الخطبة : 0553 - الدعاء1 - أسباب عدم الاستجابة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0553 - الدعاء1 - أسباب عدم الاستجابة .


1996-01-05

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

فضائل الدّعاء :

 أيها الأخوة الكرام: مناسبة النصف من شعبان تذكرنا بموضوع الدعاء، والدعاء أمره عند الله كبير، وأجره عظيم، وله ارتباط وثيق بإيمان المؤمن، وبعبادته لله جلّ جلاله، وبه يتحقق كمال العبودية له، وله آثاره الكبرى، وفوائده العظمى في الدنيا والآخرة. ينبغي على المؤمن أن يواظب على الدعاء، وأن يكثر منه، وينبغي ألا يتساهل فيه، وألا يتغافل عنه، وألا يتكاسل فيه.
 موضوع الخطبة اليوم عن الدعاء الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مخ العبادة، لا تنس يا أخي المؤمن أنك بالدعاء تغدو أقوى الناس، وبالدعاء تغدو أغنى الناس.
 أيها الأخوة الكرام، للدعاء فضائل كثيرة، أولى هذه الفضائل أن الله أمر به، قال تعالى:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

[سورة غافر: 60]

 أنت بالدعاء تستعين بأقوى قوة في الكون ألا وهو الله
إن الله جلّ جلاله يأمر بالدعاء، ويعد بالإجابة، ويحذر من ترك الدعاء كبراً، أو استغناءً. عن النعمان بن البشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ - لم يقل عن دعائي، بل قال عن عبادتي - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾))

[الترمذي عن النعمان بن البشير]

 أيها الأخوة الكرام، مرةً ثانية: من ترك الدعاء مستكبراً بنفسه، أو مستصغراً لشأنه، هناك من يسخر من الدعاء، ماذا يفعل الدعاء؟ أنت بالدعاء تستعين بأقوى قوة في الكون، إنه الله، تستعين بمن بيده ملكوت السموات والأرض، تستعين بمن إليه يُرجع الأمر كله، تستعين بمن لا يقع شيء في الكون إلا بأمره، لذلك من ترك الدعاء مستكبراً بنفسه، أو مستصغراً لشأنه فقد دخل في وعيد الآية:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾

[ سورة غافر : 60]

الدّعاء مخ العبادة :

 أيها الأخوة الكرام، روى الإمام الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

 مخ العبادة أي خالصها، أي ذروتها، أي أخطر شيء فيها، الدعاء مخ العبادة، لماذا ؟ لأن الذي يدعو الله حقيقة إنه يؤمن إيماناً قطعياً بأن الأمر كله راجع إليه، وهذا هو التوحيد، وهذه أعلى مرتبة في الإيمان؛ ألاّ ترى مع الله أحداً، أن توحده، أن ترى أن الله وحده بيده كل شيء.
 من دعا الله حقيقة، مخلصاً، موقناً فقد حقق قمة العبادة، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

 بل إن الذي يدعو الله مؤمناً بوجوده وجوداً حقيقياً فعالاً، مؤمن بأنه قريب، وسميع لهذا الدعاء، مؤمن بأنه رحيم وودود، مؤمن بأنه على كل شيء قدير، بمجرد أن تدعو الله دعاءً صحيحاً خالصاً، فأنت مؤمن بوجوده الفعّال، مؤمن بسمعه وقربه منك، مؤمن برحمته ورأفته، مؤمن بأنه على كل شيء قدير، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

 أيها الأخوة الكرام، ونضيف على ذلك؛ أن الذي يدعو الله عز وجل يشعر بافتقاره وتبرئته من الحول والقوة، وهو ملتجئ إلى حول الله وقوته.. يتبرأ من حوله وقوته، ويلجأ إلى حول الله وقوته، وهذه حقيقة العبادة؛ الافتقار إلى الله..

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[سورة آل عمران: 123]

 أي مفتقرون.

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[سورة التوبة: 25]

 إما أن تفتقر إليه فيتولاك، وإما أن تعتد بنفسك فيتخلى عنك، ويوم بدر، ويوم حنين يومان يتكرران في حياة المؤمن في كل يوم عشرات المرات، إن قلت: أنا تخلى الله عنك، وإن قلت: الله تولى أمرك، أنت بين التولية والتخلية، بين أن يتولاك الله إن افتقرت إليه، وبين أن يتخلى عنك إن اعتددت بنفسك.

 

من ازداد تذللاً و افتقاراً إلى الله رفعه الله و أعلى شأنه :


 كلما ازددت تذللا رفع الله شأنك
أيها الأخوة الكرام، يُضاف إلى أن الدعاء مخ العبادة، إنه استشعار ذلّ العبودية إلى مقام عزة الربوبية، وهذه حقيقة العبادة، أن تشعر أنك ضعيف، وأن الله هو القوي، أن تشعر أنك فقير، وأن الله هو الغني، أن تشعر أنك جاهل، وأن الله هو العليم، حينما تخضع إلى الله عز وجل يرفع شأنك، ويعلي قدرك، ويرفع ذكرك.
 أيها الأخوة الكرام، معادلة ينبغي أن نفهمها، كلما ازددت إلى الله تذللاً وافتقاراً رفعك وأعلى شأنك، ونصرك وأيدك، وأسبغ عليك الهيبة، وكلما اعتززت بنفسك، وبقدرتك، وبمالك، وبخبرتك، جعلك الله في الحضيض، لذلك لن تجد أحداً أعزه الله كالنبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 1-4]

 ولن تجد في البشر جميعاً من هو أشدّ عبوديةً وخضوعاً وافتقاراً من النبي عليه الصلاة والسلام.

 

الدّعاء ثناء على الله :

 أيها الأخوة الكرام، بل إن الدعاء هو في حقيقته ثناء على الله، وقد عدَّ القرآن الكريم الثناء على الله دعاءً، ألم يقل النبي الكريم يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل البهيم، فنادى في الظلمات.. ماذا نادى؟ ماذا قال ؟..

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

[سورة الأنبياء: 87]

 معنى ذلك أن هذا الثناء دعاء..

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 88]

 وهذا قانون إلى أبد الآبدين، إنك إذا أثنيت على الله فكأنك تدعوه.

 

الدّعاء قمة العبادة لله عز وجل :

أيها الأخوة الكرام، روى الإمام البخاري في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل:

((أي العبادة أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: دعاء المرء لنفسه))

[البخاري عن عائشة]

لذلك ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 55]

 ادعوا ربكم تضرعاً: أي مفتقرين، متذللين، متطامنين، لأنك إذا تذللت على أعتاب الله رفع شأنك، ونصرك، وأيدك. ادعوا ربكم تضرعاً: التضرع الافتقار، أن تتبرأ من حولك وقوتك وعلمك وخبرتك ومالك وكل شيء، وأن تلتجئ إلى حول الله وقوته وعلمه. ادعوا ربكم تضرعاً وخفية: إن الله يسمع دعاءك وأنت ساكت، قال تعالى:

﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

[سورة مريم: 3]

 هذا الذي يرفع صوته بالدعاء، ألا يعلم أن الله يسمعه وهو ساكت؟ ألا يعلم أن الله يعلم السر وأخفى؟ بإمكانك أن تدعو الله عز وجل وشفتاك مطبقتان، بإمكانك أن تدعو الله دون أن تحرك شفتيك.
 أيها الأخوة الكرام، قصة تعرفونها، الحجاج أراد أن يقتل الحسن البصري التابعي الجليل، أمر السّياف أن يأتي، ومُد النطع، وجيء بالحسن البصري، فلما رأى الحجاج غاضباً، والنطع قد مُد، والسياف جاهز لقطع عنقه، حرك شفتيه حركة لم يسمع أحد ما قال، فما كان من الحجاج إلا أن وقف له واستقبله، وما زال يقرِّبه إليه حتى أجلسه عن يمينه، وقال: أهلاً بأبي سعيد فأنت سيد العلماء، ثم سأله سؤالاً يستفتيه، ثم عطره وشيعه إلى باب قصره، لحقه الحاجب، قال له: يا أبا سعيد، لقد جيء بك لغير ما فُعل بك، فماذا قلت وأنت داخل؟ قال: قلت: " يا رب، يا مؤنسي في وحشتي، يا ملاذي عند كربتي، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم ". بالدعاء تغدو أقوى الناس؛ لأن قلوب العباد جميعاً بيد الله، ما من قوة في الأرض إلا بيد الله، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم..

فالدعاء قمة العبادة، وهو مخ العبادة.

 شرح معنى قوله تعالى :

﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

 أيها الأخوة الكرام:

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 55]

 وللعلماء الأجلاء رأي دقيق في معنى قوله تعالى:

﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

  الدعاء يكون خافتا وليس برفع الصوت
فمن دعا الله بما يتناقض مع أحكامه التكوينية، فقد اعتدى في الدعاء، كأن يقول: رب مدَّ في عمري إلى يوم القيامة، هذا دعاء متناقض مع أحكام الله التكوينية، أو الذي يدعو الله بدعاء يتناقض مع أحكامه التشريعية؛ رب وفقني في أن آخذ مال فلان، هذا عدوان، هذا استخفاف في الدعاء، وهذه وقاحة في الداعي.
 أيها الأخوة الكرام، ومنهم من يقول: إن الذي لا يتضرع، يدعو وهو مستكبر فقد اعتدى بالدعاء. ومنهم من يقول: إن الذي يرفع صوته وكأن الله لا يسمعه إلا إذا رفع صوته، فهو معتد بالدعاء. لكن بعض العلماء يقول: إن الذي يعتدي على المؤمنين بخاصة، وعلى الناس بعامة، هذا لا يُستجاب له لأنه معتد..

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 55]

 روى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي، يقول الله عز وجل:

((أربع خصال، واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي، أما التي لي فألا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الإجابة))

[كنز العمال عن أنس]

 أيها الأخوة الكرام، هذا باب من أبواب فضائل الدعاء.

 

شروط الدّعاء المستجاب :

 هناك باب آخر: قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[سورة البقرة: 186]

 كأن الله سبحانه وتعالى يبين لنا في هذه الآية الكريمة شروط الدعاء المستجاب؛ عليك أن تؤمن بالله أولاً، وأن تستجيب لأمره ثانياً، ثم إن الله جلّ جلاله عندئذ يستجيب لك، إذا أردت أن تكون مستجاب الدعوة فآمن واستجب، استجب حتى يستجيب لك، استجب لأمره بعد الإيمان به حتى يستجيب لك في دعائك، المؤمن بإيمانه، واستقامته، وإخلاصه مُستجاب الدعوة.
 أيها الأخوة الكرام، عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً قال:

((من أُعطي الدعاء أُعطي الإجابة وتلا قوله تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم))

[شعب الإيمان عن عبد الله بن مسعود]

 وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((ما كان الله ليفتح على عبد باب الدعاء ويغلق عنه باب الإجابة))

[الطبراني عن أنس]

 الله أكبر من ذلك، أن يأمرك أن تدعوه ثم لا يستجيب لك؟! وفي الحلية لأبي نعيم عن أنس مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((ما أذن الله تعالى لعبد في الدعاء حتى أذن له في الإجابة، وإذا فُتح على العبد باب الدعاء فليدع ربه فإن الله يستجيب له))

[الحلية لأبي نعيم عن أنس]

شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس :

الحقيقة أيها الأخوة إذا أردت أن تتعامل مع الله، إذا أردت أن تعرف أن الله يسمعك، وأن الله معك حيثما كنت، وأن الله يحبك، وأن الله خلقك ليسعدك، وأن الله خلقك ليهديك إليه، فادعه، وانظر كيف أن الله يستجيب لك، وانظر كيف أن الأمر كله بيد الله، وأن الناس كلهم بيد الله، وأن القوى كلها بيد الله، وأن المتغيرات كلها بيد الله، وأن المعطيات كلها بيد الله، وأن الظروف بيد الله، وأن من حولك بيد الله، وأن من فوقك بيد الله، وأن من تحتك بيد الله، وأن صحتك بيد الله، إذا أيقنت أن الله بيده كل شيء دعوته وحده، ولا تبذل ماء وجهك أمام غيره، شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس.

المؤمن لا يحسد ولكنه يغبط :

 أيها الأخوة الكرام، باب ثالث من أبواب فضائل الدعاء أفتتحه بالآية الكريم:

﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾

[سورة النساء: 32]

 الحسد مذموم
أن تدعو الله وتقول: يا رب النعمة التي على زيد حولها إليّ، هذا حسد قطعي، ولكن لو قلت: آتني مثلما آتيته، هذه غبطة، المؤمن لا يحسد ولكنه يغبط، فإذا تمنيت نعمةً أنعمها الله على زيد، أن يكون لك مثلها، هذا شيء لا غبار عليه، هذه غبطة، أما أن تتمنى أن تزول نعمة عن أخ لك لتصير إليك فهذا حسد مذموم نعوذ بالله أن نتلبس به.
 أيها الأخوة الكرام، عن ابن عباس قال :" لا يتمنَّ الرجل فيقول: ليت لي، أو لو أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله عن ذلك، ولكن ليسأل العبد ربه من فضله".
 وقد روى الترمذي عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يُسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج))

[الترمذي عن ابن مسعود]

 الذي أعطاه يعطيك، والذي أغناه يغنيك، والذي حفظه يحفظك، والذي كرمه يكرمك، والذي أعلى شأنه يعلي شأنك، ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب، الله يعطي من يشاء فقف على حد الأدب. لا تتمنَّ نعمةً أنعم الله بها على أخيك أن تصير لك، تمنى مثلها لك والله ذو الفضل العظيم.

 

من لم يدعُ الله استحق غضبه :

 أيها الأخوة الكرام، روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ لَمْ يَدْعُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ غَضِبَ عَلَيْهِ))

[أحمد عن أبي هريرة]

 وفي رواية: يغضب عليه؛ لأنه قانط من رحمة الله، أو مستكبر عن أن يسأل الله، إما لقنوط ألم به، وإما لاستكبار تلبس به، فالذي لا يدعو الله عز وجل قانط أو مستكبر، وكلاهما يوجبان غضب الله عز وجل. وروى الطبراني بسند الثقاة عن عائشة مرفوعاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((إن الله يحب الملحين في الدعاء))

[الطبراني عن عائشة ]

 أيها الأخوة الكرام، بعض العلماء يقول: إن الزمن يوم وليلة، وما سواهما تكرار، فإذا غفلت عن الدعاء في يوم وليلة متتابعتين فقد وقعت في وعيد الله عز وجل، ينبغي ألا يمضي يوم وليلة إلا وتدعو الله عز وجل؛ تدخل إلى بيتك، تخرج من بيتك، تذهب إلى عملك، كان عليه الصلاة والسلام يدعو الله في شأنه كله، إذا أكل طعاماً، إذا شرب شراباً، إذا لبس ثوباً، إذا قارب أهله، إذا واجه عدوه، ما من شأن من شؤون النبي عليه الصلاة والسلام إلا ويدعو الله به، وكأن الدعاء صلة بالله مستمرة.
 أيها الأخوة الكرام، سيدنا عمر رضي الله عن عمر، كان يقول: " إني لا أحمل همَّ الإجابة ولكني أحمل همَّ الدعاء" فإذا أتممت الدعاء، أي بصدق وحضور قلب وخشوع، علمت أن الإجابة محققة. العبرة أن تدعو وكفى، وعلى الله الإجابة.

 

الدّعاء مفتاح باب رحمة الله :

 أيها الأخوة الكرام، باب رابع من أبواب الدعاء :الدعاء مفتاح باب رحمة الله، إذا أردت أن يرحمك الله فاستخدم الدعاء.
 الدعاء يجلب الرحمة
روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((مَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ))

[الترمذي عن ابن عمر]

 لذلك كان أكثر دعاء النبي: " اللهم ارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.."، " اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت" وقد روى الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((الدعاء مفتاح الرحمة، والوضوء مفتاح الصلاة، والصلاة مفتاح الجنة))

[الديلمي عن ابن عباس]

 وقد ورد عن النبي أيضاً أن:

((الدعاء يرد البلاء))

[الطبراني عن أبي هريرة]

 والإمام أحمد رضي الله عنه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:

((ليس شيئاً أكرم على الله من الدعاء))

[الفوائد المعللة لأبي زرعة الدمشقي عن أبي هريرة]

الدّعاء سلاح المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام، الباب الأخير من أبواب الدعاء: الدعاء سلاح بتار، بقوة الواحد القهار، فعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض))

[فوائد أبي علي الصفار عن علي بن أبي طالب]

 وعن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((ألا أدلكم على ما ينجيكم من عدوكم ويدر لكم أرزاقكم؟ تدعون الله في ليلكم ونهاركم، فإن الدعاء سلاح المؤمن))

[مسند أبي يعلى عن جابر]

﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾

[سورة الصافات:75]

 أيها الأخوة الكرام، الدين هو الدعاء، العبادة هي الدعاء، الدعاء اتصال حميم بينك وبين رب العالمين، الدعاء مناجاة لله عز وجل، واتصال به، وتقلب في رحمته.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني..
* * *

 

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أسباب عدم استجابة الله عز وجل دعاء من يدعوه :

 أيها الأخوة الكرام، قد يسأل أحدكم: ندعو الله كثيراً فلا يستجيب لنا؟ هذا سؤال يرد على كل إنسان. العارف بالله إبراهيم بن الأدهم مرَّ بسوق البصرة، فقيل له: يا أبا إسحاق، الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾

[ سورة غافر : 60 ]

 ونحن ندعوه فلا يستجيب لنا، فقال لهم- والله الذي لا إله إلا هو، كأن إبراهيم بن الأدهم بيننا، وكأن ما يذكره منطبق علينا بكل التفاصيل- قال إبراهيم بن الأدهم: " لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله فلم تؤدوا حقه، قرأتم القرآن فلم تعملوا به، ادعيتم حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تعملوا بسنته، قلتم: إن الشيطان لكم عدو فاتخذتموه ولياً، قلتم: إنكم مشتاقون إلى الجنة فلم تعملوا لها، قلتم: إنكم تخافون من النار فلم تتقوها، قلتم: إن الموت حق فلم تستعدوا له، اشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم، تقلبتم في نعم الله فلم تشكروه عليها، دفنتم موتاكم فلم تعتبروا، فكيف يستجيب لكم؟"
 الرزق الحلال يجيب الدعاء
أيها الأخوة الكرام، للنبي الكريم دعاء، حديث شريف، والله كأنه يجمع الدين كله يقول:

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

 معنى أطب مطعمك أي أن هذا الطعام الذي تأكله اشتريته بمال حلال، ومعنى أن المال حلال أي أنك كسبته من دون كذب، ولا غش، ولا تدليس، ولا احتكار، ولا استغلال، ولا استحكام، إن هذا المال الذي كسبته وفق الأسس الشرعية من دون أن تبتز المسلمين، من دون أن تكذب عليهم، من دون أن تحتال عليهم، من دون أن تسبب لهم بعض المشكلات، من دون أن تأخذ من أموالهم شيئاً إلا بحقه، إنك إن اشتريت طعاماً بمال حلال كسبته وفق الطرق الشرعية، تغدو مستجاب الدعوة..
 يقول أحدكم: يا رب يا رب، ومشربه حرام، وغذي بالحرام فأنى يُستجاب له؟
 التقيت برجل توفاه الله عز وجل قبل سنتين، كان عمره ستةً وتسعين عاماً، وقال لي: في العيد أجريت فحوصات كاملة فلم يكن بي شيء مختل عن الطبيعة، في السادسة والتسعين، وقال لي: والله لم آكل درهماً واحداً في حياتي .

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

 أيها الأخوة الكرام، لهذا الموضوع تتمة في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء. اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018