الخطبة : 0520 - قال تعالى، كان الناس أمة واحدة . . - علاقة الإنسان بالألوان . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0520 - قال تعالى، كان الناس أمة واحدة . . - علاقة الإنسان بالألوان .


1995-04-07

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم54 الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

البشر من أصل واحد و فطرة واحدة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الآية الثالثة عشرة بعد المئتين من سورة البقرة ، وهي قوله تعالى :

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[سورة البقرة: 213]

 حينما تكون الآية القرآنية محور الخطبة ، فإني لا أفسرها ، إلا أن بعض الخواطر الإيمانية قد تحوم حولها ، أعرض لكم هذه الخواطر الإيمانية ، من دون أن تكون هذه الخطبة تفسيراً لهذه الآية .
 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

 لو تتبعنا كلمة (واحدة) في القرآن الكريم : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة . وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة .

﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ﴾

.

﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾

[سورة الزخرف: 33]

 وآيات كثيرة جداً في القرآن الكريم أشارت إلى أن البشر من أصل واحد ، ومن جبلة واحدة ، ومن خصائص واحدة ، ومن فطرة واحدة . هذه الحقيقة الأولى .

 

الحكمة من أن اله خلقنا من نفس واحدة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قياساً على أن الله عز وجل ما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا ، وما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليقبل توبتنا ، وما أودع فينا القدرة على الإدراك إلا لنتعرف إليه. فلماذا خلقنا من نفس واحدة ؟ خصائص واحدة ؟ فطرة واحدة ؟ جبلة واحدة ؟ أجهزة واحدة ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ ما خلقنا من نفس واحدة إلا لنتفق لا لنختلف ، لنتعاون لا لنتنافس ، ليعمل بعضنا مع بعض ، لا ليعمل بعضنا ضد بعض .
 أيها الأخوة الكرام ؛ طبيعة الخلق الواحدة تقتضي الوئام ، طبيعة الخلق الواحدة تقتضي الالتقاء ، طبيعة الخلق الواحدة تقتضي التعاون ، طبيعة الخلق الواحدة تقتضي الاتفاق .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الاختلاف أن يأخذ كل واحد من البشر طريقاً غير طريق الآخر ، آيات كثيرة تشير إلى هذا المعنى ، قال تعالى :

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[سورة هود: 118-119]

 خلقهم ليرحمهم ، ويرحمهم إذا اتفقوا ، وإذا تعاونوا ، وإذا أنكر بعضهم ذاته أمام الآخر .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الحالة الصحية هي التعاون ، قال تعالى :

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

[ سورة المائدة:2]

 الحالة الصحية التآزر :

(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ ، المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور، يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ ))

[الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]

(( يد الله مع الجماعة ، ومن شذ شذّ في النار ))

[الحكيم وابن جرير عن ابن عمر ]

(( عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ))

[أحمد في مسنده والترمذي والحاكم عن عمر]

 أيها الأخوة الكرام ؛ نقيس على الآيات السابقة : ما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا ، وما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليقبل توبتنا ، وما أودع فينا القوة الإدراكية إلا كي نتعرف إليه ، وما خلقنا من نفس واحدة ، ومن طبيعة واحدة ، ومن خصائص واحدة إلا كي نتعاون ، كي نتفق ولا نختلف ، كي نتآزر ، كي يعمل بعضنا مع بعض ، لا أن يعمل بعضنا ضد بعض .

 

الخير كله في التعاون والشّر كله في التنافس :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الخير كله في التعاون ، والشر كله في التنافس ، قال تعالى:

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة الأنفال : 46]

 أي تضعفوا وتذهب ريحكم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ في لحظة صفاء اسأل نفسك : كم تنفق البشرية جمعاء في القارات الخمس من الأموال الطائلة ذات الأرقام الفلكية ؟ من القدرات البشرية من الثروات الأرضية ؟ من الطاقات من أجل الخلاف بين البشر ؟ كم أرواح تُزهق ، وكم ثروات تُبدد ، وكم مجاعات تنتشر من أجل الخلاف ؟ الله سبحانه وتعالى أرادنا أن نتفق ، أرادنا أن نتعاون ، خلقنا من نفس واحدة ، من فطرة واحدة ، قال تعالى :

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[سورة هود: 118-119]

 أيها الأخوة الكرام ؛ قد يفتح أحدكم كتاب الله ، فيرى فيه آية تتكرر ، وقد يفهمها على غير ما أريد منها ، قال تعالى :

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

[سورة النحل :93]

 هذه الآية لها معنى ، ولها مجال غير المجال الذي نحن فيه . هذه الآية : لو أن الله ألغى الاختيار للإنسان ، لو لم يشأ أن نكون أصحاب مشيئة لكنا طبق الأصل من بعضنا ، هذا التوحد لا يرقى بنا ، هذه السمة العامة تلغي وجودنا ، تلغي الاختيار ، تلغي الأمانة ، تلغي رقينا عند الله عز وجل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الآية الدقيقة :

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[سورة هود: 118-119]

 خلقهم ليرحمهم ، ويرحمهم إذا تعاونوا ، ويد الله مع الجماعة .

المؤمن الصادق يتعاون ولا يتنافس ليرضي الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية : لو أن هذه الأموال الطائلة التي تُنفق بسبب الخلاف بين الناس ، بسبب الحروب ، الحروب الباردة والساخنة ، هذه الأموال لو أنفقت والبشرية مجتمعة ، لكان البشر في حال غير هذا الحال ، وفي رخاء كبير ، وفي بحبوحة ، وفي سعادة لا يعلمها إلا الله ، فإذا كان البشر في ضلال ، وفي انحراف ، وفي فساد ، فلا أقل من أن يكون المسلمون الذين جاءهم الحق من عند الله ، من أن يكون المسلمون على وئام وألفة ومحبة وتعاون .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حقيقة دقيقة جداً أسوقها لكم متعلقة بالفرقة والخلاف ، ومتعلقة بالوحدة والاتحاد : كلكم يعلم أن طبع الإنسان يميل إلى النظر إلى النساء ، بماذا أمره التكليف ؟ أن يغض بصره ، وبغض البصر يرقى الإنسان ؛ لأن طبعه يأمره أن ينظر ، وبغض البصر يرقى .
 أخذ المال وقبضه ينسجم مع طبع الإنسان ، لكن التكليف أمره أن ينفق المال ، خلافاً لطبعه ، كي يرقى عند الله عز وجل . الإنسان لا يرقى إلا إذا خالف طبعه . لكن شرع الله عز وجل يتطابق تطابقاً تاماً مع الفطرة ، وقد تجد الشرع الحنيف يختلف مع الطبع ، الطبع أقرب إلى الجسم ، والفطرة أقرب إلى النفس . فكما أن الطبع يميل إلى النظر ، والتكليف يأمرك بغض البصر ، وكما أن الطبع يميل إلى أخذ المال ، والتكليف يأمرك بإنفاقه ، وكما أن الطبع يميل إلى تتبع العورات ، والتكليف يأمرك بضبط اللسان ، والكف عن الغيبة والنميمة ، كذلك الطبع يميل إلى الانفراد ، وإلى الاستبداد ، وإلى التسلط ، لكن التكليف يأمرك بالتعاون ، فكل إنسان يتعاون مع أخيه يتخلى عن بعض حظوظه . لو استجاب لحظوظه لانزوى عن أخيه ، وتفرد وحده بكل شيء ، فلذلك من سمات طاعة الله عز وجل التعاون ، ومن سمات الانسياق مع الهوى التفرد .
 أيها الأخوة الكرام ؛ المؤمن الصادق ينتمي إلى مجموع المؤمنين ، المؤمن الصادق يدعو إلى الله ولا يدعو إلى ذاته ، المؤمن الصادق يتعاون ولا يتنافس ، المؤمن الصادق ينصف ولا يجحد ، هذه مقدمة أردت منها أن أصل إلى أنك إذا رفضت التعاون فأنت مع هوى نفسك ، أما إذا انصعت لكلام الله عز وجل وكنت مع المجموع ، وكنت خلية في جسد، وقطرة في دم ، عندئذ تكون قد تخليت عن بعض الحظوظ ، لكنك أرضيت الواحد الديان .

أنواع الاختلاف بين البشر :

1 ـ الاختلاف الطبيعي :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عودة إلى الآية الكريمة :

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

  على الفطرة .

﴿فَاخْتَلَفُوا﴾

 الاختلاف الأول هو اختلاف نقص المعلومات ، اختلاف الحيرة ، اختلاف الجهل ، العقل وحده لا يكفي لمعرفة الحقيقة كلها ، يمكن للعقل أن يصل إلى أن لهذا الكون خالقاً عظيماً ، ورباً حكيماً ، ومسيراً عادلاً ، العقل يصل إلى أن لهذا الخالق منهجاً ينبغي أن نسير عليه ، ويكتشف أحقية المنهج من إعجازه ، العقل يصل إلى أن هذا الذي جاء بهذا المنهج هو رسول الله . لكن لابد من الوحي ، لابد من تفاصيل التكاليف ، لابد من أن يخبرك الله لماذا جاء بك إلى الدنيا ، لماذا خلقك في الأصل ؟ وماذا بعد الموت ؟ وماذا قبل الموت ؟ لابد من أن يخبرك من أن الذي توصلت إليه بعقلك لابد له من خالق ، يقول لك الوحي :

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾

[سورة السجدة: 4]

 لابد من أن يعرفك بذاته ، بالماضي السحيق ، بالمستقبل البعيد ، فالوحي والعقل يتكاملان ، هناك حقائق لا يعرفها العقل وحده ، لابد من الوحي . فالله سبحانه وتعالى يقول :

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾

[سورة البقرة: 213]

 بالحق : أي أن الذي أنزله الله عز وجل ملابس للحق .

﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾

 الاختلاف الأول اختلاف الحيرة ، اختلاف الجهل ، اختلاف نقص المعلومات ، لابد من أن نختلف ، إن لم تكن لدينا معلومات دقيقة ، يحل التكهن محل الحقيقة ، فيأتي الوحي ليحسم الأمر ، يأتي الوحي ليبلغ الناس حقيقة الحقائق، ولكن هناك اختلافاً آخر ، هو الاختلاف المذموم .
 الاختلاف الأول طبيعي ، ليس معك معلومات ، عقلك وحده لا يكفي ، جاء الوحي ليجيبك عن كل شيء عجز العقل عن إدراكه . هذا الاختلاف الأول حلّه الوحي السماوي.

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾

[سورة البقرة: 213]

2 ـ الاختلاف القذر :

 ولكن الاختلاف الثاني اختلاف قذر ، شيطاني .

﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾

  جاء الوحي ، ووضع النقاط على الحروف ، والبينات واضحة ، والأدلة صارخة ، والقرآن الكريم قد أنزل ، والإله واحد ، والنبي واحد ، والكتاب واحد ، فلمَ الخلاف ؟ لمَ الفرقة ؟ لمَ التنازع ؟ قال الله عز وجل : إن هذا الاختلاف لا بسبب نقص المعلومات ، ولا بسبب التكهنات ، ولا بسبب الحيرة ، إنه اختلاف بسبب الحسد ،

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ ﴾

 أوتوا التوراة ، وجاءتهم البينات ، ومع ذلك فاختلفوا ، اختلفوا حسداً من عند أنفسهم ، حسداً وبغياً وعدواناً ، هذا الاختلاف الثاني اختلاف شيطاني ، من فعل الشيطان ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام :

(( إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم ))

[ الترغيب والترهيب عن سليمان بن عمرو عن أبيه]

 ولكن بماذا رضي ؟ ما الذي يرضيه بعد بعثة النبي ؟ قال :

(( ولكن رضي بالتحريش بين المؤمنين ))

 فكل أخ مؤمن ، يتنافس مع أخيه ، ويطعن بأخيه ، ويفرق بين المسلمين ، يحقق هدف الشيطان ، يحقق أمنية الشيطان .
 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾

[سورة البقرة: 213]

3 ـ اختلاف التنافس :

 وهناك اختلاف ثالث ، وأنت في دائرة الإسلام ، وأنت مع المؤمنين ، هناك عمل فاضل ، وهناك عمل أفضل ، هناك طاعة لها جزاء ، وهناك طاعة لها جزاء أكبر ، هناك تضحية بشيء ، وهناك تضحية بشيء أكبر ، فلذلك مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى رجلاً يصلي في المسجد في غير أوقات الصلاة سأله ، قال : من يطعمك ؟ قال : أخي ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((أخوك أعبد منك ))

[ ورد في الأثر ]

 إذاً لابد من الكسب ، حينما دخل إلى مجلس ، رأى مجلس ذكر ومجلس علم ، فانضم النبي إلى مجلس العلم ، أي إذا دخلت إلى بيت من بيوت الله ، ورأيت مجلس علم ، هل تصلي صلوات نافلة أم تستمع إلى الدرس ؟ وأنت في دائرة الحق ، وأنت مع المؤمنين ، هناك أعمال فاضلة ، وهناك أعمال أفضل .
 إذاً قد نتنافس تنافساً بريئاً ، وقد تختلف وجهات النظر فيما بيننا ؛ هذا يؤثر أن يعمر قلبه ذكر الله عز وجل ، ينسحب من الحياة . نقول له : لا يا أخي . هذا يؤثر المطالعة والتأليف على حساب ذكره ، وعلى حساب علمه . نقول له : لا يا أخي . هذا يؤثر العمل الصالح من دون أن يُعنى بقلبه ، ولا بعقله . نقول له : لا يا أخي . قد تختلف وجهات النظر ، قد نرجح عملاً على عمل ، أو علماً على عبادة ، أو سلوكاً على معرفة ، هذا الاختلاف الثالث اختلاف التنافس ، اختلاف الترجيح ، اختلاف يرضي الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[سورة المطففين: 26]

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾

[سورة الصافات: 61]

 هذا يذكر الله ، وهذا يفكر في ملكوت الله ، وهذا يخدم الناس ، وهذا يؤلف الكتب، وهذا يتبحر في الفقه ، هكذا نرى أن المؤمنين يتنافسون وتختلف وجهات نظرهم ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا ، فقد ورد في صحيح مسلم عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ :

((بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ : كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ : اللَّهُمّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ))

[مسلم عن عائشة]

 أي يا رب دلني على أعظم الأعمال . تغوص البحر ، قد تخرج باللؤلؤ ، وقد تخرج بالصدف ، وشتان بينهما . تدخل إلى المسجد ، قد تطلب العلم ، وقد تصلي النافلة ، وكلاهما خير ، لكن طلب العلم أعلى عند الله عز وجل . قد تذكر الله عز وجل ، وذكر الله خير ، وهو خير الأعمال ، ولكن لابد من عمل صالح يدعم هذا الذكر .

 

التفوق أن نتحرك على خطوط ثلاثة معاً العقل و القلب و السلوك :

 لذلك أيها الأخوة لعل من التفوق أن تتحرك على خطوط ثلاثة ؛ أن تغذي عقلك بالعلم ، وأن تغذي قلبك بالذكر ، وأن تضبط السلوك بالاستقامة والعمل الصالح . إنك إن فعلت هذا كنت كما كان عليه الصلاة والسلام وأصحابه .
 ما أنا عليه وأصحابي ، لا تنمي جانباً على حساب جانب ، لا تغلو في الدين ، لا تتطرف ، اجعل من إيمانك نسخة عن إيمان الصحابة الكرام ، اجعل الصحابة الكرام الذين رضي الله عنهم بالقرآن بنص الآية الصريحة :

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾

[سورة الفتح : 18]

 ماذا فعل هؤلاء الصحابة ؟ الاهتمامات التي نهتم بها ، ولم يهتم بها الصحابة ، ينبغي أن ندعها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ))

[متفق عليه عن أبي سعيد الخدري]

 الآية أصبحت :

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَيهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[سورة البقرة: 213]

 إذا رأيت بين المذاهب الفقهية بعض الاختلاف فاعلم علم اليقين أن هذا الاختلاف اختلاف غنى وتنوع ، لا اختلاف تناقض . فقد تختلف وجهات نظرنا ، لكن الأصول ثابتة ، لكن كبريات العقيدة ثابتة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ إذا صليتم فادعوا بهذا الدعاء :" اللَّهُمّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ".
 أيها الأخوة الكرام ؛ العمر قصير ، والمهمة كبيرة ، فينبغي أن نختار أعظم الأعمال ، وأشرف العلوم ، وينبغي أن نمضي الوقت فيما يرضي الله ، ينبغي أن نتعلم ما ينفعنا، ألم يدع النبي صلى الله عليه وسلم ويقول : اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، ألم يستعذ النبي صلى الله عليه وسلم :

(( أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا ))

[مسلم عن زيد بن أرقم]

العلم أساس أي عمل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إذا أردتم الدنيا فعليكم بالعلم ، وإذا أردتم الآخرة فعليكم بالعلم، وإذا أردتم الدنيا والآخرة فعليكم بالعلم ، والعلم لا يعطيكم بعضه إلا إذا أعطيتموه كلكم ، فإذا أعطيتموه بعضكم لم يعطكم شيئاً . أساس أي عمل العلم ، فإذا جئت إلى بيت الله عز وجل تطلب العلم فهذا الطريق الذي تسكله ينتهي بك إلى الجنة .

((...وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 لا تضن بوقتك عن أن تبذله في طلب العلم ، لأنك إن أديت زكاة مالك حفظ الله لك بقية مالك ، وإن أديت زكاة وقتك حفظ الله لك بقية وقتك . والله سبحانه وتعالى يمكنك من أن تنجز عملاً عظيماً في وقت قليل ، وقد يحتار الإنسان من هؤلاء العلماء السابقين كيف تركوا هذه المؤلفات ؟ أيعقل أن يؤلف أحدهم كل يوم تسعين صفحة ؟ كيف ؟! . بارك الله في أوقاتهم. إنك إن طلبت العلم فقد أديت زكاة الوقت ، وبارك الله لك في وقتك ، ومكنك من أن تنجز العمل العظيم في وقت يسير .
 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

علاقة الإنسان بالألوان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مما يلفت النظر في القرآن الكريم أن اللون الأخضر ورد في آيات عدة ، الأخضر بالذات ، فقال تعالى :

﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾

[سورة الرحمن: 76-77]

 وفي آية أخرى :

﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾

[سورة الإنسان: 21]

 وفي آية ثالثة :

﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾

[سورة الدخان: 53]

 فماذا قال علماء النفس حول علاقة الإنسان بالألوان ؟ قالوا : إن تأثير اللون في الإنسان بعيد الغور ، اللون ربما يؤثر في إقدامنا وإحجامنا ، ربما أشعرنا بالحرارة ، أو أشعرنا بالبرودة ، ربما أشعرنا بالمسرة ، أو أشعرنا بالكآبة . اللون له تأثير كبير ، بل ربما أثّر اللون في شخصية الإنسان ، ونظرته إلى الحياة .
 يقول العلماء : اللون الأصفر بطول موجته يبعث النشاط في الجهاز العصبي ، فإذا أردت أن تعلن إعلاناً صارخاً في الطرقات العامة ، فاللون الأصفر أطول أمواج الألوان . ينشط الجهاز العصبي ، ويؤثر فيه أبلغ التأثير . واللون الأرجواني يدعو إلى الاستقرار ، واللون الأزرق يشعر بالاتساع ، ويشعر بالبرودة ، والليل الأحمر ومشتقاته يشعر بالدفء ، لكن اللون الذي يبعث السرور داخل النفس البشرية ، ويثير بواعث البهجة فيها هو اللون الأخضر ، لذلك جعل الله النبات أخضر اللون . هذه المساحات الخضراء في الأرض تبعث في النفس البهجة . لذلك اختيرت ثياب الجراحين من اللون الأخضر ؛ لأن المريض وهو على وشك أن تجرى له العملية ، هذا الثوب الأخضر يبعث فيه البهجة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مما يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى ذكر أهل الجنة ، وذكر ما في الجنة من نعيم ، و ورد اللون الأخضر في هذه الآيات ، فالمؤمن حينما يختار بعض الألوان يجب أن يختارها بشكل يوحي بالبهجة والسعادة ، فهذا مما يثير في النفس - كما قال علماء النفس - بواعث البهجة .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018