الخطبة : 0414 - الرزق1 ، أنواع الرزق - العلاقة بين الوضوء ومرض التراخوما - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0414 - الرزق1 ، أنواع الرزق - العلاقة بين الوضوء ومرض التراخوما


1992-10-30

الخطبة الأولى:

 الحمد لله ، ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

مفهوم الرزق وأنواعه

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ انطلاقًا من أنّ الإنسان مفْطورٌ على حبّ وُجوده ، وعلى سلامة وُجوده ، وعلى كمال وُجوده ، وعلى استمرار وُجوده ، في حياته شيئان خطيران يُعطيهما أهميّةً كبيرة ، ألا وهما أجلُه ورزْقُهُ ، وكلّ ما يفعلُه الإنسان الجاهل من انحرافات ، ومجاوزات ، وتعدِّياتٍ ، إنّما ينطلقُ بهذا حفاظًا على حياته ، وحفاظًا على رزقه ، فحُبّ الحياة والحِرْصُ على الرِّزْق وراء كلّ المعاصي والانحرافات ، ولكنّ المؤمن إذا أيْقن أنّ أمْر حياته بيَدِ الله عز وجل ، وأنّ أحدًا على وجه الأرض لا يستطيعُ أن يُنهي حياته ، ولا أن يمدّ في حياته ، وأنّ رزقه بيد الله وحده وأنّ أحدًا لا يستطيع أن يزيده ، ولا أن ينقصهُ ، إذا آمن الإنسان هذا الإيمان المبني على التأمّل ، والتدبّر بآيات القرآن ، انقطَعت علائقه مع بني البشر ، وارتبط مع خالق البشر ، قطع أملهُ من الناس ، وارتبط بربّ الناس ، لذلك وجدْتُ من الموضوعات الخطيرة في حياة الإنسان كائنًا من كان ، موضوع الرِّزق ، أحاديث كثيرة ، وآيات عديدة ، فالآيات قد تقترب من مئة آية ، كلّها تتحدّث عن الرّزق ، فإذا تأمّلنا ، وإذا تدبّرنا ، وإذا صدَّقنا ربّنا عز وجل ، كانت حياتنا حياةً أخرى ليس فيها تحاسُد ، ولا تباغض ، ولا عُدوان ، ولا طغيان ، ولا تجاوز ، الحياة التي يعيشها الناس من دون قِيَم ومن إيمان هي حياة الذئاب ، كلٌّ يتمنَّى أن يأخذ ما عند أخيه ظلمًا وبهتانًا ، أما إذا آمنتَ أنّ أجلك بيَدِ الله وحده ، وأنّ رزقك بيَدِ اله وحده ، وقد أمرك أن تسعى فسَعَيْت فهذا شأن المؤمن ، وهذا موضوع هذه الخطبة إن شاء الله تعالى ، وخطبٍ أخرى تتعلق بهذا الموضوع الدقيق الحساس .
 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ أوَّلُ وهْمٍ يتوهَّمه الناس في موضوع الرّزق أنَّ الرّزق هو المال ، وهذا وهْم مُعيب .
 أوَّلاً : المال أحد أنواع الرّزق ، ولكنّ الصّحة رزق ، والعلم رزق ، وطاعة الله رزق ، والحكمة رزق ، والزوجة الصالحة رزق ، والزوجة العفيفة رزق ، والأولاد رزق ، والمأوى رزق ، والسمعة العطرة رزق ، فإذا توهَّمْت أنَّ الرّزق هو المال الذي يأتيك فهذا وهْمٌ خطير ، المال رزق ولكنّه ليس كلّ الرّزق ، فالمال أحد أنواع الرّزق ، وهو وسيلة وليس غايَة وهذه هي الحقيقة الأولى ؛ المال ليس هو الرّزق ، ولكنّه بعض الرّزق .
 الحقيقة الثانية ؛ أنّ الرّزق هو ما انتفعْتَ به ، ولكنّ الذي لمْ تنتفِعْ به ليس رزقًا ، إنّه كسْبٌ ، وهذا فرْقٌ دقيق بين الرِّزق ، وبين الكسْب ، الرِّزق هو ما أكلْت فأفْنيْتَ ، الذي تستهلكُه ، أو لبِسْتَ فأبْليْت ، أو تصدَّقْت فأبْقَيْت ، وأما ما فاض عن أكلك ، وعن لبْسِكَ ، وعن أعمالك الصالحة فليس لك ، اكْتسبْتَهُ بِجُهدك ، ومحاسبٌ من قِبَل المولى جلّ وعلا ؛ كيف اكْتسبْتهُ ؟ ولكنّه ليس لك .
 الميِّتُ حينما يموت تُرَفْرِفُ روحه فوق النَّعْش تقول : يا أهلي ويا ولدي جمعْتُ المال ممَّا حلّ وحرم ، فأنفقْتُهُ في حِلِّه وفي غير حِلِّه ، فالهناء لكم والتَّبِعَةُ عليّ ، يجبُ أن نفرّق بين الكسب وبين الرّزق ، ويجب أن نؤكِّد أنّ الرّزق هو كلّ ما انتفعْت به من مال ، أو من طعام ، أو من شرابٍ أو من مأوى ، أو من علمٍ ، أو من مهارةٍ ، أو من خبرة ، أو من صنعة ، أو من حرفةٍ ، أو من صحة ، أو من حواسّك ؛ هذه كلّها رزْقٌ ، وقد تسْتغربون أنَّ الرّزق كلّ ما انتفعْتَ به حلالاً كان أم حرامًا ! طيِّبًا أو خبيثًا ، مَشْروعًا أو غير مشروع ، لذلك جاء التكليف قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾

[سورة البقرة الآية:172]

 ومِنْ هذه للتبْعيض ، يعني الرّزق قد يكون حرامًا ، وقد يكون حلالاً ، قد يكون طيِّبًا ، وقد يكون خبيثًا ، قد يكون مَشْروعًا ، وقد يكون غير مشروع ، قد يكون حرامًا لذاته ، وقد يكون حرامًا لغيره ، فالخنزير حرامٌ لذاته ، ولكن أن تأكل طعامًا دون أن تدفعَ ثمنه ؛ هذا حرامٌ لا لأنّ الطعام محرّم ، بل لأنّ طريقة تناوُلك إيّاه محرَّمة .
 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ موضوع دقيق وحسّاس ، ويتعلّق به كلّ إنسان ، وقد تستغربون ثانيَة أنّ تِسْعة أعشار المعاصي تأتي من كسْب الرّزق ، هي وراء كسْب الرّزق ، الحقيقة أنَّ أحدًا لا يعرفُ أين رزْقه ، قال بعض الشعراء :

 

أُغرِّبُ خلْف الرّزق وهو مُشرّق  وأُقسِمُ لو شرّقت راح يُغرِّب

 كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال:

 

((إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب))

[أخرجه زيادات رزين]

 الرّزق يعرف صاحبه ، ولكنّ الإنسان ربما لا يعرف صاحبهُ ، ربما لا يعرف مكانه ولا زمانه ، ومن تعجَّل الشيء قبل أوانه عوقِبَ بِحِرمانه ، الرّزق يعرفك ، ويعرف بيتك ، ويعرف هويّتك ، ولكنّك لا تعرفهُ .
 عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :

((لا ترضين أحدا بسخط الله ، ولا تحمدن أحدا على فضل الله ، ولا تذمن أحدا على ما لم يؤتك الله ، فان رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ، ولا يرده عنك كراهة كاره ، وإن الله بقسطه وعدله جعل الروح والراحة في الرضا ، واليقين ، وجعل الهم والحزن في السخط والشك))

[أخرجه الطبراني]

 لذلك أخرج ابن حبان عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :

((إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب))

[أخرجه زيادات رزين]

 اختَرْ مهنةً شريفة ، اختَر مهنةً خيِّرَةً ، اخْتَر مهنةً معْطاءة ، اخْتَر مهنةً تنفعُ المسلمين ، اخْتر مهنةً يدعو لك المسلمون في ظهر الغيب ، جزاه الله عنّا خيرًا ، لقد نصحَنا ، لقد نفعتنا بضاعتهُ ، لقد نفعتنا خدماته ، لقد نفعنا طِبُّه ، لقد نفعنا علْمهُ .
 أخرج ابن حبان عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :

((إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب))

[أخرجه زيادات رزين]

 أيها الإخوة الأكارم ؛ الدعاء النبوي الشريف الذي ندْعوهُ دائمًا ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبِطاعتك عن معصيَتك ، وبفضلك عمّن سواك ، مادُمْتُ قد بدأتُ خطبتي أنّ الرّزق ما انتفعْتَ به حلالاً كان أو حرامًا ، طيّبًا كان أو خبيثًا ، مَشروعًا كان أو غير مشروع ، إذًا الرّزق مقدَّر ، وأما طريقةُ وُصوله إليك فباختيارك ، قال تعالى

﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾

[سورة الذاريات الآية:23]

 ما دام هذا الفم يتحرّك فلهُ رزقٌ عند الله عز وجل ، والرّزق مضمون ومَقسوم ، مضمون شيءٌ ، ومقسوم شيءٌ آخر ، أما أنّه مقسوم فلِعَوامِلَ كثيرة ، نأتي عليها في خطبة قادمة ، ما عوامل الزيادة ؟ وما عوامل النقصان ؟ أما أنّه مضمون ، قال تعالى :

﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾

[سورة الذاريات الآية:23]

 ولكنّ ضَعف الإيمان يسْتوجِبُ الخضوع للشيطان ، وضَعف الإيمان يحمِلُ الإنسان على أن يصدِّق الشيطان ، الشيطان قال عنه جلّ جلاله :

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية:175]

 إنّ الشيطان يعدكم الفقر ، إنْ لم تسْتجِب لتنفيذ رغبة من هو فوقك ، قد يلغي عملك ، قد يصرفُك من عملك ، قد يقطع رزقك ، قد يجوع أولادك ، هذا كلام الشيطان ، حينما تقع في صراع بين طاعة الرحمن ، وبين طاعة الشيطان وأولياء الشيطان ، والعامل المرجّح هو الرِّزْق هنا المشكلة ، إن كُنتَ قويّ الإيمان صدَّقتَ الرحمن ، وإن كنت ضعيف الإيمان اسْتجبْت للشيطان، الرحمن ضَمِنَ لنا الرّزق ، قال تعالى :

﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾

[سورة الذاريات الآية:23]

 والشيطان يعدكم الفقر ، يُخَوِّفك إذا أنفقْت ، يُخوّفك إذا قلتَ كلمة الحقّ ، مع أنّ كلمة الحقّ كما قال عليه الصلاة والسلام : لا تقطعُ رزقًا ، ولا تقرِّبُ أجلاً ، هذا هو الإيمان ؛ أنْ تؤمن أنّ أجلكَ بيَدِ الله تعالى ، ليس في الأرض كلّها قوَّة تستطيعُ أن تنهي أجلكَ ، وليس في الأرض كلّها قوَّةٌ تستطيع أن تقطع رزقك .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ كلّما ضعف الإيمان قوي الشيطان ، وكلّما قوي الإيمان ضعف الشيطان ، وكأنّ الشيطان مُشْعِرٌ بإيمانك فكلّما اسْتجبْت له كان ذلك ضعْف إيمانك ، وكلّما رفضْت تخويفه ووسْوَسَتَهُ كان ذلك دليل قوّة إيمانك .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ من الآيات الدقيقة قوله تعالى :

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

[سورة الروم الآية:40]

 وخلق فعل ماضي ، لم يقل يرزقكم ، تقريبًا للمعنى ، وتيْسيرًا له ، لو أنَّ أبًا أرْسل ابنه إلى بلدٍ أجنبي ، وقال له : يا بنيّ أنا من حينٍ لآخر أرسِلُ لك نفقاتك ، هذا الابن على شيءٍ من القلق ، لو أنّ أبي لم يرْسل ، ماذا أفعل ؟ كيف آكل ؟ أما لو أنّ هذا الأب قال لابنه : اذْهب ، وهذه نفقتك عن أربعة سنوات أوْدَعتها لك في مكانك الفلاني ، وهذا هو معنى خلقكم ، ثمّ رزقكم .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ من خرافات هذا العصر ، ومن أوهام هذا العصر أنَّ العلم سبيل الرّزق ! لا ، العلم وفّر رفاهيَة الإنسان ، لو أنَّ الله عز وجل حجبَ الماء من السماء ، مهما تكن المشاريع لإيصال المياه إلى البيوت راقِيَة والأجهزة حديثة ، والتحكّم جيّد ، والمراقبة جيِّدة ، لكن لا يوجد ماء ، لا بدّ من تقنين المياه ، لذا العلم لا يأتي بالرّزق ، ولكن يُيَسِّرُ سبلهُ ، بالعلم نتفنَّن في صناعة الخبز ، ولكن ما لم يخلق الله القمح ، ما قيمة هذا التّفنن؟ وما قيمة هذه التقنيَة الحديثة في صناعة الخبز ؟ العلم أوْصَلَ المياه إلى البيوت ، ولكن إن لم تكن المياه ، قال تعالى :

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾

[سورة الملك الآية:30]

 لا ينبغي أن نظنّ أنّ العلم هو سبيل الرّزق ، لا ؛ لولا أنّ الله عز وجل أوْدَعَ في الأرض الخيرات ، من مِنّا يصدّق أنَّ الله جلّ جلاله حينما قال مخاطبًا موسى عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام :

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾

[ سورة طه الآية:6]

 إشارة من الله إلى أنّ هذه الأرض وْدَعَ الله في باطنها ثرواتِ وثرواتٍ لا يعلمها إلا الله ، كلّما طالعتنا الأنباء يكتشفون أنّ هذا القطر يعوم على مياهٍ عذبة ، وأنّ هذا القطر يعوم على حقلٍ بتروليّ مليار برميل مثلاً ، قال تعالى :

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾

[ سورة طه الآية:6]

 العلم يُيَسّر لنا كشف الرّزق ، والوُصول إليه ، واستخدامه ، ولكنّ العلم لا يخلق الرّزق ، لولا أنّ الله عز وجل شقّ السماء بالمطر ، وشقّ الأرض بالنبات لمُتنا جوعًا ، وهناك بلادٌ تعاني من الجفاف ، وهناك بلادٌ تعاني من الفيضانات ، معنى ذلك أنّ الرّزق بيَدِ الله وحده ، قال تعالى

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾

[سورة هود الآية:88]

 في القرآن كلّه لا توجد إلا هذه الآية ، لا يتحقّق شيءٌ إلا بِتَوفيق الله تعالى .

 

الرزق المادي والرزق الروحي

 أيها الإخوة الأكارم ؛ عَوْد على بدء ، انطلقنا من أوّل الخطبة على أنّ الرّزق ما انتفِعَ به ، لذلك يقسَّم الرّزق إلى قسمين ، رزق ماديّ هو الطعام هو ماء الأمطار ، الشراب ، الصّحة ، الأجهزة ، الأعضاء ، الحواس ، المأوى ، الثِّياب ، هذا كلّه رزقٌ ماديّ ، ولكنّ الرّزق الأخْطر منه هو رزق القِيَم ، أو الرّزق الروحي ، الرّزق المادي ينتهي عند الموت مهما كان وفيرًا ، ولكنّ رزْق القِيَم ، ورزق الروح ، هو الرّزق الذي يبقى إلى أبد الآبدين ، سوف آتيكم بالدليل ، عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال : أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((يقول ابن آدم : مالي مالي وهل لك يا ابن آدم إلا ما أكلْت فأفنيْت ، أو لبست فأبليتَ أو تصدّقت فأبْقَيْت))

[أخرجه مسلم والترمذي]

 صدقتك من رزقك لأنَّك تنتفعُ بها بعد الموت ، إذًا ليس الرّزق هو المال فقط ، ولا الصحّة فقط ، ولا الزوجة فقط ، ولا البيت فقط ، ولا سلامة الأجهزة فقط ، ولكنّ الرّزق هو ما انتفعْتَ به بعد الموت ، بل إنّ أخطر أنواع الرّزق هو الذي ينفعك بعد الموت .
 أيها الإخوة الأكارم ، آية أخرى دقيقة تؤكِّد أنّ الرّزق هو رزق الأرواح ، قال تعالى في سورة الواقعة :

﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾

[سورة الواقعة الآية:82]

 أنت لك رزقٌ من الله هو رزق العلم ، رزق السكينة ، رزق الطمأنينة ، رزق الفرح ، رزق اليقين برحمة الله عز وجل ، رزق الإقبال على الله ، رزق تلقّي تجليّات الله عز وجل ، رزق العلم ، حينما كذَّبْت بهذا الدِّين ، وكذّبْت بهذا القرآن حُرِمْت من هذا الرّزق ، قال تعالى :

﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾

[سورة الواقعة الآية:82]

 ماذا قال سيّدنا موسى عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام ؟ قال تعالى :

﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾

[سورة القصص الآية:23-24]

 هذا هو الرّزق ، العمل الصالح من أجل أنواع الرّزق ، لماذا ؟ لأنَّه ينفعُكَ إلى أبد الآبدين وادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون ، يعني إذا ذهبْت إلى بلدٍ غربي ، ومعك الألوفٌ من العملة السوريّة ، لا تقبل إلا بالعملة المتداولة في ذاك البلد ، كذلك الدار الآخرة عملتها المتداولة العمل الصالح ، قال تعالى :

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية:99-100]

 لذلك يجب أن تؤمن أنّ أغنى الأغنياء في الدنيا هو الذي أكرمهُ الله بالأعمال الصالحة ، لأنَّها النقد المتداول في الآخرة ، إنسانٌ ذهب إلى بلد غربي ، ولْيَكن بريطانيا ، وليس معه الجنيهات ، معه عملات أخرى ، كلّها مرفوضة ، جائع ، يتمنَّى شطيرة يأكلها ، هذه العملات لا نقبلها ، فالإنسان في الدنيا قد يسكن بيتًا فخما ، قد يملك الآلاف المؤلّفة ، قد يمْلكُ كلّ وسائل الراحة فإذا جاء الدار الآخرة ، يقول : بيتي ! مرفوض ، أهلي ، مركبتي ، معملي ، هذه عملاتٌ مرفوضة ، أين العمل الصالح ؟ لذلك سيّدنا علي يقول : (الغنى والفقر بعد العرض على الله) ، أنت غنيّ بما كلّ ما في هذه الكلمة من معنى إذا أجرى الله الخير على يديك ، إذا جعلك مفتاحًا للخير ، مغلاقًا للشرّ ، إذا جعل عملك مشروعًا ، إذا جعل عملك فيه نفْعٌ للمسلمين .
 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ من منَّا يصدّق أنّ الحضارات تُبنى بالقِيَم ، وأنّه إذا انهارَت القِيَم انهارَت الحضارات ، حينما تنتهي القِيَمُ في أمَّةٍ ينتهي وُجود هذه الأمَّة ، والتاريخ يدلّ على ذلك .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ حينما تنعدم القِيَمُ في بلدٍ ، ويأكل القويّ الضعيف ، تنقطع الأرزاق ، ويدخل الناس في متاهات ، وفي حروبٍ أهليّة ، وفي قتلٍ وسلبٍ ، ونهبٍ ، بلادٌ تعاني من آلام الجوع ، يموت كل يوم كذا إنسان جوعًا ، السبب انعدام القِيَم ، حينما تنعدم القِيَم تنهار الأمم ، حينما تنهدم القيَم تنهار الحضارات ، أمثلةٌ لا أريد أن أُثني على أصحابها ، لكن بعض البلاد لا تملكُ أيّة ثروَة ، لا طبيعيّة ، ولا غير طبيعيّة ، ولا فرجات ، ولا معادن ولا بترول ، ولا شيء ، وهي الآن تتربّع على عرش الدول الغنيّة في العالم ، بالعلم الذي اتَّسم أهلها به ، وبالدّأب والجهد ، ولو بالموازين الماديّة ، وأُمَمٌ تعيشُ على ثرواتٍ طائلة ، وهي تسْتوردُ القمح ! إذًا القِيَم هي التي تبني ، وانهيارُ القِيَم هو الذي يهدم .
 يُرْوَى أنّ هارون الرشيد أهدى ملِكَ فرنسا ساعةً تعمل على الماء ، فاجتمعَ علماء فرنسا حول هذه الساعة مدهوشين ، حتى قالوا قوْلةً واحدة : إنّ فيها شيطان ، نظرًا لِجَهلهم ، نحن أمَّة حينما تمسَّكنا بالقِيَم اسْتخلفنا الله في الأرض ، قال تعالى :

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

[ سورة النور ]

 فحينما تسود القيَم تسود الأمم ، وحينما تنهار القيَم تنهار الحضارات .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ أريد أن أضع بين أيديكم هذه الحقيقة ، وهي حقيقة رياضيّة ، وهي حقيقة لما بدأتُ به في أوّل الخطبة ؛ ليس الرّزق هو المال فالذّكاء رزق ، وهو من أكبر النّعم على الإنسان ، والوسامة رزق ، سلامة الأعضاء ، والسلامة رزق ، والحكمة رزق ، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا ، وبالحكمة تجلب المال ، وبالحُمق تُبدّد المال ، أنت بالحكمة تكسبُ ثقة الناس ، وبالحُمق تُبدّد هذه الثّقة .

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[سورة البقرة الآية:269]

فضل الله على الناس بالرزق

 أيها الإخوة ؛ قال تعالى :

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

[ سورة يوسف الآية:23]

 اسأل نفسك هذا السؤال ، اُكتُب الحظوظ التي أكرمك الله بها ، واجعَل في مقدّمتها حظّ الإيمان ، وحظّ العرفان ، وحظّ معرفة الله ، وحظّ الالتزام على أمر الله ، وحظّ السّمعة الحسنة ، وحظّ طيبِ الرّزق ، وحظّ العمل الصالح ، هذا كلّه من الرّزق ، قال بعض المفسّرين في قوله تعالى :

﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾

[سورة النحل الآية:71]

 قد يظنّ أنّ الإنسان أوّل وهلة أنّ الله جعل هذا فقيرًا ، وهذا غنيًّا ! لا ، الرّزق كما اتَّفقنا على تعريفه أوّل الخطبة ما انتفعْت به قد يُعطيك الله المال ، وقد تحتاج إلى من يعلّم ابنك الرياضيات ، فهذا الذي تعلّم الرياضيات فضَّله الله عليه ، وأنت محتاجٌ إليه ، وقد يؤتيك الله المال وقد يؤتي أحدًا آخر قوَّة في عضلاته ، فإن احتجْتَ إلى نقل صندوقٍ حديدي أنت في حاجةٍ إليه ، وقد فضّله الله عليك ، إذًا حينما أعطى الله أُناسًا قوَّةً أعطى أناسًا مالاً ، أعطى أُناسًا خِبرةً ، أعطى أُناسًا علمًا ، لِيَجعلنا مُحتاجين اضْطرارًا إلى بعضنا ، لِيَقوم المجتمع البشري على التعاوُن ، وعلى تبادل الخبرات ، والمصالح والمنافع ، إذًا فضَّل بعضكم ، اِحْتَجْ إلى المرء تَكُن أسيرهُ ، اسْتَغْنِ عنه تكن نظيرهُ ، أحْسِن إليه تكن أميرهُ ، فأنت محتاجٌ إلى ثياب تلبسها ، وإلى خيّاط يخيط لك الثّياب ، أنت محتاجٌ إلى من يهذّب شعرك ، أنت محتاجٌ إلى من يصنعُ لك حاجاتك ، أنت محتاج إلى مئة مئة ألف حاجة .
 والله قد يعطيك إتقان حجةٍ واحدة تعفّ بها ، هذا تصميم الخلق ، وتخطيط المجتمع البشري ، والله فضَّل بعضكم على بعضٍ في الرّزق ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :

((خيركم من أكل من عمل يده ، واليد العليا خير من اليد السفلى ...))

 لكنّ الموضوع الدقيق الذي قد يسأله أحدكم سؤالاً بديهيًّا ما الذي يزيد الرّزق ، وما الذي يقلّلُه ؟ لا شكّ أنّ الله عز وجل ضمن لكلّ واحد رزقه ، ولكنّ الرزق مضمون ومقسوم ، ضمِن رزق فلان وقسمهُ له قليلاً ، وضمن رزق فلان ، وقسمهُ له وفيرًا ، فما العوامل التي تزيد في الرزق ؟ وما العوامل التي تضعفها ؟ قال تعالى :

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾

[ سورة الفجر الآية:15-16]

 هذه مقولةٌ يقولها الإنسان ، ولكن ما حكم الشريعة في هذه المقولة ؟ حكم الشريعة القرآنيّة: كَلاَّ ! ليس عطائي إكرامًا ، ولا منعي حرمانًا ، إنّ عطائي ابتلاء ، وحرماني بلاء ، أما إذا أنفقْت هذا الرّزق في طاعة الله انقلب إلى نعمة ، الرّزق حيادي ، وعطاءٌ حيادي ، إذا أُنفقَ في طاعة الله انقلبَ إلى نعمة ينتفع بها بعد الموت ، صار عملاً صالحًا ، وإذا أنفق في معصيَة الله أصبح نقمةً تهلكُ في الدنيا ، وفي الآخرة ، لذلك وفرة المال ليس رزقًا بالمعنى الشائع ، ولكنّه امتحان وابتلاء ، أما إذا أنفق المال في طاعة الله انقلب إلى رحمة ، وإلى عطاءٍ حقيقيّ ، هذه الموضوعات وغيرها إن شاء الله تعالى نُعالجها في خطبة أخرى لأنّ الموضوع خطير ، وجدير بكلّ اهتمام ، وما منّا من أحد إلا وهو متعلّق به شاء أم أبى ، فإن فهمهُ فهمًا مغلوطًا ، وإن دخل عليه الأوهام ، وإن غابَت عليه الحقائق شقيَ في الدنيا والآخرة ، وإن استبصر بِنور الله عز وجل ، ورأى الحقّ حقًّا فاتَّبعَه ، والباطل باطلاً فاجْتنبه ، فهذا من فضل الله عليه ، كعناوين للخطبة القادمة ، الأمانة تجلب الرّزق ، والأمانة غنًى ، وإتقان العمل يزيد في الرّزق ، صلة الرحم تزيد في الرّزق ، برّ الوالدين يزيد في الرّزق ، والاستقامة على أمر الله تزيد في الرّزق ، قال تعالى :

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾

[سورة الجن الآية:16]

 قال تعالى :

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

[سورة الأعراف الآية:96]

 هذه الموضوعات إن شاء الله نُرجؤُها إلى خطبة قادمة ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم ، فيا فوز المستغفرين .

 

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

فائدة الوضوء في منع انتشار مرض التراخوما

 أيها الإخوة الأكارم ؛ يُعجبني من المؤمن أنَّه إذا درس ، وتعلّم ، يوظّف هذا العلم في خدمة الحقّ ، فأخٌ كريم من إخوتنا المخصّصين في الفروع العلميّة أطْلعني البارحة على موضوع جدير أن أُطلعكم عليه ، هذا الموضوع يتعلّق بِمرضٍ يصيبُ العين ، هذا المرض اسمه التراخوما، هذا المرض التهابٌ يصيبُ ملتحمة وقرنيّة العين ، وله أدوارٌ يمرّ بها ، تحريشٌ ، وحكّة خفيفتَين ، وتنتهي بالعمى ، ليس هذا يعنينَا فهذا موضوع مُستنبط من كتب الطبّ البشري ، ولكنّ الذي يعنينَا أنّ كاتبةً متخصّصة كتبَتْ مقالاً نشر لها في مجلة علميّة ، يصدرها مكتب المعلومات التابع للأمم المتحدة ، تقول هذه الكاتبة ، واستمعوا ، ودقِّقوا ، وتأمَّلوا ، واعرفوا دينكم ، تقول هذه الكاتبة : إنّ الاغتسال المنتظم ، والوُضوء للصلاة في المجتمعات الإسلاميّة قد ساعدَ كثيرًا في الحدّ من انتشار هذا المرض ؛ التراخوما ، الذي يُعدّ السبب الرئيس للعمى في بلدان العالم الثالث ، وأضافَت الكاتبة إنّ هناك ما يقربُ إلى خمس مئة مليون نسمة في جميع أنحاء العالم يُصابون بهذا المرض ، ويمكنهم تجنّب العمى إذا اتَّبعوا الطريقة الإسلامية في النظافة الواجبة على كلّ مسلمٍ قبل الصلاة ، وقالت : إنّه لوحِظَ في المجتمعات الإسلاميّة الملتزمة انخفاض نسبة الإصابة بهذا المرض ، بل إنّه وصل إلى درجة الانعدام في المجتمعات الإسلاميّة التي تلتزم خمس مرّات في اليوم ، نسبة الإصابة بهذا المرض وصلَت إلى الصّفر ، إلى درجة الانعدام ، يجب أن نؤمن أيّها الإخوة أنّ هذه الأوامر والنواهي من عند خالق البشر ، ومن عند الصانع ، ومن عند المصنّع ، من عند الخالق ، فلذلك من السذاجة أن تظنّ أنّ لأمر الله فائدةٌ أو فائدتين ، إنّ له فوائد لا تُعدّ ولا تُحصى ، كاتبةٌ لا علاقة بأمر الدِّين إطلاقًا ، من خلال دراستها ، وتحقيقاتها ، والإحصاءات تجد أنّ نسبة الإصابة بمرض التراخوما الذي يُصيب خمس مئة مليون نسمة في العالم كلّ عام ، مُصابون بالعمى في أنحاء العالم ، بسَبب قلّة النظافة ، لكنّ الوضوء قبل الصلاة ، تقول : إنّ الاغتسال المنتظم ، والوُضوء للصلاة في المجتمعات الإسلاميّة قد ساعدَ كثيرًا في الحدّ من انتشار هذا المرض ؛ التراخوما ، الذي يُعدّ السبب الرئيس للعمى في بلدان العالم الثالث ، وأضافَت الكاتبة إنّ هناك ما يقربُ إلى خمسمئة مليون نسمة في جميع أنحاء العالم يُصابون بهذا المرض ، ويمكنهم تجنّب العمى إذا اتَّبعوا الطريقة الإسلامية في النظافة الواجبة على كلّ مسلمٍ قبل الصلاة ، وقالت : إنّه لوحِظَ في المجتمعات الإسلاميّة الملتزمة انخفاض نسبة الإصابة بهذا المرض ، بل إنّه وصل إلى درجة الانعدام ، هذا هو شرع الله ، لذلك قال بعض العلماء : إنّ العلاقة بين الطاعة ونتائجها علاقة علميّة ، والعلاقة بين المعصية ونتائجها علاقة علميّة .
 لذلك عوْدٌ على بدء ، انطلاقًا من انَّك مفطورٌ على حبّ وُجودك ، وعلى سلامة وجودك ، وعلى كمال وُجودك ، وعلى استمرار وُجودك عليك بِطاعة الله ، وعليك بِتطبيق منهج الله ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[سورة الأحزاب الآية:71]

 وقال تعالى :

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾

[ سورة الحجرات الآية:13]

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحقّ والدِّين ، وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ ، وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018