الخطبة : 0412 - الشفاعة - زلزلال القاهرة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0412 - الشفاعة - زلزلال القاهرة.


1992-10-16

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الشفاعة مظهر من مظاهر الرحمة التي هي في قلب المؤمن :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا زلنا في الموضوع المتسلسل ، وهو خلق الرحمة ، وكيف أن الإنسان إذا اتصل بالله عز وجل اشتق منه الرحمة ، إذ أن الله جل جلاله يقول :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

[سورة آل عمران : 159 ]

 بما رحمة : أي بسبب الرحمة التي أودعت فيك من الله لنت لهم ، اللين ، والعطف، والحب ، والرأفة ، والرحمة ، والإحسان ، والعفو ، هذه كلها مظاهر للرحمة ، فموضوعنا المتسلسل الرحمة التي تودع في قلب المؤمن بسبب اتصاله بالله عز وجل ، هذه الرحمة كامنة في قلب الإنسان ، متى تظهر ؟ تظهر في مظاهر شتى ، وفي مناسبات شتى ، من هذه المناسبات الرحمة بالجار ، والرحمة باليتيم ، والرحمة بالأقارب ؛ صلة الرحم ، وبر الوالدين ، إلى ما هنالك من مناسبات تكون مظهراً للرحمة .
 واليوم أيها الأخوة ؛ موضوعنا من مظاهر الرحمة التي هي في قلب المؤمن بسبب اتصاله بالله عز وجل الشفاعة ، أن تشفع بين اثنين .
 هذا موضوع كبير ، وموضوع خطير ، إنها مظهر سلوكي في كل مجتمع ، لكن الشفاعة لها وجه صحيح ، ولها ضوابط ، ولها انحرافات ، فما الوجه الشرعي ؟ وما الضوابط التي تجعل من الشفاعة سلوكاً إسلامياً فيه قربى إلى الله عز وجل ؟

 

رفع الظلم عن مظلوم باب كبير من أبواب التقرب إلى الله :

 أول بند : قد يقع الإنسان في شبهة تعرضه لعقوبة وهو بريء من هذا الذنب ، وقع في شبهة ، تلبسه إنسان بشبهة ذنب ، هذا الذنب يستحق العقوبة ، وهو بريء ، لكنه لم يقع في هذا الذنب ، لكن قامت بعض الأدلة لحكمة أرادها الله فتلبس بهذا الذنب ، أنت أيها المؤمن إذا شفعت لهذا الإنسان البريء فقد تقربت إلى الله بعمل صالح يرضى عنك ، هذا ذنب من ذنوب الشفاعة المشروعة ، أن يُتهم الإنسان وهو بريء ، أن يتلبس بذنب وهو منه بريء ، وأن تُقدر عليه عقوبة ظالمة ، وبإمكانك أن تشفع لدى المعاقب ، بإمكانك أن تشفع لدى الذي أنزل هذه العقوبة ، هذا باب من أبواب الخير ، هذا باب عظيم ، وقد ورد :

((عدل ساعة خير من أن تعبد الله سبعين عاماً))

[رواه الديلمي عن أبي هريرة ]

(( عج حجر إلى الله تعالى فقال : إلهي وسيدي ، عبدتك كذا وكذا سنة ثم جعلتني في أس كنيف ! فقال : أو ما ترضى أن عدلت بك عن مجالس القضاة ))

[رواه تمام وابن عساكر عن أبي هريرة]

 لأن الظلم يهتز له عرش الرحمن . . قال رسول الله :

((اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا ، فإنها ليس دونها حجاب ))

[ أحمد عن أنس]

((الظلم ظلمات يوم القيامة ))

[ متفق عليه عن ابن عمر]

 إن من أشدّ الذنوب التي يعجل الله لها العقاب في الدنيا هي البغي والظلم ، فإذا كان بإمكانك أن تشفع لدى إنسان سيوقع عقوبة ظالمة بإنسان بريء ، فهذا باب كبير من أبواب البر ، هذا باب كبير من أبواب القربات إلى الله عز وجل ، هذه الشفاعة مشروعة . إنسان بريء ، وأنت موقن ببراءته ، بريء مئة بالمئة ، لكن تلبَّسه ذنب دارت حوله شبهة ، تدخلت أنت بجاهك ، بمكانتك ، بقرابتك ، بما تملك من ميزات أكرمك الله بها ، ومنعت هذا الظلم ، أوقفت هذا الظلم ، أنقذت إنسانين في وقت واحد ؛ أنقذت المظلوم في أن يقع عليه الظلم ، وأنقذت الظالم من أن يتورط في ذنب الظلم .
 هذا باب من أبواب الخير ، لا تخلو الحياة من علاقات ، ومن قرابات ، ومن مودات ، ومن صلات ، فإذا انتهى إلى علمك أن فلاناً ستوقع به عقوبة ظالمة ، بإمكانك أن تمنعها عنه فهذا باب كبير من أبواب العمل الصالح ، هذا باب كبير من أبواب التقرب إلى الله عز وجل ، هذا بند .

 

إيصال الحق إلى صاحبه و عدم المغالاة في العقوبة :

 بند آخر : قد يقع الإنسان بذنب ، في الشرع عقوبته محدودة ، لكن قد تنزل به عقوبات أرضية لا تتناسب مع هذا الذنب ، كل ذنب له عقوبة ، كل ذنب له حجم ، وحجم عقوبته بحجمه ، فإذا تفاقم حجم العقوبة أضعافاً مضاعفة عن حجم الذنب فهذا نوع من الظلم ، فإذا كان بإمكانك أن تملك ظلم التطرف في العقوبة ، ظلم المغالاة في العقوبة ، فهذه أيضاً شفاعة حسنة .
 تروي كتب السيرة أن الحر بن قيس شفع لعمه عيينة بن حصن عند عمر بن الخطاب ، إذ أن عيينة أغضب عمر ، وتهجم ، وقال كلاماً لا يمكن أن يُقال لأمير المؤمنين ، قال له : هي يا بن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم فينا بالعدل . . منتهى التطاول ، منتهى الافتراء ، ما عرف التاريخ على وجه الأرض حاكماً أعدل من عمر . . فقال الحر بن قيس - وهو ابن أخ عيينة- لعمر بن الخطاب بتلطف بالغ إن الله عز وجل قد قال لنبيه :

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾

[سورة الأعراف: 199]

 وإن هذا لمن الجاهلين - أي عمه عيينة - فعفا عمر عنه . موقف لطيف ، بمودة بالغة ، وبحرص شديد ، وبلفت نظر أديب . . هذه شفاعة حسنة . أحياناً قد تكون لأحد حاجة مباحة عند أحد ، هذا الشخص الذي عنده هذه الحاجة لا يبذلها إلا بشفاعة ، الحاجة مباحة بإمكانه أن يبذلها لكن لا يبذلها ، حاجات مباحة . . فالإمام البخاري ومسلم رويا في حديث صحيح متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لزوجته عائشة :

(( أعتقي بريرة ))

[ متفق عليه عن عائشة ]

 بريرة مولاة عائشة ، وكان زوجها عبداً ، فأعتقتها ، لما أعتقتها وأصبحت حرة خيرها النبي بين نفسها وبين أن يبقى لها زوجها ، فاختارت نفسها ، وكان زوج بريرة عبداً أسوداً يُقال له مغيث ، فكان يطوف خلفها في أسواق المدينة ويبكي .
 النبي عليه الصلاة والسلام طلب بريرة وقال : لو تراجعيه - لو تعودي إليه - أروع ما في هذه القصة أنها سألته : يا رسول الله أتأمرني ؟ أمرك شيء وشفاعتك شيء آخر ، أمرك نافذ ، قالت : أفتأمرني ؟ قال : لا إنما أنا شفيع ، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام ما أراد أن يضع مكانته الدينية العظيمة ، ما أراد أن يضع منصبه الرفيع ، ما أراد أن يجعل من مكانته المقدسة عامل تدخل في شأن شخصي ، قالت : يا رسول الله أفتأمرني ؟ أي إن أمرتني فعلت ، قال : لا إنما أن شفيع ، ومن خلال هذه القصة يتبين أن الشفيع شيء ، والآمر شيء آخر . الأمر ملزم ، النبي يأمر .

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[سورة الحشر : 7 ]

 من عصى رسول الله فقد عصى الله ، لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يعرف خطورة معصيته ، لذلك ما وضع مكانته في شأن شخصي مباح . لمغيث عند بريرة حاجة مباحة ؛ أن يكون زوجاً لها ، والزواج لا ينعقد إلا بموافقة الطرفين معاً ، وما منكم واحد إلا وحضر عقد قران ، وترون كيف أن المأذون ، أو كاتب العقد يقف ويتوجه إلى حيث توجد المخطوبة يسألها ما اسمك ؟ أموافقة أنت على هذا الزوج ؟ إن لم تقل نعم لا ينعقد الزواج ، هذا شأن شخصي . . قال : لو تراجعيه ، قالت : أفتأمرني ؟ قال : لا إنما أن شفيع ، قالت عندئذ : ليس لي فيه حاجة . حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام شفع لدى امرأة من قريباته كانت قد كرهت زوجها ، وقالت : يا رسول الله إنني أكره الكفر بعد الإيمان . أي لا أتحمل أن أكون عنده، قال : لو تراجعيه ، قالت : أفتأمرني قال : لا ، قال : ردي لها الحديقة وطلقها تطليقة .
 هذه المخالعة ، كم تتمتع المرأة بنصيبها من الحرية في الإسلام ، إن كرهت زوجاً لها أن تنخلع منه كما جاء في الشرع الشريف .

 

الشفاعة بين المتخاصمين :

 

 أيها الأخوة ؛ أيضاً أن تشفع بين زوجين ، أن توفق بين زوجين متخاصمين ، هذه شفاعة عند الله محمودة . أحياناً قد يقع قتل خطأ - كما تعلمون - في حوادث السير ، أيضاً هذه شفاعة مقبولة ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾

[سورة البقرة : 178]

 كأن الله عز وجل يوجهنا بطريق غير مباشر لو تعفو . .

﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾

[سورة البقرة : 178 ]

 أي شجعنا الله عز وجل على أن نعفو حتى في جرائم القتل ، وعندئذ يستحق أولياء المقتول الدية دون أن يقتل القاتل ، الحكم قتل القاتل ، لكن لو عفا أهل المقتول عن القاتل ، وقبضوا دية مسلمة إليهم هذا مما أثنى عليه الشرع .

﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة : 178 ]

 إذا كنت شفيعاً في حوادث من هذا القبيل ، إذا كنت شفيعاً في زواج ، في أمر مباح ، إذا كنت شفيعاً في تخفيف عقاب ، في رفع عقاب ، فهذه كلها أبواب من الشفاعة الحسنة التي أثنى الله عليها .

 

الفرق بين النصيب و الكفل :

 كيف أثنى عليها ؟ استمعوا أيها الأخوة ؛ قال تعالى :

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾

[سورة النساء : 85 ]

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾

 له حصة ،

﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾

  دققوا في الفرق بين النصيب وبين الكفل ، النصيب في الخير ، والكفل في الشر ،

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾

  معنى مقيتاً أي حافظاً يحفظ كل عمل ، وقادراً يقدر على أي عقاب . المقيت : هو الحافظ المقتدر ، يعلم ويعاقب ، وأنت أيها الأخ الكريم لن تستقيم على أمر الله إلا في حالين ؛ إذا أيقنت أنه يعلم ، وإذا أيقنت أنه يقدر، لذلك قال الله تعالى :

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾

[سورة الطلاق : 12 ]

 اختار الله جل جلاله من بين أسمائه كلها العلم والقدرة ، إن أيقنت أنه يعلم ، وأنه سيحاسب لابد من أن تستقيم على أمره . دعك من هذا إن أيقنت أن إنساناً من بني جلدتك ، من جنسك ، أن إنساناً يعلم المخالفة وسيحاسبك عليها ، لابد من أن تلتزم أمره ، فكيف بالواحد الديان ؟ لاحظ نفسك ، إذا كنت تخالف نظاماً نظمه إنسان ، وواضع النظام يعلم هذه المخالفة بشكل أو بآخر ، ولابد من أن يعاقب ، ولن تنجو من قبضته تستقيم على أمره .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا معنى قول الله عز وجل :

﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾

[سورة النساء : 85 ]

 أي يحفظ كل مخالفة ، ويقدر على إنزال العقاب بكل مخالف .

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾

[سورة النساء : 85 ]

 الشفاعة الحسنة كما فسرها المفسرون رفع الظلم عن مظلوم ، إيصال الحق إلى صاحبه ، حق ضائع ، حق شارد ، أن توصل الحق إلى صاحبه ، هذه شفاعة حسنة ، أن تعفو عمن رغب الإسلام في العفو عنه . وأن تحسن في كل ما رغب الإسلام في الإحسان إليه ، وأن تصلح بين المتخاصمين ، هذا معنى من يشفع شفاعة حسنة .

 

الشفاعة السيئة :

 وأما الشفاعة السيئة فنعوذ بالله منها ، إذا شفعت في رد حدّ من حدود الله النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمتهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا : من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا : من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((أتشفع في حد من حدود الله ، ثم قام فاختطب فقال : أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ))

[ البخاري عن عائشة رضي الله عنها ]

(( لو أن فاطمة بنت محمد - ذكر اسمها واسم أبيها - سرقت لقطعت يدها ))

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الشفاعة السيئة أن تشفع لدرء حد من حدود الله ، أن تشفع في ارتكاب معصية ، إنسان يريد أن يفتح ملهى ، لم يوافق على الرخصة ، شفعت أنت لدى من يعطي هذه الرخص ، الله يعطيك العافية على هذه الشفاعة ، هذه شفاعة سيئة ، أية معصية ، أية مخالفة ، أي مكان فاسد ، أي إفساد في الأرض ، إذا شفعت لصاحبه فأنت شريكه في الإثم. هذا معنى قول الله عز وجل :

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾

[سورة النساء : 85 ]

 يكن له كفل منها أي سيتحمل تبعة هذا العمل بالتضامن مع الذي فعله .
 أنت كفلت قرضاً ربوياً بكفالتك التجارية ، أنت شفعت شفاعة سيئة ، هناك قروض ربوية تحتاج إلى كفالة تجارية ، أنت لك سجل تجاري ذهبت وكفلت هذه الكفالة ، أي تدخل أفضى إلى معصية ، إلى مخالفة ، إلى فساد ، إلى إفساد ذات البين ، فأنت متضامن مع من ارتكب هذه المعصية .
 هذه الآية أيها الأخوة ؛ من أدق الآيات في القرآن ، لأن أحداً منها لن يخلو من أن يتوسط كل يوم ، إذا توسطت في معصية لهضم حق من الحقوق ، فلان له على فلان مال ، أقام عليه دعوى ، لكنه يفتقر إلى البينة ، والقاضي زميلك ، وصاحبك ، شفعت لدى هذا القاضي كي لا يصدر حكماً بالإدانة ، أعوذ بالله من هذه الشفاعة ، من أعان ظالماً سلطه الله عليه . إذاً الشفاعة السيئة شفاعة لدرء حد من حدود الله ، شفاعة لارتكاب معصية من معاصي الله ، شفاعة لهضم حق من حقوق الناس .

 

الشافع والمشفوع شريكان :

 الشافع والمشفوع شريكان في الوزر والإثم ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾

[سورة النساء : 85 ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الشفاعة الحسنة والسيئة لها معنى أوسع من ذلك ، المعنى الأوسع أن كلمة الشفع تعني الزوج ، والوتر تعني الفرد ، فالشفع أن تجمع بين شيئين ، أي جمع بين شيئين إن أفضى إلى خير فلك نصيب من هذا الخير ، وإن أفضى إلى شر فلك تبعة من هذا الشيء ، هذا المعنى الواسع جداً ، أي جمع بين شيئين ، قلت لإنسان : اقرأ هذا الكتاب ، الكتاب فيه شبهات ، فيه ضلالات ، فيه تزوير حقائق ، قلت له : اقرأ هذا الكتاب وتسلى به ، لا يوجد وسائط هنا ، دللت إنسانًا على قراءة كتاب هذا الكتاب فيه ضلالات ، والقارئ لا يقوى على التفريق بين الحق والباطل ، في بداية الطريق ، مثلاً دللته على مكان تُرتكب فيه بعض المعاصي فزلت قدمه ، قلت له : اذهب إلى المكان الفلاني ، اسهر مع هؤلاء ، إذا دللت أناسًا على أعمال ، وأفضت إلى معاصي وانحرافات فلك نصيب من هذه المعاصي والانحرافات . في المعنى الواسع جداً أي جمع بين شخصين . لو دللت شاباً على فتاة ليتزوجها ، ولست متأكداً من صلاح هذه الفتاة ، وهذه الفتاة استطاعت أن تفسد الزوج ، وأن تجعله يدع الصلاة ، وأن ينساق معها في شهواتها ، هذا الذي كان سبباً في هذا الزواج له كفل من هذه الشفاعة . الآن الموضوع أوسع بكثير ، في أي شأن من شؤون الحياة ، في أي نشاط من نشاطات البشر، حينما تجمع بين شيئين ، لو دللت إنساناً على دواء وأنت لست طبيباً ، من طبب ولم يُعهد منه طب فهو ضامن ، وهذا الدواء أساء إليه ، عنده حساسية من هذه المواد ، فتفاقم مرضه هذه شفاعة سيئة ، أي جمع بين شيئين ، بين إنسان ودواء ، بين إنسان وإنسان ، بين إنسان وشخص ، فنتج الشر ، لذلك احبس لسانك ، قبل أن تقول كلمة فكر فيها ملياً ، دقق ، حقق ، اجعل لكلامك قيمة ، لا تنصح قبل أن تتأكد ، لا تشر على الناس أن يفعلوا كيت وكيت . . شكا لك أن ابنه ضعيف في اللغة ، قلت له : أنا أدلك على الطريق ، لا بد لك من أن يتعلم اللغة عند أهلها ، من أن ينطق بها في جوها . فأرسل ابنه إلى بلد أجنبي ليقيم في أسرة وكأنه أحد أفرادها ، ليتعلم المحادثة ، لأن الأب تاجر يحتاج إلى ابن متفوق باللغة الأجنبية ، وهناك المنزلقات خطيرة جداً ، فإذا عاد الابن زانياً ، وشارباً للخمر ، ونافضاً يده من عقيدة أمته ومن دينه ، من الذي دل الأب على هذا الطريق ليتعلم المحادثة ؟

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾

[سورة النساء : 85 ]

 المعنى الواسع أي جمع بين شيئين ، إن أفضى إلى خير فلك منه نصيب ، وإن أفضى إلى شر فعليك منه تبعة ، وعليك منه إثم ، وأنت والمشفوع فيه شريكان في الإثم .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ روى الإمام البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((اشفعوا تؤجروا))

[متفق عليه عن أبي موسى الأشعري]

 فهناك أجر عظيم في الشفاعة ، ولكن الشفاعة لها حدود ، ولها قيود ، ولها ضوابط، ولها نظم ، فإن خرجت عنها . . كتاب كله ضلالات مثلاً ، دار النشر التي نشرته شريكة في الإثم ، البائع الذي روجه شريك في الإثم ، الذي نقله شريك في الإثم ، إياك أن تفعل شيئاً يفضي إلى فساد في العقيدة ، أو فساد في الخلق ، أو فساد في ذات البين .

 

الشفاعة بحدودها وضوابطها وقيودها عمل صالح :

 

 أيها الأخوة الأكارم ؛ أتمنى على الله جل جلاله أن تُكتب هذه الآية وأن توضع في مكان بارز :

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾

[سورة النساء : 85 ]

 قبل أن تتوسط ، قبل أن تدل ، قبل أن تدفع ، قبل أن تدلي برأيك هذا الذي تشير عليه أن يفعل كذا وكذا قد يقع في مطب كبير ، قد يقع في هاوية لا قرار لها . إلى أين أنت سائر ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((اشفعوا تؤجروا ، ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب))

 إذاً الشفاعة بحدودها وضوابطها وقيودها عمل صالح . أما إذا خرجت عن ضوابطها ، وعن حدودها ، وعن قيودها فهي عمل شرير يُعاقب عليه الإنسان ، لذلك :

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾

[سورة يس : 12]

 إنسان مثلاً أجّر بيته ، ومعلوم إذا قبض في اليوم ألفي ليرة ، أو أربعة آلاف ليرة كل يوم لليلة واحدة ، معلوم ماذا يجري في هذا البيت ، يقول لك : أنا لا دخل لي ، أنا أجرت آجاراً حلالاً ، كلا ، تعلم أنت علم اليقين ما يجري في هذا البيت ، في هذه الليلة ، إذاً أنت شريك في الإثم .

﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً ﴾

[سورة النساء : 85 ]

 تأجير ، إيجار ، نشر كتاب فيه ضلالات ، ما أوسع الشفاعة في حياة الناس ، سلوك يومي ، فقبل أن تقدم على أي عمل ، وسيطاً أو أصيلاً فاذكر هذه الآية :

﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾

[سورة النساء : 85 ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني . .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

زلزال القاهرة :

 أيها الأخوة الكرام ، قد يركب الإنسان طائرة فيشعر بالقلق ، ولا يطمئن قلبه إلا إذا درجت عجلاتها على أرض المطار ، يقول لزميله : حمداً لله على السلامة ، قد يركب الإنسان البحر ، ويهيج الموج فتضطرب نفسه ، فلا يطمئن إلا إذا كان على الأرض ، لكن المؤمن لا يطمئن إلا إذا أراد الله له السلامة فهذه الأرض الثابتة ، المستقرة ، الساكنة ، قد تتحرك من تحت أقدامنا ، قال تعالى :

﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾

[سورة الملك: 16]

 قال بعض علماء الزلازل لو أن زلزال القاهرة استمر عشر ثوانٍ لدمر نصف بيوت القاهرة ، ولمات أكثر من خمسة ملايين إنسان ، لكن الله لطف بهم لطفاً شديداً . . ماذا يمنعنا من عذاب الله ؟ بيت إسمنتي عميق الأسس ، شامخ البنيان ، ليس هناك ضمانة من أي خطر إلا أن يشاء الله لك السلامة ، فإن لم يشأ زلزل الأرض من تحت الأقدام ، عمارة تزيد عن أربعة عشر طابقاً ، أصبحت ركاماً وكأنها إسمنت مطحون ، بأثاثها وبأشخاصها ، وبآلاتها الكهربائية وبتزييناتها ، وبفرشها .
 أيها الأخوة ؛ موعظة بليغة ، آيات كثيرة يجب أن نقف عندها يمكن أن يُفسر الزلزال تفسيراً علمياً ، يقول علماء الزلازل : القشرة الأرضية تتحرك ، تتصادم ، تنضغط ، وفي بعض حالات الضغط الشديد تنزاح القشرة عن مثيلتها فيحدث الزلزال . هذا التفسير العلمي للزلزال هل يلغي التفسير الديني ؟ لا والله إنهما يتكاملان ، من هو مسبب الأسباب ؟ الله عز وجل ، هذا الذي يرفض التفسير الديني للزلزال تنطبق عليه الآية الكريمة :

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾

[سورة الصافات: 35]

 الزلزال له تفسير علمي ، جغرافي ، لا مجال لتفصيله هنا ، حركة في باطن الأرض ، تموجات في القشرة الأرضية ، انضغاط شديد ، تصدع في السطوح ، زلزال أفقي ، زلزال عمودي ، زلزال له موجات واسعة تقاس بمقياس رختر كما تسمعون لا مجال هنا لهذه التفصيلات ، ولكن التفسير العلمي للزلزال لا ينفي التفسير الديني لها ، قال تعالى :

﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾

[سورة الأنعام: 64-65]

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾

[سورة النحل: 112]

 لطف شديد من الله عز وجل لطف بأهل مصر . في عام 1556 وقع زلزال في الصين أودى بحياة ثلاثمئة وثلاثين ألف قتيل ، وفي الهند وقع زلزال ذهب ضحيته ثلاثمئة ألف قتيل ، أعداد كبيرة جداً ، لكن الله سبحانه وتعالى لطف ، لطف ونبهنا ، ولوح لنا العصا ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾

[سورة الإسراء: 58]

 كل قرية فسدت ، وخرج نساؤها كاسيات عاريات ، وأكل الربا ، وضيعت فيها الحقوق ، إذا ارتكبت هذه المعاصي ، وإذا أكل الحق ، وإذا فسد الزمان . إذا كان أمراؤكم خياركم ، وأمركم شورى بينكم ، وأغنياؤكم سمحاؤكم ، فظهر الأرض خير لكم من بطنها ، وإذا كان أمراؤكم شراركم ، وأمركم إلى نسائكم ، وأغنياؤكم بخلاؤكم ، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ، لذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى :

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾

[سورة هود: 117]

 أي مستحيل ، ليس هذا من شأنه .

﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾

[سورة الكهف: 59]

السعيد من اتعظ بغيره و عاد إلى الله :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إذاً لن يسلم الإنسان إلا في حالة واحدة ، أن يشاء الله له السلامة ، ولن يطمئن الإنسان إلا في حالة واحدة ، أن يشاء الله له الأمن والسلامة ، لذلك لِنَلُذْ بالله عز وجل ، لنعد إليه ، السعيد من اتعظ بغيره ، هذا ليس الذي وقع من خسائر تذكر أمام الزلازل الكبيرة ، هذا كما قلت قبل قليل تلويح بالعصا :

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾

[سورة الزمر: 53-54]

 سألوا عالم زلزال كبير : هل يمكن بما أوتينا من علم ، أعلى درجات العلم في الأرض ، هل يمكن بإمكان الإنسان في هذا العصر أن يتنبأ بالزلزال قبل وقوعه ولو بساعة ؟ قال :

﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾

[سورة الأعراف : 187]

 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُون﴾

[سورة الزمر: 53-55]

 بغتة ، يأتي العذاب بغتة ، لذلك لو قرأ الإنسان عن تاريخ الزلازل في العالم فقد وقع هذا كثيراً ، ولكن علينا أن نتعظ ، وأن نعود إلى الله ، وأن نضبط أمورنا ، وأن نقيم بيوتنا على منهج الله عز وجل ، وأن نسترجع ، وأن نصلح ، فلعل الله سبحانه وتعالى يحفظنا . ما من بلدة إلا يمكن أن تتعرض لزلزال ، وقد وقع في هذه البلدة زلزالاً قبل خمسين عاماً ، ولم تبق مئذنة إلا وتهدمت في جوامعنا ، هذا شيء يقع في كل مكان ، المقولة أنه ليست منطقتنا منطقة زلازل ، هذا كلام ، لا أحد يذكر أنه وقع في القاهرة زلزال لفترة طويلة ، ولو أنه استمر عشر ثوان أخرى لانهدم نصف أبنية القاهرة ، ولمات أكثر من خمسة ملايين إنسان ولكن الله لطف ، وأكرم ، وعطف عليهم .

الدعاء

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018