الإنسان يموت من شيء صغير .
 أخوة الإيمان والإسلام ، مع هذه الحلقات نستفيد نحن وإياكم ، ومع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، جزاه الله عنا كل خير . شكراً جزيلاً .

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور