رحلة استراليا 2 - المحاضرة : 3 - الخطاب الديني. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رحلة استراليا 2 - المحاضرة : 3 - الخطاب الديني.


2004-08-11

 المذيع: أيها الأخوات والإخوة، أرحب بكم جميعاً في هذا اللقاء الثاني من هيئة الصداقة المسيحية في أستراليا، أرحب أولاً بالإخوة الذين تفضلوا ليقدموا خبرتهم في موضوع اليوم، وهم سيادة المطران جوليوس بتروكيوس نائب رئيس أساقفة سيدني، الكردينال جورج بيل، فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، داعية أولاً، وخطيب في مسجد الشيخ عبد الغني النابلسي في دمشق، وهو الحفيد الرابع للشيخ العلامة الشيخ النابلسي، ترك وراءه ما يقارب مئتين وثلاثين كتابًا، ونرحب أيضاً بالأخ العزيز السيد أنطوان القزي، عضو هيئة الصداقة المسيحية الإسلامية، أرحب بكم جميعاً، وأرحب أيضاً بالإخوة الإعلاميين، وأشكر تلاطف الإخوة معي لقبول دعوتنا، ومشاركتنا هذه الندوة، رغم التزاماتهم الكثيرة، ليتحدث كل واحد من الإخوة المحاضرين لفترة عشرين دقيقة حول نظرتهم الشخصية للخطاب الديني في دُور العبادة، ثم نفتح المجال لأسئلتكم، وعلى مقاعدكم تجدون ورقة تساعدكم على كتابة السؤال الذي تريدونه، وإلى أي شخص تريدون أن يجيبكم عنه.
 أيها الأخوات والإخوة، الخطاب الديني في دور العبادة هو عنوان ندوتنا هذه الليلة، موضوع جريء يستحق أن نتوقف عنده، لِما له من تأثير على شعوبنا، نحن في هيئة الصداقة على قناعة تامة بأن دور العبادة مسؤولية كبيرة في القيادة في المجتمع المدني، وعلينا جميعاً أولاً: أن نتدرب على توجيه المؤمنين والمؤمنات في دور العبادة لبناء مستقبل أفضل للإنسانية، ولعالم تسوده المحبة والسلامة، وهيئة الصداقة تؤمن بأن الأديان يجب أن تتحالف من أجل وضع أسس أخلاقية وروحية مشتركة، هذا التحالف يجب ألاّ يرمي إلى تصادم، بل على العكس، يجدر به، أي الخطاب الديني أن يفتش باستمرار على حلفاء جدد، حتى حلفاء في أوساط غير المؤمنين، والهيئة تؤمن أيضاً أن الخطاب الديني يجب أن يبقى باستمرار إلى تحرير الإنسان، وإلى خير الإنسان، ونشر الثقة والمسامحة والتضامن، كما عليه أن يسمو إلى تجدد روحي وأخلاقي، بعيدًا عن العنف والكراهية.
 في مطلع الألف الثالث الذي افتتح منذ أربع سنوات يحتاج العالم إلى خطاب ديني معتدل، يقود للمصالحة بين التعددية الثقافية والتقاليد، وأن يختار بينها، ينبغي علينا أن نجد الطريق معاً الذي يروي السلام، حيث كل واحد يسهم في الأخوّة والتضامن من أجل خير الكل.
 فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي يهدينا من خبرته، وله في الحوار الإسلامي والمسيحي في سوريا ودمشق خصوصا الباع الطويل، واشترك منذ سنوات في المؤتمر مؤتمر الأخوّة في الأديان في مكتبة الأسد على ما أذكر، وكان من بين هؤلاء الذين حضروا هذا المؤتمر، وكان مدير إحدى الندوات، وله فعلاً علاقات جيدة مع كل الطوائف في سوريا.
 الأستاذ: بسم الله الرحمن الرحيم، سيادة المطران يوحنا درويش راعي الروم الملكيين الكاثوليك في أستراليا ونيوزلاندا، سيادة المطران جوليوس بروكيوس نائب رئيس أساقفة سيدني، الكردينال جورج بيل السيد أنطوان القزي أحد مؤسسي هيئة الصداقة المسيحية الإسلامية، صاحب السماحة والفضيلة الشيخ تاج الدين الهلالي مفتي أستراليا، أصحاب الفضيلة رجال الدين الإسلامي، السادة أعضاء هيئة الصداقة المسيحية الإسلامية، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 فيما يبدو أن أخطر شيء في هذا العصر موضوع الخطاب الديني، ولا بد من أن نتحدث عن خطوط عريضة للخطاب الديني:
 الإنسان كائن متحرك على وجه الأرض، مفطور على حب وجوده، وسلامة وكمال واستمرار وجوده، وما من إنسان على وجه الأرض من بين ستة آلاف مليون إلا ويتمنى السلامة والسعادة، يسعد الإنسان إذا صحت حركته في الحياة، ويشقى إذا فسدت حركته، متى تصح حركته ؟ لو أن واحداً منا ذهب إلى بلد أجنبي، ونزل في أحد الفنادق، واستيقظ في صبيحة اليوم الأول، وسأل: إلى أين أذهب ؟ نسأله نحن: لماذا جئت إلى هنا ؟ إن جئت طالب علم فاذهب إلى المعاهد والجامعات، وإن جئت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمتنزهات، وإن جئت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات، متى تصح حركة إنسان سافر إلى بلد بعيد ؟ إذا عرف سر وجوده.
 لو كبّرنا هذا المثل، متى تصح حركتنا في الأرض ؟ إذا عرفنا سر وغاية وجودنا، ومن أين، وإلى أين، ولماذا ؟ هذه مهمة الخطاب الديني، والأديان السماوية كلها تؤكد أن سر وجود الإنسان أن يعبد الله، والعبادة في أدق تعاريفها: " طاعة طوعية ـ لو أنها طاعة قسرية ليست عبادة ـ طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية ـ ولو أن الإنسان أطاع الله، ولم يحبه ما عبده، ولو أنه أحبه، ولم يطعه ما عبده ـ فهي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية "، فالالتزام بمنهج الله عز وجل في الأرض، وتطبيق منهج الله في الأرض هو الأصل، والسبب معرفة الله، والثمرة هي المتعة الجمالية، لأن الله عز وجل خلق عباده ليرحمهم، على خلاف ما يقال من الذين لا يعرفون حقيقة الدين، خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم.
 أيها الإخوة، لا تصح حركة الإنسان في الحياة إلا إذا عرف سر وغاية وجوده، ومن أين، وإلى أين، ولماذا ؟ وهذا أكبر مضامين الخطاب الديني.
 شيء آخر، متى يسعد ؟ يسعد الإنسان إذا جاءت حركته مطابقة لهدفه الدليل: لو أن طالباً على مشارف امتحان مصيري، وأخذه أصدقاؤه إلى مكان جميل، وأطعموه أطيب الطعام، واستمتع بأجمل المناظر، لماذا يشعر بانقباض لا حدود له ؟ لأن هذه الحركة لا تتناسب مع هدفه، لو قبع في غرفة مظلمة، وقرأ الكتاب المقرر، واستوعبه لشعر براحة وسعادة لا توصف.
 تصح حركته إذا عرف سر، وغاية وجوده، ويسعد إذا جاءت حركته مطابقة لهدفه.
 أيها الإخوة الكرام، الخطاب الديني يجب أن يبني الإنسان المؤمن على فهم عميق، ونظرة موضوعية، فهي قيمة علمية، وقيمة خلقية في الوقت نفسه، ولا تجتمع قيمة في حقل العلم وفي حقل الخلق إلا الموضوعية، يجب أن نبني إنساناً يتمتع بفهم عميق، ونظرة موضوعية، وأن نجعله يتمسك بالخلق، لأن الإيمان هو الخلق، ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان، والأنبياء جميعاً إنما بعثوا ليتمموا مكارم الأخلاق، فكلمة مؤمن تعني أنها مرتبة علمية، وخُلقية، وجمالية، ويجب لهذا الإنسان الذي يعبد خالق الأكوان أن يؤمن بكل خلية في جسمه، وبكل قطرة في دمه أن الإنسان أخو الإنسان، بل إن في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام حديثاً رائعاً، فعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))

( صحيح البخاري )

 وعندنا قاعدة أصولية: أن المطلق على إطلاقه، أوسع معنى للأخوة هو الأخوة الإنسانية:

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))

 أيها الإخوة، أتكلم عن خطوط عريضة في مضامين الخطاب الديني، لا بد من أن نعرف الخالق والآمر قبل الأمر، إذا عرف هذا الإنسان المؤمن من هو الله، ماذا عنده ؟ لو أطعناه ماذا ينتظرنا ؟ وكذا لو عصيناه لتفانى في طاعته، هناك تقصير عند رجال الدين فيما يبدو في كل الأديان في التعريف بخالق الأكوان.
 أضرب مثلا بسيطًا، إنه بيننا وبين الشمس مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر ! والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، وفي أحد أبراج السماء، وهو برج العقرب نجم صغير أحمر اللون متألق، اسمه قلب العقرب، هذا النجم الصغير يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم هل يعصى ؟ ألا يخطب ودّه ؟ ألا تتقى ناره ؟ ألا ترجى جنته ؟
لا بد من أن يتّجه رجال الدين في المساجد والكنائس إلى التعريف بخالق السماوات والأرض.
 شيء آخر، هذه البعوضة التي لا يلقي لها أحد بالاً، إنها أهون مخلوق على الإنسان، بعد أن اكتُشفت المجاهر الإلكترونية تبيّن أن في رأس البعوضة مئة عين، وفي فمها ثمانية وأربعين سناً، وفي صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان، وبطينان، ودسّامان، وعندها جهاز استقبال حراري لا تتمتع به الطائرات، ترى الأشياء بحرارتها، لا بلونها، ولا بشكلها، ولا بحجمها، هذه البعوضة معها جهاز تحليل دم، وجهاز تخدير وتمييع، وفي خرطومها ست سكاكين، أربع سكاكين لإحداث جرح مربع، وسكينان يلتئمان على شكل أنبوب، وفي أرجلها محاجم ومخالب.
 هذه الموضوعات لا تعد ولا تحصى، ولكن كلما ألقاها رجال الدين في الكنائس والمساجد عرف هذا الإنسان من هو الله ؟ كيف خَلقه ؟ يوجد في الكون مليون ملْيون مجرة، درب التبابنة إحدى هذه المجرات، بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، لو كان هناك طريق لهذا النجم لاحتجنا إلى خمسين مليون عام، بينما بعض المجرات المكتشفة حديثاً تبتعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية.

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾

 

( سورة الواقعة )

 أنا أتيت بمثل سريع جداً، حينما نعرف الآمر قبل الأمر نتفانى في طاعة الآمر، وحينما نعرف الأمر، ولا نعرف الآمر نتفنن في التفلت من الأمر.
 أيها الإخوة الكرام، السيد المسيح عليه السلام جاء في القرآن الكريم على لسانه:

 

﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً (31)﴾

 

(سورة مريم)

 ضغط الدين كله في كلمتين: اتصال بالخالق، وإحسان إلى المخلوق.
 شيء آخر: يقول الله عز وجل:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)﴾

 

(سورة المائدة)

 آمن بالله الإيمان الذي يحمله على طاعته، وأن هناك يوماً آخر تسوى فيه الحسابات، إذا آمنت بالله الإيمان الذي يحمل على طاعته، وآمنت باليوم الآخر الإيمان الذي يحجزك عن أن توقع الأذى بأي إنسان، وبنى الإنسان حياته على العطاء، أعطى من علمه ووقته وخبرته، فلهم أجرهم عند ربهم، في هذه الآية تتبين حقيقة الدين، إيمان عميق يحمل على طاعة الله، إيمان باليوم الآخر يردع عن أن نوقع الأذى بأي إنسان، ثم عمل صالح أساسه العطاء، ألّف أحدهم كتاباً يخاطب أحد الكبار من الأنبياء قال: " يا من جئت الحياة فأعطـيت، ولم تأخذ يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك ".
 أيها الإخوة الكرام، هذه بعض ملامح مضمون الخطاب الديني، لكن كلمة تجديد الخطاب الديني لي عليها تعليق لطيف، أن هذا الدين هو دين الله، والله عز وجل مطلق في كماله، وهو الذات الكاملة، ودينه لا يحتاج لا إلى تعديل، ولا إلى تطوير، ولا إلى حذف، ولا إلى زيادة، ولكن يحتاج لأن يعرض عرضاً دقيقاً عميقاً إنسانياً رائعاً يحبب الناس إليه، فالتجديد في طريقة عرض الخطاب الديني.
 شيء آخر، من تعريف تجديد الخطاب الديني، وقد حضرت مؤتمراً في دمشق حول تجديد الخطاب الديني الإسلامي والمسيحي، قلت: هو أن ننزع عن الدين ما علق به مما ليس منه.
 أرأيتم إلى أي نهر في العالم منبعه ماء صافٍ عذب زلال، مصبّه ماء أسود، جاءته الروافد الكثيرة، فشوّهت صفاءَه، وشوهّت نقاءه، فينبغي أن نعود إلى أصول الدين، ونجتمع على محبة رب العالمين، والذي يرضي الله أن نحب بعضنا بعضاً، لا أن يكون عيشنا ضرورة كما تفضل الأخ الكريم، ينبغي أن نحب بعضنا بعضاً، لأن الإنسان هو الإنسان:

 

﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾

 

( سورة النساء: الآية 1)

 هو الذي فطرنا فطرة واحدة، لي تجربة في هذا الموضوع: سافرت مع إخوة من كبار رجال الدين المسيحي إلى السودان، وجلست معهم ساعات وساعات، ورأيت أن مشكلة الإنسان هي مشكلة الإنسان، والإنسان هو الإنسان في ارتفاعه، وانحطاطه، وفي قوته وضعفه، وفي سموه وتخلفه، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهم رجال الدين الإسلامي والمسيحي أن يجددوا خطابهم الديني، بمعنى أن ينبهوا الإنسان إلى حقيقة هذه الأديان التي تسمو بالإنسان، وتحقق وجوده , أن يكون بناء الإنسان بناء إنسانيًّا أخويًّا مبنيًّا على المحبة، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
 المذيع: شكراً جزيلاً لكم، ونأخذ أول سؤال: كيف ينظر المسجد إلى المسيحيين ؟
 الأستاذ: ذكرت في كلمتي الحديث الشريف، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))

( صحيح البخاري )

 شرّاح الحديث يشرحونه شرحاً أصولياً مبني على قواعد أصول الفقه، فالمطلق في النص النبوي على إطلاقه، فإذا قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام:

(( حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))

 والأخوة بمفهومها الواسع تعني الأخوة الإنسانية، الدين لا يؤخذ من ممارسات المسلمين، ولا من ممارسات أتباع عالم دين، بل يؤخذ من أصوله وينابيعه ومرجعياته، هذا موقف المسلمين من غير المسلم، بل إن قضية أن يعيش المسلم مع أخيه المسيحي في ود وتواصل، وزيارة وتقديم هدية، ومساعدة وتضحية، هذا من أصول الدين الإسلامي، ننطلق بهذا لقول الله عز وجل:

 

﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾

 

(سورة التوبة)

 هذا القرآن، وتلك السنة، الممارسات لا علاقة لها بالدين، إلا أن قلة قليلة تفصل الممارسات الخاطئة عن حقيقة الدين، بينما الخط العريض في المجتمع لا يفصل، يفهم الإسلام من ممارسات خاطئة، ونفهم أتباع أي دين من ممارساتهم الخاطئة، وهذا الذي أقوله لعله إجابة عن هذا السؤال.
 المذيع: دكتور النابلسي، أشرت إلى أن الله عز وجل خلق الإنسان ليسير على منهج، هل بالإمكان الاستفاضة، وبخاصة من ناحية أي منهج تقصد تحديداً ؟
 الأستاذ: ما هو المنهج الذي يليق بخالق الأكوان ؟ أيرضي خالق الأكوان أن يؤذي الإنسان أخاه الإنسان ؟ أيرضى خالق الأكوان، ونحن جميعاً عباده أن يبني واحد منا مجده على أنقاض الآخرين ؟ أو حياته على موتهم، أو غناه على فقرهم، وأمْنه على خوفهم، وعزه على ذلهم ؟ دعك من هذه الأفكار، تعال إلى أبٍ له أولاد، أيّ أب في الأرض يتمنى أن يعتدي أخ على أخ ؟ واللهِ كنت في جنوب السودان، ورأيت من المآسي الإنسانية ما لا يصدق، وكنت مع إخوة كرام من كبار بطارقة الدين المسيحي في سوريا، فلما قابلنا رئيس الجمهورية، قلت له: والله أحتقر نفسي إذا جاءني خاطر أن هؤلاء الذين أمامي مسيحيون أم مسلمون، لماذا ؟ هؤلاء بنيان الله، الإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله، ومن أخاف إنسانًا، ومن ابتز ماله، وأوقع فيه الأذى هذا لا يرضي الله، نحن ابتعدنا عن الله كثيراً.
 أيها الإخوة، الانتماء لأي دين التاريخي، أو الشكلي لا قيمة له إطلاقاً، بل هو سبب العداء، أما إذا انتميت إلى الدين انتماء حقيقيًا، وعرفت أن هذا الذي أمامك عبد لله، وهذا لا يرضيه أن تغشّه، ففي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ))

( صحيح مسلم )

 ينفي عنه النبي عليه الصلاة والسلام أن ينتمي لهذا الدين كلياً، من غشّ مطلقاً، حينما تغش أيّ إنسان فأنت لست من المسلمين، هذا الذي يفهمه رجال الدين المخلصون الشرفاء، الذين نذروا حياتهم لنشر العدل والسلام، والمحبة والتسامح بين البشر.
 الأخ السائل: ما الفرق بين الدعوة الإسلامية في الدول العربية وفي البلاد الأجنبية ؟
 الأستاذ: الحقيقة أننا ـ والحمد لله ـ نتمتع بنشاط واسع في سوريا، المساجد ممتلئة والكنائس ممتلئة، والتعايش في أعلى درجة، وسافرت إلى بلاد عديدة لأنقلها إلى هذه البلاد، لكن أنا أرى أن بعض البلاد العربية حينما ألغت الدين كلياً، وقمعته، والدين كالهواء لا يستطيع إنسان أن يعيش من دونه حتى أصحاب الديانات الوضعية غير السماوية لبُّوا حاجة فطرية، ما الحاجة ؟

 

﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21)﴾

 

(سورة المعارج )

 الإنسان ضعيف، ويخاف، هذه نقاط ضعف في خَلقه لصالحه، تشتري آلة غالية، ثمنها باهظ، نفعها كبير فيها ( فيوز ) ما هو ( الفيوز )؟ نقطة وصل ضعيفة، إذا جاء تيار قوي ليحرقها انقطع التيار بهذا الفيوز، ففي الإنسان نقطة ضعف هي لصالح إيمانه، هذه النقطة ضعفه، وقلقه، وخوفه من المستقبل، وثمة نواحً أخرى تدعوه إلى التدين، فحاجة الإنسان إلى التدين حاجة أساسية كحاجته إلى الهواء، فإما أن نعبد الخالق، وإما أن نخترع إلهاً نعبده من دون الله، كالأديان الوضعية، فحينما تقمع الدين كلياً تنشأ بؤرًا متطرفة، لا تعرف الدين الوسطي، دين التسامح، لا دين الفهم العميق، لا دين الأخوة، لذلك كنت أتمنى في كل خطاباتي الدينية أن يمكن العلماء الربانيون المتوازنون الذين يفهمون الدين فهمًا عميقًا من منابر المسلمين، ومن أجهزة الإعلام، لئلا ينشأ التطرف.
 لذلك نشأ هذا التطرف، إما من اعتماد جانب ضيق في الدين، وتكفير كل ما سوى ذلك، أو من قمع الدين كلياً، ولكن أتمنى أن تعمم التجربة التي نعيشها في سوريا على كل البلاد العربية في إتاحة الفرصة لرجال الدين أن يمارسوا نشاطاً وفق منهج السماء، هذه هي الإجابة.
 أما الدعوة في بلاد الغرب، فالغرب بشكل أو بآخر يتمتع بحرية، هذه الحرية من تعريفات العولمة، احترام جميع الأديان، لكن تعريف العولمة في بعض البلاد مكافحة كل الأديان، فرق كبير بين أن تحترم جميع الأديان، وبين أن تكافح كل الأديان، فأقول: الحرية لها شأن كبير، ودائماً نحن نتعايش، ونتعاون، ونتناصر، ونتكاتف، وكل منا له تصور خاص، يمارس عبادته كما يريد.
 الأخ السائل: ألا ترى أن استخدام كلمة ( كافر ) في الخطاب الديني أمر يقوم على استعلاء الآخرين ؟
 الأستاذ: لي سبعة آلاف شريط لم أذكر فيها كلمة كافر إطلاقاً.
 الأخ السائل: ما معنى عليه السلام، وصلى الله عليه وسلم ؟
 الأستاذ: قال السيد المسيح: أنا الطريق، والحق والحياة، فكل غصن لا يثبت فيّ يقطع ويلقى في النار "، وكذلك حينما أصلي على النبي صلى الله عليه وسلم أتصل به، وأقتبس من منهجه، من أخلاقه وشمائله ومحبته، المعنى واحد.
 الأخ السائل: ما المسؤول الأول عن عدم تحسن الخطاب الديني ؟
 الأستاذ: الحقيقة من السذاجة أن أعزو مشكلة كبيرة في المجتمع إلى جهة واحدة، كلنا مسؤولون، حكاماً ومحكومين، رجال دين ومؤمنين.
 الأخ السائل: ما هو السبب في تصاعد الأصولية الإسلامية في البلاد العربية ؟
 الأستاذ: دخل إنسان إلى بستان أنصاري، وأكل بلا إذنه، هذا الأنصاري ظنه سارقاً، فساقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال له النبي صلى الله عليه وسلم:

((هلا أطعمته إذا كان جائعاً ؟ وهلا علمته إذا كان جاهلاً ؟))

 كيف حلّ المشكلة ؟ من نهايتها أم من بدايتها، وما لم تحل مشكلة الظلم الاجتماعي في العالم فالتطرف سوف يزداد، وما لم تحل مشكلة الظلم الاجتماعي في كل بلاد الأرض فالتطرف يزداد، يعالجون التطرف من آخر شيء.
 الأخ السائل: لماذا لا يتحد أهل الكتاب ؟
 الأستاذ: هذا السؤال ليس لي، هو للسيد المطران.
 الأخ السائل: ماذا فعل الجامع والكنيسة لمحاربة الخطاب الديني ؟
 الأستاذ: حسب معلوماتي أنه في سوريا ما من رجل دين يتطرف في خطابه إلا، ويعزل من منصبه فوراً ! وهذه بادرة طيبة جداً.
 الأخ السائل: الرومان اعتنقوا المسيحية، وغلبهم الفرس، فقال تعالى:

 

 

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾

 

 

(سورة الروم )

 الأستاذ: أليس هناك قواسم مشتركة ؟ أثبت الله في القرآن الكريم للمؤمنين فرحهم بنصر إخوتهم أهل الكتاب، هذا دليل على أن هناك تواصلَ مشاعر الصحابة،

 

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾

 إذاً هناك في أصول الدين آراء وحقائق رائعة، نرجو أن نعود إليها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018