الخطبة : 0556 - الوعي الإسلامي - من طلب العلم تكفل الله له برزقه . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0556 - الوعي الإسلامي - من طلب العلم تكفل الله له برزقه .


1996-02-02

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الوعي الإسلامي :

 أيها الأخوة الكرام: سيعقد في هذا المسجد إن شاء الله بعد انتهاء صلاة الجمعة ندوة فكرية حول الوعي الإسلامي ودوره في تقدم المسلمين، وفي مناعتهم، ومن أجل أن أفسح المجال لضيوفنا الأكارم، سأدلي بدلوي في هذا الموضوع في هذه الخطبة، ونحن في الندوة نستفيد من علم البيوع.
 أيها الأخوة الكرام: موضوع الخطبة إذاً الوعي الإسلامي، وأساس الوعي الإسلامي العلم، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
 أيها الأخوة الكرام: العلم من أخصِّ خصائص الإنسان، فالجماد شيء يشغل حيزاً، والنبات يشغل حيزاً وينمو، والحيوان يشغل حيزاً وينمو ويتحرك، والإنسان يشغل حيزاً وينمو ويتحرك ويعلم، فإن لم يعلم، وإن لم يطلب العلم هبط إلى مستوىً دون مستواه، فالعلم من أخصِّ خصائص الإنسان.
 إن لم يطلب الإنسان العلم، وإن لم يُعمل عقله، هبط من مستوى إنسانيته إلى مستوى آخر لا يليق به.
 يقول الإمام علي كرم الله وجهه:" قوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره ".
 الورع أحسن لكن في العلماء أحسن، العدل أحسن لكن في الأمراء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن..

مشكلة المسلمين الأولى هي أنصاف العلماء :

 أيها الأخوة الكرام: مشكلة المسلمين مشكلة أنصاف العلماء، فنصف العالم خطير جداً لا هو عالم فيفيد من علمه، ولا هو جاهل فيقبل أن يتعلم، العلم ينبغي أن تعطيه كلك مخلصاً، من أجل أن يعطيك بعضه، لذلك وردت في القرآن الكريم كلمات تشير إلى التعمق في العلم، قال تعالى:

﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾

[ سورة آل عمران: 7 ]

 نصف المتعلم لا هو عالم فيستفيد، ولا هو جاهل فيقبل أن يتعلم.
 أيها الأخوة الكرام: وإن اختُلف في العلم، وإن تنازع الناس في العلم، فهذا مرده إلى صفة ذميمة في الإنسان ألا وهي الحسد، قال تعالى:

﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران:19 ]

 أي حسداً بينهم.

 

العلم أوسع باب إلى الله وأقصر طريق إليه :

 أيها الأخوة: ليس هناك من طريق ثالث، إما أن تتبع العلم الحقيقي الموضوعي، وإما أن تتبع الهوى، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ﴾

[سورة الرعد: 37]

 معنى ذلك أن اتباع الهوى يتناقض مع العلم، وأن اتباع العلم يتناقض مع الهوى، ومهما بلغ الإنسان من العلم ينبغي أن يقرأ هذه الآية:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 85]

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾

[سورة البقرة : 255]

 أيها الأخوة الكرام: العلم يوصلك إلى الله قطعاً، ما من طريق إلى الله أقصر من العلم، العلم أوسع باب إلى الله، وأقصر طريق إليه، قال تعالى:

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ﴾

[سورة الحج : 54]

 الذين أوتوا العلم يعلمون أن هذا الكتاب هو حق من عند الله، والعلم يجعلك تعمل للآخرة، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾

[سورة القصص: 80]

أعظم المراتب في الدنيا مرتبة العلم :

 أيها الأخوة الكرام: ينبغي أن تعلموا علم اليقين أن المراتب في الدنيا كثيرة، لكن أجلَّها، وأعظمها، وأرقاها، وأعلاها مرتبة العلم، قال تعالى:

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

[سورة المجادلة : 11]

 لكن الذي يحضر مجالس العلم، وهو غارق في الدنيا لا يعي شيئاً قال تعالى:

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفاً أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴾

[سورة محمد: 16]

 فلابد من الوعي، ولابد من الإصغاء، ولابد من جمع النفس على ما تسمع، ولابد من تدبر ما تسمع، ولابد من أن تعمل بما علمت.
 أيها الأخوة الكرام: يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، يخاطب أبي ابن كعب:

(( قال: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ))

[ مسلم عَنْ أُبَي بْنِ كَعْبٍ]

 النبي عليه الصلاة والسلام هنأ أحد أصحابه؛ لأنه أجاب إجابة صحيحة، لذلك ما من شيء يستحق التهنئة الحقيقية كأن تهتدي إلى الله عز وجل.

 

الخروج في طلب العلم خروج في سبيل الله :

 يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي وقال حديث حسن:

(( مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك ]

 الخروج في طلب العلم خروج في سبيل الله، فكيف إذا كان طلب العلم متوافراً لك في بلدتك، وفي حيك، وإلى جوار بيتك.

((من خرج في طلب العلم - وأعلى أنواع السفر أن تسافر في طلب العلم- مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ ))

 وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قالَ: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ))

[ الترمذي عن أبي الدرداء ]

 أيها الأخوة الكرام: ويقول عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا))

[متفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 نقطة دقيقة جداً، وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:

((دَخَلْنَا عَلَى عَبْد ِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ.. قال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾))

[متفق عليه عن مسروق]

 جاء وفد من غرب الأرض، من بلاد الأندلس، يقصد العالم أحمد بن حنبل، ومعه خمسون سؤالاً من الأسئلة العويصة، فأجاب عن سبعة عشر، وامتنع عن الإجابة عن الأسئلة الباقية، فقيل له: أجب، قال: لا أعلم، قالوا: أنت الإمام لا تعلم؟ قال: قولوا لمن أرسلكم الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم.
فدقة العلم أن تقول لما تعلم أعلم، ولما لا تعلم لا أعلم.
 قال هذا الصحابي الجليل: " قال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وسلم :

﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾

 " أي لا تتكلف أن تقول لما لا تعلم أعلم، قل لا أعلم.

 

مجالس العلم خير مكان في الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام: يقول عليه الصلاة والسلام:

((إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: الْمَسَاجِدُ، قُلْتُ: وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

 وفي رواية لأحمد:

((قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

 النبي عليه الصلاة والسلام خير خلق الله، معلم البشرية، منقذ البشرية، يقول لنا: إن خير مكان في الدنيا، إنه المكان الذي يشبه الجنة مجالس العلم، لماذا ؟ لأنك إذا استمعت إلى الحق وعملت به وصلت إلى الجنة، إن جلست في مجلس علم، وعرفت حقيقةً تركت أثراً في نفسك، وحملتك على طاعة الله، وأبعدتك عن معصيته، تستحق بهذا الجنة.
 قال عليه الصلاة والسلام:

((إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

 لكن الندم الذي يأكل القلب يوم القيامة ندم الذي أتيح له أن يتعلم فلم يتعلم، والدليل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[سورة الملك: 10]

 يستحق الإنسان أن يدخل النار إلى أبد الآبدين، وأن يشقى شقاءً لا يوصف، لا لشيء كبير، بل لأنه استنكف عن طلب العلم.

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[سورة الملك: 10]

 الإنسان مجهز، مؤهل على أن يصل إلى أعلى درجات السعادة لو طلب العلم، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أشد الناس حسرة يوم القيامة رجل أمكنه طلب العلم فلم يطلبه ورجل آخر علم علماً فانتفع به من سمعه دونه ))

[انظر تذكرة الموضوعات للفتني وقال ابن عساكر منكر]

العلم أساس العمل :

 لذلك من أحاديث البشير النذير في الجامع الصغير أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أفضل الأعمال العلم بالله ))

 أفضل: اسم تفضيل :

(( أفضل الأعمال العلم بالله، إن العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره، وإن الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره ))

[ الحكيم عن أنس - تصحيح السيوطي ضعيف - انظر الجامع الصغير]

 يستنبط من هذا الحديث الشريف أن العلم أساس العمل، لا عمل بلا علم، لا حركة بلا علم، لا شيء يجدي بلا علم، حتى الأعمال التي تبدو أنها صالحة، الأعمال الكبيرة، قال تعالى:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾

[سورة الفرقان: 23]

 لأن درهماً تنفقه في إخلاص - والإخلاص يحتاج إلى علم وإلى توحيد- خير من مئة ألف درهم ينفق في رياء.
 وهل تصدقون أيها الأخوة أن الله سبحانه وتعالى سخَّر الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، هكذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الملائكة لتضح أجنحتها لطالب العلم رضاءً بما يصنع ))

[ الترمذي عن زر بن حبيش]

 أي إذا غدوت إلى مسجد لتطلب العلم فأنت في رضوان الله، أنت في توفيق الله، أنت في حفظ الله، الملائكة يسخرها الله لك تحفظك وترعاك، وتسدد خطاك، وقد ورد في الأثر أن الذي يأتي بيوت الله ييسر الله أمره، هم في مساجدهم والله في حوائجهم.

 

تحري صحة العلم :

 أيها الأخوة الكرام: لابد من أن تتحرى صحة العلم، لماذا ؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ))

[مسلم عن محمد بن سيرين]

 لو أخطأت في شراء منزل تبيعه، لو أخطأت في شراء مركبة تبيعها، أما إذا أخطأت في اختيار منهل العلم، وكان العلم غير صحيح، فيه صواب وفيه خطأ، انعكس هذا على آخرتك، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ))

[مسلم عن محمد بن سيرين]

((ابن عمر دِينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

[ كنز العمال عن ابن عمر ]

 وإياك أن تظن أن العلم قدر الله، إنه تكليف، قال عليه الصلاة والسلام:

((إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ))

[أخرجه البخاري و الطبراني عن معاوية ]

 العلم كسبي، إنما العلم بالتعلم، إنما أداة قصر، لا تقل: هذا ليس بيدي، الله عز وجل منح فلاناً وحرم فلاناً، النبي عليه الصلاة والسلام جعل طلب العلم من التكليف، وإذا كلف الله عبداً بطلب العلم يسَّره له وهو في وسعه، وفي إمكانه.
 أخوة الإيمان: العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيِّمه، والرفق أبوه، واللين أخوه، والصبر أمير جوده. العلم خليله، والخليل أقرب إلى الإنسان من كل شيء.

 

السؤال مفتاح العلم :

 أيها الأخوة الكرام: يبين النبي العدنان أن مفتاح العلم السؤال، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( حسن السؤال نصف العلم ))

[الديلمي عن ابن عمر]

 اسأل، لا تستح من أن تسأل، ليس العار أن تجهل، العار أن تبقى جاهلاً، ليس العار أن تخطئ، العار أن تبقى مخطئاً، حسن السؤال مفتاح العلم، لكن الشيء الخطير هو أن العلم ما عُمل به، فإذا لم يُعمل به كان الجهل أولى، قال عليه الصلاة والسلام:

(( تعلموا من العلم ما شئتم فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم))

[ابن عدي في الكامل، والخطيب البغدادي في كتاب اقتصاد العلم للعمل عن معاذ بن جبل]

خيانة العلم أشدّ من خيانة المال :

 هناك شيء آخر: يقول عليه الصلاة والسلام:

(( تناصحوا في العلم ولا يكتم بعضكم بعضاً، فإن خيانة العلم أشد من خيانة المال))

[ أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس]

 لو أن إنساناً خانك، وأخذ من مالك حراماً مئة ألف، هذه ضاعت عليك، لكن حينما يأتي الموت تنتهي هذه المشكلة، لأن الموت يلغي كل شيء، أما إذا خانك إنسان في العلم، علمك علماً غير صحيح، أفتى لك فتوى لغاية في نفسه، غطى لك عملك إرضاءً لك، فالذي يخونك في العلم هذه هي الخيانة الحقيقية، لأن أثر هذه الخيانة يمتد إلى أبد الآبدين.
 لو أن إنساناً خانك في مالك تنتهي خيانته عند الموت، لكن الذي يخونك في العلم، يخونك إلى الأبد، يخونك في الدار الآخرة، فلذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

(( تناصحوا في العلم..))

[ أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس]

 وأخطر إنسان لا الذي يفتي بما لا يعلم، الذي يفتي بخلاف ما يعلم، شيء خطير، تعلم الحكم الشرعي ولكن تقول كلاماً إرضاءً أو استجلاباً لمصلحة بخلاف ما تعلم، لذلك:

(( تناصحوا في العلم ولا يكتم بعضكم بعضاً، فإن خيانة العلم أشد من خيانة المال))

[ أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس]

 أخواننا الكرام، لا يستخف بالعلم إلا منافق، إن لم تعبأ بالعلم، وأهل العلم، وبيوت العلم، ومدارس العلم، هذا شيء خارج اهتمامك، ثلاثة لا يستخف بحقهم إلا منافق، ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط أي عادل.

 

إكرام طالب العلم من أعلى الأعمال الصالحة :

 وهل تصدقون أيها الأخوة أن طالب العلم هو وصية رسول الله، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحباً بوصية رسول الله، وأفتوهم، وأكرموهم ))

[ ابن ماجة عن أبي سعيد تصحيح السيوطي حسن]

 لذلك يُعد من أعلى الأعمال الصالحة إكرام طالب العلم، ولا سيما هذا الذي جاء من بلد بعيد، ليطلب العلم، وليعود إلى بلده داعياً إلى الله وعالماً، إكرام ضيوف العلم من أعلى الأعمال الصالحة. ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( طالب العلم بين الجهال كالحي بين الأموات ))

[ الديلمي عن حسان بن أبي جابر]

 تماماً، طالب العلم حي، والجاهل ميت، لعل الجاهل يحيا حياة مادية، لكن للعلم حياة لا يعرفها إلا من ذاقها، لهذا قيل رتبة العلم أعلى الرتب. بل إن طالب العلم أفضل عند الله من المجاهد في سبيل الله، كيف لا وقد قال الله عز وجل في القرآن الكريم:

﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[سورة الفرقان: 52]

 أي القرآن، تعلم القرآن وتعليمه جهاد كبير عند الله عز وجل.
 وقال عليه الصلاة والسلام:

(( طالب العلم لله كالغادي والرائح في سبيل الله عز وجل ))

[ الديلمي في مسند الفردوس عن عمار وأنس تصحيح السيوطي: ضعيف]

العلم أساس رقي الأمم و هو فريضة على كل مسلم :

 وهناك حديث دقيق وخطير، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( طالب العلم طالب الرحمة، طالب العلم ركن الإسلام، يعطى أجره مع النبيين ))

[الديلمي في مسند الفردوس عن أنس]

 لماذا ؟ لأن الأمة بعلمائها، الأمة لا بجهلائها بل بعلمائها، تقول مثلاً: الجامعة بأساتذتها، والأمة تتقدم وترقى وتتماسك بفضل علمائها، الذين يهدونها سواء السبيل، فلذلك أن تعتني بطالب العلم، إنك تعتني بمستقبل الأمة، العناية بطلاب العلم عناية بمستقبل الأمة، لن تفلح أمة، ولن ترقى أمة، إلا إذا جعلت العلم أساس رقيها، فلنبدأ من الصغار، لأنهم عدة المستقبل كما يقولون، وليس لك خيار في أن تطلب العلم أو لا تطلب، ليس العلم وردة تضعها على صدرك، تنزعها إذا شئت، و تضعها إذا شئت، لا.. يقول عليه الصلاة والسلام:

(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))

[ابن ماجة عن أنس بن مالك ]

 كيف أنك تصلي، من ترك الصلاة فقد كفر، كيف أنك تصوم رمضان، كيف أنك تحج البيت، كيف أنك تؤدي زكاة مالك، هذه فرائض يجب أن تفعلها، ومن لم يفعلها أثم وعوقب، طلب العلم في مستوى أعلى الفرائض، بل إن العلماء الأجلاء يقولون: طلب العلم أعلى فريضة على الإطلاق.

(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))

[ابن ماجة عن أنس بن مالك ]

 وإن طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر. وطلب العلم ساعة خير من قيام ليلة، وطلب العلم يوماً خير من صيام ثلاثة أشهر. إذا دخلت إلى مسجد، وكان ينعقد فيه مجلس علم، وقد أديت فريضة، اجلس واستمع إلى العلم خير من أن تصلي النافلة، هكذا قال العلماء. والعالم أمين الله في الأرض.
 أبو حنيفة النعمان رأى طفلاً أمام حفرة، فقال: إياك يا غلام أن تسقط- هكذا تروي السير- فقال هذا الغلام وقد أوتي ذكاءً وجرأةً: بل أنت يا إمام إياك أن تسقط، إني إن سقطتُ سَقطتُ وحدي، وإنك إن سقطتَ سَقط معك العالم. العالم أمين الله في أرضه، والعلم ثلاثة: كتاب ناطق - القرآن الكريم-، وسنة ماضية، والقسم الثالث لا أدري..
 عود نفسك أن تقول: لا أدري،هذا موقف علمي، هذا موقف مشرف:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 43]

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان: 59]

العلم في القلب يحمل الإنسان على طاعة الله :

 أيها الأخوة الكرام:

(( العلم خزائن مفتاحها السؤال ))

[ الدرامي موقوف على ابن شهاب الزهري]

 فاسألوا يرحمكم الله، فإنه يؤجر فيه أربعة، السائل والمعلم والمستمع والمحب.
 اغد عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك. العلم دين، والصلاة دين، فانظروا عمن تأخذون هذا العلم، وكيف تصلون هذه الصلاة، فإنكم تسألون يوم القيامة. عَنِ الْحَسَنِ البصري قَالَ:

((الْعِلْمُ عِلْمَانِ فَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ ))

[ الدرامي موقوف على الحسن البصري]

 العلم في القلب هو الذي يحملك على طاعة الله، هو الذي يحملك على اجتناب المعصية، هذا هو العلم النافع، وأما العلم على اللسان فلك أو عليك، حجة على ابن آدم.

وعالم بعلمه لم يعملن  معذب من قبل عباد الوثن
***

تقييد العلم بالكتابة :

 أيها الأخوة الكرام: العلم ميراثي، وميراث الأنبياء قبلي، ماذا ورث النبي؟ ورث أراضٍ؟ بيوتاً؟ أموالاً؟.. لا، ثم إن العلم لا يحل منعه، فكم من مؤلف، كم من عالم أصدر كتاباً وكتب على الكتب: إن هذا الكتاب حق لجميع المسلمين، تداولوه ولا شيء عليكم؛ لأن العلم لا يُمنع، وقليل العمل ينفع مع العلم، وكثير العمل لا ينفع مع الجهل.
 وهناك إشارة لطيفة إلى أنه كل ما ليس في القرطاس ضاع، قال عليه الصلاة والسلام:

(( قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ ))

[ الدرامي موقوف على عمر بن الخطاب]

 قرأت حديثاً تفاعلت معه، اكتبه، فإذا كنت في مجلس فتحت هذا الدفتر الصغير فإذا فيه مختارات من حديث رسول الله، حدث من هذا الدفتر.

(( قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ ))

[ الدرامي موقوف على عمر بن الخطاب]

 وكاتم العلم يلعنه كل شيء حتى الحوت في البحر، والطير في السماء.

 

الحسد و التملق في طلب العلم فقط :

 أيها الأخوة الكرام: ليس من أخلاق المؤمن التملق ولا الحسد إلا في طلب العلم، لك أن تتملق من أجل أن تتعلم، ولك أن تحسد وهذا الحسد الذي رغب النبي به.

((لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله تعالى علما فهو يعمل به ويعلمه الناس))

[متفق عليه عن ابن عمرو]

 كلاهما ينفق في سبيل الله، وما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب، ومثل الذي يتعلم ثم لا يحدث به كمثل الذي يكنز الكنز ثم لا ينفق منه.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني..

* * *

الخطبة الثانية :
  أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

من طلب العلم تكفل الله له برزقه :

 أيها الأخوة الكرام: من الصدقة أن تعلم الرجل العلم فيعمل به ويعلمه. صدقة كأية صدقة، أن تعلم العلم.
 ومن خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع، كالموظف الذي يُرسل بمهمة، فلو أصابه مكروه في هذه المهمة تُحسب له رواتبه مدى حياته كأن لم يخسر منها شيئاً، فمن طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع، ومن طلب العلم كان كفارةً لما مضى.
 اطلب العلم في الخمسين، لا تقل كلام الشياطين: عند الكبرة جبة حمرة، اطلبه في الخمسين، اطلبه في الستين، لعل الله ينفعك، مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى، أمضى الإنسان عمراً مديداً بالجهل، والخرافات، والتخبط، ثم هداك الله ونور عقلك، وألقى في قلبك الحق، لا تستنكف عن طلب العلم مادام القلب ينبض، يظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، يظل عالماً ما طلب العلم، فمن طلب العلم كان كفارةً لما مضى. والحديث الشريف الذي يروى أن الإمام أبا حنيفة حينما قرأه طلب العلم وغيّر كل سلوك حياته:" من طلب العلم تكفل الله له برزقه" ليس معنى هذا أن يمد يده تحت الوسادة فيرى الليرات الذهبية، لا هذه خرافة، لكن من طلب العلم مخلصاً بطلبه يسر الله له رزقه، يسره بجهد قليل ومردود كثير، فمن طلب العلم تكفل الله له برزقه، الله أكرم وأجلّ من أن يشغلك في الدنيا كلها، إنك إن طلبت العلم أتاح الله لك وقت فراغ تتابع طلب العلم، يسر الله لك رزقاً يعينك على متابعة طلب العلم.
 من طلب العلم تكفل الله له برزقه.

آداب طلب العلم :

 من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فليتجهز إلى النار. ولطلب العلم آداب، من أجلّها كما قال عليه الصلاة والسلام وهذا الأدب مشترك، قال:

(( وقروا من تتعلمون منه العلم، ووقروا من تعلمونه العلم ))

[ ابن النجار في تاريخه عن ابن عمر ورواه عنه أيضاً الديلمي وغيره]

 كما أن على المتعلم أن يوقر المعلم، على المعلم أن يوقر المتعلم، أن يشجعه، أن يدعمه، أن يرفع معنوياته، أن يصغي إلى سؤاله، أن يهتم بسؤاله، ألا يسخر من سؤال سخيف.

(( وقروا من تتعلمون منه العلم، ووقروا من تعلمونه العلم ))

[ ابن النجار في تاريخه عن ابن عمر ورواه عنه أيضاً الديلمي وغيره]

 هذا واجب. وهل تصدقون أن النبي عليه الصلاة والسلام يرفع مرتبة العلماء إلى مرتبة الشهداء، فيقول عليه الصلاة والسلام:

(( يوزن مداد العلماء ودم الشهداء يرجح مداد العلماء على دم الشهداء ))

[ابن الجوزي في العلل وابن النجار عن ابن عمر]

 وأن العالم أمة.
 فيا أيها الأخوة الكرام: هذا موضوع الخطبة، طلب العلم، والعلم أساس الوعي الذي هو موضوع الندوة اليوم، وسأرجئ الحديث عن الإنفاق إلى الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى.

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء. اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018