الخطبة : 0555 - القرآن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0555 - القرآن.


1996-01-26

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا فيما جرت به المقادير، إنك على كل شيء قدير.

القرآن الكريم شفاء النّفوس :

 أيها الأخوة المؤمنون: جرت عادة الخطباء في رمضان أن تكون خطبة عن فضل الصيام، وخطبة عن فضل القرآن، وخطبة عن فضل الإنفاق، وخطبة عن ليلة القدر، ونحن في الخطبة الثانية، إنها حول القرآن الكريم.
 بادئ ذي بدء أيها الأخوة الكرام إذا ظننتم أن الإنسان أعقد آلة في الكون، فالقرآن الكريم هو تعليمات الصانع، وما من جهة في الأرض أجدر أن تتبع تعليماتها كصانع الآلة، فإذا أردتم السلامة، والسعادة، والفوز، والنجاح، والفلاح، فطبقوا القرآن، لأن الواحد الديان يقول:

﴿هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾

[سورة الإسراء: 9]

 في أي مجال من مجالات الحياة، في أي نشاط من نشاطاتها.

﴿هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾

[سورة الإسراء: 9]

 ثم إن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً ﴾

[سورة الإسراء: 82]

 شفاء، بمعنى الكلمة الدقيق، النفوس تمرض، مرض الأجساد ينتهي عند الموت، لكن مرض النفوس يبدأ عند الموت، وإلى أبد الآبدين.

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 والقرآن الكريم شفاء النفوس.
 أيها الأخوة: مثل منتزع من واقعكم، لو أن إنساناً ألمَّ به مرض، وتوجه إلى الطبيب، وفحصه، وشخَّص المرض بشكل صحيح، ووصف الدواء الصحيح، وأعطاه وصفة، فهل يا ترى إذا قرأ الوصفة قراءة جيدة هل يشفى ؟.. إذا أتقن قراءتها هل يشفى ؟.. إذا حفظها هل يشفى ؟.. إذا اشترى الدواء ولم يأخذه هل يشفى ؟.. لابد من قراءتها، ولابد من شراء الدواء، ولابد من استعمال الدواء.

 

تطبيق القرآن و جعله منهجاً لحياتنا :

 أيها الأخوة الكرام: آن الأوان للمسلمين أن يتحركوا نحو تطبيق قرآنهم، آن الأوان أن يجعلوه منهجاً، لا كتاباً يُتلى آناء الليل وأطراف النهار، هم في واد والقرآن في واد، إن لم يكن كتاب الله محكماً في بيوتنا، وفي أعمالنا، وفي علاقاتنا، فلسنا نقرؤه، ولو قرأناه آناء الليل وأطراف النهار.
 أيها الأخوة الكرام: عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((اقْرَؤوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرؤوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ ))

[مسلم عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ]

 أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أجل أن تعرف ماذا يعني أمر النبي اقرأ قوله تعالى:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[سورة الحشر: 7]

 القرآن الكريم يأمرك أن تأخذ عن النبي، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ))

[ مسلم عن أبي أمامة ]

 عَنْ عُثْمَانَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))

[ البخاري عَنْ عُثْمَانَ]

 خير: اسم تفضيل، خيركم على الإطلاق، من تعلم القرآن وعلمه. تعلمْ وعلِّمْ، اقرأ وأقرئ، تعلم التجويد وعلّم التجويد، تعلم معاني الآيات وعلِّم معاني الآيات، طبق القرآن واحمل الناس على تطبيق القرآن تغدو خير خلق الله.

(( خيرُكمْ من تعلّمَ القُرآنَ وعَلَّمَهُ ))

[البخاري عن عثمان بن عفان ]

 عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ فَلَهُ أَجْرَانِ ))

[متفق عليه عن عائشة]

 الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به، ماهر: مطلقة، ماهر في فهم معانيه، ماهر في تطبيقه، ماهر في تجويده، ماهر في تلاوته، الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع به وهو عليه شاق له أجران.

 

المؤمن كالأترجة طعمها طيب و ريحها طيب :

 أيها الأخوة الكرام: من بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام أنه يشبه، ويأتي بالأمثلة: عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ ))

[متفق عليه عن أبي موسى الأشعري]

 ينبغي أن تكونوا كالأترجة، مؤمنون وتقرؤون القرآن الكريم، طعمها طيب، وريحها طيب.
 أيها الأخوة الكرام: بيت من بيوت المسلمين لا يُقرأ فيه القرآن، ولا يُتحدث فيه عن القرآن، وليس فيه مراجع تدل على القرآن، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح المتفق عليه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ ))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 وعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَار ))

[متفق عليه عن سالم عن أبيه]

 لا حسد إلا في اثنتين، في اثنتين مباح لك أن تغبط أخاك عليهما الحسد هنا الغبطة..

 

الجنة لكلّ المؤمنين على اختلاف حرفهم و نشاطاتهم :

 أيها الأخوة: أريد أن أضع بين أيديكم هذه الحقيقة، الجنة لكل المؤمنين، ولكل حرف المؤمنين، ولكل نشاطات المؤمنين، هذا يدخل الجنة بماله، وهذا يدخلها بعلمه الذي أنفقه، وهذا يدخلها بخبرته التي نصح بها المسلمين، وهذا يدخلها بحسن بنوته، وهذا يدخلها بحسن أبوته، وهذه تدخلها بحسن تبعلها لزوجها، وهذا يدخلها بحسن أبوته، فالأبوة المثالية طريق إلى الجنة، البنوة المثالية طريق إلى الجنة، تبعل الزوج المثالي طريق إلى الجنة، إتقان العمل، والإخلاص فيه، ونفع المسلمين طريق إلى الجنة، إنفاق المال طريق إلى الجنة، تعليم العلم طريق إلى الجنة، الجنة لكل المؤمنين على اختلاف حرفهم، واختلاف نشاطاتهم، وكل يرقى إلى الله عز وجل بما آتاه الله.
 الذي آتاه الله المال طريقه إلى الله إنفاق المال، والذي آتاه الله العلم طريقه إلى الله إنفاق العلم، والذي آتاه الله الوجاهة طريقه إلى الله نصرة الضعيف، والذي آتاه الله طلاقة اللسان طريقه إلى الله الدفاع عن المظلوم، وكل له حظ في الدنيا، هذا الحظ ينبغي أن يبتغي به الله والدار الآخرة، دققوا في قوله تعالى حينما قال: الذين أوتوا العلم لقارون الذي أوتي من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، قالوا: لا تفرح.. لأن المال مؤقت، لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

[ سورة القصص: 77]

 والمؤمن الصادق كل حظ أكرمه الله به، وما منا واحد إلا وله حظ من حظوظ الدنيا تفوق فيه، والمؤمن الصادق يوظف الحظ الذي آتاه الله إياه للدار الآخرة، فإذا هذا الحظ نعمةً يرقى بها إلى أعلى عليين، أما إذا وظفه للدنيا وحدها يهبط به إلى أسفل سافلين.

 

المداومة على قراءة القرآن الكريم و تفهم معانيه :

 أيها الأخوة الكرام: يُقال لصاحب القرآن في الحديث الحسن الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا ))

[أبو داود والترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 هذا كلام الله، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، أي كتاب يقع تحت يدك من تأليف بشر، لكن كلام الله كلام خالق البشر، وشتان بين كتاب الله وبين أي كتاب على الإطلاق.
 أيها الأخوة الكرام، عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنَ الْإِبِلِ مِنْ عُقُلِهِ ))

[متفق عليه عن أبي موسى]

 داوم على قراءته، داوم على فهمه، داوم على التأمل في آياته، تدبر آياته، اسأل نفسك دائماً هل أنا مطبق له؟ هذا هو التعهد.

 

إكرام حامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه من إجلال الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، في الحديث الحسن الذي رواه أبو داود قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ ))

[أبو داود عَنْ أبي موسى]

 إنسان متقدم بالسن أمضى شبابه في طاعة الله، شَابَ في الإسلام، إكرام هذا الإنسان من إجلال الله عز وجل.

(( مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ ))

[الترمذي عن أنس]

((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي ...))

[أبو داود عَنْ أبي موسى]

 هناك غلو، وهناك جفاء، إكرام حامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه من إجلال الله عز وجل :

(( ...وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ ))

[أبو داود عَنْ أبي موسى]

 إنسان سلمه الله عز وجل أمر عشرة أشخاص، وهو يعدل بينهم ينبغي أن تكرمه، وإكرام هذا الإنسان تشجيع له على العدل، وعلى الإحسان. دققوا في هذا الحديث، أن تكرم ذي الشيبة المسلم، وأن تكرم حامل القرآن، وأن تكرم من بيده الأمر، وهو على الصراط المستقيم، هذا من إجلال الله عز وجل.
 عَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أأَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ نَعَمْ فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾قَالَ حَسْبُكَ الْآنَ فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ ))

[متفق عليه عن عبد الله بن مسعود]

 هذا الحديث يشير إلى أن الإنسان أحياناً يحب أن يسمع القرآن، ولعل نفسه تجيش بالبكاء إذا سمع القرآن.

 

أحاديث تتحدث عن فضل القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الكرام: الأحاديث الشريفة التي تتحدث عن فضل القرآن الكريم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال.. ))

[رواه الطبراني عن علي]

 النبي سيد المربين، وإمام المعلمين، ويمكن أن نتبع النبي في الحقائق التربوية التي جاء بها.

(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال؛ حب نبيكم ))

[رواه الطبراني عن علي]

 لعلكم تفهمون من هذا الحديث أن الأب يجلس إلى أولاده مساءً ويقول لهم: أحبوا النبي، هذا كلام لا معنى له، ينبغي أن تتلو عليهم سيرة النبي، أن تقرأ لهم شمائل النبي، لابد في كل بيت من كتاب يحوي شمائل النبي، سيرة النبي، من أجل أن تعلم أولادك الصغار أن هذا الإنسان الكامل الذي جعله الله رحمة مهداة، ونعمة مزجاة، ينبغي أن نتبعه، وينبغي أن نقتفي أثره، وينبغي أن يكون أسوة لنا، ومثلاً أعلى.

((حب نبيكم، وحب أهل بيته..))

[رواه الطبراني عن علي]

 ينبغي أن تقرأ لهم سيرة أصحابه وآله وأهل بيته، كيف كانوا معه، كيف نصروه، كيف نفذوا أمره، كيف تفانوا في حبه، كيف اتبعوا المنهج الذي جاء به.

((وقراءة القرآن..))

 هذا منهج، منهج تربوي للآباء.

(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال، حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن ))

[رواه الطبراني عن علي]

 أما إذا امتلأ الطفل من الثقافات المعاصرة التي تهبط بالإنسان إلى مستوى البهيمة، إذا امتلأ ذهنه بأسماء الساقطين والساقطات، وكانت ثقافته من هذا القبيل، فاقرأ السلام على هذا الجيل الصاعد.
 أيها الأخوة الكرام: المتقدمون في السن يمثلون الماضي، والرجال في سن الكهولة يمثلون الحاضر، لكن الأطفال الصغار يمثلون المستقبل، فإذا أردتم مستقبلاً مشرقاً فربوا أبناءكم، اعتنوا بهم، أدبوهم على ثلاث خصال، على حب نبيكم، وحب أهل بيته، وتلاوة القرآن.
 ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((إذا أحب أحدكم أن يحدث ربه فليقرأ القرآن))

[الديلمي عن أنس]

 وفي رواية:

(( إذا أحب أحدكم أن يحدثه ربه فليقرأ القرآن ))

 ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((أشراف أمتي حملة القرآن ))

[الطبراني في المعجم الكبير من حديث الجرجاني]

 أحياناً المتفوقون يضعون أسماءهم في لوحة الشرف، ولوحة الشرف عند الله عز وجل فيها أسماء حملة القرآن، الذين فهموه وعملوا به، ثم إن الله سبحانه وتعالى يعد تعلمه، وتعليمه، وتفسيره، وتبيينه، وتطبيقه، والحمل على تطبيقه، يعد هذا من أعظم أنواع الجهاد، قال تعالى:

﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[سورة الفرقان: 52]

الغنى والفقر بعد العرض على الله :

 أيها الأخوة الكرام: يقول عليه الصلاة والسلام:

((أعظم آية في القرآن آية الكرسي، وأعدل آية في القرآن: إن الله يأمر العدل والإحسان، وأخوف آية في القرآن: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وأرجى آية في القرآن: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ))

[أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ]

 احفظ أعظم آية، وأعدل آية، وأخوف آية، وأرجى آية في كتاب الله عز وجل.
 ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أغنى الناس حملة القرآن ))

[فضائل القرآن وتلاوته للرازي عن عثمان بن عفان]

 هذا الغنى الذي اتفق عليه الناس أنه غنى، الحجم المالي، الرصيد في المصارف، هذا الغنى زائل وينتهي عند الموت، لكن الغنى الحقيقي غنى معرفة الله، ومعرفة كتابه، والعمل الصالح، فلذلك يقول الإمام علي كرم الله وجهه : " الغنى والفقر بعد العرض على الله".
 النبي موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما سقى لابنتي سيدنا شعيب، ثم تولى إلى الظل قال:

﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

[سورة القصص: 24]

 الفقر هو فقر العمل الصالح، والغنى هو غنى العمل الصالح، وأما هذا المال الذي في أيدي الناس إما أن يكون في خدمتك، وإما أن تكون عبداً له، يكون في خدمتك- كما قال الصحابي الجليل- حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي. غايتان واضحتان جليتان مشرقتان، أصون به عرضي، أنفق على زوجتي وأولادي، أجعلهم يلتفتون إليّ، أربطهم بي ربطاً وثيقاً.. حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي.
 لذلك أيها الأخوة هناك فقر هو في حقيقته فقر الكسل، وهذا عند الله مذموم، وأن هناك فقراً هو في حقيقته فقر القدر، وهذا قدر الإنسان، ولو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع، وأن من الغنى ما يبغضه الله عز وجل هو غنى البطر، لكن الغنى الذي يحبه الله عز وجل هو غنى الكفاية، أن تكتفي، ألا تسأل الناس، ألا تمد يدك إلى الناس، أن تكون يدك هي العليا، اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً، يمكن أن تجعل المال على خط عمودي ومدرج، على هذا التدريج خط أحمر، دون هذا الخط المال في خدمتك، وفوق هذا الخط أنت في خدمته، أنت عبد له، تخسر الآخرة من أجل المال، تبيع دينك بعرض من الدنيا قليل.

 

من تزين بالقرآن دون أن يعمل به فهذا عند الله غير مقبول :

 أيها الأخوة الكرام: إذا أصابتك رحمة الله ينفعك كثير المال وقليله، وإن حُجبت عليك رحمة الله لا ينفعك لا كثير المال ولا قليله.
 أيها الأخوة الكرام: كما قلت قبل قليل: أغنى الناس حملة القرآن، وأفضل العبادة قراءة القرآن، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كأن الله أعلمه أنه سيأتي على الناس زمان يُقرأ القرآن تُبتغى به الدنيا، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( اقرأ القرآن ما نهاك فإذا لم ينهك عن المعاصي فلست تقرؤه ))

[فضائل القرآن للقاسم بن سلام عن الحسن بن علي]

(( رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه))

[ ورد في الأثر]

((مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ ))

[الترمذي عن صهيب ]

 هذا الكلام الأجوف أنه بركة، نضعه في بيوتنا، ضعه في البيت لكن طبقه في البيت، نضعه في مركباتنا، ضعه في مركبتك وطبقه في مركبتك، نضع بعض آياته في متاجرنا.

﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾

[ سورة الفتح : 1]

 لا مانع، ضع هذه الآية، لكن التزم في البيع والشراء منهج الله عز وجل، أما أن تتزين بالقرآن دون أن تعمل به، فهذا عند الله غير مقبول.

 

الإكثار من تلاوة القرآن في البيت :

 أيها الأخوة الكرام:

(( اقْرَؤوا الْقُرْآنَ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ ))

[أحمد عن عبد الرحمن بن شبل]

(( اقرؤوا القرآن فإن الله تعالى لا يعذب قلباً وعى القرآن ))

[الدارمي عن عبدالله بن مسعود]

((أخوف ما أتخوف على أمتي من بعدي رجل يتأول القرآن يضعه على غير مواضعه ))

 يقول لك: قراءة معاصرة.. أكثروا من تلاوة القرآن في بيوتكم فإن البيت الذي لا يُقرأ فيه القرآن يقل خيره، ويكثر شره ، خصومات طلاق، تكسير أبواب، مشاجرات، الزوجة في بيت أهلها، لأن الإنسان إذا دخل البيت ولم يسلم قال الشيطان لإخوانه: أدركتم المبيت في هذا البيت، فإذا جلس إلى الطعام ولم يسمِّ، يقول: بسم الله، يقول: أدركتم العشاء. فإذا دخل إلى البيت ولم يسلم، وجلس إلى الطعام ولم يسلم، يقول الشيطان لإخوانه: أدركتم المبيت والعشاء. فالبيت الذي لا يُقرأ فيه القرآن يقل خيره ويكثر شره، ويضيق على أهله .لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، اجعلوا بيوتكم كالمساجد عامرةً بذكر الله.

(( أكرموا حملة القرآن، فمن أكرمهم فقد أكرمني ))

[المقاصد الحسنة فيما اشتهر على الألسنة عن عبد اللَّه بن عمرو]

الحياة الحقيقية حياة القلب بذكر الله :

 أيها الأخوة الكرام: كلنا يفرح إذا جلس على مأدبة إفطار شهية، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن مسعود:

(( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم ))

[البزار عن ابن مسعود]

 كلوا منها، أي إنسان ليس له مجلس علم، ليس له منهل علمي ينهل منه، ما عنده ثقافة عن القرآن إطلاقاً، هذا إنسان ميت قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

[سورة الأنفال: 24]

 القرآن يدعو دائماً إلى الحياة الحقيقية، الحياة المادية ليست عند الله بحياة، حياة الجسم، نبض القلب طبيعي، الكهرباء طبيعي، الدسامات طبيعية، الضغط طبيعي، السكر، الكولسترول، كله طبيعي، إذاً أنت في أعلى درجات الحياة؟ لا.. هذه حياة دون الحياة، الدليل يقول الله عز وجل:

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾

[سورة النحل: 21]

 هؤلاء أهل المعاصي، أهل الفجور، أهل الدنيا أموات غير أحياء.

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾

[سورة فاطر: 22]

 يا كميل العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا كميل مات خزان المال وهم أحياء.. في أوج شبابهم، في أوج نشاطهم أموات عند الله.. والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

[سورة الأنفال: 24]

 الحياة الحقيقية حياة القلب بذكر الله، أيها الأخوة الكرام:

(( حَمَلَةُ الْقُرْآنِ عُرَفَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ))

 المتفوقون.

[الطبراني عن أنس]

((أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ ))

[ابن ماجة وأحمد والدرامي عن أنس]

 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني..

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ما ينبغي على المؤمن أن يفعله برمضان :

 أيها الأخوة الكرام:

(( صعد النبي المنبر فقال: آمين، صعد الدرجة الثانية فقال: آمين، صعد الثالثة فقال: آمين، فلما نزل قيل له يا رسول الله علام آمنت؟ فقال: آتاني جبريل فقال لي: رغم أنف عبد - أي خاب وخسر- أدرك رمضان فلم يُغفر له، إن لم يُغفر له فمتى؟ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 المناسبة السنوية الوحيدة كي يغفر الله لك ذنوبك، وكي يعتقك من النار، وكي يرقى بك إليه، وكي تسمو نفسك، وكي يطهر قلبك، وكي تتدرب على طاعته، وعلى صلاة الفجر في المسجد، وعلى غض البصر، وعلى إنفاق المال، وعلى تلاوة القرآن، إن لم يُغفر له فمتى؟ فلذلك أيها الأخوة أن تصلي صلاة التراويح، وأن تستمع إلى كلام الله يُتلى عليك، وأن تعقل منه شيئاً، وأن تتقبل من الله نفحاته الروحانية فتملأ قلبك سعادة، هذا من لوازم رمضان، صيام رمضان وقيام ليل رمضان.

(( إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَيْكُمْ وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

[النسائي عن سلمة بن عبد الرحمن]

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

[سورة الحشر: 7]

قصة قصيرة عن أحد أصحاب رسول الله :

 قصة قصيرة عن أحد أصحاب رسول الله:

((عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ لِأَهْلِهَا: لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، قَالَ: فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً - سألها عن ابنها المريض قالت: هو في أهنأ حال.. قربت إليه العشاء - فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَقَالت: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَأَصَابَ مِنْهَا، قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَتْ: فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ، قَالَ: فَغَضِبَ، وَقَالَ: تَرَكْتِنِي حَتَّى تَلَطَّخْتُ ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا، قَالَ: فَحَمَلَتْ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ وَهِيَ مَعَهُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ لَا يَطْرُقُهَا طُرُوقًا فَدَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ فَاحْتُبِسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ، وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَ رَسُولِكَ إِذَا خَرَجَ وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ وَقَدِ احْتَبَسْتُ بِمَا تَرَى قَالَ: تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا طَلْحَةَ مَا أَجِدُ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، قَالَ: وَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ حِينَ قَدِمَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَتْ لِي أُمِّي يَا أَنَسُ لَا يُرْضِعُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَصَادَفْتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: لَعَلَّ أُمَّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ قُلْتُ: نَعَمْ فَوَضَعَ الْمِيسَمَ قَالَ: وَجِئْتُ بِهِ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَجْوَةٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلَاكَهَا فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَتْ ثُمَّ قَذَفَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهَا قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْظُرُوا إِلَى حُبِّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ قَالَ: فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ ))

[متفق عليه عن أنس]

 في رواية للبخاري، قال ابن عيينة، قال رجل من الأنصار: " فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرؤوا القرآن من أولاد عبد الله بن أبي طلحة" .
 تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن، هكذا كانت الصحابية الجليلة، تخفف عن زوجها، تعينه على أمر الدنيا، تتزين له، تقدم له الطعام، تخدمه، بارك الله لكما في ليلتكما..

 

العمل لا يقبل من المسلم إلا بشرطين؛ أن يكون خالصاً و صواباً :

 أيها الأخوة الكرام: حديث آخر ينبغي أن نخاف منه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ:

((أَيُّهَا الشَّيْخُ حَدِّثْنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضَى لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِيُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنْ لِيُقَالَ إِنَّهُ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ فَأُلْقِيَ فِي النَّار))

[مسلم عن أبي هريرة]

 الحديث صحيح، رواه الإمام مسلم، ينبغي أن نتفحص نوايانا، ينبغي أن نطهر قلوبنا، ينبغي أن نعبد الله مخلصين، ينبغي أن نبتغي بأعمالنا وجه الله عز وجل، وأن نبتغي بها الدار الآخرة، والإمام الفضيل يقول: العمل لا يقبل من المسلم إلا بشرطين، إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء. اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018