رحلة استراليا 1 - المحاضرة : 05 - أمانة التكليف. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رحلة استراليا 1 - المحاضرة : 05 - أمانة التكليف.


2001-03-09

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون:
 من عرف نفسه عرف ربه، الإنسان هو المخلوق الأول، الأول رتبة من بين المخلوقات، لقول الله عز وجل:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 72]

 و الإنسان هو المخلوق المكرم لقوله تعالى:

 

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾

 

[ سورة الإسراء: الآية 70]

 و الإنسان هو المخلوق المكلف لقوله تعالى:

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

Vفعلة وجودنا على وجه الأرض أن نعبد الله بالمفهوم الواسع، و عبادة الله عز وجل تعني طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، هذا المفهوم الواسع في العبادة يعني أن في الدين كليات ثلاث، كلية معرفية مشكلة أهل النار ملخصة بالآية الكريمة:

 

 

﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

 أزمة علم فقط لأن الإنسان مفطور على حب وجوده، و على حب سلامة وجوده، و على حب كمال وجوده، و على حب استمرار وجوده، فلو أنه أيقن أن وجوده و كمال وجوده و سلامة وجوده و استمرار وجوده بطاعة الله لأقبل على طاعة الله من حرصه على سلامته و سعادته.
 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، و إذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، و إذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، و العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لن يعطك شيئاً، و يظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
 طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، و الذي أعرض عن العلم يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً، الإنسان عقل يدرك و قلب يحب و جسم يتحرك، لابد من أن تعطي كل جانب غذاءه، فالعقل غذاؤه العلم، و القلب غذاؤه الحب، و الجسم غذاؤه الطعام و الشراب، فمن أعطى كل جانب غذاءه تفوق، و من اكتفى بجانب واحد تطرف و غلا في الدين .
 أيها الإخوة الكرام:
 العلم هو الحاجة العليا في الإنسان، فإن لم تلبَ هذه الحاجة هبط بمستوى إنسانيته إلى مستوى البهيمة، بل إن قيم الناس التي تواضع الناس عليها قيم الجمال و قيم الغنى و المال و قيم القوة هذه المقاييس الأرضية التي تعارف الناس
 و التي من خلالها يقيم بعضهم بعضاً لم يعترف عليها القرآن أبداً، القرآن الكريم بين أن الذي يرفع الإنسان عند الله علمه:

 

 

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

 

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 هذا المقياس الأول، و أما المقياس الثاني فهو العمل:

 

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

 فحجمك عند الله بحجم علمك الذي حصلته، و بحجم عملك الصالح الذي أخلصت به إذاً لابد من طلب العلم، إنك إن طلبت العلم عرفت ذاتك أولاً، عرفت أنك المخلوق الأول عرفت أنك مخلوق أن تعبد الله، عرفت سر وجودك و غاية وجودك.
 أيها الإخوة الكرام:
 الناس رجلان عالم و متعلم و لا خير فيمن سواهما.
 يا بني الإمام علي كرم الله وجهه: يا بني العلم خير من المال لأن العلم يحرسك و أنت تحرس المال، و المال تنقصه النفقة و العلم يزكو على الإنفاق، يا بني مات خزان المال و هم أحياء، و العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة و أمثالهم في القلوب موجودة.
 الناس ثلاث، عالم رباني، و متعلم على سبيل النجاة، و همج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم، و لم يلجئوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا بني أن تكون منهم، الذي يؤكد إنسانيتك أن تطلب العلم، طلب العلم فريضة على كل مسلم، لو أن إنساناً أيها الإخوة وصل إلى بلدة و استقر في أحد فنادقها و استيقظ في صبيحة اليوم التالي يسألنا إلى أين أذهب ؟ نسأله نحن لماذا جئت إلى هنا ؟ إن كنت جئت طالب علم فاذهب إلى المعاهد و الجامعات، و إن كنت جئت تاجراً فاذهب إلى المعامل و المؤسسات، و إن كنت جئت سائحاً فاذهب إلى المقاصف و المتنزهات، لا يصح العمل إلا إذا عرف الهدف:

 

 

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) ﴾

أيها الإخوة الكرام:
 مادام طلب العلم فريضة على كل مسلم أي و مسلمة أي على كل شخص مسلم لابد من معرفة سر وجودك حتى تأتي الحركة موافقة للهدف، قال تعالى:

 

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

 أي إذا أنك آمنت بالله و شكرته حققت الهدف من وجودك، عندئذ تتوقف المعالجات لأن الله سخر هذا الكون تسخير تعريف و تكريم، رد فعل التعريف أن تؤمن، و رد فعل التكريم أن تشكر، فإذا آمنت و شكرت فقد حققت الهدف الذي من أجله خلقت.
 أيها الإخوة الكرام:
 البطولة ألا تندم على ما فات، لأن الله عز وجل يصف المؤمنين بأنهم:

 

 

﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

 و هذه الآية دقيقة جداً، أي لا يندمون على ما مضى، و لا يخشون مما هو آت:

 

 

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

 لا يضل عقله، و لا تشقى نفسه:

 

 

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

 لو جمعت الآيتين الذي يتبع هدى الله عز وجل، لا يضل عقله ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت،
 أيها الإخوة الكرام:
 نعود إلى قوله تعالى:

 

 

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

 ما الأمانة التي حملها الإنسان ؟ من أنزه تفسيرات الأمانة نفسك التي بين جنبيك

 

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾

 قد أفلح من عرفها بربها، وحملها على طاعته، وقد خاب وخسر من جعلها أملاً ومن جعلها تحب الحياة الدنيا، يقول الله تعالى:

 

 

﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾

 العبرة أن تنتهي الحياة الدنيا بنعيم الآخرة، لا أن تنتهي الحياة الدنيا بشقاء أبدي.
 أيها الإخوة الكرام:
 هذه النفس التي هي أثمن شيء تملكه و التي جعلها الله أمانة بين يديك عليك أن تزكيها، و ما كلفك الله تزكيتها إلا و قد أعطاك مقومات هذا التكليف، أول هذه المقومات:
 هذا الكون الذي هو الحقيقة الثابتة، كل شيء في الكون يدل على الله وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
 بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاث مئة ألف كيلو متر فكم يقطع في الدقيقة وكم يقطع في الساعة وكم يقطع في اليوم وكم يقطع في العام، هذا النجم الملتهب الذي هو أقرب النجوم إلينا يبعد عنا أربع سنوات ضوئية لو أردنا أن نصل إلى هذا النجم بمركبة أرضية بحساب بسيط يحسبه طلاب المرحلة الثانوية لحتجنا إلى خمسين مليون عام وهو أقرب نجم ملتهب فما قولكم بنجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية، فما قولكم بمجرة المرأة المسلسلة التي تبدو نجماً واحداً من بعدها عنا تبعد عنا مليوني سنة ضوئية أكبر من مجرتنا بثمانية وعشرين مرة وتبدو نجماً واحداً، فما قولكم بمجرة تبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية، قال تعالى:

 

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾

 هذا الكون يدل على الله، هذا الكون يجسد أسماء الحسنة وصفاته الفضلى، إن أردت أن تعرف الله فانظر إلى هذا الكون وهذا أمر إلهي، قال تعالى:

 

 

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا ﴾

 

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) ﴾

﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) ﴾

 أكثر آيات القرآن الكريم المكية فيها لفت نظر إلى مظاهر الكون، قال تعالى:

 

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31) مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) ﴾

 

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) ﴾

 ألف وثلاث مئة آية في القرآن الكريم تتحدث عن الكون من أجل ماذا ؟ من أجل أن نتخذ هذه الآيات موضوعات للتفكر، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾

 أيها الإخوة الكرام:
 لو أن عالم فلك قرأ هذه الآية لخر لله ساجداً، لأن الله عز وجل يقول:

 

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) ﴾

 لم يقل للمسافات بين النجوم لأن هذه المجرات البعيدة تتحرك بسرعة تقترب من سرعة الضوء مئتان وأربع مئة ألف كيلو متر في الثانية فهذا النجم كان في هذا الموقع وأرسل ضوئه إلينا بقي هذا الضوء يسير في الفضاء الخارجي عشرين مليار سنة حتى وصل إلينا، النجم نفسه سرعته مئتان وأربعون ألف كيلو متر في الثانية، أين هو الآن ؟ من كلمة واحدة في هذه الآية الإنسان يخر لله ساجداً بمواقع النجوم، كلمة موقع لا تعني أن صاحب الموقع في الموقع كان في هذا المكان وتحرك عنه.
 أيها الإخوة الكرام:
 قال تعالى:

 

 

﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

 أيها الإخوة:
 الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاث مئة ألف مرة، يعني أن جوف الشمس يتسع لمليون وثلاث مئة ألف أرض، فلو ألقيت الأرض في جوف الشمس لتبخرت في ثانية واحدة وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر يقطعها الضوء في ثمانية دقائق الآن دققوا هناك نجم صغير أحمر اللون متألق اسمه قلب العقرب في برج العقرب، هذا النجم يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما.
 يجب أن نعرف الله لأنك إن عرفته عرفت ماذا ينتظرك من إكرام لو أطعته، ولو عرفته عرفت أيضاً ماذا ينتظر الإنسان الشارد عنه من عذاب أبدي، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت، قال تعالى:

 

 

﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

 في رأس الإنسان ثلاث مئة ألف شعرة لكل شعرة وريد وشريان وعضلة وعصب وغدة دهنية وغدة صبغية.
 في عين الإنسان في شبكيته مئة وثلاثين مليون عصية ومخروط، العصب البصري عدد أعصابه تسع مئة ألف عصب لا يزيد قطره نصف ملم.
 أيها الإخوة:
 في الدماغ مئة وأربعين مليار خلية سمراء استنادية لم يعرف وظيفتها بعد، في الدماغ أربعة عشر مليار خلية قشرية سمراء مركز المحاكمة والتفكر والتذكر والاستنتاج والاستنباط وما إلى ذلك، ذاكرة الإنسان لا تزيد عن حبة العدس، تتسع لسبعين مليار صورة وفي أنفسكم أفلا تبصرون.
 العصب الشمي مؤلف من عشرين مليون عصب كل عصب ينتهي بسبعة أهداب كل هدب مغلف بمادة تتفاعل مع الرائحة فينشأ من هذا التفاعل شكل هندسي هذا لشكل يسحب إلى الدماغ ويعرض على عشرة آلاف بند هي الذاكرة الشمية فإذا تطابق هذا الشكل مع أحد هذه البنود عرفت أن هذه رائحة الياسمين دون أن تشعر.
 الكلية التي أودعها الله فينا تغسل الدم في اليوم خمس مرات وفيها ممرات طولها مئة كيلو متر يقطعها الدم في اليوم خمسة مرات، والكليتان فيهما عشرون ضعفاً عن حاجة الإنسان صنع الله الذي أتقن كل شيء، أهذا الإله العظيم يعصى ؟ أهذا الإله العظيم لا يرجى؟ لا يخاف من عذابه ؟

 

 

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

 وإنما تعني القصر والحصر، العلماء وحدهم ولا أحد سواهم يخشون الله عز وجل.
 فأول ثابت من ثوابت التكليف هذا الكون الذي يدل على الله، الكون قرآن صامت والقرآن كون ناطق والنبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي.
 الشيء الثاني هو هذا العقل الذي أودعه الله فينا أداة معرفة الله، علة التكليف إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب أكثر من ألف آية في القرآن الكريم تتحدث عن العلم ومشتقاته وعن العقل والتفكر وما إلى ذلك.
 يا أيها الإخوة:
 هذا العقل مؤلف من مبادئ ثلاث مبدأ السببية والغائية وعدم التناقض والكون كذلك ومن أروع ما في الأمر أن مبادئ العقل تتوافق مع قوانين الكون، فأنت لا تكسب شيء بلا سبب ولا تفهم شيئاً بلا غاية، ولا تقبل التناقض والكون كذلك من أجل أن تصل إلى الله عز وجل برفق، الدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة لابد من هذا التسلسل أن ينتهي من خلق الدجاجة الأولى ؟ مبدأ السببية في العقل ومبدأ الغائية وعدم التناقض يوصلانك برفق إلى معرفة الله عز وجل، ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء.
 ورد في بعض الأحاديث القدسية:

 

 

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي،خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا فانا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو وأنا أرئف بعبدي من الم بولدها.))

 فالمقوم الأول هو الكون، قال تعالى:

 

 

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 والمقوم الثاني قوله تعالى:

 

 

﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾

 

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ ﴾

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ ﴾

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾

 المقوم الثالث أن الله أودع فينا الشهوات لنرقى بها مرتين، صابرين وشاكرين إلى رب الأرض و السماء، لولا الشهوات لما كانت الجنات:

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 هذه الشهوات أيها الإخوة حيادية، سلم نرقى بها أو دركات نهوي بها، إما أن توظف في الخير و إما أن توظف في الشر، يشتهي المرء المرأة فيتزوج و يشكر الله على نعمة الزواج، و قد يشتهي الآخر المرأة فيزني فيسقط من عين الله، ترقى بها أو تهوي بها، تشتهي المال فتكسبه من حلال فترقى إلى الله، و تشتهي المال فتأخذه من حرام فتسقط من عين الله، سلم نرقى بها أو دركات نهوي بها، هذا الوقود السائل في المركبة ـ البنزين ـ إذا وضع في مستودعات محكمة و سال في الأنابيب المحكمة و انفجر في الوقت المناسب و في المكان المناسب ولد حركة نافعة، أما إذا خرج عن مساره و أصاب المركبة شرارة أحرق المركبة و من فيها، فالشهوات قوة دافعة إلى الله و هي نفسها قوة مدمرة:

 

 

﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾

 أي شهواتنا، قوة دافعة أو قوة مدمرة، هي حيادية، سلم نرقى به أو دركات نهوي بها، بالمناسبة أيها الإخوة ليس في الإسلام حرمان، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا و جعل لها قناة نظيفة تجري من خلالها، تصوروا أن الشهوة تتحرك بمئة و ثمانين درجة، سبعين درجة مباحة لك، هذه عبر عنها القرآن:

 

 

﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾

 كل شهوة أودعها الله في الإنسان هناك زاوية مسموح بها، شهوة النساء و المال و العز و السلطان و ما إلى ذلك، لكن المؤمن يتقيد بهذه المساحة المسموحة، لذلك قال تعالى:

 

 

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

 المعنى المخالف عند علماء الأصول أنك لو اتبعت هواك وفق هدى الله لا شيء عليك ليس في الإسلام حرمان إطلاقاً.
أيها الإخوة الكرام:
 إن كنت تسير في العراء و رأيت لوحة كتب عليها انتبه حقل ألغام هل تشعر بحقد على من وضع هذه اللوحة أم تشكره ؟ هل تعد هذه اللوحة حداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك ؟ حين لا تفهم أوامر الله عز وجل ضماناً لسلامتك فقد فقهت في الدين و إذا أحب الله عبداً فقد فقهه في الدين، حينما تفقه أن هذه الأوامر و النواهي ضمان لسلامتنا و ليست حد لحريتنا يتوهم الجهلاء أن أوامر الدين هي حد لحرية الإنسان، لا، فيها ضمان لسلامتك.
 يا أيها الإخوة الكرام:
 هذه الشهوات المقوم الثالث، المقوم الرابع حرية الاختيار: في اللحظة التي تتوهم أن الله أجبرك على المعاصي فقد وقعت في أسوأ عقيدة لأن الله عز وجل لا يظلم:

 

 

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

 

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾

 في اللحظة التي تتوهم أنك مخير في كل شيء فقد وقعت في أسوأ عقيدة، هي عقيدة الشرك:

 

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾

 دققوا:

 

 

﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾

 يقول هذا معظم المسلمين، طاقات معدودة بأماكن محدودة، جاء رجل إلى سيدنا عمر و قد شرب الخمر فقال أقيموا عليه الحد، قال: و الله يا أمير المؤمنين إن الله قدّر علي ذلك فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر و مرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار:

 

 

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾

 

﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾

 لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، و لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، و لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً و نهاهم تحذيراً و كلف يسيراً و لم يكلف عسيراً، أمرك أن تكون صادقاً، أنت مخير تصدق أو لا تصدق، لأن الاختيار يثمن عملك، الله عز وجل لو أراد الناس أن يؤمنوا جميعاً آمنوا هذا الهدى القسري لا قيمة له، و لا يتعب صاحبه:

 

﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ﴾

 الهدى القسري هذا لا قيمة له، أرادنا أن نأتيه طائعين، أرادنا أن نحبه مختارين، أرادنا أن نطيعه من اختيارنا، هذا الذي أراده الله عز وجل، فالمقوم الأول هو الكون، و الثاني هو العقل، و الثالث هو الشهوة، و الرابع هو الاختيار، و الخامس الفطرة:

 

 

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) ﴾

 إياك ثم إياك ثم إياك أن تفهم ألهمها فجورها أنه خلق فيها الفجور، لا يمكن هذا لكن فطرها فطرة فيما لو فجرت تعرف أنها فجرت ك

 

 

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) ﴾

 فأنت من دون معلم و لا مرشد إن أخطأت تعلم أنك أخطأت، و إن استقمت تعلم أنك استقمت، إذاً الفطرة مقياس، و هذا معنى قوله تعالى:

 

 

﴿ذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

 أي المؤمن فطرته أن يؤمن، جبلته أن يؤمن، مبرمج أن يؤمن، مغلف أن يؤمن فإن لم يؤمن أصيب بعذابات لا تحتمل، أصيب بعذابات نفسية، قال تعالى:

 

 

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

 

﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾

﴿ بِمَا أَشْرَكُوا﴾

 لمجرد أن تخرج عن مبادئ فطرتك تعذب عذاباً داخلياً و هذا يسمى الآن الكآبة، إن الله يعطي الصحة و الذكاء و المال و الجمال للكثيرين من خلقه، و لكنه يعطي السكينة بقدر لأتقيائه المؤمنين، أي الفريقين أحق بالأمن؟ نعمة الأمن لا تعدلها نعمة على الإطلاق، لا تعني نعمة الأمن أن تسلم، تعني نعمة الأمن ألا تتوقع السوء، لأن توقع المصيبة مصيبة أكبر منها توقع المصيبة مصيبة أكبر منها، أنت من خوف الفقر في فقر، و من خوف المرض في مرض لذلك نعمة الإيمان تعني نعمة الأمن:

 

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

 أيها الإخوة الكرام:
 الكون يدل على الله و العقل يهدينا إلى الله و الفطرة تدفعنا إلى طاعته و الشهوة قوة دافعة، بقي مقياس مركزي ثابت هو الشرع، الحسن ما حسنه الشرع و القبيح ما قبحه الشرع لذلك هذا هو المنهج، هذا هو حبل الله المتين، الإنسان أعقد آية في الكون و لهذه الآية صانع حكيم، و لهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل و القيادة، فانطلاقاً من حبك لسلامتك و حبك لسعادتك تتبع تعليمات الصانع، إذاً نحن أمة أكرمنا الله بوحي السماء، فأي إنسان يبحث عن حل لمشكلة بعيداً عن القرآن و السنة فقد وقع في شر عمله لأن الله عز وجل جعل هذا الدين قويماً و قال:

 

 

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

 إن طبقته في حياتك الزوجية هداك للسعادة الزوجية، إن طبقته في تجارتك هداك إلى السلامة و الربح، إن طبقته في علاقاتك الاجتماعية هداك إلى حسن السمعة و المركز عند الله، في أي مجال لو طبقت هذا القرآن هداك للتي هي أقوم.
 أيها الإخوة الكرام:
 أرجو الله سبحانه و تعالى أن ينفعنا بما علمنا، و أن يلهمنا الخير أقول قولي هذا و أستغفر الله العظيم لي و لكم فاستغفروه يغفر لكم، و يا فوز المستغفرين، استغفروا.
و الحمد لله رب العالمين
 الحمد لله رب العالمين و أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين , اشهد أن سيدنا محمداً عبده و رسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه وسلم.
 أيها الإخوة الكرام:
 يقول الله عز وجل:

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾

 الإخوة الكرام في المهاجر مشكلة تربية أولادهم مشكلة أولى في حياتهم، فالإنسان مهما حصل من الدنيا، مهما حصّل من مالها، أو من مراكزها، أو من عزها و سلطانها، أو من متعها، إن لم يكن ابنه كما يتمنى فهو أشقى الناس، يقول الله عز وجل في القرآن الكريم:

 

 

﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾

 لم يقل فتشقيا، لأن شقاء الرجل شقاء حكمي لزوجته، يفوق على ذلك شقاء الابن شقاء حكمي لأمه و أبيه، و المؤمنون يقولون: ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين و اجعلنا للمتقين إماماً، فكر ملياً كيف تحافظ على دين أبنائك ؟ كيف تحافظ على التزامهم ؟ على طهرهم ؟ على عفافهم ؟ خطط و فكر و قرر و تحرك قبل فوات الأوان.
 أيها الإخوة:
 كلام دقيق، الإنسان مخير في مجالات عديدة جداً، خيار قبول أو رفض أي قد يجد بيتاً فلا يعجبه فيرفضه، و قد تعرض عليه فتاة ليتزوجها فلا تعجبه فيرفضها، و قد يعرض عليه عمل فيستقل دخله فلا يقبله، إما أن الإنسان مع الإيمان خياره خيار وقت لا خيار رفض، كيف أكثر كفار الأرض، فرعون ماذا قال حين أدركه الغرق ؟ قال:

 

 

﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾

 ماذا قال الله له ؟

 

 

﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

 أي الحقائق التي جاء بها الأنبياء لابد لكل إنسان على وجه الأرض أن يدركها عند الموت، و لكن هذه المعرفة تأتي بعد فوات الأوان:

 

 

﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) ﴾

 أيها الإخوة الكرام:
 القضية أن الإنسان يشقى بشقاء أولاده، و قد ورد في بعض الأثر أن البنت تقف يوم القيامة أمام رب العزة تقول يا رب لا أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي لأنه كان سبب شقائي.
 فيا أيها الآباء:
 قضية خطيرة، و قضية مصيرية، تربية الأولاد مسؤولية خطيرة جداً يجب أن تنتبهوا إليها و لاسيما في بلاد المهجر، لأن التفلت واضح جداً، و التعري واضح، و الفسق و الفجور منتشر، فكيف تحمي ابنك من هذه الأخطار، لابد من أن تفكر ملياً، ولابد من أن تستعين بالله كثيراً، و لابد من أن تبذل جهداً كبيراً كي يكون ابنك كما تتمنى كي تسعد بسعادته و لئلا تشقى بشقائه.

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إّلا مِنْ ثَلاثَةٍ إلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

 يا أيها الإخوة الكرام:
 إذا كان كل أب في المشرق مكلف أن يعتني بأولاده، فكل أب في المهجر مكلف ألف مرة أن يعتني بأولاده، لأن وسائل الفتن و المبيقات و الانحرافات آخذة أبعد الأبعاد.
 شيء آخر: ورد في بعض الآثار القدسية:

 

((أن يا عبدي خلقت لك ما في السماوات و الأرض و لم أعيا بخلقهن أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين، لي عليك فريضة و لك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، بعزتي و جلالي إن لم ترض بما قسمته لك، فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا يناله منها إلا ما قسمته لك و لا أبالي، و كنت عندي مذموماً، أنت تريد و أنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، و إن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، و لو شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين.))

 و إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، و منزل ترح لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء و لم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى و جعل الآخرة دار عقبى فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، و جعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي و يبتلي ليجزي.
 اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، و اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمن سواك اللهم لا تؤمنا مكرك، و لا تهتك عنا سترك، و لا تنسنا ذكرك، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، و من الخوف إلا منك، و من الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، و من شماتة الأعداء، و من السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، الله صن وجوهنا باليسار و لا تبذلها بالإقتار فنسأل شر خلقك، و نبتلى بحمد من أعطى و ذل من منع، و أنت من فوقهم ولي العطاء، و بيدك وحدك خزائن الرضا و السماء، اللهم أصلح شؤون المسلمين في شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم احفظهم من أعدائهم، و انصرهم و عافهم و اعف عنهم يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة المسلمين في شتى بقاع الأرض لما تحب و ترضى، اجمعهم على الحق و الرضا يا رب العالمين، ألهمهم السداد و الرشاد يا أكرم الأكرمين.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018