الخطبة : 0575 - كيف واجه النبي المحن - بيت العنكبوت . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0575 - كيف واجه النبي المحن - بيت العنكبوت .


1996-06-28

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

البشر بحكم تكوينهم محكومون بقوانين اللذَّة والألم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك خطب عديدة ، كان محورها كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم من العمل عبادة ، وكيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم من تناول الطعام والشراب معرفة وعبادة ، واليوم محور الخطبة كيف واجه النبي المحن ، وما أكثرها في حياة المسلمين اليوم ، كيف واجه النبي المحن ؟ وكيف اعتمد على الله عز وجل ؟ وكيف التجأ إليه؟ . .
 أيها الأخوة الكرام ؛ البشر بحكم فطرتهم ، وأصل تكوينهم محكومون بقوانين اللذَّة والألم ، يضعفون مع المتاعب إلى حدّ الهوان ، ويشتدون مع المنافع إلى حدّ الطغيان ، أما المؤمن فلا يزيغ إذا جاءت المتاعب ، ولا يطغى إذا جاءت المنافع ، بل يظل متماسكاً على حاليه كليهما ، هذه خصيصة المؤمن ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[سورة المعارج : 19-22]

 إذا مسَّه الشر جزوعاً ، ينهار ، يهون ، يستسلم ، يسقط ، يضعف ، يخنع ، وإذا مسَّه الخير يتكبر ، يبخل ، يستعلي ، يتغطرس ، يتجبر إلا المصلين . . المصلون ناجون من هذين المرضين المتناقضين .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان ما بقي حياً لن يستريح من الامتحان والابتلاء ، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[سورة العنكبوت : 2]

 إن الله جلت حكمته جعل الدنيا دار التواء ، ولم يجعلها دار استواء ، جعلها منزل ترح ، ولم يجعلها دار فرح ، الآخرة دار الفرح ، الآخرة دار العطاء ، الآخرة دار الإكرام ، الآخرة دار التشريف ، الآخرة دار الراحة ، إن الله جعل الدنيا دار التواء ، ولم يجعلها دار استواء ، جعلها دار ترح ، ولم يجعلها دار فرح ، بحكمته المطلقة ، جعل الحرمان في الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل بلاء الدنيا أيضاً سبباً لعطاء الآخرة ، فالعاقل الحصيف لا يفرح لرخاء ، ولا يحزن لشقاء .

 

في حياة كل مؤمن مراحل ثلاث :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ذكرت من قبل أن في حياة المؤمن مراحل ثلاث ، مرحلة التأديب إذا كان هناك معاص ومخالفات ، وهذا التأديب ينتهي إذا انتهى بالتوبة ، وفي حياة المؤمن مرحلة ابتلاء ، إذا كان هناك ضعف وهشاشة في التحمل ، ينتهي هذا الابتلاء عند الثبات ، ولابد في حياة المؤمن من مرحلة إكرام ، هذه المراحل قد تأتي متداخلة ، وقد تأتي متعاقبة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ طبيعة الآلام تكشف الضعف الإنساني ، تدفع العاقل حيال الألم إلى الوقوف بباب الله ، يطلب العافية ، يرجو رحمة ربه ، يخشى عذابه ، المطلوب من المؤمن أن يلجأ إلى الله في كل ما ينوبه ، لا ينبغي أن يلجأ إلى زيد أو عبيد ، ولا إلى فلان أو علان ؛ لأنهم حتماً سيخيبون ظنه شاؤوا أو كرهوا ؛ لأنهم إذا شاؤوا ألا يخيبوا ظنه يحملهم الله على أن يخيبوا ظنه ، رحمة بهذا الإنسان المشرك الذي اعتمد عليهم من دون الله .

 

لجوء النبي الكريم إلى الله في كل ما يصيبه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة والسلام - وهذا من توجيه النبي - يلجأ إلى الله في كل ما ينوبه ، ولو كان هذا الذي نابه تافهاً ، هل تصدقون أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يلجأ إلى الله في شسع نعله إذا انقطع ؟ كان عليه الصلاة والسلام يقول :

(( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع ))

[الترمذي والبزار في مسنده وابن حبان عن أنس بن مالك ]

 وشسع النعل رباط الحذاء ، إذا انقطع رباط الحذاء المؤمن يسأل الله عز وجل ، يعد هذا مصيبة تقتضي أن تلجأ إلى الله ، هذا من توجيه النبي عليه الصلاة السلام . . المقصود من ذلك أن يعول المسلم في شؤونه كلها على الله ، أن يكون قريباً من الله ، أن يكون ملتجئاً إليه ، مقبلاً عليه ، واثقاً به ، يرى وجوده ، يرى الله في كل شيء ، يرجوه دائماً ، ولعل هذا الوضع ، وهذه الحال ، تفسر قوله تعالى :

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

[سورة المعارج :23]

 أيها الأخوة الكرام ؛ إذا عظم الخطب ، واشتد المصاب ، كان عليه الصلاة والسلام يفزع إلى الله ، وكان عليه الصلاة والسلام تطول ضراعته ، فعن ثوبان رضي الله عنه :

(( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا راعه شيء قال : هو الله ، الله ربي لا شريك له ))

[ النسائي عن ثوبان]

 وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم صحابته من الفزع كلمات :

(( أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشرّ عباده ، ومن همزات الشياطين أن يحضرون ))

[ أبو داود عن عبد الله بن عمرو]

 وعن زيد بن ثابت أنه قال :

((شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أرقاً أصابني ، فقال عليه الصلاة والسلام : قل يا زيد : اللهم غارت النجوم ، وهدأت العيون ، وأنت الحي القيوم ، لا تأخذك سنة ولا نوم يا حي يا قيوم أهدئ ليلي وأنم عيني ، قال زيد : فقلتها فأذهب الله عني ما كنت أجد ))

[ جامع الأحاديث عن زيد بن ثابت]

 أرأيتم أيها الأخوة كيف أن الخط موصول دائماً بين أصحاب رسول الله وبين الله ، يلجؤون إليه في كل شيء ، وأنا أقول لكم : ما أكثر المصائب والمحن التي تحل بالمسلمين ، أما آن أن يلتجئوا إلى الله ؟ أما آن أن يقبلوا عليه ؟ أما آن أن يصطلحوا معه ؟ أما آن أن يراجعوا حساباتهم ؟ أما آن أن ينفضوا  أيديهم ممن سواه ؟ أما آن أن يعدلوا عن خلقه إلى الله عز وجل ؟ . .

 

((......قل يا زيد : اللهم غارت النجوم ، وهدأت العيون ، وأنت الحي القيوم لا تأخذك سنة ولا نوم ، يا حي يا قيوم أهدئ ليلي وأنم عيني ، قال زيد : فقلتها فأذهب الله عني ما كنت أجد ))

 

الله بيده كل شيء و إليه يرجع الأمر كله :

 الحقيقة الكبرى أيها الأخوة ، والتي لا حقيقة سواها ، ليس في الكون إلا الله ، بيده كل شيء ، بيده ملكوت كل شيء ، إليه يرجع كل شيء ، فإذا عرفته وأقبلت عليه كنت أقوى من كل شيء ، وملكت كل شيء .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حينما يقف الإنسان من خلال ضعفه أمام ذي العزة والجبروت، فإنه يعود مليء اليدين بالخير . أخوة كثر يزيدون عن المئات ، يؤكدون أنهم حينما أصابتهم محنة ، حينما لجؤوا إلى الله وتضرعوا إليه ، ويئسوا ممن سواه ، وعقدوا الآمال عليه ، أنقذهم ، وأيدهم ، وحفظهم ، ونصرهم ، ورحمهم ، وأكمل نعمه عليهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ندعو الله بأسمائه الحسنى، لذلك جاء في الحديث الشريف : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ))

[الترمذي عن حماد بن سلمة]

 ألظوا أي الجؤوا .
 ولعل يا ذا الجلال والإكرام اسم الله الأعظم ، يا ذا الجلال والإكرام عظيم إلى أعلى درجة ، وكريم إلى أعلى درجة . .
 أنت في حياتك اليومية قد تحترم إنساناً ولا تحبه ، تحترمه لتفوقه ، وقد تحب إنساناً وليس في نظرك كبيراً لإحسانه ، لكنك مع الله في وضع آخر ، بقدر ما هو عظيم ، بقدر ما هو كبير ، بقدر ما هو رحيم ، بقدر ما هو محسن ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ))

[الترمذي عن حماد بن سلمة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حينما يحب الله ويختار يسوق لعبده الأحداث التي ترفع القدر وتزيد الأجر ، ويغلب أن تكون جسيمة . الحزن خلاق ، الحرمان يدفع إلى باب الله ، اجعل قوله تعالى شعاراً لك :

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة : 216]

 بدأ النبي عليه الصلاة والسلام حياته يتيماً ، يحتاج إلى كافل ، ولكن الله سبحانه وتعالى آواه إلى رحمته ، بدأ حياته صلى الله عليه وسلم حائراً لا يرى المنهج ، ولا يدري من حكمة الحياة شيئاً ، ولكن الله علمه وهداه ، بدأ حياته صلى الله عليه وسلم فقيراً يكدح ليحيا ، ويضرب في أرجاء الأرض ليصون وجهه وعرضه ، فهداه الله عز وجل وأغناه ، دققوا في قوله تعالى :

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾

[سورة الضحى : 6-8]

 لك في النبي الكريم أسوة حسنة .

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾

[سورة الضحى : 6-11]

 اختار الله لسيد الخلق وحبيب الحق أن يكون يتيماً ، لكنه آواه ، وكان تائهاً ، كيف يهدي الناس ؟ . . لكن الله هداه ، وكان فقيراً عائلاً لكن الله أغناه ، ولنا في رسول الله أسوة حسنة ، العبرة ألا نضعف ، تمرُّ أزمات ، وتمرُّ محن ، وتمرُّ مصائب ، لكن المؤمن شامخ كالطود ، واثق برحمة الله ، واثق أن الله معه ، واثق أن الله كل شيء ، وليس في الأرض شيء سواه .

 

بطولة الإنسان أن ينجح بامتحانات الله في الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام ؛ نشأ عليه الصلاة والسلام في بيئة أثقلتها الجاهلية بأنواع التخلف ، تخلف الجاهلية فوق كل تصور ، فوضى اجتماعية ، أموال في أيد قليلة ، استعباد لا حدود له ، فوضى جنسية يصعب أن نتصورها ، نشأ عليه الصلاة والسلام في بيئة أثقلتها الجاهلية بأنواع التخلف ، وقد عاف مآثر الجاهلية الجوفاء ، ورفض شرود أهل الكتاب في عصره ، لقد اعتزل بفطرته النقية الناس بعيداً عندهم ، ضائقاً بأحوالهم وأحوال الآخرين ، فهو لا يستطيع أن يسدي لأحد علماً ولا لنفسه ، وجاء الرد الإلهي :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ* فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾

[ سورة الشرح : 1-6]

 لا تخلو الحياة من محن ، ولا تخلو من مصائب ، ولا تخلو من ابتلاءات ، يمتحنك الله بالغنى ، ويمتحنك بالفقر ، ويمتحنك بالصحة ، ويمتحنك بالمرض ، يمتحنك بإقبال الدنيا ، ويمتحنك بإدبار الدنيا ، ويمتحنك بتجمع الناس حولك ، وقد يمتحنك بانفضاضهم عنك ، يمتحنك بأسرة ناجحة ، وقد تُمتحن بأولاد يحتاجون إلى عناية بالغة ، كل هذا من امتحانات الله في الدنيا .
 ليست البطولة أن تنجو من الامتحان ، ولكن البطولة أن تنجح في الامتحان . . دققوا في هذه الكلمة ، ليست البطولة أن تنجو من الامتحان ولكن البطولة أن تنجح في الامتحان ، أن تقف الموقف الكامل من كل مصيبة ، من كل محنة .
 أحياناً شاب في مقتبل الحياة ، في أعلى درجات الفهم والفطنة ، يحمل أعلى الشهادات ، لا يرى أمامه الطريق واضحاً ، لا سبيل إلى شراء بيت ، لا سبيل إلى زواج ، ماذا يفعل ؟ . . له في النبي الكريم أسوة حسنة ، انتظر ، يخلق الله من الضعف قوةً ، ومن الضيق فرجاً ، ومن اليأس تفاؤلاً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان ذو الحسِّ المرهف تشقيه أزمات الفكر والضمير ، قال تعال :

﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾

[سورة طه : 1-3]

 قال بعض الشعراء :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله  وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
***

 إنسان تافه محدود الأفق ، إذا حقق دخلاً وفيراً قال على الدنيا السلام ، على الرغم من دخله الوفير هو صغير عند الله ، ولكن المسلم يحمل هموم المسلمين ، لا يقرُّ له قرار إلا إذا كانوا على أحسن حال ، لا يقرُّ له قرار أن يشبع ويجوع الآخرون ، لا يقرُّ له قرار أن يأمن ويخاف الآخرون ، لا يقرُّ له قرار أن يسعد ويشقى الآخرون . . كلما اتسعت دائرة اهتماماتك كلما كبرت عند الله ، وكلما ضاقت دائرة اهتمامك صغرت عند الله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام ذو حسٍّ مرهف ، تشقيه أزمات الفكر والضمير ، لكن الله سبحانه وتعالى يجعل له من كل ضيق فرجاً ، ومن كل همّ مخرجاً ، الآية الكريمة :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ* فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾

[ سورة الشرح : 1-6]

الله تعالى هو القوي و بيده الفرج و النجاح :

 الحقيقة إن اليسر يأتي بعد العسر ، لكن الله آثر أن يقول : إن مع العسر يسراً ، ليطمئننا ، هذا العسر الذي تراه أمامك معه اليسر ، معه الفرج ، معه النجاح :

 

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾

 والعسر إذا عُرِّف بأل وتكرر عنى شيئاً واحداً ، أما الكلمة إذا نُكِّرت وتكررت فتعني شيئين . للصائم فرحتان ، فرحة – نكرة- يوم يفطر ، وفرحة يوم يلقى الله ، الفرحة الأولى غير الفرحة الثانية . .

﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾

[ سورة الشرح : 5-6]

 يحتاج المسلمون اليوم إلى اتصال بالله ، إلى إقبال عليه ، إلى استعانة به ، ولكنْ حقيقة أضعها بين أيديكم ، ما دام المسلمون متلبسين بمعاصٍ كثيرة ، وبمخالفات عديدة ، ليس بيتهم إسلامياً ، وليسوا ملتزمين بالأمر والنهي ، إنهم لا يستطيعون أن يلجؤوا إلى الله ؛ لأنهم في حالة خجل ، إنهم محجوبون بذنوبهم ، إنهم محجوبون بقبائح عيوبهم ، أما إذا تابوا إلى الله توبةً نصوحاً ، واصطلحوا معه أمكنهم أن يلجؤوا إليه ، وأمكنهم أن يتصلوا به ، وأمكنهم أن يستعيذوا به ، وأمكنهم أن يستعينوا به ، وعندئذ يرون العجب العجاب ، يرون أن كل قوى الأرض التي يرونها كبيرة تصبح في أعينهم صغيرة ، والله وحده هو القوي ، هو الكبير ، بيده ملكوت كل شيء ، قال تعالى :

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[سورة يونس : 24]

 ظنَّ أهلها ، كبراؤها ، أقوياؤها أنهم قادرون عليها . .

﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾

 لا أمرهم ،

﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾

  ما أكثر الآيات الدالة على عظمة الله ، وعلى أنه هو الفعَّال .

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾

[سورة الزخرف : 84]

 هو الذي بيده ملكوت كل شيء .

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة الأنفال : 17]

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف : 26]

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

[سورة الرعد : 41]

﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الأعراف : 54]

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[سورة الأنعام : 102]

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

[سورة فاطر : 2]

 هذا هو الإيمان ، الإيمان هو التوحيد ، أما أن تؤمن أن لهذا الكون خالقاً فهذا يستوي فيه الناس جميعاً ، لا يُعول على هذا الإيمان ؛ لأن هذا الإيمان لا ينكره أحد ، شتان بين أن تؤمن أن الله خلق الكون وبيده كل شيء ، وبين أن تؤمن أن الله خلق الكون وتركه للخلق .

 

شروط إجابة الدعاء :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يحضنا ربنا عز وجل في سورة ألم نشرح :

﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾

[سورة الشرح : 7-8]

 يقول الله عز وجل :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[سورة البقرة : 186]

 هذا كلام خالق الأكوان . .

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

  من شروط إجابة الدعاء أن تؤمن بالله ، أن تؤمن بوحدانيته ، وأن تؤمن بمحبته لك ، وأن تستجيب له ، عندئذ أنت أقوى الناس .

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[سورة الأنعام : 17]

كيفية مواجهة النبي الكريم المحن :

 سأعرض عليكم - أيها الأخوة - كيف كان عليه الصلاة والسلام يدعو ربه في المحن ، كان يدعو عليه الصلاة والسلام ويقول :

((اللهم إني أسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والسلامة من كل إثم ، والغنيمة من كل بر ، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار))

[ الترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن أبي أوفى]

 كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الجوع ؛ لأنه بئس الضجيع . كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من البرص والجذام ، وسيد الأسقام .

((عَنْ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي تَعَوُّذًا أَتَعَوَّذُ بِهِ ؟ قَالَ : فَأَخَذَ بِكَتِفِي فَقَالَ قُلِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي يَعْنِي فَرْجَه ))

[الترمذي والنسائي وأبو داود عَنْ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ]

 أي يستعيذ بالله أن يصيب هذه الأعضاء الحساسة والأعضاء الفاعلة في حياة الإنسان عطب يعطلها عن وظيفتها . .

((اللهم إني أعوذ بك من شرِّ سمعي ، وشرِّ بصري ، وشرِّ لساني ، وشرِّ قلبي))

  وكان يقول عليه الصلاة والسلام :

((اللهم إني أعوذ بك من شر الغنى ))

[ ورد في الأثر]

 الغنى له طغيان .

((ومن شر الفقر ))

[ ورد في الأثر]

 والفقر قد يؤدي إلى الكفران .

((اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ، والبخل والهرم ، وغلبة الدين وقهر الرجال))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يُستجاب لها))

[مسلم عن زيد بن أرقم]

 كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله ويقول :

((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك ، وتحول عافيتك ، وفجأة نقمتك ، وجميع سخطك))

[مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ]

 كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله ويقول :

((اللهم إني أعوذ بك من شرِّ ما عملت ، ومن شرِّ ما لم أعمل ))

[ مسلم عن عائشة ]

 والإنسان قد يُبتلى بعقاب أليم لذنب لم يفعله .

((كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ . .))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

((كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من شر الخلق ، وهم الرزق وسوء الخلق))

[ ورد في الأثر]

((كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق))

[ النسائي وأبو داود عن أبي هريرة]

 كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الفقر ، يقول :

((أعوذ بالله من الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الخوف إلا منك ، وأن أقول زوراً - أن أكذب - وأن أغشى فجوراً - أن أجلس في مكان لا يرضيك مع أُناس عصاة، وأن أتابع شيئاً لا ترضى عنه- أو أكون بك مغروراً ، أعوذ بك من شماتة الأعداء ، ومن خيبة الرجاء ، ومن السلب بعد العطاء))

[ ورد في الأثر]

 أعوذ بك من العطب ، والنصب ، ووعثاء السفر ، وسوء المنقلب . أعوذ بك من الزيغ ، والجزع ، والطمع في غير مطمع . أن تطمع بجهة تعلق عليها كل الآمال ، ثم تخيب ظنك . ومن الطمع في غير مطمع . . إذا طمعت بفضل الله فقد طمعت في مطمع ، أما إذا طمعت في عطاء إنسان فقد طمعت بغير مطمع .
 كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الفتن ، ما ظهر منها وما بطن .
 كان عليه الصلاة والسلام يقول :

((اللهم زدنا ولا تنقصنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا))

[الترمذي كتاب تفسير القرآن ، باب ومن سورة المؤمنين ، برقم 3173 ، والنسائي في السنن الكبرى ، كتاب الطهارة ، صفة الغسل من الجماعة]

الحكمة من الأدعية السابقة :

 ماذا يُستفاد من هذه الأدعية ؟ . . هنا بيت القصيد ، كان عليه الصلاة والسلام يكره المرض ، ولاسيما العضال منها ، وكان يؤثر العافية ، وهذه فطرة الله في النفس ، لذلك لا ينبغي لأحد أن يتمنى البلاء ، هذه حقيقة أولى .
 كان عليه الصلاة والسلام يرجو السلامة في حواسه وأعضائه ويستعيذ بالله من السقم ، والعجز والهرم ، عُرف عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان متين البنية ، يهزم المصارعين، يسير المسافات الشاسعة دون إعياء ، أما الضعف ، والشحوب ، وإهمال صحة الجسد ، وعدم العناية بها حتى تُفضي إلى المرض ، فليس هذا من الدين ، هذا من زهاد الهنود وقد وصلتنا إلى بعض الفرق الإسلامية ، ليس من الدين أن تهمل صحة جسدك ، إن جسدك رأس مالك ، والعناية بالجسد من الدين ، إن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يباهي بنا الأمم يوم القيامة ، لا بأجساد هزيلة ، ولا بأناس متواكلين ، ولكن بأشخاص هم أفذاذ ، هم قمم في مجتمعاتهم . من خلال هذه الأدعية كان عليه الصلاة والسلام يكره الفقر والدَّين وشتى الأزمات التي تعكر صفو الإنسان وتذل الناس .

الفقر و الغنى :

 لكن أود أن أضع بين أيديكم أن هناك ما يُسمى بفقر الكسل ، وهناك ما يُسمى بفقر القدر ، فقر الكسل وصمة عار في حق الإنسان ، إنه كسول ، إنه مهمل ، إنه مرجئ ، إنه مُسيب ، لا يعتني بعلمه ، لا يهتم به ، لا يضبطه ، لا يسعى إليه ، أما فقر القدر إذا أصاب إنساناً فلحكمة يريدها الله عز وجل ، والمؤمن يحترم أشدّ الاحترام قضاء الله وقدره . و هناك غنى الكفاية ، كان عليه الصلاة والسلام يقول : " اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً " ، يغطي حاجاته ، لا تجعل له رزقاً يطغيه ، اجعل له رزقاً يكفيه ، وشتان بين الكفاية وبين الطغيان . كان عليه الصلاة والسلام يقول :

((بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنىً مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال فشرُّ غائب يُنتظر ، أو الساعة ، والساعة أدهى وأمر ))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

 لذلك كان الدعاء القرآني :

﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[سورة البقرة : 201]

الدين حياة :

 أضع بين أيديكم هذه الحقيقة ، الناس اليوم لا يحترمون دينك إلا إذا تفوقت في الدنيا ، إلا إذا كنت صانعاً ماهراً ، إلا إذا كنت في علمك في أعلى درجة ، عندئذ تلفتهم إلى دينك ، هذا التفوق من آثار الدين ، الدين حياة ، كان النبي يقول :

(( اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا . .))

[ ورد في الأثر]

 الدعاء القرآني :

﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[سورة البقرة : 201]

 كان يقول عليه الصلاة والسلام :

((اللهم أسألك عيشاً قاراً ، ورزقاً داراً ، وعملاً باراً))

[ ورد في الأثر]

 أي عيش فيه قرار ، فيه طمأنينة ، فيه راحة بال ، ورزقاً داراً مستمراً ، وعملاً باراً.
 من هذه الأدعية يُستنبط أن بعض الناس يكرهون من فوقهم حسداً ، ويحقرون من دونهم بغياً ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام علمنا فقال :

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ))

[ الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

((ليس منا من لم يجلّ كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه ))

[ أحمد عن عبادة بن الصامت]

 النبي عليه الصلاة والسلام لا يريد جباراً في الأرض ، ولا قاهراً للعباد ، ولكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يكون موضعاً لاستطالة السفهاء ، وجور المعتدين ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

[سورة الشورى : 39-40]

 كان عليه الصلاة والسلام يقول :

((إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني . .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

من خضع لغير الله و ركن إليه فمثله كمثل بيت العنكبوت :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عز وجل في كتابه الكريم :

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة العنكبوت : 41]

 بيت العنكبوت أوهن بيت على الإطلاق في نص هذه الآية ، قال العلماء : إنَّ تفيد التوكيد ، إن حرف مشبه بالفعل يفيد التوكيد .

﴿ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ ﴾

  واللام لبيت لام المزحلقة ، أساسها لام التوكيد ، زُحلقت من اسم إن إلى خبرها ، إذاً هناك توكيدان في الآية :

﴿ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾

  ويقول الله عز وجل .

﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾

[سورة العنكبوت : 43]

 وهذا التعريف يفيد التخصص ، أي علماء الحشرات وحدهم يعلمون سرَّ هذه الآية .
 جاء في بعض التفاسير أن بيت العنكبوت ضعيف ؛ لأنه لا يغني عنها من حرٍّ ، ولا من قرٍّ ، ولا من مطر ، ولا من رياح ، وهو ضعيف لتفاهته ، ولحقارته ، هكذا ورد في بعض التفاسير ، لكن أستاذاً في علم الحشرات ، في كلية العلوم في جامعة القاهرة ، قال في بعض كتبه العلمية .

﴿ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً ﴾

[سورة العنكبوت : 41]

 في الآية إعجاز عملي ؛ لأن التي تبني البيت هي الأنثى ، جاءت تاء التأنيث .

﴿ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً ﴾

[سورة العنكبوت : 41]

 قال : الأنثى هي التي تغزل البيت ، هي التي تُرغِّب الذكر بالدخول إلى البيت ، حيث تقوم أمامه بحركات مغرية ، وتسمعه بعض الألحان الطنانة ، فيأوي إلى بيتها ، وبعد التلقيح تأكله ، وتفترسه ، وتأكل أولادها من بعد ، ويأكل أولادها بعضهم بعضاً ، فضعف البيت لا من ضعف بنيته ، بل من ضعف علاقاته الداخلية ، وقد يُجمع الضعفان في ضعف واحد .
أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية : العنكبوت الأنثى هي التي تبني البيت ، تغزل البيت، وترغِّب الذكر بالدخول إلى البيت ، وتقوم أمامه بحركات مغرية ، وتسمعه ألحاناً طنانة ، فيأوي إلى بيتها ، ثم بعد التلقيح تفترس الذكر وتأكل بعد ذلك أولادها ، والأولاد يأكلون بعضهم بعضاً ، فهو بيت متداعٍ مفكك ، فضعف البيت يأتي من أين ؟ من ضعف العلاقات فيما بين أفراد الأسرة .
 قال بعض خطباء دمشق مستنبطاً استنباطاً لطيفاً : إن الذي يسمح لزوجته أن تطغى عليه ، يخضع لمشيئتها ، ينساق إلى أوامرها .

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44 ]

 لأن جنس الحيوان الأنثى فيهم أقوى من الذكر . وقد ورد في بعض الأحاديث : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا ، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ ذكرت هذه الآية لأن الله عز وجل حينما قال :

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة العنكبوت : 41]

 المسلمون اليوم في محنتهم مع أعدائهم اليهود ومن وراءهم ، لأنهم اعتمدوا على غير الله ، وركنوا إلى قوى الأرض ، واستسلموا لها :

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة العنكبوت : 41]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018