الندوة : 15 - التوحيد - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠07ندوات مختلفة - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الندوة : 15 - التوحيد


2003-11-10

 أعزائي المشاهدين ، أخوتي المؤمنين ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، تلك العقيدة التي هي لب الإسلام ، بل هي محور رسالات السماء ، قال تعالى :

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾

( سورة الأنبياء : 25 )

 إله واحد ، خالق كل شيء ، ورب كل شيء ، له الخلق والأمر ، وإليه المصير ، في السماء إله ، وفي الأرض إله .

﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾

( سورة هود : 107 )

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

( سورة هود : 123 )

 هو وحده الجدير ، أن يعبد فلا يجحد ، وأن يشكر فلا يكفر وأن يطاع فلا يعصى .
 روى الشيخان البخاري ومسلم : عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لي يا معاذ ما حق الله على العباد ؟ وما حق العباد على الله ؟ قلت الله ورسوله أعلم ، قال عليه الصلاة والسلام : حق الله على العباد أن يعبدوه ، لأن العبادة هي علة وجودهم .

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

( سورة الذاريات : 56 )

 حق العباد على الله أن يعبدوه ، ولا يشركوا به شيئاً وحق العباد على الله ، أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً .
 أيها الأخوة المشاهدون :
 تحدثت عن تعريف التوحيد ، وها أنا ذا أنتقل إلى لوازم التوحيد ، من لوازم التوحيد :
 أن لا يتخذ الإنسان من دون الله رباً يعظمه كما يعظم الله

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾

( سورة الأنعام : 164 )

 فلو اعتقد أن جهة غير الله ، يمكن أن تعطي ، أو أن تمنع يمكن أن تخفض ، أو أن ترفع ، يمكن أن تعز أو تذل ، مستقلة عن إرادة الله فقد أشرك .

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

( سورة آل عمران : 26 )

 أيها الأخوة الأكارم :
 ومن لوازم التوحيد أيضاً :
 أن لا يتخذ الإنسان من دون الله ولياً ، يحبه كحب الله .

﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

( سورة الأنعام : 14 )

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾

( سورة فصلت : 30 ـ 31 ـ 32 )

 أيها الأخوة الأكارم :
 ومن لوازم التوحيد أيضا :
 أن لا يتخذ الإنسان غير الله حكما ، يطيعه كما يطيع الله .

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾

( سورة الأنعام : 114 )

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

( سورة الأحزاب : 36 )

 أيها الأخوة المشاهدون :
 من ثمار التوحيد اليانعة ، أن التوحيد هو في الواقع تحرير للإنسان ، من كل عبودية ، إلا لربه الواحد الديان ، الذي خلقه فسواه وكرمه ، التوحيد تحرير لعقله من الخرافات والأوهام ، التوحيد تحرير لضميره من الخضوع والذل والاستسلام ، التوحيد تحرير لحياته من تسلط الأرباب والمتألهين .
 ومن ثمار التوحيد اليانعة أيضاً ، أن التوحيد يعين على تكوين الشخصية المتزنة التي توضحت في الحياة وجهتها ، وتوحدت غايتها وتحدد طريقها ، فليس لها إلا إله واحد ، تتجه إليه في الخلوة ، والجلوة وتدعوه في السراء والضراء ، وتعمل على ما يرضيه ، في الصغيرة والكبيرة ، ففي القرآن :

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾

( سورة يوسف : 39 )

 وفي آية أخرى :

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾

( سورة الزمر : 29 )

 ومن ثمار التوحيد أيضاً : أن التوحيد يملئ نفس صاحبه أمناً وطمأنينة فلا تسترد بها المخاوف التي تتسلط على أهل الشرك ، فقد سد الموحد منافذ الخوف التي يفتحها الناس على أنفسهم ، الخوف على الرزق ، والخوف على الأجل ، والخوف على النفس ، والخوف على الأهل والأولاد ، والخوف من الإنس ، والخوف من الجن ، والخوف من الموت ، والخوف من ما بعد الموت .
 أما المؤمن الصادق ، الموحد فلا يخاف إلا الله ، ولا يخشى إلا الله ، ولهذا تراه أمناً إذا خاف الناس ، مطمئناً إذا قلق الناس هادئاً إذا اضطرب الناس .

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

( سورة الأنعام : 81 ـ 82 )

 وقال تعالى :

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾

( سورة الشعراء : 213 )

 يا أيها الأخوة الأكارم :
 من ثمار التوحيد اليانعة أيضاً ، أن التوحيد مصدر لقوة النفس إذ يمنح التوحيد صاحبه، قوة نفسيةً هائلة ، حيث تمتلئ نفسه من الرجاء بالله تعالى ، والثقة به ، والتوكل عليه ، والرضى بقضائه والصبر على بلائه ، والاستغناء به عن خلقه ، فهو راسخ كالجبل ، لا تزحزحه الحوادث ، ولا تزعزعه الكوارث .

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾

( سورة يونس : 107 )

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

( سورة هود : 55 )

 ومن ثمار التوحيد أيضاً : أن التوحيد أساس الأخوة الإنسانية والمساواة البشرية ، لأن الأخوة والمساواة ، لا تتحققان في حياة الناس إذا كان بعضهم أرباباً لبعض ، أما إن كان الناس جميعاً عباداً لله والله فوق الخلق فيها وحده ، هو الخالق ، المربي ، المسير ، الرازق هو الحكم ، إليه المصير ، عندئذٍ تتحقق المساواة بين الناس ، ويأتلف بعضهم بعضاً .
 وهذه بعض ثمار التوحيد ، وقد قيل ما تعلمت العبيد ، أفضل من التوحيد وقيل أيضاً : نهاية العلم التوحيد ، ونهاية العمل التقوى .
 أيها الأخوة الأكارم : أرجو أن تكونوا قد أفتم من موضوع التوحيد ، وشكرا لإصغائكم، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018