الخطبة : 0503 - الحب في الله - أثر المحطات الفضائية السلبي في تكوين شخصية الطفل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0503 - الحب في الله - أثر المحطات الفضائية السلبي في تكوين شخصية الطفل.


1994-11-11

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ، ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

التّآخي في الله تعالى والتّحابب والتّوادد :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ قبل عدَّة أسابيع بدأتُ موضوعًا متعلِّقًا بالعلاقات الاجتماعيَّة ، وهأنذا أنهي هذه الموضوعات بالموضوع الأخير وهو موضوع حول التآخي في الله تعالى والتحابب والتوادد .
 فالإسلام أيها الأخوة الكرام غذَّى روح الجماعة ، وعمَّق معانيها ، وصعَّدَ الدافع الاجتماعي ، وسما به ، بحيث تصبح العلاقات الاجتماعية في حياة المسلم نوعًا من العبادة ، بل إنّ مِحْوَر الموضوعات الاجتماعيّة أنَّ المؤمن يتقرّب إلى الله عز وجل بِخِدمة خلقه ، فقد روى الإمام مالك بإسناد صحيح ، وأحمد عَنْ مُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْثُرُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ :

((وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ))

[أحمد عَنْ مُعَاذٍ]

((وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ...))

 من شأن الإنسان أن يحبّ ، والحبّ من خصائص الإنسان ، لكنّ هذا الحبّ يسفلُ أو يسْمو ، ففي أعلى درجات الحبّ أن تحبّ الله عز وجل ، وأن تحبّ الحقيقة ، وأن تحبّ الحقّ ، وأن تحبّ أنبياءه ، وأن تحبّ المؤمنين الصادقين ، وأن تحبّ مخلوقاته ، أو أن تحبّ في الله ، وأن تبغض في الله ، فأعلى مستويات المحبّة كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي الذي رواه النبي عليه الصلاة والسلام :

((وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ..))

[أحمد عَنْ مُعَاذٍ]

 أن تجلس إلى أخ مؤمن أن تأْنس به ، قال :

((وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ..))

 وأن تزوره في بيته لا تبتغي منفعةً ، ولا مكسبًا ، ولا ثناءً ، ولا مصلحةً ، إنّما تزوره لله تعالى ، قال :

((وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ ..))

 هذا الذي يبذل من ماله ، من وقته ، من جهده ، من خبراته ، لإخوانه المسلمين، هذا المجتمع المتحابب ، المتوادد ، المتزاور ، المتجالس ، المتباذل ، وجبَت محبَّة الله له .
 وفي رواية أيها الأخوة ؛ قال مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :

((الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ))

[الترمذي عَنْ مُعَاذٍ]

 وكما تعلم أنَّ الميزة في المفضول لا تستدعي الأفضليّة ، المتحابّون في جلالي على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء .

 

الحبّ في الله أعلى مستويات الحبّ البشري :

 وفي حديث آخر رواه أبو داود بسنده الصحيح عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ ، يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ ؟ قَالَ : هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ و، َلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا ، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ ، وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ : وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ))

[أبو داود عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ]

 الحديث دقيق جدًّا ، هناك محبَّة تنشأ لظرْف طارئ ؛ الإنسان يحبّ النوال ، يحبّ العطاء ، يحبّ الجمال ، ويحبّ الكمال ، فلو نالك من إنسان عطاءٌ ما هناك محبّة طارئةٌ لسبب طارئ ، فالأموال إذا تداولها الناس فيما بينهم ، وكان بعضهم سببًا لغنى بعضٍ ، فربَّما نشأ ميْلٌ قلبي بسبب هذه الأموال المتداولة ، لكنّ هؤلاء الذين أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلّم ، الذين أحبّ بعضهم بعضًا بروح الله على غير أرحامٍ بينهم ، ولا أموال يتعاطَوْنها ، الشيء الفطري أن يحبّ الإنسان أخاه النسبي ، أن يحبّ قريبه ، أو أن يحبّ من يعطيه مالاً ، هؤلاء أحبّ بعضهم بعضًا على غير أرحامٍ بينهم ولا أموال يتعاطوْنها ، فهذا الحبّ في الله أعلى مستويات الحبّ البشري ، أن تحبّه لا لمنفعةٍ ، ولا لمكسبٍ ، ولا لِنَوالٍ ، ولا لِصَفقةٍ ، ولا لِمالٍ ، ولا لِقرابةٍ ، ولا لِعَصبيَّة ، فو الله إنّ وجوههم لنور ، وإنَّهم على نور ، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس ، الإنسان أن يكون مع جماعة المؤمنين ، هذه الجماعة كما وصفها النبي عليه الصلاة والسلام رحمة ، بينما الفرقة عذاب ، قد تعيش في مدينة تزيد عن عشرة ملايين ومع ذلك تشعر بالوحشة ، وقد تعيش في قرية لا تزيد عن بضع مئات لكنَّهم مؤمنون صادقون ، فالأنس في مجتمع المؤمنين ، المؤمن ليس وحده في الحياة ، وهو مع إخوانه ، ومع المؤمنين ، لذلك فإنَّ والله لوجوههم من نور وإنَّهم على نور ، لا يخافون إذا خاف الناس .

 

الاتِّصال بالله يبعث الأمْن بالنَّفس والانضمام للمؤمنين يبعث الرحمة في القلب :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وقْفة قليلة عند هذه الكلمة ؛ لا يخافون إذا خاف الناس ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المعارج: 19-22]

 المتّصل بالله ، والمحب لإخوانه المؤمنين ، هذا له استثناء من الخوف العام ، من القهر العام ، من القلق العام ، أحيانًا تأتي حالات جماعيّة وحالات نفسيّة تصيب المجموع ، هؤلاء الشاردون ، والبعيدون عن الله عز وجل قد تأتي الهموم فتسْحقهم ، وقد تأتي المصائب فتقهرهم ، لكنّ المؤمن باتِّصاله بالله عز وجل ، وبانْضِمامهِ تحت لواء جماعة المؤمنين ، الاتِّصال بالله يبعث الأمْن بالنَّفس ، والانضمام لجماعة المؤمنين يبعث الرحمة في القلب .

 

عناصر سعادة الإنسان الكبرى :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وبعد أن قال عليه الصلاة والسلام : لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس ، قرأ النبي صلى الله عليه وسلّم هذه الآية :

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة يونس : 62]

 ولو وقفنا عند هاتين الآيتين ؛ المؤمن الصادق لا يخاف من المستقبل ، ولا يحزن على الماضي ، أهل الدنيا إذا تقدَّم بهم العمر يأسفون أشدّ الأسف على ما مضى ، لكنّ المؤمن الذي نشأ في طاعة الله ، وأفنى شبابه في طاعة الله ؛ هذا يُعَدُّ ماضيه وِسام شرفٍ يسْمو به عند أقرانه ، فألا تخاف من المستقبل ، وألا تندم على ما فات ، أحد عناصر سعادة الإنسان الكبرى، وهذا ورد في آيتين في القرآن الكريم حينما قال عز وجل :

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 38]

 وقال تعالى :

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه: 123 ]

 ولو جمعنا الآيتين : الذي يتَّبع هدى الله عز وجل لا يضلّ عقله ، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات ، ولا يخشى مما هو آت ، ماذا بقي من السعادة ؟ عقل مستنير ، وقلب مطمئنّ ، والماضي وِسام شرف ، والمستقبل مشرق .

 

كمال الإيمان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك :

 أيها الأخوة الكرام ؛ روى البخاري ومسلم عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))

[متفق عليه عن أنس]

 وفي رواية أخرى :

((وحتى يكره له ما يكره لنفسه ))

 كأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام جعل كمال الإيمان بأن تحبّ لأخيك ما تحبّ لنفسك ، والإنسان حينما يقول : أنا مؤمن ، هناك كواشف ، ومقاييس ، ودقائق تكشف لك حقيقة إيمانك ، فهل تحبّ لأخيك المؤمن ما تحبّ لنفسك ؟ هل تكره له ما تكره لنفسك ؟ هذا مُشْعِرٌ دقيق ، وهذا مِقياس حسّاس ، فأنت إذا أردت أن تمتحن إيمانك لا ينبغي أن تمتحنه بالطقوس التي تؤدّيها ، أقول : طقوس لأنَّها حركات جوفاء لا تقدِّم ولا تؤخِّر أحيانًا ، حينما لا يطبّق الإنسان منهج الله عز وجل ، ولا يقيم الإسلام في بيته ، ولا في عمله ، هو منْحازٌ أشدّ الانحياز إلى الكفار ، لكنَّه يصلّي ، هذه حركات أشبه بالطقوس منها بالصلوات .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مرَّةً ثانية لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ، تصوَّر مجتمعًا مسلمًا كلّ فرْد فيه يتمنَّى لِمَن حوله الخير ، ويكره لمَن حوله الشرّ ؛ كيف نعيش؟ هناك آلاف الأمراض الاجتماعيّة ؛ الحقد والغشّ والحسد والضغينة والكبر والاستعلاء ، هذا كلّه يزول تلقائيًّا ، وما هذه النقائص النفسيّة إلا أعراضٌ لِمَرض واحد هو الإعراض ، إنَّها أعراض الإعراض ، الناس رجلان متّصل بالله ، منضبط بِمَنهجه ، محسِن إلى خلقه ، ومقطوع عن الله ، متفلِّتٌ من منهجه ، مسيءٌ إلى خلقه ، هذا هو التصنيف الحقيقي لبني البشر قاطبةً ، إنسان موصول منضبط مُحسِن ، مقطوع متفلّت مسيء ، وأيّ تقسيم آخر لا يقام له وزن في ميزان الحقّ .

 

مُجتمعُ المؤمنين هو المجتمع الوحيد المؤهَّل لِيَكون كتلةً واحدة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ نقطة دقيقة جدًّا أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفّقني لِتَوضيحها ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 13]

 وقال عليه الصلاة والسلام ، عن حذيفة :

((كلكم بنو آدم ، وآدم خلق من تراب ، لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم ، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان ))

[البزار عن حذيفة]

 فنحن بِحُكم التصميم الإلهي إخوة لأبٍ واحد هو سيّدنا آدم ، هذه الأخوة هي أخوَّة النَّسَب لا تملك مقوِّمات المؤمنين ، بمعنى كَمْ من حروب تنشب بين الشعوب ؟ وكم أحقادٍ تنطوي عليها القلوب بين أناسٍ تجمعهم جوامع كثيرة ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإيمان وحده هو الذي يجمع ، مطلق الاجتماع ، والتَّجَمّع العفوي ، أن ننتمي إلى أبٍ واحدٍ ، هذا لا يكفي أن يشكّل جماعةً إيمانيّة ، لذلك العلماء قالوا : لا بدّ من لِقاءٍ فِكري على عقيدة علميّة واحدة صحيحة ، لا بدّ من لقاء نفسي على عاطفةٍ دينيّة واحدة ، لا بدّ من لقاء نفسيٍّ آخر على أهداف واحدة ، لا بدَّ من لقاء نفسي ثالث على سلوك فردي واجتماعي متَّحِدٍ ، أو متقارب ، لا بدَّ من سلوك موحَّدٍ في العبادة ، وسلوك موحَّد في التعامل ، وسلوك موحَّد في الأخلاق ، وسلوك موحَّد في الآداب ، لا بدّ من أحكام تشريعيّة ، ونُظمٍ شاملة تجمع هذه المجموعة ، لذلك متى يلتقي الإنسان مع أخيه أشدّ اللّقاء ؟ ومتى يحبّه حبًّا لا حدود له ؟ إذا كثرتْ نقاط الالتقاء بين الشَّخصيتَين ؛ هذه قاعدة ، لا يكفي أن ننتمي إلى أبٍ واحد ، ولا يكفي أن نكون أفراداً في أسرة واحدة ، ولا يكفي أن نكون أفراداً في مجتمع واحد ، لا بدّ من لقاء فكري على عقيدة صحيحة سليمة علميّة ، لا بدّ من لقاء نفسي على عاطفة دينيّة واحدة ، لا بدّ من لقاء على أهداف واحدة ، لا بدّ من لقاء على سلوك فردي واجتماعي متَّحد أو متقارب ، لا بدّ من عبادات موحَّدة ، وتعامل موحَّد ، وأخلاق موحَّدة ، وآداب موحَّدة ، هذا هو الدِّين الذي يرأب الصَّدع ، ويلمّ الشَّمل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ اللّقاء الجسدي أن ننتمي إلى نسب واحد ، هذا اللّقاء يفتقر إلى عناصر الأخوة الإيمانيّة ، هذا اللّقاء النسبي وحده لا يصمد أمام عوامل التمزيق ، ولا يصمد أمام عوامل التّفكّك والخلاف ، هناك خلاف فكري ، وهناك خلاف اعتقادي ، وهناك مصالح متضاربة ، وغايات متناقضة ، وهناك أهداف متباينة ، فمُجرَّد الانتماء إلى أصلٍ واحدٍ لا يكفي قال تعالى :

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

[ سورة آل عمران: 103 ]

 لا بدَّ من شيء يجمعنا ، لا بدَّ من هدف يجمعنا ، لا بدَّ من فِكر يجمعنا ، لا بدَّ من قِيَم تجمعنا ، لا بدَّ من مشاعر صادقة تجمعنا ، لا بدَّ من سلوك موحَّدٍ يجمعنا ، لا بدَّ من أهداف واحدة تجمعنا ، فمُجتمعُ المؤمنين هو المجتمع الوحيد المؤهَّل لِيَكون كتلةً واحدة ليَكون متعاونًا ، متناصحًا ، متناصرًا .
أيها الأخوة الكرام ؛ ما أكثر الأدلّة على مجتمع له هويّة واحدة ، ولكنَّ العداوة والبغضاء تنخر في كيانه ، هناك عشرات المجتمعات تجمعها عوامل مشتركة ليْسَت عوامل إيمانيّة ، هذه العوامل المشتركة لا تمنع أن تكون بينها فُرقةٌ ، وعداوَةٌ ، وبغضاءٌ ، وقِتالٌ أيضًا ، لذلك إذا أردنا أن نكون كتلةً واحدة ، لا بدَّ من أن توحِّدَنا العقيدة ، والهدف ، والسلوك ، والقِيَم ، والمبادئ ، والخلق ، هذه توحِّد ، لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام :"ربّ أخٍ لك لم تلدهُ أمُّك" المؤمنونن بعضهم لبعض نصَحَةٌ مُتَوادُّون ، ولو ابْتَعَدَت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعض غشَشَةٌ متحاسِدون ولو اقْتربَت منازلهم .
 حادثَةٌ أو مثَلٌ مُنْتَزَعٌ من واقع الحياة ، حينما تلتقي مع أخيك المؤمن الذي تحِبُّه حبًّا حقيقيًّا ؛ لأنّ هدفك كَهَدَفِهِ ، أو لأنَّ هدفه كهدفك ، وعقيدته كعقيدتك ، وسلوكه كَسُلوكك ، وقِيَمَهُ كَقِيَمِكَ ، وعبادته كَعِبادَتِكَ ، ومنْهجهُ كَمَنْهَجِكَ ، وتعامله كتعامُلِكَ ، وأخلاقه كأخلاقك ، تمضي معه الساعات الطِّوال ، وأنت في أعلى درجات الأُنس ، وأنت في أعلى درجات السرور، بينما قد لا تلتقي مع أخيك النَّسَبي بشيء من عقيدة ، ولا من سلوك ، ولا من منهج ، هو يلتقي معك في أب وأم ، لكنّك لا تلتقي معه في الأهداف والمشاعر ، لذلك وحدة الإيمان هي الوحدة الحقيقيّة ، والإنسان المفرّغ من قِيَمِهِ ، والمُفرَّغ من مضامينه ، ومن آدابه ، هذا لا يلتقي مع أحد، ولو كان اللِّقاء شكليًّا كما قال الله عز وجل :

﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾

[ سورة الحشر : 14]

 فالإيمان هو الذي يجمع .

 

العلاقات الثنائية بين المؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ شيءٌ آخر يُضاف إلى هذه العلاقات الاجتماعيّة الإيجابيّة التي هي في أعلى درجات السموّ ، النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن تكون بين المؤمنين علاقات ثنائيَّة ، لِيَتَّخِذ كلٌّ منَّا أخًا في الله ، يتفقَّدُه إذا غاب عن مجلس العلم ، ليسأل عنه إذا مرض ، لِيَعُودهُ ، لِيُعينه ، ليَسْأل عن صِحَّته ، لِيُهَنِّئهُ إذا أصابهُ خير ، لِيُعَزِّيَهُ إذا أصابه شرّ ، النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين أصحابه ، آخى بين سيّدنا جعفر وسيّدنا معاذ ، وآخى بين سيّدنا أبي بكر الصدّيق وسيّدنا خارجة ، وآخى بين حمزة وزيد ، وبين عمر وعتبان ، وبين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع ، آخى بين أصحابه اثنين اثنين ، لو أنَّ الإنسان اتَّخَذ أخًا بِحُكم الجِوار ، أو بِحُكم الزمالة في العمل ، أو بحكم القرابة ، أيّ أخ اتخذته أخاً لك في الله تفقّد شؤونه ، زُرْهُ من حينٍ لآخر ، اجلس معه ساعات تذكر الله عز وجل ، تفقّد أحواله ، عُدْه إذا مرض ، هنِّئْهُ إذا أصابه خير ، وهذه الأخوة في الله أساس الأخوة الجماعيَّة ، هذا من توجيه النبي عليه الصلاة والسلام ، وكلّكم يعلم أنَّ الأنصار عرضوا على إخوانهم المهاجرين نصف أموالهم ، وبساتينهم ، وبيوتهم ، والشيء الذي يلفت النَّظر أنَّ التاريخ الإسلامي لم يسَجِّل أنَّ مهاجرًا أخذ من أخيه الأنصاري طمعًا أو ما يقارب ذلك ، قال : يا أخي دونك نصف مالي فَخُذْهُ، فقال سيّدنا عبد الرحمن بن عوف : بارك الله لك في مالك ، ولكن دُلَّني على السوق .

الصحبة و المجالسة في الله :

 شيءٌ آخر أيها الأخوة الكرام يُنَمِّي هذه العلاقات الاجتماعيّة ، الصُّحبة في الله ، والمجالسة في الله ، فقد روى أبو داود والترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((لاَ تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ))

[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]

 مسموحٌ بعلاقات العمل ، أما العلاقات الحميمة ، النّزهة المشتركة ، شراكة بين مسلم وبين آخر لا ينضوي تحت هذا المذهب ، فنهى عنها النبي صلى الله عليه وسلّم ، لا تُصاحب إلا مؤمنًا ، ولا يأكل طعامك إلا تقيّ .
 وهناك شيء آخر يقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم والترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هريرةٍ]

 علماء النفس قالوا : الحبّ مَيْلٌ في القلب إلى إنسان ، هذا الميل إذا اشْتدّ انقلب إلى الودّ ، والوُدّ إذا اشْتدّ ينقلب إلى الخلّة ، وأخطر شيء في حياة الإنسان خليلهُ ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام - كما قلت قبل قليل - في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم والترمذي :

((الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هريرةٍ]

 الرجل على دين خليله ؛ هذه العلاقة إذا اشْتدَّت انتقلَت من الحبّ إلى الوُدّ ، ومن الوُدّ إلى المخاللة ، فهذا الخليل على دين خليله دائمًا ، فالسَّعيد من يتَّخِذ من الأخِلاَّء مؤمنًا صادقًا ينتفع من علمه ، وينتفع من أخلاقه ، وينتفع من سلوكه ، الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل . وفي حديث آخر رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً ، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً))

[متفق عليه عن أبي موسى ]

 يُحْذِيَك : يُعْطِيَكَ ، هذه هي العلاقات بين المؤمنين ، لكنّ العلماء قالوا : هناك ضوابط ، إذا كنت مع جماعة من المؤمنين فما هي الضوابط ؟ قال : أن تكون هذه الصُّحْبة لله، وأن يُبْتغى بها وجْه الله ، وأن يُطْلبَ منها مرضاة الله ، لا أن تكون لمصالح دُنيَوِيَّة .
 والشيء الثاني ألا تشتمل على معصِيَة ، هذه اللّقاءات كيف تستمرّ ؟ ليس فيها غيبة ، ولا نميمة ، ولا اختلاط ، ألا تشتمل على معصِيَة ، فإذا داخلتها معصِيَة يدخل الشيطان بين هؤلاء الأخوة ؛ ويفرّق بينهم .
 أن يتناصح الأصحاب ، والجلساء ، وأن يتآمروا بالمعروف ، وأن يأمروا بعضهم بعضًا بالمعروف ، وأن يتناهَوا عن المنكر ، وأن يتعاونوا على البرّ والتقوى ، وألا يتعاونوا على الإثم والعدوان ، وألا تجرّ هذه الصُّحبة في الله - وهذه أهمّ نقطة - عصَبِيَّة عَمْياء بحيث تعادي الآخرين لا لشيء إلا لأنهم ليسوا من هذه الجماعة ، هذا هو الانحراف الخطير . أن تكون لله ، وأن تكون ابتغاء مرضاة الله ، ووجه الله ، لا لِمصالح دنيَوِيَّة ، ومكاسب شخصيَّة ، وألا تشتمل على معصيَة ، وأن يتناصح الأصحاب والجلساء ، وأن يتآمروا بالمعروف ، وأن يتناهوا عن المنكر ، وأن يتعاونوا على البرّ والتقوى ، وألا يتعاونوا على الإثم والعدوان ، وألا تجرّ هذه العلاقة إلى مناصرة ، أو معاداة لغير الحقّ ، أنت من هؤلاء فإذا رأيْت إنساناً ليس من جماعتك تعاديه لا لشيء ، إلا لأنّه ليس من جماعتك !! هذا هو الانحراف الخطير للتَّجَمّع الذي لا يرضي الله عز وجل ، لأنَّ الآية تقول :

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

 ينبغي أن يكون انتماؤك لمجموع المؤمنين .

 

التّزاور بين الأخوة :

 الشيء الثالث في تمكين العلاقات الاجتماعيّة كما وجَّه النبي عليه الصلاة والسلام التَّزاوُر بين الأخوة ، فقد روى الترمذي بإسناد حسن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا))

[الترمذي عن أبي هريرة]

 ناداه ملك ، وقد روى الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ : أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ : أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ ، قَالَ : هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ : لَا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ : فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 نحتاج إلى الحبّ أيها الأخوة ؛ نقرأ ، ونستمع ، ونحضر المجالس ، ونستمع إلى خطب ، ونقرأ الكتب ، نحن بحاجة ماسَّة إلى الحبّ ، وإلى الوُدّ ، وإلى أن يكون مجتمع المؤمنين كتلة واحدة ، إذا اشْتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .

 

إطعام الطعام من العوامل الأساسية في تمكين العلاقات الاجتماعيّة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ بقيَ أنَّ إطعام الطعام كما ذكر سيّد الأنام من الأشياء التي تؤكِّد هذه المودَّة والمحبَّة بين المؤمنين ، حثَّ الإسلام على إطعام الطعام ، ولا سيّما ذوي الحاجة للمشاركة في تناول الطعام ، فقد روى البخاريّ ومسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَال :

((طَعَامَ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَةَ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 وروى الإمام مسلم عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((طعامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ))

[مسلم عن جابر بن عبد الله]

 إذا أردت أن تطعِمَ أخًا في الله ، الله جلّ جلاله يبارك لك في هذا الطعام ، يكفي الاثنين وهو مُعَدُّ لواحد ، ويكفي الثلاثة وهو مُعدّ للاثنين ، هذا ممَّا يدعوك إلى أن تنفق من مالك ، ومن طعامك .
 حديث آخر في هذا الموضوع رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ ))

[البخاري عن أبي موسى]

 معنى أرْملوا أيْ افْتقروا ، أو قرُب زادهم أن ينفذ ، أو مدُّوا أيديهم ليأكلوا فلم يجدوا إلا الرمل ، ورد أنَّ شرّ الطعام طعام الولائم ، يُدعى إليه الأغنياء ، ويحرم منه الفقراء ، الأصل في إطعام الطعام إطعام الجائعين ، وأن تُطعم الفقراء ، لا مانع أن تدعو إخوانك ، لكن الأصل في إطعام الطعام أن يكون الطعام لذوي الحاجة ، ولِمَن يشتهون هذا الطعام ، لذلك في حديث آخر :

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَجَعَلَ يُصَرِّفُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي الْفَضْلِ ))

[ أبو داود عن أبي سعيد الخدري]

 تصوَّر مجتمعًا يتعاون ، ويبْذل ، أحيانًا تجدُ إسرافًا غير معقول إلى حدّ التبذير، ومع المعاصي ، وتجد أُناسًا آخرين يشتهون لقمة طعامٍ يأكلونها ، أهذا يرضي الله عز وجل ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ أصْبحتْ فقرات الخطبة إطعام الطعام ، والتزاوُر ، والصُّحبة في الله ، والمجالسة ، والتوافق الفكري والنفسي ، هذه كلّها تعين على وحده الجماعة .

المحبة في الله دون مصلحة أو منفعة :

 وعَوْدٌ على بدْء في قول الله عز وجل في الحديث القدسي :

((وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ ، وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ ، وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ))

[أحمد عَنْ مُعَاذٍ]

 لا بدّ أن تحبّ أخًا في الله دون مصْلحة ، دون علاقة ماليَة ، دون علاقة نسب، قال :

((الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ))

[أحمد عَنْ مُعَاذٍ]

 أيّها الأخوة الكرام ؛ أرجو الله سبحانه وتعالى أن تُتَرْجَمَ هذه الحقائق ، وهذه النصوص الصحيحة إلى سلوك يومي ، لأنّ هناك فرْقاً بين أن تقول : مئة ألف ، مليون ، مئة مليون ، ألف مليون ، مليار ، ولا تملك واحدًا ، وبين أن تملك هذا المبلغ ، العلم إذا ذكرْتهُ ، ولم تُطَبِّقْهُ كمن يقول : مئة مليون ولا يملك في جيبه ليرة واحدة ، بينما من يطبّق هذا العلم كمن امْتَلَكَ هذا المبلغ ، فشتّان بين اللفظ به ، والنطق به ، وبين امتلاكه ‍، هي المسافة نفسها بين أن تقرأ الأحاديث ، وأن تستمع إلى الخطب ، وبين أن تطبّق .
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الحقائق وهذه النصوص دافعًا لنا على أن تكون حياتنا إسلاميّة ، وكلّما غلب اليأس على المسلم ، ورأى أنَّ قِوَى الشرّ تكيد له ، الجواب : حسبُك أن تقيم الإسلام في بيتك ، وفي عملك ، وأن تكون في المستوى الذي يرضي الله عز وجل ، وعلى الله الباقي ، لأنّ الله سبحانه وتعالى كلَّفك فيما أنت عليه مستطيع ، فإذا أدَّيْت ما أنت عليه مستطيع توكَّلَ عنك وكفاك ما لا تقدر عليه .
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا ، فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أثر المحطات الفضائية السلبي في تكوين شخصية الطفل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ صحيفة يوميّة دمشقيّة نشرت قبل يومين ؛ يوم الثلاثاء الثامن من الشهر الحادي عشر اسْتِطلاعًا صحفِيًّا حول الصحون التي تستقبل المحطَّات الفضائيَّة ، وكان من جملة الذين اسْتَطلعَتْ آراءهم عالم نفْسٍ أدْلى بِرَأيِهِ ، وسأنقلهُ لكم لأنَّي وجدْتُ فيه فائدة ، يقول هذا العالم : إنَّ هذه الصحون تُهَدِّد تكوين أطفالنا العلمي ، والثقافي ، والاجتماعي، والأخلاقي ذلك أنَّ الصورة تخترق وعْيَ الإنسان دون أن تخْضعَ للمناقشة والمحاكمة العقليّة والثقافيّة ، أما إذا كان المتلقِّي طفلاً ، فإنّ مُهِمَّة الهدْم وتقويض بنائه تتحقَّق على أفضل وجه ، ذلك لأنَّ الطفل في مرحلة التكوين يتعاملُ أساسًا مع الصُّوَر ، أيْ أنَّه يفكِّر في الصورة ، وليس بالأفكار المجرَّدَة ، وبِخاصّة أنَّ منظومته النّقديّة تكون غير متشَكِّلة بعْدُ ، وحيث أنَّ الضوابط تنعدمُ في ظلّ هذا الاقْتِحام الهائل لِوَسائل الاتِّصال عن طريق هذه الصُّحون فالذي يحْصَل ، ودَقِّقوا في هذا الكلام ؛ المجتمعات التي يعمّها الإجرام ، والعنف ، والشذوذ ، والانحلال الخلقي، والنَّزْعة الماديَّة ، والجنس الرخيص ، هذه المجتمعات مجتمعات الكفر التي تُرْسِل هذه البرامج ، أصبح بإمكانها أن تُشَكِّل المجتمعات التي تتلقَّى منها وِفْقَ قِيَمِها المنْحلَّة ، وفْق ما يجري فيها من أمراض خطيرة ، فلذلك يمكن لهذه المجتمعات التي تصْبو إلى هدفٍ نبيل ، والتي تسْعى نحو التَّطَوّر ، والنّموّ مع الحفاظ على شخصيَّتها ، وهويَّتها ، وقيمها ، هذه المجتمعات يمكن أن تنهار كليًّا ، وأن تفرَّغ فيها القِيَم ، وأن تُحَلَّ فيها الروابط عن طريق هذا ، فالخطر الذي يُهدِّد المسلمين ، ويُهدِّد الجيل الصاعد وهو يتكوَّن نفسيًّا ، وخُلقيًّا ، واجتماعِيًّا ، وعِلْمِيًّا ، هذه الصورة كما قال هذا العالم تقتحم النفْس دون أن تخضع للمراقبة والمناقشة ، الإنسان له عقيدة ، وعنده مبادئ وقِيَم ، فإذا تلقَّى كلمةً تناقض عقيدته ردَّها ، وجاء بالبرهان عليها ، لكنّ الصورة تتسلَّل إلى وراء خطوط الدفاع في الإنسان ، والطّفل وهو صغير ليس عنده منظومة نقْدِيَّة صحيحة ، ولا نضْج فكري ، إنَّما يتعامل مع الصورة ، فإذا أثارَت هذه الصُّوَر في نفسه نموذجًا للسلوك المنحرف ، أو الإباحي ، أو المنْحطّ ، فسيصبح هذا الطّفل متحلِّلاًّ ، وقد انْهَدَم كيانه ونحن لا ندري ، المسلم عليه أن يحفظ أهله ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾

[ سورة التحريم : 6]

 قبل أن يفكِّر الإنسان في اقتناء هذه الصحون ينبغي أن يعدّ للمليون ، النبي عليه الصلاة والسلام ورد عنه : " إذا أردْت إنفاذ أمْرٍ تدبَّر عاقبته ".
 أيها الأخوة الكرام ؛ لو بلغ الإنسان أعلى مستوى درجات النجاح الاجتماعي ، إما نجاح علمي ، أو نجاح مالي ، أو نجاح اجتماعي ، ولم يكن ابنه على ما يريد يشقى بِشَقائِهِ ، الذي يُشقي الإنسان أن ينْهار الابن أمام عيْن أبيه ، والذي يُسْعِده أن يكون الابن قرّة عيْن لأبيه، والدعاء القرآني :

﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

[ سورة الفرقان : 74]

 هؤلاء الأطفال ، وهؤلاء البنات جعلهم الله تحت رعايتك ، وأنت المسؤول عنهم يوم القيامة ، وقد ورد في الأثر أنَّ الفتاة التي تستحقّ دخول النار ، وكان أبوها هو السبب ، تقول : يا رب لن أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي ! إذا كان الأب هو السبب سيُحاسب حِسابًا شديدًا .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أولادك سبب سعادتك في الدنيا والآخرة ، فإذا أردْت أن تحفظ خلقهم ، وأن تنشِّئهم نشْأةً دينيَّة ، فعليك أن تجلس معهم ، وأن توجِّههم ، وأن تحفِّظهم كتاب الله، وأن تؤْنسهم ، حينما تدخل هذه الأجهزة إلى البيوت تختفي العلاقات الأسريّة ، ويختفي روْنق الأب ، ويختفي روْنَقُ الأم ، ويصبح الإنسان كتلةً من لحْم و دم ، تبحث عن لذَّة وانحراف ليس غير .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018