رحلة استراليا 1 - المحاضرة : 03 - منهج التلقي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رحلة استراليا 1 - المحاضرة : 03 - منهج التلقي.


2001-03-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزنا اتبعاه، وأرنا الباطل باطلاً وارزنا اجتنابه، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون:
 في عالمنا الإسلامي اليوم فرقٌ وطوائفُ ومذاهبُ واتجاهات ونزعات واختلافات ومشاحنات ودعوة باطلة أحياناً، نحن أمام ركام من المقولات، لا أقول من الحقائق من المقولات في الدين، كل فرقة أدلت بدلوها، وكل طائفة أدلت بدلوها، وكل مذهب أدلى بدلوه، فنحن أمام ركام من المقولات في الدين، ما السبيل إلى معرفة ما صح منها، وما جانب الصواب، هل هناك من مقياس استخدمه فاقبل مقولة وأرفض أخرى.
 أيها الأخوة الكرام:
 حول هذا الموضوع يكون العنوان منهج التلقي، وهذا المنهج أنا عندي أهم من التلقي نفسه، لأن الخطأ في الميزان لا يصحح، وبينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، أفضل ألف مرة أن تخطئ في الوزن من أن يكون ميزانك فيه خلل، إن استخدمت ميزان فيه خلل لا يصيب ولا مرة أما إذا أخطأت في استخدام الميزان مرة، هذا لن يتكرر، فخطر كبير أن يكون الميزان الذي تستخدمه غير صحيح، حول هذا الموضوع سيكون مضمون هذا اللقاء الطيب.
 أيها الأخوة الكرام:
 أنا كمسلم معي وحي السماء، الكتاب وتبيانه السنة، فأساس هذا الدين هو الوحي، فرضاً وجدلاً لو تعارض العقل مع النقل أنا مع النقل ذلك أن العقل مرتبط بالواقع، لو أحيينا فرضاً إنسان مات قبل مئة عام وقلنا له نحن عندنا قرص فيه ألف ومئتين كتاب، قرص ليزري، ألف ومئتين كتاب، وأحد من الكتب خمسين جزء، ويمكن أن يقرأ الجهاز هذه المعلومات كلها، الألف ومئتين كتاب حرفاً حرفاً في عشر ثواني، وتأتيك النتائج، هذا الذي أيقظناه من قبره هل يصدق هذا، لأن عقله مرتبط وقتها بمعطيات العصر، أنا الآن أكتب رسالة على الفاكس وأرسلها من دمشق إلى استراليا، تصل فوراً هل يصدق أجدادنا أنه ممكن أن ترسل رسالة بثانية واحدة من طرف الدنيا إلى طرفها الآخر، لا يصدق، العقل إذاً مرتبط بالواقع، طيب تسافر من أقصى الدنيا إلى أقصى الدنيا في عشر ساعات، أو عشرين ساعة، الحج كان من دمشق إلى الحجاز يحتاج إلى أشهر طويلة، إذاً فرضاً لو تعارض العقل مع النقل، أنا مع النقل، لكن أقول لكم لا يمكن أن يتعارض، لماذا ؟ لأن النقل كلام الله، ولأن العقل مقياس أودعه الله فينا، ولأن الفطرة جبلة جبلنا عليها، ولأن الواقع من خلق الله، فالواقع خلقه، والفطرة جبلته، والعقل مقياسه، والوحي كلامه واتحاد الأصل يعني اتحاد الفروع.
 مبدئياً لا يمكن أن يتناقض النقل مع العقل، وإذا بدى لنا أن هناك تناقضاً، هو تناقض بين نقلٍ غير صحيح مع عقلٍ صريح، أو بين نقل صحيح مؤول تأويلاً غير صحيح مع العقل الصريح، أو بين نقل صحيح مؤول تأويلاً صحيحاً مع عقلٍ غير صريح تبريري، أما العقل الصريح لا بد من أن يتطابق تطابق عفوياً مع النقل الصحيح، مع الفطرة السليمة مع الواقع الموضوعي، وهذا مقياس الحق، إنها دائرة يمر بها أربعة خطوط، خط النقل الصحيح، بالتأويل الصحيح، وخط العقل الصريح وخط الفطرة السليمة، وخط الواقع الموضوعي.
 مرة أردت أنا اشتري ستائر إلى بيتي ذهبت إلى محل نصحت به فسألته عن ستائر لغرفة الضيوف، قال لي بالحرف الواحد: قال أستاذ لا يمكن أن تأتي الستائر جميلة إلا بالقاعدة التالية، نأخذ عرض الحائط نضربه باثنين ونضيف متر، كان في ستائر جميلة جداً، قلت له نعم اخترت أحد الأثواب قاسه، فإذا هو يقل عن الضعف متراً، قاعدته الضعف زائد متر، يريد يبيعه، قال يا أستاذ هذا المطرز على الفرد أجمل بكثير، ناقض قاعدة بعد دقيقة، حتى يبيع الثوب، قال المطرز على الفرد أجمل يأتي، قلت له ماشي الحال، هذا عقل غير صريح، هذا عقل تبريري، وتقريباً معظم ما يستخدم به الناس عقولهم استخداماً تبريرياً الأصل أنك تريد أن تغطي انحرافك، إن كان في مجتمع مختلط بقلك البنت تهذب المجلس، الشاب ينضبط لوجود بنت، الاختلاط ضروري، وإن أطلق بصره في الحرام بقلك إن الله جميل يحب الجمال، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام ما قصد هذا المعنى إطلاقاً، يعني جمل حياتك نظف بيتك، اعتني بثيابك، كن شامة بين الناس، هذا المعنى.
 على كلٍ إن وجدت تناقضاً فبينا عقلاً تبريري غير صريح مع نص صريح، أو مع عقل صريح ونص غير صحيح، أو مع نص صحيح بتأويل غير صحيح أما، لأن خالق الأكوان هو الذي خلق العقل وخلق الفطرة وخلق الواقع وأنزل الوحي، فالأصل واحد، هذا هو الحق، دائرة تمر بها أربعة خطوط، خط النقل الصحيح، مع خط العقل الصريح، مع خط الفطرة السليمة، مع خط الواقع الموضوعي، مثلاً في واقع غير موضوعي، يقول لك أحدهم المسلمون كلهم عندهم أربع زوجات، أو ثلاثة غير صحيح، بالإحصاء الدقيق ثبت أن هناك عشرة بالمئة من المسلمين عندهم زوجتان، وواحد وخمسة بالألف عندهم ثلاث زوجات، وواحد بالألف عندهم أربع زوجات، هذه نسبة عادية جداً، أعداء الدين يهولون فإذاً لا بد من واقع موضوعي ولا بد من نقل صحيح ولا بد من عقل صريح، ولا بد من فطرة سليمة.
 الفطرة يعني جبلة حساس جداً، لكن مع ممارسة الشهوات تنطمس يعني مرآة صافية هذه الفطرة، لكن لو غطيتها بالوحل فقدت قيمتها، هذا هو الران، يتلبس القلب فلا يعيا على خير، يعني مؤمن صافي حساس مرهف هذا فطرته سليمة، إنسان مارس الانحراف وأكل المال الحرام، لو احتكمت إلى فطرته يقول لك أنا هكذا شعرت بارتياح.
 فأول نقطة بالمنهج أن الحق هو ما جاء به النقل الصحيح وأقره العقل الصريح وأيدته الفطرة السليمة وتوافق مع الواقع الموضوعي هذا هو الحق.
 البند الثاني من بنود المنهج: يجب أن تؤمن إيماناً دقيقاً أن هناك أربعة دوائر أية فكرة في الدين لا بد من أن تكون في أحد هذه الدوائر دائرة المحسوسات، ودائرة المعقولات، ودائرة الإخباريات، ودائرة الإشراقات، مثلاً: لو أنك وضعت الإيمان بالملائكة في دائرة المعقولات ما في دليل أبداً، وهذه نقطة ضعف بعض المسلمين، يطرح مع الطرف الآخر موضوعات غيبية، ما في لها أدلة عقلية، الإيمان بالجن في له دليل عقلي، بالملائكة في عقلي، اليوم الآخر كله في عقلي، الحوض العرش الكرسي، أنا أعطيك آلاف الحقائق في الدين هي عندي ثابتة يقيناً لكن لا أستطيع أن أقدم لها برهاناً عقلياً، ما في دليل، هذه قضية الإخباريات هذه لها وقفة بعد قليل، فنحن نرى بأعيننا ونسمع بآذاننا ونلمس بجلدنا ونشم الروائح بأنوفنا، هي الحواس الخمس، فهناك يقين حسي، أساسه الحواس الخمس، ونحن وبقية المخلوقات سواء، لكن وقفة متأنية.
 لا يعرفون أين الطرق لو فرضنا أن الطريق من سيدني إلى مكان مغلق، لو كتب لوحة على أول الطريق، الطريق إلى مغلق، هل إنسان عاقل يسير في الطريق مغلق في النصف، في الوسط، في ثمانين كيلومتر غير مغلقة، بس لما كتبوا الطريق مغلق لا أحد يسير، أما لو أن دابة تمشي في هذا الطريق وفي لوحة الطريق مغلق هل تقف الدابة ؟ تبقى ماشية، تعامل الدابة مع الواقع فقط، ما دام الطريق سالك تمشي، متى تقف ؟ عند العقبة، أما الإنسان يقف في البداية، عند اللوحة، هنا صار في عقل، الحيوان يتعامل مع الواقع، والآن بالمناسبة أي إنسان شقي في الحياة الدنيا وفي الآخرة يتعامل مع الواقع، يعيش لحظته، وهذه مشكلة البشر كلهم الآن، صحة، معه مال، نساء، طعام، بيت فخم سهرات اختلاطات، محطات، ما دام الشهوات بين يديه يمارسها، بصرف النظر عن كونها مشروعة أو غير مشروعة، لأنه انتكس من إنسانيته العاقلة إلى بهيمته، فتعامل مع الواقع أنا واقعي.

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي  فدعني أبادرها بما ملكت يدي
***

 هذه فلسفة الناس جميعاً، بل إن أهج بيت قالته العرب هو الآن شعار كل إنسان، قائل البيت شاعر عاصر سيدنا عمر بن الخطاب ودخل من أجله السجن، ماذا قال:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

 بربكم أليس شعار معظم المسلمين، مادام دخلك كبير، وبيت جيد وزوجتك ترضيك، وأولادك عندك، على الدنيا السلام، لا يفكر بعمل، لا يفكر بخدمة يقدمها، لا يفكر برسالة يبلغها، لا يفكر بهم المسلمين أبداً يعيش وانتهى الأمر.
 فإذاً أول دائرة نحن والحيوانات سواء، دائرة اليقين الحسي، أما المؤمن الإنسان يصل إلى الشيء قبل أن يصل إليه، إذا إنسان استخدم عقله يملئ خزانات الوقود في وقت مبكر، وفي بحبوحة، الأمور ميسرة أما حينما تأتي موجة برد قارسة فجأة يتهافت الناس على تأمين الوقود إلى بيوتهم، لأنه ما الذي حركهم الواقع، ما حركهم الفكر.
 يروى أن غدير ماء فيه ثلاث سمكات كيسة وأكيس منها وعاجزة فاتفق أن مر بالمكان صيادان، فأبصرا الغدير، وأبصرا ما فيه من السمك فتواعدا أن يرجعا ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك فسمعت السمكات قولهما، السمكات في الغدير سمكات ثلاث، كيسة وأكيس منها وعاجزة.
 ماذا فعلت أكيس السمكات ؟ قالت العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ولم تعرج على شيء حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت.
 وأما الكيسة الأقل ذكاء، بقيت في مكانها حتى عاد الصيادان فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا بالمكان قد سد، فقالت فرطت وهذه عاقبة التفريط، غير أن العاقلة لا يقنط من منافع الرأي ثم إنها تماوتت فطفت على وجه الماء منقلبت تارة على بطنها وتارة على ظهرها فأخذها الصيادان حملاها بيدهم، ووضعها على الأرض بين النهر والغدير فوثبت في النهر فنجت.
 وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وأدبار حتى صيدت وأكلت.
 أكيس الناس قال عليه الصلاة والسلام:

((إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً، وأحزمكم أشدكم استعداداً له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والتزود بسكنة القبور والتأهب ليوم النشور.))

 حينما تفكر في أخطر حدث في حياتك، وهو الموت، تكون أعقل الناس، وحينما تنسى الموت وتعيش واقعك، وتعيش معطيات بيئتك وتعيش ما هو متاح لك بصرف النظر عن كونه حلال أو حرام فأنت لست عاقلاً عند الله أبداً، العبرة أن تعيش المستقبل، وحتى الدول المتقدمة يخططون للمستقبل، والدول الأقل تخلف يردون على كل الأفعال بردود الفعل، والدول المتخلفة حقاً تتغنى بماضيها، قال:
 ألهى بني تغلبٍ عن كل مكرمة
 قصيدة قالها عمرو بن كلثوم ألهاهم عن كل تكرمة.
 فنحن المنهج في عنا دائرة محسوسات، هذه تتعامل مع الواقع فكما أن هذه الدابة التي تمشي في طريق وعليه لوحة كتب عليها الطريق مغلق لا تقف، تقف متى عند الإغلاق، أما المؤمن يتعامل مع البيان.
 أيها الأخوة: كلام دقيق أقوله لكم، الله عز وجل له سياسة مع عباده، أول بند في سياسته الهدى البياني، وأنت معافى صحيح قوي متين بيتك مستقر زوجتك أولادك تسمع خطبة، تسمع درس، تسمع شريط تقرأ كتاب، تقرأ مقالة هذا هو الهدى البياني، وأنت موفور الكرامة وأنت مرتاح استمعت إلى موضوع، ينبغي أن تستجيب له.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

 

( سورة الأنفال: 24 )

 الهدى البياني أكمل شيءٍ فيه أن تستجيب، فإن لم تستجب دخلت في مرحلة مع الله ثانية، التأديب التربوي.

 

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

 

( سورة السجدة: 21 )

 يعني قال لك الطبيب مشكلتك تحتاج إلى حبوب، تأخذها لأسبوعين فتشفى، فإن لم تأخذها لا بد من عمل جراحي، أول مرحلة سهلة جداً حبوب، الهدى البياني خطبة درس كتاب شريط فقط وأنت مرتاح، أما الخطوة الثانية في مشكلة، في شدة، في ضغط، في خبرة مؤلمة، دخلت مرحلة التأديب التربوي، في مرحلة التأديب التربوي أكمل موقف أن تتوب إلى الله، فإن لم تتوب دخلت مع الله في مرحلة ثالثة.
 الإكرام الاستدراجي، تأتيك الدنيا وهي، بقلك توفقت، بس أنت ما عما تصلي شو هذا التوفيق، توفقت في العمل، تفرح لتوفق في الدنيا، مع أن هذا التفوق ليس تكريماً بل استدراجي، دخلت في مرحلة ثالثة وهي الإكرام الاستدراجي، أكمل موقف في هذه المرحلة أن تشكر الله فإن لم تشكر دخلت في مرحلة رابعة وهو القصم.

 

﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)﴾

 

( سورة الأعراف: 95 )

 الإنسان بين الهدى البياني، والتأديب التربوي، والإكرام الاستدراج، ثم القصم، المؤمن يعيش المستقبل، يستخدم عقله، مثل ثاني:
 واحد راكب دراجة، أنا أقصد دراجة تحتاج إلى جهد هذه، يمشي في طريق مستوي فجأةً رأى طريقين، طريق نازل، طريق صاعد بحكم الواقع أيهما أسهل النازل، الطريق النازل معبد، في حدائق، في نسيم عليل، ما في جهد، لحالها ماشية الدراجة، والطريق الصاعد طريق وعر، وخشن، وترابي، وفي عقبات، وفي حفر، وفي أكمات، بحكم الواقع ماذا تختار ؟ الطريق النازلة، كتب لوحة صغيرة الطريق الصاعدة تنتهي بقصر منيب هو لمن دخله، والطريق الهابطة تنتهي بحفرة ما لها من قرار فيها وحوش كاسرة، ماذا تفعل الآن ؟ الآن أنت تخالف الواقع سوف تخالف الواقع وتأخذ منطق آخر، ما قولك إذا وضع منظار، جانب اللوحة بإمكانك أن ترى الجنة، أن ترى القصر المنيب، وأن ترى الحفرة قال أحد أصحاب رسول الله: يا رسول الله أتى أمر الله قام جاء، قال فلا تستعجلوا، معناها ما جاء، طيب ما هذه المفارقة بالآية، يجب أن تأخذ وعيد الله ووعد وكأنه وقع، قال تعالى:

 

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾

 

( سورة الفيل: 1 )

 والله ما أحد رأى، لا أنا ولا أنت، قال يجب أن تأخذ أمر الله وكأنك تراه، طيب فهذا الإنسان راكب الدراجة إذا أنساق مع الواقع ومع طبيعته ومع راحته ومع لذته يسلك الطريق الهابطة، وإذا حكم عقله يسلك الطريق الصاعدة، قال عليه الصلاة والسلام:

 

((ألا وإن عمل الجنة حزن بربوة. ألا وإن عمل النار سهل بسهوة ))

 

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي البجير تصحيح السيوطي: حسن ]

 مثل رابع، أنا أسكن في دمشق، وفي بدمشق مركز المدينة ساحة المرجة، تسمعون بها أو ترونها، ولي بيت في المهاجرين وقبل أن أقتني سيارة، في مركبات عامة باصات، تقف في ساحة المرجة باتجاه الشرق في أيام الحر الشديدة على اليمين شمس محرقة، وعلى اليسار ظل ظليل أنا أجلس في الشمس، لأنني فكرت قليلاً هذا الباص خلال دقيقة يدور حول مركز المدينة، تنعكس الآية أتمتع بالظل نصف ساعة والذي اختار الظل بغباء منه، سوف تحرقه أشعة الشمس نصف ساعة الذي يجلس في الظل يتهم هذا الذي يجلس في الحر أنه مجنون، من هو المجنون ؟ من عطل عقله، بالمركبات العامة إذا كان رحلة طويلة الآن صباحاً الشمس على اليمين تجلس على اليسار، بالعودة بعكس الآية فالعبرة أن الفكر يشتغل.
 واحد راح إلى أمريكا رأى أدمغة تباع في الطرقات مو معقول الدماغ الأمريكي ثمنه دولار واحد، رخيص، الإنكليزي ثمنه ثلاث دولارات، الفرنسي أربعة، في دماغ من الدول النامية ثمنه ألف دولار ليش هذا غالي، شعر باعتزاز نحن مهمون جداً قال له هذا لسع ما اشتغل لأنه.
 العبرة أن تعمل عقلك، إن أعملت عقلك وفق ما أراد الله سعدت في الدنيا والآخرة، الموت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل، إن الذي تحصله في عمر مديد تخسره في ثانية واحدة، فالغنى غنى العمل الصالح وللإمام علي ونحن في مسجده كلمة رائعة يقول الغنى والفقر بعد العرض على الله، لا يعد الغني غنياً في الدنيا، ولا يعد الفقير فقيراً، الغنى والفقر بعد العرض على الله، فأول يقين يقين حسي، اليقين الثاني يقين عقلي ألف آية في القرآن الكريم تتحدث عن العقل، وعن التفكر، وعن التذكر أفلا يعقلون، أفلا يذكرون، أفلا يتفكرون، والعقل مناط التكليف ولكن إياكم ثم إياكم ثم إياكم أن تعدوا العقل حكم في كل شيء، النقل هو الحكم هذه كانت بين الصحابة، بقدر إخلاصك لله تتغافل عن هذه الخلافات والله دعوت إلى الله ما يزيد 27 سنة ما ذكرت قضية خلافية في درس أبداً، ولا قضية خلافية، بالقواصم المشتركة، بالمتفق عليه، بالمتقاطعات هذه الدعوة الآن، لأن أعداءنا يدفعون، والله يأتي أناس من زوار إلى الشام لا يمكن أن نعلمهم بما بين بعض العلماء من خلافات، لا يمكن، هم لا علاقة لهم بهذه الخلافات، فنحن بالمناسبة إذا تعاون الدعاة فيما بينهم كبروا جميعاً في أعين الناس، فإذا تنافسوا سقطوا جميعاً يصبح الداعية صاحب كار وفي عداوة كار بينه وبين زميله، إذا كان التلاميذ طلاب علم ما في مشكلة، قال الإمام الشافي أتمنى أن ينقل هذا العلم دون أن ينسب إلي، وإذا كان الطلاب العلم زبائن تنشئ عداوة كار إذا في زبائن فقس الزبون راح لعند واحد ثاني، بتخانقوا سواء، هذا شان البائعة مو شأن الدعاة إلى الله عز وجل، لا يليق بالدعاة أن يختلفوا، والله أزور علماء دمشق واحداً واحداً، مرة زارنا عالم، شيخ الأرناؤوط، والله أصررت عليه أن يصلي بنا ويلقي درسنا لتلاميذي بجامع العثمان، زارنا عالم آخر من الطرف الآخر أجلسته مكاني ودعوته أن يلقي كلمة ويدعوا لنا، أبداً أنا هذا منهجي، التوفيق، التعاون، مليون قاسم مشترك يجمعني مع أخوتي العلماء، مليون، أنا أقول لعلماء كثر، طلابكم طلابي وطلابي طلابكم، ما في عندي مشكلة أبداً، هذا الذي أتمناه عليكم، لا تنقلون مشكلات الشرق إلى المهجر، أنا الذي رأيته في أمريكا لا يصدق يصومون في ثلاثة أيام، كل فرقة يوم، مشكلات المشرق منقولة بشكل مضخم إلى المغرب، فالذي أتمناه عليكم أن نجتمع، وأن نتعاون، النبي سأل عن صحابي ماذا فعل فلان بتبوك ؟ فقال واحد شغله بستانه يا رسول الله عن الجهاد معك، فقام صحابي آخر فقال لا والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك، هكذا الله يحب، بحبنا نتعاون عدونا يفرمنا واحد واحد، أبداً فئة فئة، صافين بالدور كلنا، أما إذا تعاونا أفسدنا عليه خططه، الدعاة كلمة أخيرة ما لم تنتمي إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً، الله قال:

 

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

 

( سورة الحجرات: 10 )

 ما قال جماعة ثانية إخوة، يجب أن تنتمي إلى مجموع المؤمنين ويجب أن تضع تحت قدمك أي خلاف سخيف وبسيط إذا كان في خلاف في العقيدة كبير لا، إذا في خلاف كبير جداً لا، أنا لا أقول على هذا، أقول إذا صحت عقيدة الإنسان وصح سلوكه وله وجهات نظر اختلف معه بها هذه لا تفسد في الود قضية أبداً، نتعاون فيما اتفقنا، ويعذر بعضنا بعض فيما اختلفنا، أنا أطبق هذا المنهج في الشام والله من 26 عام، ما اختلفت مع عالم أبداً، وما تكلمت كلمة تسئ إلى جماعة، وعندي في الجامع من كل الفئات، من كل الجماعات، لأنه ما سمع أحد مني كلمة على شيخه لا من قريب ولا من بعيد، أنا أريد أن أقدم الإسلام بشكل إيجابي، لا أن أقدمه بشكل سلبي.
 مرة ثانية: الفرق الضالة تؤنب الأشخاص وتخفض التكاليف وتعتمد نصوص موضوعة وذات نزعة عدوانية، هذه صفات ثابتة لكل فرقة ضالة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018