الخطبة : 0410 - سلسلة الأخلاق13 ، رعاية اليتيم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0410 - سلسلة الأخلاق13 ، رعاية اليتيم


1992-10-02

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ، ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا ، وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

إكرام اليتيم :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الموضوع المُتَسلْسِل الذي كان قبل موضوعات مَوْلِدِ النبي عليه الصلاة والسلام خُلُق الرَّحْمة ، وما يتفرَّع عنه من سِمات ، وقد تحدَّثنا عن بِرّ الوالدين ، وتحدَّثْنا عن صِلَة الرّحِم ، والحديث اليوم عن إكرام اليتيم ، والشيءُ الذي يُلْفتُ النَّظر أنّ في القرآن الكريم آيات كثيرة حوْلَ إكرام اليتيم ، ذلك لأنّ الشيء الذي طبعَ الإنسان عليه لا يحتاج إلى تشريع ، ليس في القرآن كلّه آيةٌ تأمر الأب أن يَرْعى أولادهُ ، لأنّ رعاية الأولاد طَبْعٌ في الأب ، ليس في القرآن كلّه آيةٌ تأمر الأم أن تَرْعى أولادها ، لأنّ رِعايَة الأولاد فِطْرة في الأم ، غريزة في الأم ، جِبِلَّة في الأم ، لكنَّ التكليف يتَّجِهُ إلى ما بَعُدَ عن الطَّبْع ، فلِذلك هذا الطِّفْل الذي فقَدَ أباهُ ، أو فقَدَ أمَّه ، أو فَقَدَ أباه وأمّه كليهما ، هذا الطِّفْلُ عُرضةٌ لأكْل ماله ، ولإهماله ، وللعُدْوان عليه ، لذلك وردَت آيات كثيرة تأمُر الأقارب بِرِعايَة اليتيم ، بل إنّ في القرآن الكريم آية تُلفِتُ النَّظر ، ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾

[سورة الماعون: 1]

 ما هذه الصّفة الكبيرة التي ترافق التكذيب بالدِّين ؟ قال تعالى :

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيم ﴾

[سورة الماعون: 1-2]

 يَدُعُّ بِمَعنى يدْفعُ أو يضرب أو يؤذي ، اليتيم ضعيف لأنَّهُ فقَدَ النصير ، فقَدَ المُعين، وفقدَ الرحيم ، فقَدَ الذي أوْدَعَ الله في فِطرته رحمة به ، فقَدَ التي أودَعَ الله فيها رحمة به، هذا اليتيم يحتاجُ إلى عَطْفٍ شديد ، فإن لم تعْطِف عليه فأنت آثِم ، فكيف إذا دَفعْتَهُ ؟!! كأنَّ الله جلّ جلاله اختارَ من بين الأعمال الشِّريرة أشدّها اليتيم يجبُ أن تعْطِفَ عليه ، يجب أن ترعاه ، يجب أن تقدِّمَ له كلّ عَوْن ، فإن لم تفْعَل كنت آثِمًا ، إن لم تقدِّم له العَون كنتَ آثمًا ، فكيف إذا دَفَعْتهُ ؟ فكيف إذا أكلْتَ مالهُ ؟ فكيف إذا اعْتَدَيْتَ عليه ؟ فكيف إذا نِلْتَ منه ؟ فكيف إذا وَجَدْتهُ ضعيفًا فاسْتَغَللتَ ضَعفهُ ؟!

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيم ﴾

[سورة الماعون: 1-2]

المؤمن أرْحمُ بالأيتام من أهلهم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الأيتام صِنْفٌ من الضّعفاء ، والضّعفاء كما تعلمون أحْوَج الناس إلى الرحمة ، فقَدُوا نصيرهم ، وفقَدُوا ظهيرهم ، فقَدُوا أعْطَفَ الناس عليهم ، فقَدُوا أحْنى الناس عليهم ، فقدُوا راعيهم الذي زوَّدهُ الله فِطريًّا بالحَنان والعطف .
 مثَلٌ بسيط ؛ طِفلٌ في بيتٍ ، إن كان مع أُمِّه يلْقى كلّ الرّعاية ، وكلّ العناية ، وكلّ العَطْف ، وكلّ الحبّ ، وكلّ التضْحِيَة والفِداء ، هو الطِّفْلُ نفْسُهُ بِشَكلِهِ ، وملامِحِه ، ونعومتِهِ ، وبراءتِهِ ، ووداعَتِهِ ، وذاتِيَتِهِ ، وجمالهِ ، لو كان بين زوْجَة أبيه ، لا تُحِبُّهُ ، ولا ترْعاهُ، ولا تتمنَّى أن تطعمهُ الطّعام الطيّب ، وتقْسُو عليه ، وتحرّضُ أباه أن يقْسُو عليه ، هو هوَ ، إذًا الذي أوْدَعَهُ الله في قلب الأم لمْ يودَع في قلب سواها ، إلا أنْ يكون مؤمنًا أو مؤمنةً ، من اتِّصالِهِ الشديد بالله عز وجل اكْتسَبَ رحْمةً ليْسَتْ كالرحمة المودَعَة فِطْريًّا ، بل هي رحْمةٌ مكتسبةٌ بالاتصال بالله ، والإقبال عليه ، لذلك المؤمن أرْحمُ بالأيتام من أهلهم ، والنبي عليه الصلاة والسلام أرْحَمُ الخلق بالخلق ، لكنّ هذه الرحمة التي تكْتسبُها من خلال اتِّصالك بالله عز وجل هي أعظمُ بِكَثير من تلك الرحمة التي أودِعَتْ فيك من غير كسْبٍ كي تسْتمرّ الحياة ، كي يرعى الآباء والأمّهات أولادهم ، كي ينْمُوَ هذا الابن في أسرة .

 

رعايَة اليتامى وبذْل الحنان والعطف لهم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا الطِّفْل فقدَ الحبّ الخالص ، هناك من يُحبُّك لِمَصْلحةٍ ، ولِحَظّ نفسٍ ، ولِنَزْعةٍ مادّية ، ولكنّ الحبّ الخالص الذي لا ينتظر منه الأب شيئًا ، إنَّما هو حبّ أوْدَعَهُ الله في قلب الأب ، حبّ الأب والأم غير مَشوبٍ بأخلاط الأنانيّة والمصْلحة الخاصّة ، في قلب الأب والأم رغْبة بالتَّضحيَة والعطاء والفداء ، في قلب الأب والأم حِرْصٌ شديد على إبلاغ أولادهم مَبْلغَ الكمال والنّضْج والقوّة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ لذلك حينما تُوازي ، لو أنَّ أبًا يمشي في الطريق ، وفي الطريق أولادٌ ثلاثة ، أحدهم ابنهُ ، والثاني ابن أخيه ، والثالث لا يعرفهُ ، لو أنَّه رآهُم يدخِّنون، ماذا ينشأُ في قلبه اتّجاه ابنهِ ؟ يغْلي ، واتّجاه ابن أخيه أقلّ غليانًا ، أما اتّجاه الثالِث فقد يصرفُه بالحُسْنى ، ولكن يُحاسب ابنهُ أشدّ الحِساب ، يحاسب ابن أخيه أقلّ من ذلك ، إذًا هذا الذي أوْدَعَهُ الله في قلب الأب والأم شيءٌ ملموسٌ ، وواضِحٌ ، صارخٌ ، بارزٌ .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ لذلك أمر الإسلام بِرِعايَة اليتامى ، وبذْل الحنان والعطف لهم، أمرَ بالمُبالغة في إكرامهم ، وأمَرَ بِحُسْن تربيَتِهم ، أمرَ بِتَأْديبهم ، أمرَ بِكَفالتِهم ، وإدارة أموالهم إدارةً تامّة ، ورعايةً حازمة ، وحذَّر من استغلال ضَعفهم ، وتهدَّد الذين يأكلون أموالهم بِعَذاب النار في جهنّم .

اليُتْم الحقيقيّ من كان له أبٌ يُهمِلُهُ وأُمّ لا تَرْعاه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إلى نُصوص القرآن الكريم ، بادئ ذي بدْء لِحِكمةٍ أرادها الله لا تخفى على ذوي البصيرة ، أنَّ سيّد الأنبياء ، وسيّد المرسلين ، وسيّد ولد آدم ، والمخلوق الأوّل الذي بلغَ سِدْرة المنتهى كان يتيمًا ، وهذا جَبْرُ خاطرٍ لِكُلّ اليتامى ، دخلْتُ إلى دار كفالة الأيتام فإذا في مَدْخلِ الدار لَوْحةٌ كُتِبَ عليها : النبي صلى الله عليه وسلّم سيِّدُ الأيتام ، قال تعالى :

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾

[ سورة الضحى : 6-8]

 لكن أيها الأخوة ؛ اليُتْمُ في عُرْف الناس من فقَدَ أباهُ وأُمَّه ، ولكنّ اليُتْم الحقيقيّ من كان له أبٌ يُهمِلُهُ ، وأُمّ لا تَرْعاه ، هذا يتيمٌ حقيقةً ، قد تجِدُ يتيمًا في أُسْرةٍ مؤمنة تحْرصُ عليه أشدّ الحِرْص ، تحْرصُ على تعليمه ، على أخلاقه ، على صحَّته ، قد يجدُ اليتيمُ من قريبٍ مؤمن إيمانًا كبيرًا ما لا يجِدُهُ من أبيه ، لذلك اليُتْم نِسبي ، فليس اليتيم من فقدَ والِدَيه ، ولكنّ اليتيم من وجد أمًّا تَخَلَّتْ ، أو أبًا مشغولاً ، هذا هو اليُتْم الحقيقيّ ، وقد تولّى تربيَةَ النبي الذي كان يتيماً الله تعالى ، لذلك قال تعالى :

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾

[ سورة الضحى : 6-8]

 النبي عليه الصلاة والسلام ذاقَ مرارة اليُتْم ، ذاقَ مرارة يُتْم الأب ، وبعد حينٍ ذاقَ مرارة يُتم الأب والأمّ ، لذلك في أدقّ الأحاديث الشريفة كان عليه الصلاة والسلام يُنَبِّه إلى أنّ الكلمة العابرة التي لا يلْتفِتُ إليها أحدٌ ربّما قهَرَتْ اليتيم ، ربّما أثارَت فيه لواعِجَ الحُزْن ، اليتيم يكفي أن ينظر إلى أبٍ يُداعِبُ ابنهُ ، يكفي أن ينظر إلى أبٍ يحْنو على ابنه ، يكفي أن ينظر إلى أبٍ قويّ غنيّ يُمِدّ ابنه بكلّ ما يحتاج ، هذا المنظر بِحَدّ ذاته يقْهرُهُ ، كما أنّ المرأة العاقر يكفي أن تنظر في الطريق إلى امرأة وعلى يدها ولدها ، هذا المنظر وحْدهُ قد يكْسرُ قلبها ، واليتيمُ إذا كان يتيمًا في حَضْرتك ، يتيمٌ بين أفراد أُسرتك ، لا ينبغي أن تُظْهِرَ عطْفًا على أولادك يفوقُ العَطْف عليه ، إنَّك إن عَطَفْتَ على أحدِ أولادك ، وحملْتَهُ ، وقبَّلْتهُ ، وداعَبْتَهُ ، ولم تُعْطِ هذه المعاملة نفسها لليتيم ، هل تعلمُ أنَّ هذا يقهره ويكسرُ قلبه ويجرحهُ ؟ لذلك قال تعالى :

﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾

[ سورة الضحى : 9]

 إياك أن تقهرهُ بِمَظهرٍ إيجابيّ ، بِمَظهر مقبول من كلّ أبٍ ، يجبُ أن تعرف الحساسيّة البالغة ، والشعور المرهف الذي ينْطوي عليه اليتيم ، ينبغي أن تغدق عليه من العطْف والحنان ، والرّعاية والإحسان ما يجعلُه يشعر أنّه بين أبٍ وأمّ ، وليس في أسرٍ غريبة .

 

حاجة اليتيم إلى الرعاية :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ اليتيمُ أحْوَجُ الناس إلى الرِّعايَة ، لماذا ؟ لأنَّه إما أن يغْدُوَ بطلاً من أبطال المجتمع ، وإما أن يَغْدُوَ مجرمًا كبيرًا ، ينْطلقُ من حِقْدٍ على المجتمع ، إذا حرمْتَ اليتيم ، ومنَعْتَ عنه العطاء ، ومنعْت عنه العطْف والحنان ، أَبْقيْتَهُ شاعِرًا بِوَحْشة اليُتْم ، وغربة اليتيم ، هذا قد يولّد فيه حِقْدًا دفينًا على المجتمع ، لذلك التاريخ يُسجّل أنّ أبطالاً عِظامًا كانوا أيتامًا ، وأنّ مجرمين عُتاةً كانوا أيتامًا ، فرِعايَة اليتيمُ حقّ له لا على أقربائه ، بل على المجتمع كلّه ، يقول الله جلّ جلاله :

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾

[سورة البلد : 4-12]

 عقَبَةٌ بيْنك وبين الله ، عَقَبَةٌ بينك وبين طريق السّعادة ، عقبَةٌ بينك وبين الدار الآخرة ، عَقَبَةٌ بينك وبين جنة الدنيا وجنّة الآخرة ، قال تعالى :

﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾

[سورة البلد :11-13]

 معظمُ المفسّرين أجمعوا على أنّ فكّ الرقبة هو إعتاقُ العبْد ، وبعضهم يقول : إذا أعْتَقْتَ رقبتَك من شهوات الدنيا فقد مهَّدْتَ السبيل إلى الله ، لأنّه تعِسَ عبْدُ الدِّرْهم والدِّينار ، تعس عبد البطن ، تعس عبد الفرْج ، تعس عبد الخميصة ، هؤلاء كلّهم عبيد ، يكفي أن تتحرَّر من عبوديتك ، ولِشَهوتك ، فإذا الطريق إلى الله سالكٌ ، فإذا الطريق طريق الجنّة مَفْتوحٌ لك .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ قال تعالى :

﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾

[سورة البلد :11- 18]

عدم إكرام اليتيم في مقدّمة المظاهر التي تدلّ على غفلة القلب :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ وردَ ذِكْرُ اليتيم في القرآن الكريم في آياتٍ كثيرة جدًّا قال تعالى:

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾

[ سورة الفجر : 15-16]

 هذه النظرة السَّطحيّة ، هذه النظرة البِدائِيّة ، وهي أنَّ الإنسان إذا تمتَّع بالمال الوفير ، والصّحة الطيّبة ، والسلطان العريض ، شعَرَ أنّ الله تعالى يحبُّه ، بِدَليل أنَّه أعطاه ، وأنَّ الله إذا سلبَ نعمة الصّحة من الإنسان ، أو ضيَّق ذات يده ، أو أصابهُ بِمُصيبةٍ ، يشْعرُ أنَّ الله قد أهانهُ ، لكنّ الله جلّ جلاله يقول : كلا ، ليس هذا صحيحًا ، ليْسَت هذه المقولة صحيحةً، ليس عطائي إكرامًا في الدنيا ، لأنَّ الدنيا منقطعة ، وليس حِرماني إهانةً فيها ، لأنَّ الحِرمان مؤقَّت ، ليس عطائي إكرامًا ، ولا حِرماني إهانةً ، إنَّما عطائي ابتلاء ، وحِرماني دواء، قال تعالى :

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾

[ سورة الفجر : 15-17]

 حِرْصُكم على الدنيا مديد ، من مظاهر حِرْصكم على الدنيا ، ومن مظاهر الشّح ، من مظاهر البُعْد عن الله عز وجل ، ومن مظاهر الغفلة ، قال تعالى :

﴿كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً﴾

[ سورة الفجر : 17-19]

 تَجْمعون كلّ التَّرِكَة ، لا تدعون شيئًا ، قال تعالى :

﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾

[ سورة الفجر : 20]

 إذًا جعَلَ الله في مقدّمة المظاهر التي تدلّ على غفلة القلب ، وعلى أنّ الطريق إلى الله ليس سالكًا هو ألا تكرموا اليتيم .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ في التشريع الإسلامي أشياء تلفت النّظر ، فهذا اليتيم ولو لم ينلْهُ نصيبٌ من الميراث ، إذا حضر القسمة ينبغي أن يُعطى منها شيئًا ، جَبْرًا لِخاطرِهِ ، ورأْبًا للصَّدع الذي في نفسه ، وتوَدُّدًا إليه ، وتَطييبًا لِخاطِرِهِ ، قال تعالى :

﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾

[ سورة النساء : 8]

 طيِّبوا نفوسهم بِقَولكم ، طيِّبوا أفئدَتهم بِعَطائكم .

 

تطبيق سنة النبي أمان من عذاب الله :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مرّة ثانيَة ، يقول الله جلّ جلاله :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 أجْمَعَ المفسِّرون على أنّ النبي عليه الصلاة والسلام ما دام بين ظهرانيّ أمّته ، فهم في بَحبوحةٍ من أن يُعذَّبوا ، ولكنّه بعد رحيلِه إلى الرفيق الأعلى إذا بقيَتْ سنّة النبي صلى الله عليه وسلّم قائمةً في بيوتهم ، وفي علاقاتهم ، وفي تجارتهم ، وفي بيْعِهِم وشرائهم ، وفي احْتِفالاتهم ، وفي فرحهم ، وحزنهم ، وفي كلّ نشاطات حياتهم ، إذا بقيَتْ سنَّة النبي مُطَبَّقة فينا فنحن أيضًا في بَحبوحة من أن يأخذنا الله بالعذاب ، ورعاية اليتيم سنّة نبويّة فيها أحاديث صحيحة ، وآيات كثيرة .

 

النهي عن أكل مال اليتيم ظلماً و عدواناً :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الآن دخلنا إلى المنطقة الخطرة ، يقول الله تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾

[ سورة النساء : 10]

 اليتيم ضعيف ، قد يكون في سنٍّ دون سنّ البلوغ ، لا يفهم ، وله عمّ قويّ مُتَسَلِّط قد يأخذ مالهُ بأساليب شتّى ، له أخٌ كبير ، قد يغْتصبُ مالهُ دون أن يستطيع أن يقول كلمة ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾

[ سورة النساء : 10]

 مادام يأكلون في بُطونهم نارًا ، وسيَصْلَوْن سعيرًا ، معنى ذلك أنّ مال اليتيم الذي أكلوه في الدنيا سيَغْدو نارًا يحْرقهم في الدنيا ، لذلك من الغرائب أنَّ بعض الذنوب يُعَجَّل عِقابها في الدنيا ، الذي أذْكرُه عُقوق الوالدين ، فعُقوق الوالدين لا يُؤَجَّل إلى الدار الآخرة ، يُعَجَّل للعاق في الدنيا ، ومن هذا البغي والظّلم ، ومن هذا أكْلُ مال اليتيم ، آكِلُ مال اليتيم إنَّما يأكل نارًا سوف تُحْرقُ مالهُ كلّه ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾

[ سورة النساء : 10]

 لذلك ينْصحنا ربّنا جلّ جلاله ، وينهانا فيقول تعالى :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾

[ سورة الإسراء : 34]

 دقِّقوا في كلمة ولا تقربوا ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾

[ سورة الإسراء : 32]

 هل معنى ذلك أنّ الله نهانا عن الزّنا ؟ هذا نهْيٌ أبْلَغُ من النّهي عن الزنا ، نهانا عن أن نقترب منها ، نهانا عن نظْرةٍ ، نهانا عن كلمةٍ ، نهانا عن خَلْوةٍ ، نهانا عن طريقٍ ، نهانا عن قراءةٍ ، نهانا عن قصّة ، أيّ شيءٍ يقرّبنا إلى الزنا فهو حرام ، ما أدَّى إلى حرام فهو حرام ، ما أدَّى إلى مكروه فهو مكروه ، ما أدَّى إلى منهيّ عنه فهو منهيّ عنه ، لذلك قِياسًا على هذا المعنى قال تعالى :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾

[ سورة الإسراء : 34]

 لو خلطْت مالهُ بِمالك ، وأنت بريءٌ براءة الذّئب من دم يوسف ، إذا خلطْت مالهُ بِمالِكَ ، ربّما دخل من ماله إلى مالك وأنت لا تدري ، لذلك ينْصحنا ربّنا عز وجل وينهانا ألا نُدْخل ماله في مالنا ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا﴾

[ سورة الإسراء : 34]

 إلا إذا أردْت أن تتَّجِرَ له به ، وأدْخلْت هذا المال في حِساب الجرْد فدَخَل في الدكان، قال تعالى :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

[ سورة الإسراء : 34]

 إذا أردْت أن تثمِّره له ، إذا أردْت أن تُنَمِّيَهُ له ، وأنت صادقٌ وبريء ، وأنت حريصٌ على ماله حِرصًا شديدًا ، والشيء الدقيق الدقيق هو أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: " ولا تجعل مالك دون ماله ".
 بِلُغَة التُّجار هناك صفْقاتٌ رابحة ، رِبْحُها مَضْمون إلى حدّ ما ، قماشٌ ليس له زخارف ، قماشٌ من النوع الذي يُباع في أيّ حينٍ ، لا علاقة لا للأوقات ، ولا للأزمان لِرَواجِهِ ، لو أنّ تاجِر أقْمِشَة رأى صفْقةً لا يدري أتَرْبحُ أم لا ترْبَح ، هذه مغامرة ، لا يجوز للتاجر أن يُغامر في مال اليتيم ، قد يقول في نفسهِ : إن ربِحَت أدْخلْتُ مالي بعدهُ ، وإن لم ترْبح عرفْتُ طبيعة هذه الصَّفْقة من هذا المال ، إذا خاطرْتَ بِمَال اليتيم لِتَجسّ نبْض السوق ، ولِتَعرف حقيقة الرِّبْح فهذا لا يجوز ، جعلْتَ مالهُ للتَّجريب ، وجعلْت ماله دون مالك ، جعلْت ماله للكشْف والفحْص ، لذلك قال تعالى :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾

[ سورة الإسراء : 34]

إصلاح أموال اليتامى بتنميتها و إصلاح أخلاقهم و عقولهم :

 وقال تعالى :

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾

[ سورة البقرة : 220]

 إصلاح أخلاقهم ، إصلاح أجسادهم ، إصلاح عقولهم ، إصلاح أموالهم بِتَنْمِيَتها، قال تعالى :

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 220]

 أي إن خالطْتموهم ، إن أخذْتم أموالهم ، وأدخلتموها في تجاراتكم ، فهو أخٌ لكم ، كأنَّه راشِد ، حاسِبُوه حِسابًا دقيقًا ، قال تعالى :

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾

[ سورة البقرة : 220]

 الله مُطَّلعٌ على القلب ، ماذا ينْوي هذا التاجر ؟ قال تعالى :

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 220]

 أي لحَمَّلكم فوق ما تُطيقون ، ولشرّع لكم أنّ الرِّبْح له والخسارة عليكم ، نفقتهُ عليكم لا في ماله ، بل رحْمةً بكم جعل نفقة اليتيم من ريْع ماله ، قال تعالى :

﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾

[ سورة النساء : 5]

 لو قال : وارزقوهم منه ، لوَجَب أن نُطْعمهم من أصْل مالهم ، أما وارزقوهم فيها ، أي أن نطعمهم من رَيْع مالهم ، وهذا هو الفرْق بين من وفيه ، قال تعالى :

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 220]

 أي لحَمَّلكم فوق ما تُطيقون ، ولجعل الرّبح لهم وحْدهم ، قال تعالى :

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

[ سورة البقرة : 220]

إعطاء اليتيم ماله عند بلوغه سن الرشد دون تلكؤ :

 الموضوع الثالث ، قال تعالى :

﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُم﴾

[ سورة النساء : 2]

 إذا بلغ هذا اليتيم سنّ الرّشد ، ينبغي أن تُعْطِيَهُ ماله دون تلكّؤ ، ودون تحَجُّجٍ ، ودون مُماطلةٍ ، ودون عقباتٍ ، قال تعالى :

﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾

[ سورة النساء : 2]

 أي إثْمٌ كبير أنْ تضُمّ ماله إلى مالك بِحُجَجٍ شتَّى ، ولكن لو كان هذا اليتيم غير راشِد قال تعالى :

﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾

[ سورة النساء : 6]

 امْتَحِنوهُم ، قال تعالى :

﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾

[ سورة النساء : 2]

 أحيانًا من عندهُ أموال لأيتام يُسْرعُ بأكلها قبل أن يبْلُغَ سِنّ الرّشد ، أي يُبادر إلى أكلها قبل أن يكبرَ اليتيم ، قال تعالى :

﴿أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾

[ سورة النساء : 6]

 إن كنتَ تُديرُ أموال اليتامى ، وكنتَ غنيًّا فاسْتَعْفف عن الرّبح كلّه ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾

[ سورة النساء : 6]

 وما أرْوَعَ الفقهاء حينما فسَّروا كلمة بالمعروف ، بالمعروف عند الفقراء لك أجْرُ المِثْل ، أو الحاجة أيُّهما أقلّ ، دقِّقوا في هذا الحكم الفقهي ؛ لك أجْرُ المِثْل ، أو الحاجة أيُّهما أقلّ ، أي اتَّجَرْتَ بِماله ، وأنت يكفيك بالشّهر خمسة آلاف فرضًا ، فربِحْت عشرين ألفًا ، له عشرة ولك عشرة ، يجب أن تأخذ ما يكفيك ، وهو خمسة آلاف ، اِتَّجَرْتَ بِمَاله فربِحْتُما ستّة آلاف لك ثلاثة وله ثلاثة ، ثلاثة لا تكفيك ، ولكنّ هذا هو ربْح المال الحقيقيّ ، لك رِبْح المال الحقيقي فقط ، لك أجْرُ المِثْل ، أو الحاجة أيُّهما أقلّ ، هذا وكما قال تعالى :

﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾

[ سورة النساء : 6]

 قال تعالى :

﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾

[ سورة النساء : 6]

خيرُ بيتٍ على الإطلاق بيت فيه يتيمٌ مكرَم يُحْسنُ إليه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه بعض الآيات التي وردَت عن اليتامى ، أما السنّة المطهّرة ، فعن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى))

[البخاري عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ]

 ابن أخيه ، أو يتيمٌ لا يعرفه ، أي كافلُ اليتيم مع رسول الله في الجنّة ، طبعًا هناك أحاديث أخرى ما لم يقترِف ذنبًا لا يُغْفر ، فليس كلّ كافل يتيم من دون استثناء ، بل الذي لم يقترف ذنبًا لا يُغفر . وروى ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ))

[ ابن ماجه عن أبي هريرة]

 خيرُ بيتٍ على الإطلاق ، وشرّ بيتٍ على الإطلاق ، بيتٌ فيه يتيمٌ مكرَم يُحْسنُ إليه، وبيتٌ فيه يتيمٌ يُساءُ إليه .

أكل أموال اليتامى بالباطل من الذنوب التي يُعَجَّل عقابها في الدنيا قبل الآخرة :

 وروى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 أُحَرِّج أي أُضَيِّق ، النبي عليه الصلاة والسلام حِفظا لِحُقوق اليتامى ضيَّقَ على أمَّته كلّ سبيل لأكل أموالهم بالباطل .
 الحكم الذي ذكرتُه قبل قليل ، إنَّ ظلْم اليتامى ، وأكل أموالهم بالباطل من الذنوب التي يُعَجَّل عقابها في الدنيا قبل الآخرة . والحديث الذي تعرفونه قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( أوَّل من يمسكُ بِحِلَقِ الجنّة أنا فإذا امرأةٌ تنازعني تريد أن تدخل الجنّة قبلي ، فقلتُ : من هذه يا جبريل ؟ فقال : امرأة ماتَ زوجها وترك لها أيتامًا فلمْ تتزوَّج من أجلهم ))

[ مجمع الزوائد عن أبي هريرة ]

 حفْظًا لِحُقوقهم ، ورِعايةً لهم ، وعطفًا عليهم ، وخوفًا من أن يأتِيَ زوْجٌ يقسو عليهم.
 أيها الأخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنَّ ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلْنتَّخِذ حذرنا ؛ الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبَع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الحكمة من تربص المطلقات بأنفسهن ثلاثة قروء :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ طبيب مسلمٌ مؤمن بحَثَ في فتْرةٍ طويلة عن موضوع دقيق ، هو أنَّ الحَمْلَ في الأنثى هل يرافقُه انقطاع الطَّمْث ؛ أي الحيْض ؟ لأنَّه من المعروف لدى عامّة الناس ، ولدى معظم المثقّفين ، أنَّه لا حمْل مع انقطاع الطَّمْث ، ولا طمْث مع الحمْل ، لكنّ القرآن الكريم يقول :

﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾

[ سورة البقرة : 228]

 إذا بهذا الطبيب يكتشِفُ أنّ حالاتٍ نادرة تحيضُ فيها المرأة مرَّةً أو مرّتين في أوّل الحمْل ، وما دام الجنين في حَوْض المرأة ، لا يظهر الحمْلُ سريريًّا ، أما إذا خرج حجْم الجنين عن حجْم الحوض ، فيظهر لدى الأمّ ، ولدى الطبيب ، ولدى الزّوج ، فما دامَتْ هناك حالات نادرة تحيضُ فيها المرأة مرَّةً أو مرَّتين أو ثلاثًا ، وهذا هو الاستقصاء العِلْمي والميداني ، هناك حالات نادرة تحيضُ فيها المرأة مرَّةً أو مرَّتين أو ثلاثًا لأسباب لا مجال إلى ذِكْرها من على المنبر ، ما دام هناك حالات تحيضُ فيها الحامل في أوّل الحمْل مرّةً أو مرَّتين أو ثلاثًا فجاءَتْ الآية الكريمة لِتُعْطِيَ براءة الرّحِم الشكل القَطعي ، في الأعمّ الأغلب انقِطاع الدَّورة يعني الحمْل، ولكن هل يُعَدُّ هذا دليلاً قَطْعِيًّا ؟ معظمُ الأطِبَّاء من خلال دراساتهم ، ومن خلال ممارساتهم يرَوْنَ أنَّ انقِطاع الطَّمْث لا يُعَدُّ دليلا قطْعِيًّا ، فلذلك حاروا في هذه الآية ، ربّنا جلّ جلاله إضافةً إلى أنّ المطلّقة تتربّص ثلاثة قروء فلعلّ المشكلة صغيرة ، وبدَتْ للزَّوْج كبيرة ، لعلّ المشكلة تزول مع الأيّام ، ضمانٌ لِرُجوع هذه المرأة إلى زوجها ، ضمانٌ للتَّوفيق بين الزوجين ، فضلاً عن كلّ ذلك الموضوع من زاويَةٍ علميّة بحْتة ، من زاويَةٍ علميّة مَحْضة ، هناك حالات نادرة تحيضُ فيها المرأة لأسباب كثيرة ، مرَّةً أو مرَّتين و ثلاثاً في بداية الحمْل ، لذلك لا يُعَدُّ انقطاع الدّم لِمَرّة واحدة دليلاً قَطْعِيًّا يُعَدّ دليلاً ظنِّيًا ، لا يكون قطعِيًّا إلا بعد ثلاثة قروء ، لأنّ بعد ثلاثة قروء يظهر الحمْل فوق حيِّز الحوض ، فيكْتشِفُهُ الطبيب سريريًّا والأمّ والزَّوْج ، لذلك قال تعالى :

﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾

[ سورة البقرة : 228]

 من أجل أن نعلمَ أنّ هذا التشريع تشريعٌ من عند خالق الكون ، من أجل أن نعلم أنّ هذه الحالات النادرة التي نجدها في مجموع النِّساء ، ويعلمها علْم اليقين الأطبّاء ، ولا سيما من اخْتصّ بأمراض النّساء ، هذه الحالات النادرة تُغَطِّيها هذه الآية ، لذلك لا تُعَدّ الرَّحِمُ بريئة من الحمْل إلا بعد القروء الثلاثة ، لأنّ بعدها يظهر الحمْل بِشَكل سريريّ ، يُرَى رأْيَ العَين من قِبَل الزوج ، أو من قِبَل الأمّ ، أو من قِبَل المرأة .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018