رحلة استراليا 1 - المحاضرة : 13 - الدعوة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رحلة استراليا 1 - المحاضرة : 13 - الدعوة .


2001-03-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزنا اتبعاه، وأرنا الباطل باطلاً وارزنا اجتنابه، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون:
 الانطباع الأول أنها بلاد جميلة، وهذا الجمال لا يكمل إلا بطاعة الله، فإذا جمعنا بين طاعة الله وبين الإقامة في بلد جميل نكون قد جمعنا الحسنيين، أما لو تصورنا أن بلاد جميلة وفيها ترتكب المعاصي والآثام فأية بلاد أخرى ليس فيها مسحة من الجمال هي أفضل منها عند الله عز وجل، فالعبرة أن يجتمع المسلمون ويكونوا بوضع سليم مع الله عز وجل، فينبغي أن يحافظوا على مقومات دينهم، وعلى تربية أولادهم وعلى وضوح هويتهم، وعلى كل شيءٍ ينجيهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، طبعاً علاقتي محدودة جداً وصلت البارحة.
 أهلاً وسهلاً.
 وجدت أن بلداً جميلاً جداً فيه الغابات الخضراء وفيه بيوت الأنيقة وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة.
 ومعنا في الأستديو فضيلة الحاج سيد قنديل أهلاً وسهلاً فضيلة السيد وكل عام وأنتم بخير كما نعلن للأخوة المستمعين بإذن الله تعالى بأننا نستقبل مكالماتكم ونستكمل الحديث مع فضيلتكم.
 حقيقة الدعوة لدين الله سبحانه وتعالى هي دعوة أمر فرض على كل مسلم و مسلمة، ونحن فضيلة الإمام في مجتمع كمجتمع أستراليا فيه مجتمع متعدد الثقافات، ما هي الفروض الأساسية، أو العوامل الأساسية في بناء شخصية المسلم كداعية، وهل هي الدعوة هنا دعوة فعل أم دعوة كلمة ؟
 الحقيقة أن الداعية لا يمكن أن يصغ إلى كلامه إلا إذا كان مطبقاً لما يقول، فأنت قد تستفيد من طبيبٍ يحمل أعلى اختصاصٍ، ولا تعن إطلاقاً بسلوكه، وقد تنتفع بمهندس بارعٍ في البناء ولا يعنيك شيء من أخلاقه، إلا عالم الدين لا يمكن أن يصغ إليه ولا أن يقبل كلامه إلا إذا كان في مستوى دعوته، يعني الناس يتعلمون في عيونهم لا بآذانهم، وحال واحد في ألف خيرٌ من قول ألف في واحد، حينما يتخذ الدين تجارةً، أو يتخذ...... تسقط الدعوة، الدعوة إلى الله من أجل الأعمال على الإطلاق إنها صنعة الأنبياء، وهي في الوقت نفسه تغدو حرفة تافهةً جداً إذا يبتغي بها أموراً أخرى ليست وجه الله عز وجل، فما من حرفة، أو ما من عمل يتذبذب بين أن يكون أعظم عملٍ على الإطلاق وبين أن يكون عملاً لا يستحق إلا نظرة ساخرة، إنه الدعوة إلى الله، يقول الله عز وجل:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

( سورة فصلت: 33 )

 الله عز وجل ربط الإيمان بآية سابقة بالاستقامة قال:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾

 

( سورة فصلت: 30 )

 وفي آية لاحقة ربط الدعوة إلى الله بالعمل الصالح، قال:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

 إذاً الدعوة إلى الله من دون أن تكون مسلماً حقيقةً، كما قيل الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، فالناس حينما يرون رجل في مستوى دعوته، مطبق لتعاليم الله عز وجل، هذا الذي يصغى إليه.
 الشيء الذي يلفت النظر، أن سيدنا جعفر بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ يوم سأله النجاشي عن الإسلام ماذا قال ؟ أنظر إلى تعريف صحابي جليل للإسلام، قال:
 أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسي الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً، ما الشيء الذي لفت نظرهم في هذا الرجل ؟ قال:
 نعرف صدقه، وأمانته، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده، ونخلع ما كان يبعد آباءنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، هذا الصحابي الجليل الذي كان من أقرب الأصحاب إلى قلب النبي عليه الصلاة والسلام، كيف فهم الإسلام، فهمه قيماً أخلاقية أما حينما نفهم نحن اليوم عبادات شعائرية جوفاء، هذا الدين لا نستطيع عندئذٍ أن نقطف ثماره إطلاقاً، يغدو الآن ثقافة، أو عادات وتقاليد أو فالكلور أو تراث كما يسميه الطرف الآخرة، أما حينما يكون منهجاً مطبقاً يكون دين حقيقياً، من معاني قوله تعالى:

 

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾

 

( سورة آل عمران: 19 )

 طبعاً الآيات الكريمة حمالة أوجه، قد تجد معناً ضيقاً لآية، وقد يتسع هذا المعنى، من المعاني المحتملة لهذه الآية، لا تكون أنت ديناً إلا إذا استسلمت لله عز وجل، إسلام الوجه، إسلام الخضوع، إسلام الطاعة إسلام الحب، إسلام التوحيد، هذا هو الإسلام، فلذلك ورد في بعض الأحاديث الصحيحة أنه لن تغلب أمتي من أثني عشر ألف من قلة، فإذا كان المسلمون يزيدون عن مليار ومئتين مليون، وليست كلمتهم هي العلية هذا واقع، وليس أمرهم إليهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيلٍ وسبيل ما الذي نستنبطه من هذه المفارقة الحادة، نستنبط من قوله تعالى:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾

 

( سورة النور: 55 )

 ولعل في قوله تعالى:

﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾

 فيها إشارة إلى أن هذا من قوانين الله الثابتة، ثم يقول الله عز وجل:

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

 

( سورة النور: 55 )

 أروع ما في هذه الآية أن هذا التمكين مقيد بصفة، الصفة كما قال المناطق قيد، الصفة قيد، قال:

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾

 أي دين:

 

﴿الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

 فإن لم يمكنهن في الأرض، وكما هو معلوم زوال السماوات والأرض أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، فإن لم يمكنهم في الأرض، فالاستنباط الحتمي والقطعي أن دينهم الذي ألفوه لم يرتضه الله لهم، وقلت البارحة كلمة لأحد الأصدقاء، والله الذي لا إله إلا هو لو أن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهموا الإسلام كما يفهمه المسلمون اليوم، عبادات شعائرية، دينه في واد وحياته في واد آخر بيته ليس إسلامياً، عمله ليس إسلامياً، أفراحه ليست إسلامية، أتراحه ليست إسلامية، سفره ليس إسلامياً، هناك تفلت، هناك كسب غير مشروع، هناك إنفاق غير مشروع، هناك علاقات اجتماعية غير مشروعة، لو فهم الصحابة الكرام الإسلام كما يفهمه الناس اليوم، والله ما خرج من مكة، ولما وصل إلى المدينة، ولكن حينما انتشر في الأفاق عندئذٍ نستنبط من هذا أن أصحاب رسول الله كانوا في مستوى الدعوة والآن لا سبيل إلى أن نصطلح مع الله إلا أن نطبق حكمه، يعني في ملمح رائع في الآية:

 

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾

 هناك من يعزي الفضائل إلى التربية البيتية، فقط يقول لك مثلاً: ثقافة شخصية، يقول لك: جبلة سليمة.

 

﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾

 لن أكون صالحاً إلا إذا كنت من المسلمين.
 عفواً فضيلة الإمام وحقيقة حينما نتحدث عن مفهوم الدعوة بالأسلوب يلي فضيلتك وضحته لنا بهذه السورة الشقية كما نعلم فضيلتكم بأن الظواهر هي عنوان البواطن، كيف يبني المسلم شخصيته الإسلامية من خلال بناء البواطن، أصبحت حتى أن القول المعروف إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمظهر النية بشخصية الفرد المسلم، وهنا أحدد بالضبط شخصية الفرد المسلم بين أبناء الجالية، أو بمعنى أدق في دول المهجر مثل أستراليا أو باقي الدول الأخرى، بالطبع هناك بعض المتغيرات تؤثر عليه، ولكن هنا أهم ما تتميز به قارة أستراليا أن كل الإمكانيات المادية متاحة حقيقةً، لكن النية هي عنوان البواطن هنا نحتاج إلى بعض أدوية من الطبيب لكي نطرحها، فما هو الدواء المناسب لهذه الحلقة فضيلة الإمام.
الذي أعتقده وأرجو أن يكون صواباً هو إن الإنسان لمجرد أن يتصل بالله عز وجل يشتق من كمال الله كمالاً، ورد في بعض الآثار أن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، وقبل قليل قلت لكم إن مضمون الإسلام مضمون أخلاقي، وسآتيكم بآية توضح ذلك المعنى، قال تعالى:

 

 

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

 

( سورة آل عمران: 159 )

 يعني بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، لنت لهم فالتفوا حولك، وأحبوك.

 

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

 

( سورة آل عمران: 159 )

 لو لم تكن متصلاً بنا لقسا قلبك، ولانعكست هذه القسوة غلظةً وفظاظةً عندئذٍ ينفضوا الناس من حولك، إذاً كأنني بمعادلة رياضية تتصل بالله فيمتلئ القلب رحمةً فتنعكس الرحمة ليناً، فيلتف الناس حولك ويحبوك ينقطع المرء عن الله فيمتلئ قلبه قسوة تنعكس القسوة غلظةً فينفضوا الناس من حولك، فالداعية قبل أن يصلح لسانة، وقبل أن يحشو دماغه بالمعلومات الدقيقة ينبغي أن يصلح قلبه كي يكون قوةً في التأثير، الذي أعتقده أن الإنسان لمجرد أن يطيع الله عز وجل، وأن يكون مخلصاً في طاعته يمنح الله بشكل لا ندري ما هو، يمنح كلامه قوةً في التأثير، هذه القوة من خلق الله تعالى، هذه القوة يمنحها لدعاة الصادقين المخلصين المطبقين المنيبين، هذه واحدة، أما الشيء الدقيق في قوله تعالى:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 

( سورة الشعراء: 88 ـ 89)

 القلب السليم هو سبيل النجاة يوم القيامة، أمراض الجسد تنتهي عند الموت مهما تكن وبيلة، الورم الخبيث، الخثرة في الدماغ، تشمع الكبد الفشل الكلوي، هذه أمراض عضالة، لكنها تنتهي عند الموت بينما أمراض القلب تبدأ بعد الموت، وتشقي صاحبها إلى أبد الآبدين، فلا سبيل إلى قوة التأثير، ولا سبيل إلى جمع شتات المسلمين إلا بالدعاة إلى الله صادقين، لا يتخذون الدين حرفة، هل تصدق ماذا قال الإمام الشافعي يقول: والله لأن أرتزق بالرقص أفضل من أن أرتزق بالدين، هذا الدين ينبغي أن يكون في السماء، صفاءً، وطهراً، ونقاء، لا أن يكون في وحل البشر، في وحول المطامع المادية، في وحول المصالح الشخصية في وحول الأهواء، فنحن بحاجة إلى تجديد ومعنى التجديد كما ذكرته البارحة في لقاء طيب هو أن تنزع من الدين كل ما علق به مما ليس منه لا بد من تجديد، لا بد من أن نعود إلى الله عودة طيبة، أن نصطلح معه لعل الله يرحمنا.
 والله يعني أحببناك.
 بارك الله، أرجو أن أكون أهلاً لهذه المحبة.
 شعوري كمسلم هنا، أنتم مجاهدون في سبيل الله، ونحن القاعدون غير أولي الضرر، يحز في النفس ماذا يمكن أن نعمل في بلد فعلاً فيه الحرية الكاملة في ممارسة الإسلام، والله أمارس إسلامي أحسن ما كنت أمارس في أي بلد من بلاد المسلمين، يعني عند حضورنا تبين قشور المعرفة لله، حاضرنا بها، فربنا إن شاء نقرأ هنا، نسمع هنا، ما تعليق في هذا ؟
 يقول عليه الصلاة والسلام:

 

((من لم يجاهد، أو من لم يحدث نفسه بالجهاد، مات على ثلمة من النفاق ))

 لكن الجهاد شيء، والقتال شيء آخر، يا سيدي العلماء قالوا: هناك جهاد النفس والهوى، فالإنسان المهزوم أمام نفسه لا يمكن أن يقنع أحداً بالإسلام، الإنسان المهزوم أمام نفسه الذي تبع هواه، الذي آثار مصالحه على طاعة الله، لا يمكن أن ينقذ أحداً، إذاً لا بد من جهاد النفس والهوى، هذا الشيء الأول.
 الشيء الثاني، هناك الجهاد الدعوي، يا سيدي دقق في قوله تعالى:

 

 

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52)﴾

 

( سورة الفرقان: 52 )

 به أي بالقرآن، سم الله تعلم القرآن وتعليمه جهاداً كبيرا، وهذا متاح في أي مكان في العالم، ولا يثير أية مشكلة، ولا يخلق أية صعوبة الجهاد الدعوي، فإذا أتيح في المستقبل الجهاد القتالي شيء آخر، أم الشيء المتاح الآن لكل مسلم الجهاد الدعوي.
 يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس، خير لك من الدنيا وما فيها، خير لك من حمر النعم، إذاً أن تستطيع أن تأخذ بيد إنسانٍ شاردٍ عن الله إلى طاعة الله وإلى منهجه وإلى الصلح معه، ألم نقرأ قوله تعالى:

 

﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾

 

( سورة المائدة: 32 )

 أنت حينما تحي إنسانا تحي معه زوجته، تحي معه أولاده، تحي معه من حوله، وتحي معه ذريته.

 

﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾

 لكن من أداء الأمانة أن تكون الحقائق واضحة، فالحقيقة المرة أنا أراها أفضل ألف مرة من الوهم المريح، قد تعيش في بلد، وقد تطيع الله في أعلى درجة، وقد تقبل عليه إقبالاً لا تعرفه في بلدك، وقد تلتزم منهجاً لست ملتزماً به في بلدك، هذا كلام طيب، ولكن الذي أريد أن أوضحه أن أبنك ينبغي أن تنضم أن يكون مثلك، لأنك لو حصلت أكبر ثروة في العالم، لو بلغت أعلى منصب في العالم، لو بلغت أعلى درجة علمية في العالم، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.
 فأخوة الكرام أبناء الجالية الإسلامية في هذه البلاد، على فرضنا أنهم نجوا من عذاب الدنيا وشقاء الآخرة على فرض، العبرة أن أولادهم في رقبتهم، فينبغي أن يبذلوا أضعاف مضاعفة عما يبذلوه المسلمون في بلادهم الأصلية من العناية بأولادهم، يا سيدي الحياة الآن تشبه غابات إفريقيا، الوحوش كلها منطلقة من عقالها، والزوار إن لم يحصنوا أنفسهم بسيارة مصفحة يؤكلون، يعني هناك ألف طريق يخطف ابنك منك يخطفه، يوقعه في السقوط، يوقعه في الأشياء المنحطة، أما قديماً كنا كحديقة حيوان تقليدية، الوحوش في أقفاصها، والزوار طلقاء، أما الآن الوحوش طليقة يعني أفلامهم، وصورهم، ونساء كاسيات عاريات ودعوة إلى الزنى والمعصية، هذا تجده في أمريكا وفي أوربا وفي هذه البلاد، يعني كل شيءٍ يدعو إلى المعصية، فإن كنت أنت أباً وأنت حريصاً على طاعة ربك هذا شيء رائع، لكن ينبغي أن تهتم بابنك، لأنك حينما ترى ابنك ليس على شاكلتك، يعني يتألم الأب ألماً لا حدود له، فأنا والله من حرصي على أخوتنا الكرام في هذه البلاد، ينبغي أن يفكروا ملياً في طريقة تربية أولادهم، ينبغي أن يتجمعوا، ينبغي أن يؤسسوا بيئة موحدة، بيئة إسلامية صالحة، لأولادهم، يعني ماذا نفهم من قوله تعالى:

 

 

﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾

 

( سورة طه: 117 )

﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا ﴾

 مثنى:

 

﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾

 لم يقل الله فتشقيا قال:

 

﴿فَتَشْقَى (117)﴾

 لأن شقاء الرجل شقاء حكمي لزوجته، هذه قاعدة في العلاقات الأسرية، شقاء الابن شقاء حكمي لأبيه، أنا كنت في أمريكا زرتها أربع مرات، عقب إحدى المحاضرات التقى بي طبيب وهو في أعلى مستوى هناك وبدء يبكي، قال لي ماذا أفعل بنتي هربت مع يهودي وتزوجته فماذا أفعل ؟ أنا والله حريص على مشاعركم الطيبة، حريص على راحتكم النفسية، ولكن والله أحياناً الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، أولادكم أولادكم، يجب أن نعتي بالأولاد لأن هؤلاء في رقبتنا، وسوف نحاسب، ولقد ورد في بعض الآثار أن بنتاً تقف يوم القيامة وتقول يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، لأنه كان سبب فسادي، فهذه والله دعوة صارخة مخلصة والله وقد تكون قاسيةً قليلاً دعوة إلى تربية الأولاد في المهجر، الشيء الثابت وأنا أنطلق من حقيقة صارخة أنا أبناء الجاليات الإسلامية في المهاجر في خطر، لأن البيئة مغرية جداً وقد يذوبون فيها.
 كنت في مؤتمر في أمريكا، وقد قال بعض العلماء الكبار الدكتور القرضاوي قال: إن لم تضمن أن يكون ابن ابن أبنك مسلماً فلا ينبغي أن تبقى في بلاد يكون الجيل الثاني أو الثالث ضائعاً، هذه حقيقة واسمحوا لي.
 لا هو حقيقة هي كما تفضلتم سيادتكم وفضيلتكم بالقول بأن الحقيقة المرة أفضل بكثير من الوهم المريح، ولكن وهذا يجر يعني يعطينا إلى مأخذ آخر من هذه المآخذ من خلال التمسك والتثبت على دين الله سبحانه وتعالى في مفهوم الوحدة، وكيف نكون يداً واحدة، وفي القرآن كل مليء بالوحدة، حتى إن الإسلام إسلام وحدة، الجسم بشكل فطري واحد، لا يستطيع أن يتجزأ، مع أن في العينين والأذنين واليدين ولكن الكل واحد ما هو مفهوم الوحدة ؟
 الحقيقة الصارخة أن هناك طبعاً في الإنسان وهناك تكليف معه هناك تناقض واضح بين الطبع والتكليف، هذا التناقض هو ثمن الجنة يعني الطبع يقتضي أن تملئ عينيك من محاسن المرأة، والتكليف يقتضي أن تغض البصر، عكس، الطبع يقتضي أن تأخذ المال وتجمعه والتكليف يقتضي أن تنفقه، الطبع يقتضي أن تنام والتكليف أن تستيقظ لصلاة الفجر، هذه تمهيدات، الآن: الطبع فردي ينبغي أن أعيش وحدي وأن أتمتع وحدي، وأن أدعي الحق وأنا على الحق وحدي وما سواي على باطل، هذا هو الطبع، أما التكليف:

 

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾

 

( سورة المائدة: 2 )

 فأنت بقدر تعاونك على البر والتقوى تكون مطيعاً لله، وبقدر تأكيد فرديتك تكون عاصياً لله، هي أول حقيقة، فالمخلص يتعاون مع إخوانه، هناك اختلاف وجهات نظر كانت بين الصحابة، ولا تفسدوا وداً بينهم إطلاقاً، نتعاون فيمن اتفقنا وينصح بعضاً بعض فيما اختلفنا الطرف الآخر يا سيدي، الطرف الآخر يتعاونون على خمس بالمئة قواسم مشتركة بينهم، والمسلمون مع الأسف الشديد يقتتلون على خمس وتسعين بالمئة قواسم مشتركة، هذه مصيبة كبيرة، كتابنا واحد، ونبينا واحد وإلهاً واحد، ومنهجنا واحد، وقيمنا واحدة، وأهدافنا واحدة، ومع ذلك نقتتل، هذا يجرنا إلى حقيقة ثانية، هو أن الاختلاف بين الناس على أنواع ثلاث:
 اختلاف طبيعي سبب نقص المعلومات.

 

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾

 

( سورة البقرة: 213 )

 الاختلاف الأول طبيعي، لا يسمى لا جيداً ولا سيئاً، اختلاف طبيعي.
 الاختلاف الثاني اختلاف قذر.

 

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾

 

( سورة آل عمران: 19 )

 اختلاف بغي، اختلاف عدوان، اختلاف مصالح، اختلاف أهواء اختلاف رئاسات، هذا اختلاف قذر، وأتمنى ألا يكون بين المسلمين تجد جماعات المسلمين في كل المهاجر متفرقين، كل واحد يدعي وصلاً بليلة وليلة لا تقر لهم بذلك، كل واحد يقول أنا على حق وحدي، وما سواي على باطل، لو قال أنا على شيءٍ من الحق، أنا أتمنى أن يتكامل المسلمون، أنا أعتقد أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معصوم بمفرده، وأمته معصومة بمجموعها، لا تجتمع أمتي على ضلالة، فكل جماعة مسلمة تفوه في جانب، وغابت عنهم بعض الجوانب، تأتي جماعة ثالثة تفوقت في جانب وغابت عنها بعض الجوانب، لو هؤلاء اجتمعوا وتعاونوا وتكاتفوا وتناصروا لكانوا إسلاماً كاملاً، نحن الآن قضيتنا نكون أو لا نكون، نكون متعاونين على الحق لا نكون متفرقين على الباطل.
 ويمكن عفواً فضيلة الإمام لو تمعنا النظر أكثر في خلال فترة المصطفى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنجد من يقول نحن معشر الأنصار وهناك من يقول نحن معشر المهاجرين، ولكن هذا الاختلاف اختلاف يهديهم إلى الوحدة، ولا أن يفرقهم ويكونوا أشتاتاً، هذه من القواعد الأساسية في طبيعة الاختلاف.
 تعليق على ما تفضلتم به:
 أنا قد تسألني من أين أنت أقول لك من سورية، هذا ليس افتخاراً وليس تعالياً، وليس تكريساً للفردية لا أبداً هي حقيقة سألتني عنها فأجبتك أما أنا في اعتقادي والله لا يمكن أن يضاف على كلمة مؤمن ولا كلمة حينما تضيف مؤمن، مؤمن يعني مؤمن، خلص انتهى الأمر أنا الذي أراه أن هناك تقسيمات من صنع البشر، ملل ونحل ومذاهب واتجاهات وطوائف وأديان وأعراق وأجناس كل هذه التقسيمات ليس لها أصلاً في الدين، الأصل في الدين أن الناس رجلان.

 

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾

 

( سورة الليل: 5 ـ 10 )

 الرد الإلهي له التيسير لليسرى، و رجل آمن بالدنيا وحدها ولم يؤمن بالآخرة.

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) ﴾

 يعني آمن بالدنيا هي كل شيء، هي نهاية أمانيه ومحط رحاله، واستغنى عن طاعة الله وبنى حياته على الأخذ.
 كنت أقول دائماً الناس رجلان قوياً ونبي، قوياً ملك الرقاب، ونبي ملك القلوب، قوي ملك الرقاب بقوته، ونبي ملك القلوب بكماله، والناس جميعاً اتباع قوي أو نبي، يعني شرطي السير معه دفتر ضبط هذا تابع للقوي، صحيح، مؤمن سلاحه اللطف والرحمة والأدب هذا تابع للنبي فالناس أتباع أقوياء وأتباع أنبياء.
 لي تجربة يعني بالممارسة والخطأ يعني لقيت إذا انضممت إلى مجموعة معينة أصبحت آليا عدو الأخرى، فخرجت من كل هذه المجموعات فوجدت أنني أستطيع التحدث مع الجميع وأقبل من الجميع، ما رأيك في هذا الأسلوب.
 أنا رأي أنه ما لم يكن انتمائك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً لقول الله عز وجل:

 

 

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

 

( سورة الحجرات: 10 )

 ما قال إنما جماعة فلان إخوة، ما قال إنما الجماعة الفلانية إخوة قال:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 والمطلق على إطلاقه في القرآن وهذه قاعدة أصولية، فما لم تشعر أنك أخ لأي مؤمن من أية جماعة، دقق في قول تعالى:

 

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

 

( سورة الشعراء: 215 )

 في آية ثانية:

 

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 

( سورة الحجر: 88 )

 ما في لمن اتبعك، يعني أنت لك جامع نشأت فيه، لك شيخ علمك شيء طبيعي هذا طيب، كل واحد له أم، ليس من المعقول ولا المقبول أن تعتقد أن أمك هي الوحيدة في الأرض، وأن كل الأمهات كاذبات، لا، كم أنا لي أم لفلان له أم أيضاً، فأنا أعتقد أن الإنسان حينما ينتمي لمجموع المسلمين.

 

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

 

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 الشيء الذي يستنبط أنك ينبغي أن تحب المؤمنين جميعاً ولو لم يتبعوك، ولو لم يكونوا من جماعتك، يعني كيف نلقى الله عز وجل على خلافات فيما بيننا، لأنه كما أعتقد أنه حينما نطيع الله جميعاً، ينبغي أن نحبه جميعاً، في ملمح في الحديث الشريف، أنه ما تحاب اثنان فافترقا إلا بذنب أصابه أحدهما، معنى ذلك أنه حينما نعصي الله نختلف، الآن هذا ينقلنا إلى قاعدة، قاعدة أصولية:

 

﴿فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾

 

( سورة المائدة: 14 )

 معنى ذلك العداوة والبغضاء لها قانون، حينما أتفلت من منهج الله ويتفلت الطرف الآخر، شيء طبيعي جداً أنه تنشأ بيننا عداوة وبغضاء.
 سبحان الله يعني أيضاً التجربة الشخصية لو ربنا النقطة التي تفضلت بها وهي التأكيد على الأولاد، لو تبذل جهد مقل، ربنا يبارك في هذا الجهد
 يا سيدي والله يدخل في قلب الأب شعور والله لا يوصف ولا يقدر بثمن حينما يرى ابنه مطيعاً لله، مرة قلت لأب والله لو تملك مئة مليار دولار ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس، وحينما تملك كفاف يومك ورأيت ابنك استمراراً لك من بعدك، منيب مطيع مقبل هذا يحتاج إلى جهد كثير، أغلب الأخوة في بداية حياتهم ينشغلون بأمور أخرى فيهملون أولادهم، يكتشفون حقيقة مرة فجأة هو أنهم خسروا أولادهم، هي مشكلة كبيرة، والله أنا من محبة لكم وحرصي، قلت بهذه الملاحظات وأرجو ألا أكون قاسياً.
 لأن هي حقيقة كم تفضل بها الحج سيد في هذا الموضوع بالتحديد لأننا نحن نعاني، أما الأب دائماً وطبيعة سير العمل لا يوجد هناك علاقة حقيقية بين الأب والابن، وهذه نقطة هامة جداً في حياة الجالية الإسلامية هنا لو يفضلوا الاستثمار في المال لمجرد هو لا يعمل طول اليوم وبعد ذلك يقضي وقته بعد ذلك لو ساعتين أو ثلاثة إلى ابنه وخاصة أن لغة الدولار هي التي تحكم المجتمع العالمي فقط وليس أستراليا أو أي بلاد الدنيا العالم كله يتكلم بلغة الدولار.
 إلهاً يعبد من دون الله.
 القضية هي قضية للأسف فضيلة الإمام نعانيها يمكن نحن معنا تلفون نأخذه:
 السلام عليكم.
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته كيف الأحوال
 الحمد لله وكل عام وأنتم بخير.
 عما يتكلم وسام الكردي
 أهلاً وسهلاً أخ وسام
 ممكن أتكلم مع فضيلة الشيخ
 تفضل.
 جزاك الله خيراً فضيلة الشيخ الحمد لله على السلامة ونشكر كل أخ ساهم بدعوتك إلى أستراليا، فضيلة الشيخ كما تعلم وكما تفضلت يعني الله أنعم علينا بعدة دعوات في الجالية، ومنهم الداعية الرباني ومنهم أصحاب هذا وأصحاب هذا كم تعلم ولكن أحب أن أنوه بأن هناك أخوة مسؤولين بالجالية الإسلامية داخل الجمعيات والمجالس والاتحادات كم تعلم رغم عدم كفاءتهم، ولكن الحمد لله رب العالمين رغم كل هذه الأمور قامت بعض الجمعيات والمؤسسات لبناء المساجد كما رأيت أو المدارس أو مدفن لأموات المسلمين، والإذاعة التي تتكلم منها، رغم كل ذلك فضيلة الشيخ سؤالي أنا من بعد أمرك بوجود الآن كما تعلم أو كما أعتقد أنه خبروك أنه يوجد الآن عدة مشاريع، غير مرفوضة من قبل الدولة والبلديات كلها معها رخص لبنائها، فسؤالي أنا الجالية الإسلامية لا تستطيع أن تتحمل الأعباء كما ترى عمال وإلى الخ، رغم وجود الأخوة يلي الله أنعم عليهم بالمال الوفير، ومنهم يملك الملايين والدولارات ولكن كما تعلم بكل مكان هكذا أرجو من فضيلتك يرحمك الله بجواب يكون شافي وافي لأبناء هذه الجالية وهو السؤال ما هو دور القنصليات والسفارات العربية والإسلامية في بلاد الاغتراب أفدنا يرحمك الله بكل صراحة، بدنا نعرف بس من فضيلتك وليس تحريض ولا شيء بس بدنا نأخذ الطريقة الإسلامية كيفية مواجهة هذه السفارات والقنصليات بأستراليا لأنه إذا لا تريد تتحمل مسؤوليتها اتجاه هذه الجالية ومنهم السفارات التي ترفع شعارات لا إله إلا الله ومحمد رسول الله.
 يا أخ الكريم هناك عبادة رتيبة، وهناك عبادة مطلقة، وأنا مع العبادة المطلقة، أي أن كل مسلماً ينبغي أن يعبد الله فيما أقامه، فالذي أقامه غنياً عبادته الأولى إنفاق ماله، والذي أقامه عالماً عبادته الأولى إنفاق علمه، والذي أقامه قوياً كالممكنين في الأرض عبادتهم الأولى رعاية مصالح المسلمين، وكفى.
 ينبغي أن نعبد الله فيما أقامنا، فالذي مكنه الله في الأرض ما مكنه في الأرض إلا ليتخذ من قوته سلاحاً لمنفعة المسلمين، والذي مكنه في العلم ما مكنه في العلم إلا ليعلم الناس، والذي مكنه في المال يعني مثلاً لا يقبل من الغني أن يذكر الله مئة ألف مرة وأمواله مخزنة ومكدسة والفقراء يتألمون جوعاً، كما أن القوي لا يقبل منه أن يعبد الله بإنفاق المال ينبغي أن يعبده بإنصاف الضعفاء، هذا هو الحق، عندنا قاعدة قالها بعض العلماء الكبار لا نكفر بالتعليم، نحن لا نخطئ بالاسم، من قصر برعاية شؤون المسلمين فقد أثم عند الله، من قصر بإنفاق ماله من دون أن نسمي أحداً هكذا، كان عليه الصلاة والسلام إذا خطب يقول ما بال أقواماً يفعلون كذا وكذا ولم يذكرهم بأسمائهم.
 يمكن عفواً فضيلة الإمام لو فضيلتك تسمح لي حينما كان يمر سيدنا عمر بن الخطاب في الطريق، وجاء إليه أحد عامة الناس وقال له يا أمير المؤمنين أكسو أولادي وأمهن، حتى والحادثة هذه حضرتك يمكن تقدر أن تتحدث من خلال بشكل بسم الله ما شاء الله أين نحن من سيدنا عمر بن الخطاب، وأين نحن من المتعصم بالله الذي أقام الجيوش لنجدت امرأة.
 سيدنا عمر قال والله تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها لما لم تصلح لها الطريق يا عمر، سيدنا عمر كان في جولة في أسواق المدينة ليلاً وكان معه عبد الرحمن بن عوف، فروا قافلة قد حطت في طرف المدينة قال تعالى نحرسها، فلما وصل إليها سمع بكاء طفلاً، فقام لأمه فقال أرضعيه، فأرضعته ثم بكى، قال له أرضعيه ثانية، أرضعته ثم بكى يبدو أنه غضب قال يا أمة السوء أرضيعه، قالت وما شأنك بنا، إنني أفطمه، قال ولما ؟ قالت لأن عمر ـ لا تعرف أنه عمر ـ لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام، فما كان من هذا الخليفة الراشد إلا أن ضرب جبهته، وقال ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين، فلما صلى الفجر بأصحابه بكى بكاء شديداً، حتى أن أصحابه لم يسمعوا قراءته، من شدة بكائه، قال يا ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها وأصدر قراراً بمنح التعويض العائلي منذ الولادة لا عن الفطام، هكذا.
 سيدنا عمر سأل أحد ولاته ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال أقطع يده، قال: إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقتطع يدك، أنظر إلى قوة فهمه، قال له يا هذا إن الله قد استخلفنا عن عباده لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكر، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
 رأى إبلاً سمينة، قال لمن هذه الإبل ؟ قالوا هي لأبنك عبد الله فغضب أشد الغضب قال ائتوني به، رآه غاضباً، قال لمن هذه الإبل قال يا أبت هي لي، اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى المرعى لتسمن فماذا فعلت، أين المخالفة ؟ قال ويقول الناس ارعوا هذه الإبل فهي لبن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل وهكذا تسمن إبلك يا بن أمير المؤمنين بع هذه الإبل وخذ رأس مالك رد الباقي لبيت مال المسلمين، لي بعض كلماته ملمح رائع.
 دخل إلى بلدة كل النشاطات فيها بيد غير المسلمين، فاعتذروا عن تقصيرهم بأن الله سخرهم لنا، ماذا قال هذا الخليفة العظيم ؟ قال: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم، هو يدرك أن القوي هو المنتج، والمستهلك ضعيف، فنحن ما دمنا مستهلكين نبيع كل ثرواتنا ببعض التكنولوجيا الحديثة، تعمير محرك الطائر يكلف خمس ملايين دولار، كم طن قمح وطن قطن ‍‍‍‍‍‍‍كم ؟ فينما لا ننتج لا نواكب العصر، نبيع ثرواتنا كلها ببعض المنتجات، ببعض المخترعات فويل لأمة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تنسج، وويل لأمة تستهلك أجهزة لا تصنعها.
 معنا تلفون لبعض الأخوة.
 السلام عليكم.
 وعليكم السلام وبركاته.
 كل عام وأنتم بخير.
 وأنت بخير، أنا أوجه السؤال لفضيلة الشيخ أنا امرأة والحمد لله مسلمة، وأرتدي الحجاب، ولكنني أشعر بالتقصير الشديد في بعض الأحيان تجاه ربي نتيجة انشغال بظروف الحياة العادية من تربية الأطفال وواجبات المنزلية كل هذا، بحب أسمع نصيحة فضيلتكم ما هي الكيفية للتخلص من هذا الشعور هذا، شعور دائماً بالتأنيب، شعور بالتقصير وملامة النفس الدائمة على هذا التقصير، وهذا الشعور، وشكر لكم.
 الإنسان قد يقتنع بالحق، لكن بعد أن يقتنع بالحق يحتاج إلى إرادة قوية لتطبيقه، هذه الإرادة تتقوى بالعلم، تتقوى بصحبة الصالحين، تتقوى بطلب العلم، تتقوى بالعمل الصالح، هناك علاقة ترابطية بين العمل الصالح وبين الاتصال بالله، فكلما ازداد العمل الصالح أحكم الاتصال بالله، وكلما أحكم الاتصال بالله ازداد العمل الصالح، يعني علاقة ترابطية عظمة هذا الدين أن أية خطوة نحو الله عز وجل، تستعدي خطوات العبرة أن أضع قدمي في بداية الطريق، أما حينما أعيش بجو مفعم بالمعاصي والآثام، حينما أخالط المتفلتين، غير المنضبطين طبعاً هذه حقيقة، الإنسان تنسحب عليه أخلاقه من حوله، فلا بد من علاقات مختارة لا بد من علاقات متميزة وإلا البيئة ضاغطة وقد تصرف الإنسان عن طاعة الله عز وجل، الخلاصة.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

 

( سورة التوبة: 119 )

 لن تستطيعوا أن تتقوني يا عبادي إلا إذا كنتم في بيئة راقية، البيئة الراقية تدعوك إلى الصلاة، وإلى الذكر، وإلى إنفاق المال، وإلى معرفة الله، البيئة الأخرى تدعوك إلى أشياء لا ترضي الله عز وجل.
 لكن أرى في إحساسها بالتقصير ظاهرة إيجابية جداً والله أنا أشعر بهذا.
 سيدي قال من سرته حسنته و ساءته سيئته فذلكم المؤمن.
 معنا آخر اتصال إن شاء الله ونختم به البرنامج، السلام عليكم.
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
 تحت أمرك يا أخي.
 استغفر الله ممكن أن أسأل من المحبة لكن أسلم على الأستاذ وأن لا تكون مجيئه آخر مرة بالحقيقة نحن محتاجين إلى الأستاذ مثل الدكتور لا يكون أول مرة ولا يكون آخر مرة ـ إن شاء الله تعالى ـ دكتور لما اسمع صوتك حقيقة أرتاح يعني خصوصاً بأسماء الله الحسنى وأنت تشرح لها، ربنا يخليك وادع لنا.
 الله يجعلني أهل لهذا المديح.
 عفواً فضيلة الإمام فضيلتك يمكن سمعتك بإذنك، وعلمت بهذه الحفاوة وأنت بين أبنائكم، وقد أسعدنا الحظ وأنا أطرح هذه الأسئلة وتكريماً لي أن يكون من الممكن أو من المقبول أن يكون التلميذ جالساً تحت قدم أستاذه، ولكن أكرمني الله أنني أقف وأسأل وجهاً لوجه، إن شاء الله تعالى نأخذ من فضيلتكم خلال فترة إقامتكم في استراليا بإذن الله برامج أخرى، ونفحات أخرى بإذن الله تعالى.
 أخوة الإيمان ولإسلام: كنا مع هذا اللقاء الطيب المبارك المعمر بعبير سيدنا إبراهيم عليه السلام، وامتد إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، ثم جاء العلماء وكانوا أخذوا مأخذ المصطفى صلى الله عليه وسلم ونهجوا نهجه، وإنما يخشى الله من عباده العلماء.
 أخوة الإيمان ولإسلام: سلام من الله عليكم ورحمته و بركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018