رحلة استراليا 1 - المحاضرة : 07 - الحق ومقاييسه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رحلة استراليا 1 - المحاضرة : 07 - الحق ومقاييسه.


2001-03-10

 أيها الإخوة والأخوات:
 ركب الملك من عقل بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة والدليل:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)﴾

[ سورة البينة: الآية 7 ]

 إطلاقاً، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)﴾

 

[ سورة البينة: الآية 6 ]

 فالإنسان بين أن يكون أعلى مخلوق على وجه الأرض وبين أن يكون أحقر من أي مخلوق تحتقره، إن آمنت بالله وعملت صالحاً فأنت أول مخلوق، وإن لم تؤمن وضيعت الأمانة فقد هبط إلى أدنى مستوى على وجه الأرض.
 أيها الإخوة الكرام:
 ركب الملك من عقل بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، الذي يلفت النظر هو أن الإنسان إن لم يعرف الله يعيش على هامش الحياة، إنسان بلا هدف، إنسان بلا قيم، إنسان بلا مبادئ، إنسان بلا رسالة يحملها، حياة المؤمن حياة مقدسة لأنه يحمل رسالة، درت في بعض الأقطار فوجدت العالم الشارد عن الله عز وجل هذه سمته الأساسية إنسان بلا هدف يعيش لشهوته فقط وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْقَطِيفَةِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَفِ ))

 

[ البخاري، ابن ماجه ]

 وتعس عبد الفرج وتعس عبد الخميصة لذلك المؤمن لا يشيخ يبقى شاباً والسبب ؟ نفسه صممت لتكون لا نهائية فلا يملؤها إلا أن يسعى إلى الله، يقضي كل عمره في نشاط دائم.
 في الشام يوجد شيخ توفي رحمه الله، هذا الشيخ عاش ستاً وتسعين عاماً بدأ يعلم في الثامنة عشرة وتوفي في السادسة والتسعين، علم سبعين سنة، كان يقول للطالب يا بني أنت تلميذي وكان أبوك تلميذي وكان جدك تلميذي، في السادسة والتسعين كان منتصب القامة حاد البصر مرهف السمع أسنانه في فمه ذاكرته قوية، على كل خد من خدوده تألق، إذا سئل يا سيدي ما هذه الصحة التي متعك الله بها ؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر من عاش تقياً عاش قوياً.
 من منا لا يتمنى أن يعيش قوياً ؟ أن يعيش كريماً ؟ أن يعيش معافاً؟ سبب المعافاة في الدنيا والآخرة أن تكون مع الله، وبالمناسبة إذا قرأتم قوله تعالى:

 

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

 

[ سورة الحديد: الآية 4 ]

 هذه معية عامة، يعني الله جل جلاله مع كل عبد من عباده، و لو كان كافراً معه بالعلم:

 

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)﴾

 

[ سورة غافر: الآية 19 ]

 أما إذا قرأت قوله تعالى:

 

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)﴾

 

[سورة غافر: الآية 19]

﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)﴾

[ سورة الأنفال: الآية 19 ]

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)﴾

[ سورة البقرة: الآية 153 ]

 قالوا هذه معية خاصة، أي معهم بالتوفيق و التأييد و النصر و الحفظ، فإذا كان الله وليك تخشى أحداً ؟ و الله أيها الإخوة مع موجة اليأس التي تعم العالم الإسلامي، مع الشعور بالإحباط أحياناً، مع الشعور أن القوة ليست بيدهم، النبي عليه الصلاة و السلام بالمناسبة جاءه عدي بن حاتم، ابن حاتم طي و كان ملكاً في الجزيرة، فلما رآه سأله النبي عليه الصلاة و السلام: من الرجل ؟ قال: أنا عدي بن حاتم، كان عليه الصلاة و السلام ينزل الناس منازله، كان ملكاً فأخذه إلى الدار تكريماً له، قال: فمضى به إلى بيته، هو مشكك أهو نبي أم ملك ؟ لا يعلم، أخته سفانة نصحته قالت له: إن كان ملكاً يصبك من خيره، و إن كان نبياً لا تعدم صحبته، على الحالتين أنت رابح، إن كان ملكاً تأخذ من خيره، و إن كان نبياً تنتفع من صحبته، هو لا يدري ما إن كان هذا الرجل نبي أو ملك ؟ قال: في الطريق استوقفته امرأة ضعيفة فوقف طويلاً تكلمه في حاجتها، فقال: و الله ما هذا بأمر ملك، هذا رسول، لأنه مرة دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فرآه مضطجعاً على حصير و قد أثر الحصير في خده الشريف فبكى عمر، قال: يا عمر ما يبكيك ؟ قال رسول الله ينام على الحصير و كسرى ملك الفرس ينام على الحرير، قال:

((يا عمر أفي شك أنت ؟ إنما هي نبوة و ليست ملكاً، أنا لست ملكاً، يا عمر أما ترضى أن ينام النبي على الحصير ؟ أما ترضى أن تكون الدنيا لهم و الآخرة لنا ؟ ))

 يا إخوان:
 الناس الآن لا يرون إلا الدنيا، أبداً و الآخرة لا تدخل في حساباتهم أبداً، مع أن الدنيا إذا قستها بالآخرة لا تزيد عن مخيط غمس في مياه البحر، بماذا يرجع ؟

 

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ))

 

[ مسلم، الترمذي، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

 يقول عليه الصلاة و السلام:

 

(( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر ))

 ما دام الكون بأكمله مسخر لهذا الإنسان، فالإنسان أعظم عند الله من الكون لأنه مسخر له، أما الكون مسخر، فالإنسان إذا عرف الله كان فوق الملائكة وإن فاتته هذه المعرفة كان دون الحيوان، يجب أن تعرف من أنت، يجب أن تعرف أنك المخلوق الأول وأنك المخلوق المكرم وأنك المخلوق المكلف.
 خديجة رضي الله عنها حينما عاد النبي عليه الصلاة والسلام من غار حراء وقد جاءه الوحي قالت له: خذ قسطاً من الراحة، فماذا قال؟:

 

((انقضى عهد النوم يا خديجة.))

 هل يحمل أحدنا هموم المسلمين ؟ هل يشعر أن معه رسالة ينبغي أن يؤديها ؟ هل يشعر أنه خلق لجنة عرضها السماوات والأرض ؟ هؤلاء الناس يقول الله عنهم إن هؤلاء تحقيراً لهم:

 

﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾

 

[ سورة الإنسان: الآية 27 ]

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32)﴾

[ سورة الحاقة: الآية 25-31 ]

 سيدنا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ما دخل إلى مجلس الحكم إلا وهو يتلو هذه الآية والآية دقيقة جداً:

 

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

 

[ سورة الشعراء: الآية 205-207 ]

 الكون مسخر تسخير تعريف وتكريم، رد فعل التعريف أن تؤمن ورد فعل التكريم أن تشكر، لمجرد أن تؤمن وأن تشكر حققت الهدف من وجودك، وحينما تحقق الهدف من وجودك تتوقف كل المعالجات الإلهية، لذلك الإنسان لا يسعد إلا إذا استقام على أمر الله، ولا يسعد إلا إذا تقرب من الله.
 قبل أشهر ولد في الهند الطفل الذي أتم سكان الأرض ستة مليارات، الآن سكان الأرض ستة مليارات فهذا الطفل بولادته أتم الستة مليارات في الأرض، أنا أؤكد لكم أن هؤلاء الناس جميعاً على اختلاف مللهم ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، ودياناتهم، ومذاهبهم، وطوائفهم، لو شققت على صدورهم جميعاً لا تجد إلا طلبين، طلب السلامة، و طلب السعادة، الآن السلامة في طاعة الله، والسعادة في التقرب منه، السلامة طابعها سلبي، يقول لك أنا ما كذبت، ما اغتبت، ما نميت، ما أخذت مالاً حراماً، طبيعة الاستقامة أكثر بنودها مسبوقة بلا الناهية أو ما النافية، أنت حينما تستقيم تسلم لكن لا تسعد أما حينما تتقرب من الله بعمل صالح تسعد، هو الدين بسيط إن تستقم على أمر الله تسلم، وإن تتقرب إليه بالعمل الصالح تسعد، ومطلب السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان على وجه الأرض كائناً من كان.
 النقطة الدقيقة أنه حينما تؤمن وتشكر حققت الهدف من وجودك عندئذ لا علاج بل خير بخير، بالمناسبة أي مؤمن على وجه الأرض لابد من أن يمر بمراحل ثلاث، مرحلة التأديب إن خالف المنهج، ومرحلة الابتلاء إن طبق المنهج، ومرحلة التكريم إن ثبتّ على المنهج، في مرحلة التأديب إن لك سيئة عقاب، لو أنك اجتزت هذه المرحلة إلى مرحلة الابتلاء أنت الآن مستقيم ولكن يا ترى مقامتك هشةٌ أم صلبةٌ ؟ يا ترى أنت على حرف تعبد الله أم في الأعماق ؟ لابد من الابتلاء، بالتأديب تنتقل من المعصية إلى الطاعة أما بالابتلاء تمتحن تثبت على الطاعة أم تعود إلى المعصية، إن ثبتّ على الطاعة تدخل في مرحلة التكريم وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾

 

[ سورة الرحمن: الآية 46 ]

 قالوا: جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

 

[ سورة محمد: الآية 6 ]

 أي في الدنيا عرفها لهم، معنى ذلك أن الحق هو الشيء الثابت والشيء الهادف، دققوا في قوله تعالى:

 

﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 109 ]

 كل واحد منا قد يبني حياته على طاعة الله، يتزوج فتاةً مؤمنةً تسره إن نظر إليها وتحفظه إن غاب عنها وتطيعه إن أمرها، هذه واحدة، يبني عمله على العطاء، يختار عملاً أو حرفةً في مرضاة الله عز وجل، وكم من حرفة بنيت على ابتزاز أموال الناس، أو بث المعصية فيهم، أو تحبيب مخالفة الأمر فيهم، هذه حرفة لا ترضي الله فقد ورد في الحديث القدسي:

 

(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب واستجملوا مهنكم ))

 وعلى مناسبة الرزق هناك نقطة دقيقة جداً لو أن بستاناً هنا زرع تفاحاً من باب التقريب نقول التفاحة الرابعة في الغصن السادس في الفرع الثالث من الشجرة الثانية في البستان الفلاني في المكان الفلاني هذه لفلان، رزق مقسوم، ما دور اختياره ؟ قد يأكلها شراءً، وقد يأكلها سرقةً، وقد يأكلها هديةً، وقد يأكلها تسولاً، وقد يأكلها شراءً بماله، أو تقدم له ضيافةً، طريقة وصول الرزق باختيارك أما هو لك؟ إذاً حينما أؤمن أن الرزق مقسوم أسأل الله عز وجل أن يرزقني، المشكلة بالشرك، الإنسان حينما يشرك يسلك الطرق غير المشروعة، أما إذا آمن بالله ينتظر الرزاق.
 بالمناسبة أيها الإخوة:
 لعل من سياسة الله مع عباده أساسها الحبل المرخى أنت مخير بإمكانك أن تفعل الخيرات إلى أمد طويل دون أن تجد جزاءً وبإمكانك لا سمح الله ولا قدر أن تفعل السيئات إلى أمد طويل دون أن تجد عقاباً، لو جاء الثواب بعد العمل مباشرةً ولو جاء العقاب بعد العمل مباشرةً إذاً لبطل الاختيار، أنت مخير ومعنى مخير أنه لابد من أن تتحرك وفق ما تريد إلى أمد بعيد ثم يأتي بعد ذلك جواب الله عز وجل،قال تعالى:

 

 

﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 28 ]

 هذه قوانين الأرض، قال تعالى:

 

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 28 ]

 حينما منع المشركون من دخول مكة قل الدخل، دخل سياحي كبير منعوا من دخول مكة فكل شيء مبني على بيعهم وشرائهم توقف، فإن خفتم عيلةً فسوف يغنيكم الله من فضله، معنى هذا أنه يوجد قوانين مستنبطة من حركة الحياة، وقوانين هي قوانين العناية الإلهية هذه لا يعرفها أحد، أنت حينما تؤثر طاعة الله عز وجل على مصلحتك وتخسر فيما يبدو، يخضعك الله عز وجل إلى منظومة قوانين أخرى هي قوانين العناية الإلهية هذه القوانين تكافؤك أضعافاً مضاعفة.

 

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 28 ]

 الله عز وجل لابد من أن يجعلك أن تدفع ثمن اختيارك، إنسان يبيع خمراً تاب من بيع الخمر لابد من أن ينخفض دخله ليكون انخفاض الدخل ثمن قراره البطولي ليرقى بهذا العمل، أما إذا جاءته الثروة أضعافاً مضاعفة مع طاعته لأقبل كل العصاة على هذه الطاعة طمعاً بالربح.
 محل في حلب يبيع اللحم مكتوب على مدخله ممنوع شرب الخمر بأمر الرب والرزق على الله، هذا المحل تأتيه الساعة العاشرة لا يوجد مكان ممتلئ، تأتيه الساعة الحادية عشر، الثانية عشرة، الساعة الرابعة، الساعة الخامسة، رزق لا يعلمه إلا الله، خمس أصحاب محلات من الأرمن وضعوا هذه اللوحة نفسها لعلهم يرزقون.
 لو أن الجزاء جاء بعد الطاعة مباشرةً لأقبلوا كل الناس على هذه الطاعة، قبل أن آتي إليكم كانت ندوة في التلفزيون العربي السوري حول الحج، مدير الندوة سألني لماذا كانت مكة المكرمة في واد غير ذي زرع ومنطقة حارةٍ وازدحام شديد ؟ سمعت أن الإخوة الكرام في السعودية استقدموا خبراء من أمريكا لتنظيم شؤون الحج فدرسوا وجمعوا وطرحوا وقسموا وتأملوا واستخدموا الكومبيوترات وكتبوا تقرير رائع جداً أنهم يقترحون أن يكون الحج على مدار العام دفعاً للازدحام.
 مدير الندوة سألني لماذا كانت مكة المكرمة في واد غير ذي زرع ومنطقة حارةٍ وازدحام شديد ؟ قلت له: لو أن مكة المكرمة في سويسرا مثلاً جبال خضراء، بحيرات، مناظر جميلة، ألوان زاهية، نسيم عليل، وكان الحج على مدار العام دفعاً للازدحام، لأقبل كل الناس على هذه العبادة إقبالاً عجيباً لا طاعةً لله ولكن طلباً للاستجمام، لكن شاءت حكمة الله أن يعطيك درساً لا ينسى أن أثمن شيء في حياتك الاتصال به فألغى كل أسباب اللذة المادية، ازدحام، نفقات، تنام على الأرض، ترتدي مناشف من دون ألبسة داخلية، ممنوع أن تحلق، تتعطر، تتزين، كل أنواع التقشف مفروضة عليك، ومع ذلك الحاج الصادق يذوب سعادةً في الحج، الله ماذا فعل ؟ ألغى لك أسباب السرور المادي وحرك الاتصال به فقط.
 نحن أحياناً بالفيزياء نعرف تأثير الضغط وتأثير الحرارة بماذا ؟ لو حركنا الضغط والحرارة معاً لا نعرف التأثير ما سببه ماذا يجب أن نفعل لتجربة فيزيائية ؟ نثبت الضغط ونحرك الحرارة ونقرأ النتائج، أو نثبت الحرارة ونحرك الضغط ونقرأ النتائج، لا تظهر النتيجة واضحةً إلا إذا ثبت شيئاً وحركت شيئاً، فالله عز وجل ألغى كل أسباب الراحة المادية في الحج وحرك سبب الاتصال به، ترى الحاج الصادق طبعاً الذي حج وفق منهج الله وقلد في حجته رسول الله لا يتمنى إلا أن يعود للحج ثانيةً، وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 125 ]

 أي رغبةً في العودة مرةً بعد مرة، ثاب أي رجع.
 يا أيها الإخوة:
 لو جاء العقاب فوراً والثواب مباشرةً، كل إنسان يدفع عشرة دولارات يأخذ مئة سترى أمامك صف فيه ألفين شخص وبعضهم كفار، عمل سهل ادفع عشرة وخذ مئة، أو لو أي إنسان نظر إلى فتاة لا تحل له ففقد بصره لا أحد ينظر، لو جاء العقاب بعد المعصية أو جاء الثواب بعد الطاعة لالتغى الاختيار، كيف يثمن عمل الإنسان ؟ أنه يعص الله ويظن أنه تفلت من عقابه، من أجمل الآيات:

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾

 

[ سورة العنكبوت: الآية 4 ]

 قال علماء التفسير: أي يسبقونا أي أن يتفلتوا من عقابنا، أو أن يفعلوا شيئاً ما أراده الله.
 كنت في مؤتمر في أمريكا وقام مندوب دولة تعاني ما تعاني الآن فك الله أسرها، قال: شعبي أصيب بآلام واضطهاد وفقر وبؤس ما لم يصب به المسلمون في شتى أقطارهم في مئة عام وبكى، لكنه قال بعد قليل: والله ارتقى هؤلاء في سلم الإيمان ما لا يستطيعون أن يرتقوه في ثلاث مئة عام فكان تعليقي على كلمته، أن خطة الله استوعبت خطة أمريكا، أي خطة الله نقلت هذا الشعب المسلم من حال إلى حال عن طريقة شدةٍ ظاهرة، والشدائد تسوقنا إلى الله سوقاً.
 أخ أحب أن يسألني سؤال مداعباً، قال لي: ما ملخص دعوتك في الشام ؟ قلت له كلمتان بالتعبير الدارج: إما أن تأتيه ركضاً أو يحضرك ركضاً، اختر واحدة منهم، إما أن تأتيه طائعاً أو أن يحملك على أن تأتيه طائعاً، الله سبحانه وتعالى عنده أساليب كثيرة كل بلد لها أدوية خاصة، يجوز في بلد الإنسان يأخذ حرياته الكاملة فيعالج بجسمه، بالمرض، الله عز وجل بالتعبير العامي يمسكنا من مليون بند، إذا كان الحقوق موفرة في بلد ديمقراطي يوجد عندك حوادث سير، مرض يأتي مفاجأة، سبحان الله لا يوجد إنسان يعتد بما عنده من صحة أو من مال أو من مكانة ويؤلهها وينسى الله عز وجل إلا و يؤدبه بتعطيلها.
 حدثني طبيب في أمريكا قال لي: نسبة متوسط عمر الإنسان هناك الرجل خمسة وسبعين عام والمرأة خمسة وثمانين، والطبيب قد لا تصدقون ثلاثة وخمسين، لأنه طبيب معتد بعلمه هو يفهم كل الوسائل.
 فالله عز وجل يمكن أن يعالجنا بجسمنا، بمالنا، هذا المؤمن طبعاً ودققوا في هذه الآية:

 

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

 

[ سورة السجدة: الآية 21 ]

 أخ من أخوانا طبعاً صار حديثاً من إخوانا قال لي: أنا كنت شارداً عن الله، قال لي كلمة: والله يا أستاذ ما من معصية تعرفها إلا اقترفتها وله شبكة علاقات متينة جداً، له أصحاب لا يعدون ولا يحصون، وبمراكز قوية، وله دخل كبير يعيش لشهوته وللذته فجأةً أزمةٌ قلبية أخذ إلى المستشفى يقول لي: هكذا قلت يا رب أتحب أن ألقاك عارياً أبقي في حياتي بقيةٍ حتى أتوب، أيقن بالموت فالله استجاب له وأمد في حياته. هذا الرجل تاب إلى الله التحق بالمسجد بالدروس كلها، الفجر والظهر والمغرب والعشاء والسهرة واللقاء، فقال لي: مرة ناجيت الله عز وجل استمعوا إلى ما قال: يا رب كل هذه السعادة بالقرب منك لماذا لم تسق إلي هذه المصيبة قبل عشر سنوات ؟
 والله أيها الإخوة للمؤمن بالذات إن جاءته مصيبة في ماله قال تعالى:

 

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 155-156 ]

 امرأة زوجها يرتكب معاصي ولا يصيبه شيء فاشتكت إلى النبي وذهبت معه إلى النبي في الطريق وقع فتعثر قالت له: ارجع.
 أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي وتكدري وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي، أحياناً الشدة تسوقك إلى الله عز وجل والرخاء ينسيك الله، قال تعالى:

 

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾

 

[ سورة الفجر: الآية 15 ]

 في آية ثانية عندما يكون الإنسان بنعمة ينسى الله عز وجل، ينسى الله فنحن أحياناً نذكر بشدةٍ وهذا من فضل الله علينا.
نعود إلى الحق والباطل، الحق هو الشيء الثابت والهادف، والباطل هو الشيء الزائل.
 أخوانا الكرام:
 كلمة الآية الكريمة:

 

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً (80) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾

 

[ سورة الإسراء: الآية 78-81 ]

 كلمة زهوق في اللغة هذه صيغة مفاعلة، صيغة مبالغة، عندنا فعل كسب اسم الفاعل كاسب، قتل قاتل، سرق سارق، أما أحياناً عندنا كلمة عليم على وزن فعيل، علام على وزن فعال، فاروق على وزن فاعول، فعل على حذر، هناك عشر صيغ مبالغة لاسم الفاعل إن جاءت صيغة المبالغة في القرآن ماذا تعني ؟ قال: تعني كماً ونوعاً يعني مليار باطل نهايتهم إلى الزوال، وأكبر باطل نهايته إلى الزوال.
 والله الذي لا إله إلا هو من تنبأ قبل أن ينهار المعسكر الشرقي، من تنبأ بانهياره قبل خمس سنوات لأودع في مستشفى الأمراض العقلية أليس كذلك ؟ تداعى من الداخل.
 أقول لكم هذه الكلمة دقيقة جداً: أي جهة قوية في الأرض إن أرادت أن تخطط لمعيشة تعيشها أحلى من الخيال على بقية الشعوب نجاح هذه الخطة نجاحاً مستمراً يتناقض مع وجود الله، يعني جهة قوية جداً من هذه القوة، قال تعالى:

 

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾

 

[ سورة يونس: الآية 24 ]

 الآن في قوى في العالم تتوهم أنها قادرة على رصد أي حركة في القارات الخمس، مرة أطلعني أخ على مجلة ألمانية شيء لا يصدق الأرض بأكملها من القمر، طبعاً الأرض أخذت لها صور كثيرة من القمر، على الأرض مربع صغير جداً هذا المربع كبر فإذا أمريكا بأكملها، على هذه الصورة الثانية مربع صغير جداً في أمريكا الشمالية فلما كبر كانت فلوريدا، وعلى فلوريدا مربع صغير جداً فلما كبر كان ميناء على شاطئ فلوريدا من جهة اليمين، فلما كبر في مربع فوقه، فلما كبر كان سطحاً أخضر اللون ولكن عن قرب حشيش أخضر وفي نقطة سوداء وهذه النقطة ضمن مربع صغير، هذا المربع كبر فإذا رجل مستلق على سجادة أو على قماش وإلى جانبه صحن وفيه ثلاث تفاحات ويقرأ كتاب بإمكانك أن تقرأ عنوان الكتاب، من أين ؟ من الفضاء الخارجي، صور حقيقية، صور فوتوغرافية، فمعنى قوله تعالى ظن أهلها أنهم قادرون عليها أي توهموا أن أي حركة وسكنة على سطح الأرض في القارات الخمس مرصودة وتوهموا أيضاً أن أي نقطة في العالم تحت مرمى أسلحتهم الدقيقة والرمي، صلى الله عليه وسلم له حديث يعد من دلائل نبوة النبي قال:

 

(( عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ:وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ))

 

[ مسلم، الترمذي، أبي داود، أحمد، ابن ماجه، الدارمي ]

 يعني إصابة الهدف، الآن الأسلحة الحديثة كلها الميزة الأولى دقة الرمي، قد تنزل القنبلة في مدخنة البيت إلى غرفة النوم من قارة ثانية الأمر على الكومبيوتر، نحن شهدنا حربين، حرب الخليج وحرب البلقان، لا يوجد أسلحة أرضية أبداً جيوش أرضية لا تدمير مستمر تدمر كل شيء، لذلك الحروب الحديثة حروب غير شرعية لا تفرق بين مقاتل وغير مقاتل، الله عز وجل قال:

 

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 190 ]

 هذه تدمر البلاد و العباد والشجر، وقد قال النبي الكريم:

 

(( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ ؟ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ))

 

[ متفق عليه ]

 أيها الإخوة الكرام:
إن الباطل كان زهوقا، يعني أكبر باطل إلى زوال، وقد لا تجد طريقاً لزواله لكن إلى زوال، دقق في قوله تعالى:

 

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 12 ]

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ(47)﴾

[ سورة إبراهيم: الآية 46-47 ]

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[ سورة إبراهيم: الآية 42 ]

 أما الآية التي تشفي الغليل وتملأ القلب ثقةً بالمستقبل:

 

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 120 ]

 لأن الله موجود، قال تعالى:

 

﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)﴾

 

[ سورة طه: الآية 46 ]

 تحتاج إلى إيمان، والله زوال الكون أهون على الله من أن يتخلى عن مؤمن، قال تعالى:

 

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

 

[ سورة الطور: الآية 48 ]

﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾

[ سورة يوسف: الآية 64 ]

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ سورة فصلت: الآية 30 ]

 إخوانا الكرام:
 المؤمن عنده معنويات قوية جداً، أخطر شيء الآن أن نهزم من الداخل، لو هزمنا من الداخل لعل الله ينصرنا في المستقبل، أما الشيء الخطير أن تقول انتهينا، لماذا انتهينا ؟ الله موجود، الله عز وجل يحب كل عباده لكن يبغض عملهم أحياناً، لكن إذا استقاموا في عملهم أحبهم، قال تعالى:

 

﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾

 

[ سورة الإسراء: الآية 81 ]

 في القرآن الكريم يوجد آية لها معنى دقيق، قال تعالى:

 

﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4)﴾

 

[ سورة التحريم: الآية 4 ]

 الآن دققوا الله يخاطب امرأتين عائشة وحفصة رضي الله عنهم، هل معقول امرأتين، لو أن امرأتين انتقدتا النظام العام ممكن الدولة تعمل استنفار القوات المسلحة الأرضية والبحرية والجوية، امرأتين ضعيفتين لا تتناسب، ما معنى الآية ؟ المعنى إن تتوبا إلى الله يخاطب امرأتين من نساء النبي فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه خالق الكون وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير، قال علماء التفسير: أيها الإنسان إن أردت أن تكون في خندق معادٍ للحق فاعلم من هو الطرف الآخر، هذا هو المعنى، يعني إياك ثم إياك أن تناهض الحق، أو أن تكون طرفاً مناهضاً للحق لذلك أية معركة مع الحق خاسرة.
 لذلك الحرب بين حقين لا يكون مستحيلاً، لأن الحق لا يتعدد، بين نقطتين لن تستطيع إلا أن ترسم خط مستقيم واحد، لا يمكن لكن بإمكانك أن ترسم مليون خط منحني ومنكسر، لذلك بالقرآن الكريم الحق جاء مفرداً والباطل جمع، من يذكر هذه الآية؟

 

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 153 ]

﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾

[ سورة البقرة: الآية 257 ]

 لماذا ما قال من الظلمات إلى الأنوار ؟ أو من الظلمة إلى النور، الباطل متعدد مليون باطل، مليار باطل والحق واحد، لذلك المعركة بين حقين لا تكون، وبين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق لكن بين باطلين لا تنتهي ذهبت مدى العمر.
أيها الإخوة:
 لازلت في الحديث عن الحق والباطل، الحق الشيء الثابت أنا ممكن أن أعمل معرضاً، وأن أبني أجنحة بيومين من قماش، بلاستيك، خشب هذا الجناح بني ليهدم أما حينما أنشئ جامعة أستخدم خبراء ومهندسين وهذا البناء بني ليبقى، يقول لك عمر هذا البناء مئة سنة مئتين سنة، فبناء الجامعة بني ليبقى أما، جناح مؤقت في معرض بني ليهدم، الحق هو الشيء الثابت، الحق هو الشيء الهادف.
 الحقيقة بالمناسبة الإيمان باليوم الآخر هو إيمان إخباري كما قلت قبل يومين.
 واحداً من علماء المسلمين انفرد وهو ابن القيم أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي، لأن الإنسان لا يصدق بعقله أنه يوجد قوي وضعيف، فالقوي يعيش الناس كلهم له، والضعيف قد لا يملك قوت يومه، ويوجد غني وفقير، إنسان غني يمكن أن يسكن في بيت مكلف ملايين مملينة، ممكن بثمن حنفية بيت تشتري بيت.
 دخلت إلى بيت فخم جداً في دمشق، صاحب البيت أصلحه الله قال لي: هذا البيت مساحته أربع مئة متر، وهذا البلاط استوردته من إيطاليا شحن جوي، شيء جميل جداً، وهذا الأثاث مستورد، وهذه اللوحة من المتحف الفلاني، انساق إلى بيان عظمة هذا البيت وجمال هذا البيت وأثاث هذا البيت، فأنا قلت لنفسي تكلم معه كلمة تفيده قلت له: ما قولك في بيت في طرف المدينة غير مرخص تحت الأرض من دون كسوة، من دون ماء، من دون شمس أيوازن هذا بهذا ؟ قال: أعوذ بالله لا، شيء بديهي. قلت له: جراح قلب في أعظم مستشفى على كل عملية خمس مئة ألف وممرض في المستشفى مهمته تنظيف المرضى من بولهم وأوساخهم هل يوازن هذا مع هذا ؟ أستاذ في الجامعة ذو كرسي يحمل أعلى شهادة نصابه أربع ساعات دخله فلكي ومعلم بقرية معاشه لا يكفي يومين وقرية بعيدة وهو المدير والأستاذ والآذن، هذا يعلم وهذا يعلم هل يوازى أستاذ جامعة مع أستاذ بقرية ؟ رئيس أركان مكتب فخم وسيارات وتكييف و تدفئة مع جندي غر في جبهة، الدنيا شتاء، مملوء ماء.
 قلت له حالات حادة كثيراً، رئيس غرفة تجارة كل صفقة بخمس ملايين مع بائع متجول على الطريق، قال لي: لم أفهم شيئاً، قلت له أسمع قوله تعالى:

 

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

 

[ سورة الإسراء: الآية 21 ]

 قلت له: مراتب الدنيا لا تعني شيئاً عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارق واعمل ما شئت فإنك مجزي به، لكن مراتب الآخرة تعني كل شيء، مراتب الدنيا لا تعني شيئاً وقد تعني العكس، قال تعالى:

 

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 44 ]

 قد تعني العكس، يعني حينما كنت في أمريكا أجد أشياء صعب تصويرها، شيء جميل جداً، بلاد جميلة جداً، يعني الطائرة الخاصة شيء طبيعي جداً، يخت في البحر شيء طبيعي جداً، مركبة هي بيت متنقل للنزهات شيء طبيعي جداً، بيت مساحته ممتدة، وكنت أمازحهم وأقول لهم الموت عندكم صعب. لأنه من كل شيء إلى لا شيء إلى قبر، شيء مخيف، لذلك قال أحد الصالحين واشترى قبراً في حياته وكان يضطجع فيه كل خميس ويتلو قوله تعالى:

 

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾

 

[ سورة المؤمنون: الآية 99 ]

 يقول لنفسه قومي قد أرجعناكِ، بالمناسبة إخوانا الكرام إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً، وأحزمكم أشدكم استعداداً له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والتزود بسكنى القبور والتأهب ليوم النشور.
 ورد في بعض الآثار أن الإنسان عندما يوضع في قبره أول ليلة ينادى :

((أن عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت.))

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنـازةً  فاعلم بأنك بعدها محمــول
***

 يا أخوان:
 هنيئاً لمن كان مع الحق وفي خدمة الحق، وقد وظف كل طاقاته للحق، قارون قال تعالى:

 

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾

 

[ سورة القصص: الآية 76 ]

 دقق بعد أن بغى عليهم:

 

﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾

 

[ سورة القصص: الآية 76 ]

 إذاً الله يعطي المال لمن لا يحب، هل دليل أنك غني أن الله يحبك؟ عندنا في الشام العوام يقولون: إذا الله أحب عبده أراه ملكه، إذا إنسان معه ملايين مملينة وكل سنة ذهب إلى منطقة في العالم، إلى اليابان، ذهبت إلى تايوان، أمريكا، أوربا، ويقولها وهو قرفان، هل معقول إذا إنسان معه مال الله يحبه ؟ ليس شرطاً آتى المال لقارون وهو لا يحبه.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018