الخطبة : 0502 - التعاون على البر والتقوى - فوائد العسل العلاجيَّة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0502 - التعاون على البر والتقوى - فوائد العسل العلاجيَّة.


1994-11-04

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

التّعاون على البر و التقوى :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لازلنا في الموضوعات الاجتماعيّة ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[سورة آل عمران:110]

 ومن معاني كنتم أيْ أصبحتم ، أصبحتم بهذه الرسالة ، قال تعالى :

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[سورة آل عمران:110]

 عِلَّة الخيريّة لهذه الأمّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلو تخلَّت الأمَّة عن الأمر بالمعروف ، وعن النهي عن المنكر فقَدَتْ خيْرِيَّتها ، لذلك العلماء قسَّموا أمَّة محمَّدٍ إلى قسمين ، أمَّة الاستجابة ، وأمَّة التبليغ ، فأيّ رجل وُلد من أبٍ وأمٍّ مسلمين ، فهو من أمَّة التبليغ ، وليس هناك أيَّة ميزة لِمَن كان من أمَّة التبليغ ، لكن الأحاديث الشريفة الكثيرة التي تُشيد بأمَّة محمَّدٍ وبأنَّها مرحومة المقصود بها أمَّة الاستجابة ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال: 24 ]

 ما لمْ تسْتجِب لأمر الله ، وما لم تُقِم الإسلام في بيتك ، وما لم تُقم الإسلام في عملك ، وما لم يبْدُ الإيمان واضحًا في أخلاقك من سلوكك ، فأنت من أمّة التبليغ ، ولسْت من أمَّة الاستجابة . مِحْوَرُ هذه الخطبة اليوم قوله تعالى :

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة المائدة : 2]

 والأمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، وهذه الآية أصْلٌ في التعاوُن ، الله جلّ جلاله أمر المؤمنين أن يتعاونوا ، ولكن أيّها الأخوة ليس التعاوُن إطلاقًا هو الذي أُمرْنا به، التعاوُن على البرّ والتَّقْوى ، ومن أدقّ تفاسير هذه الآية البِرّ صلاح الدنيا ، والتَّقوى صلاح الآخرة ، فالتعاون المأمور به في نصّ هذه الآية مُقيَّد بالبرّ والتقوى ، ومُبالغة في التأكيد جاء النَّهي في التعاون على الإثم والعدوان ، قال تعالى :

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة المائدة : 2]

 لو فهمنا هذه الآية ؛ فهِمنا حدودها ، فهِمنا أبعادها ، وطبَّقناها لتوسَّعَت دوائر الخير ، ولعمّ الإحسان ، ولعمَّ العدل ، لأنَّ التعاون على الإثم والعدوان مُحَرَّم في نصّ هذه الآية، فكلُ مسلم إذا امتنعَ عن أن يكون سببًا ، أو عَوْنًا ، أو دليلاً ، أو مُقِرًّا ، أو مُمِدًّا ، أو داعِمًا لاثم أو لِعدوان تقلَّصَت دوائر الإثم إلى أن تتلاشى ، فإذا كان مُعينًا ، أو مُشَجِّعًا ، أو داعِمًا ، أو مُمِدًّا لكلّ عملٍ خيِّر فيه صلاح الدنيا والآخرة لتوسَّعَتْ دوائر الحقّ ، وتوسَّعَ الخير والعدل والإحسان . هذه الآية أيها الأخوة أصْلٌ في التعاون ، قال تعالى :

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة المائدة : 2]

 فالذي ينْسحب من الحياة ، والذي يقول : عليّ نفسي ، والذي لا يعنيه أمْر المسلمين ، والذي لا يُسْهِمٌ بِشَكلٍ أو بآخر في خدمة المسلمين مِن أيّ جهةٍ يُحبّ هو مُتخلّف عن تطبيق هذه الآية الكريمة ، قال تعالى :

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة المائدة : 2]

الآيتان التاليتان أصْلٌ في الأمر بالتعاون والنهْي عن العدوان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ آية ثانية تُعدُّ أصلاً في هذا الباب ، قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ ﴾

[ سورة المجادلة : 9]

 العرب كما قالوا يقتاتون من الأحاديث ، فالكلام نشاط كبير من أنشطة الإنسان ، فالوقت الذي يقضيه مع غيره يكون في التكلم ، في البيت تتكلّم ، وفي السوق تتكلّم ، وفي النزهة تتكلّم ، وفي الاجتماع تتكلّم ، في كلّ نشاطات الحياة تتكلّم ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾

[ سورة المجادلة : 9]

 هاتان الآيتان ؛ الأولى :

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة المائدة : 2]

 والآية الثانية :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾

[ سورة المجادلة : 9]

 هاتان الآيتان أصْلٌ في الأمر بالتعاون ، وتقييد التعاون بالبرّ والتقوى ، ونهْيٌ عن الإثم والعدوان ، نهي عن التعاون على الإثم والعدوان ، ونهيّ عن المناجاة في الإثم والعدوان.

 

أنواع التعاون بين الناس :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك تعاونٌ فِكري ، وهناك تعاونٌ مالي ، وهناك تعاونٌ مادّي في الأعمال ، كيف أنَّ الصحابة الكرام حفروا الخندق ، والنبي معهم ، هذا تعاون مادِّي جسمي، وهناك تعاون نفسي ، الإنسان حينما يُصاب بِمُصيبة يأتي المسلمون لِتَعْزيتِهِ ومُواساته ، إذا مرضَ مرضًا يأتي المؤمنون لعيادته ، إذاً هناك تعاوُن نفسي ، وهناك تعاوُن مادِّي ، وهناك تعاوُن مالي ، وهناك تعاون فكري ، وقد ورد في الحديث الصحيح .

(( كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ، كُلَّ يَوْمٍ يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 والأمر بالمعروف صدقة ، والنهي عن المنكر صدقة ، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة .
 أيها الأخوة الكرام ؛

(( إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ فَإِنْ رَأَى بِهِ أَذًى فَلْيُمِطْهُ عَنْهُ ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

 وفي حديث آخر :

(( الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ ، يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ))

[أبو داود عن أبي هريرة]

 الضيعة من الضياع ، التَّشَتّت ، والحيرة ، والقلق ، والخوف ، الأمراض التي تصيب الإنسان ولا سيما النفسيّة منها ، هذه ضيْعة ، وأنت إذا أعنتَهُ كففْتَ عنه ضَيْعته ، وأعنته على أمر دينه ودُنياه ، كنت مؤمنًا حقًّا . أليْسَت هذه السورة أيها الأخوة الكرام من التعاون الفكري ؟ الله سبحانه وتعالى أمر نبيّه عليه الصلاة والسلام فقال :

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 والله سبحانه وتعالى وصف المؤمنين بأنّ أمرهم شورى بينهم ، أليْسَت الزكاة أيها الأخوة فريضة مالية ؟ هي تعاونٌ مالي بين أفراد الأمَّة ، قال تعالى :

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾

[ سورة الماعون : 1-7]

 يبْخلون ، ويأمرون الناس بالبُخْل ، فالزكاة من التعاون ، والشورى من التعاون ، وإصلاح الآخرين من التعاون ، أن تُعين الرجل على دابّته وتحملهُ عليها ، أو تحمل له عليها هو لك صدقة ، وأن تأمر بالمعروف هو لك صدقة ، وأن تنهى عن المنكر هو لك صدقة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ التَّيْسير على مُعْسِر من التعاون ، وستْر الأخ من التعاون ، أن تُعيره متاعك من التعاون ، أن تؤازره في الأعمال من التعاون ، أن تنصحه نصيحةً تعينه على أمر دينه من التعاون ، أن ترشده إلى سواء السبيل من التعاون ، أن تعلّمه الخير من التعاون ، أن تشفع له عند قويّ من التعاون .

 

سمو الإسلام بالدافع الاجتماعي عند الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام يقول عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ أنت كائنٌ اجتماعي ، وقد تحدَّثت في الخطبة السابقة كيف أنَّ الإنسان يجد حاجةً أساسيَّة إلى الحبّ ، ومعنى الحبّ إلى أن يُحَبّ وإلى أن يُحِبّ ، هناك حاجةٌ أساسيَّة إلى الأنس بالآخرين ، إلى التَّقَوِّي بهم ، وهناك حاجة أساسيَّة إلى التقدير ، أن يُقدِّرَهُ الآخرون ، هناك حاجة أساسيَّة إلى الاقتباس من علم الآخرين ، ومن معارفهم ، ومن خبراتهم ، ومن منجزاتهم ، مُجْمل هذه الحاجات تُوَلِّد الدافع الاجتماعي في الإنسان ، وهناك نوازع فرديّة انعزاليّة فإذا اصْطَدَمَت مصالحُهُ الماديَّة مع دوافعه الاجتماعيَّة ركل دوافعه الاجتماعيَّة بقدمه ، وانْحاز إلى مصالحه الماديَّة ، وهذا هو شأن الإنسان قبل أن يعرف الواحد الدَّيان ، لكنَّ الإسلام كما قلت صعّد هذا الدافع ، وسما به ، فجعل الدافع الاجتماعي بعد أن غذَّاه جعله عبادة لله عز وجل ، وجعل خدمة الخلق إحدى أكبر القُرَب إلى الحقّ ، أنت إذا خدمْت الآخرين ؛ نصَحْتهم ، أمرْتهم بالمعروف ، نهيْتهم عن المنكر ، واسيْتهم ، خفَّفْتَ من آلامهم أنت بهذا تتقرَّب إلى خالقهم ، وشتَّان بين أن تكون اجتماعيًّا تحقيقًا لِمَصالحك الماديَّة ، وحاجاتك النفسيّة والفكريّة ، وبين أن تكون اجتماعيًّا مؤدِّيًا عبادة الله عز وجل متقرِّبًا إلى الله بخدمة خلقه ، شتَّان بين الدافِعَين ، إذا وجدت حياةً اجتماعيَّةً في مجتمع الكفر فمن هذا القبيل ، من قبيل تحقيق الحاجات النفسيّة والفكريّة والاجتماعيّة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ وفضْلاً عن ذلك الإسلام حينما سما بالدافع الاجتماعي وحينما صعَّدَ هذا الدافع ، جعل النشاط الاجتماعي وفق قنوات نظيفة ، ليس هناك اختلاط ، ليس هناك عدوان ، ليس هناك تجسّس ، وليس هناك تلصّص ، كلّ الانحرافات الاجتماعية نهى عنها الدّين ، والإسلام فوق كلّ ذلك حينما يكون المجتمع فاسدًا ، حينما تفرّغ منه القيَمُ كلّها ، حينما يُداس على المبادئ بأقدام المصالح ، الإسلام يأمرك أن تعتزل هؤلاء ، وأن تنسحب منهم، والبُعْد عن هذا المجتمع عبادة .

 

التواصي بالحق أحد أركان النجاة في الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام ؛ التواصي بالحق من التعاون ، وهل تصدِّقون بأنَّ التواصي بالحق أحد أركان النجاة في الدنيا ، النجاة وليس العمل الصالح قال تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 التواصي بالحق من أجل الحفاظ على الحقّ ، من أجل أن تحافظ على دينك ودين أولادك ، ودين أسرتك ، ودين مجتمعك ، إذا تواصيْت بالحق توسَّعَت دوائر الحقّ كما يتوسَّع الباطل فيبقى محافظًا على وجوده ، أما إذا ألغينا التواصي بالحق تنامَتْ دوائر الباطل فحاصرتْ الحق ، وابتعد الناس عن الحقّ .

 

الدعوة إلى الله أكبر تجارة على الإطلاق :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه عموميّات ولْندخل في التفاصيل ، روى الإمام مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ :

(( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي ، فَقَالَ : مَا عِنْدِي ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ ))

[مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ]

 أنت في الحياة المادّيّة لا تحتمل أن تعطي دلاَّلاً مبلغًا كبيرًا لِجُهدٍ بسيط ، لا تحتمل ، وتُزَمجر ، وتقول : ما هذا ؟‍ وما هذه النسبة ؟ ومن أقرّ هذه النِّسبة ؟ لا تحتمل أن تعطيه مئة ألف لأنَّه كان وسيطًا لساعة بينك وبين إنسان آخر ، هو دلاّل ، ولكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ ))

[مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ]

 دللْته على بيت ثمنه ثلاثون مليوناً فلك ثلاثون مليوناً ؟ هذا في عالم الناس مستحيل ، ومسْتهجن ، ومسْتبعد ، ولكنَّه عند الله سبحانه وتعالى .

((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ ))

[مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ]

 وروى الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ))

[مسلم عَنْ أَبِي هريرة]

 أرأيْت إلى أكبر تجارة على الإطلاق ؟ أن تدْعُوَ إلى هُدى ، كلّ الذين استجابوا لك ، واتَّبعوك ، واهْتَدَوا بهذه الدَّعْوَة لك مثل أجورهم ، مثل أجور من تبعك إلى يوم القيامة ، هذه التجارة مع الله ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الصف : 10-11]

 لها رأس مال ، ولها ربح كبير .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ينبغي أن يكون كلّ مسلمٍ داعية إلى الله في حدود علمه ، وفي حدود عمله ، قد تكون أكبر داعيَة إلى الله وأنت صامت بعملك ، وبإخلاصك ، وباسْتِقامتك، وبِوَرعِكَ ، وزُهْدِكَ ، وبِخِدمتك ، ورحمتك ، ولك أن تدعو إلى الله بلِسانك ، ولك أن تدْعُوَ بِعَملك ، ولا تنسى أنَّ أكبر قطر إسلاميّ على الإطلاق الذي يعدّ مئة وخمسين مليوناً قبل خمس سنوات اهْتَدَى عن طريق التجار لا عن طريق الدعاة ، تاجر حمل تجارته إلى هناك وذهب لِيَبيعها ، من استقامته وصدقه وحيائه وأخلاقه وأدبه وعِفَّته ، دعا إلى الله وهو لا يشعر ، وكلّ مسلم له أن يكون داعيَةً إلى الله بأخلاقه ، وصدقه ، وعمله الصحيح .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لغة العمل أبْلغ من لغة القول ، والعياذ بالله ومن دعا إلى ضلالة فإنّ كلّ من تبعه إلى يوم القيامة في صحيفته ، وعليه مثل آثامهم جميعًا من غير أن ينقص من آثامهم شيئًا ، هذا الحديث خطير جدّا ، وهو حديث أساسي .

(( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ))

[مسلم عَنْ أَبِي هريرة]

السّنة الحسنة و السّنة السّيئة :

 وروى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :

(( جَاءَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ الصُّوفُ فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَبْطَئُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ، قَالَ : ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ))

[مسلم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ]

 طبعًا هذه السنَّة الحسنة في التعبير اللغوي الدقيق هي البدعة اللّغوية ، جعلْت في المسجد تكبير صوت ، أو تسخين ماءٍ ، عملت شيئًا أراح المسلمين في دنياهم ، أما في الدّين فلا يجوز أن نُحْدث فيه شيئًا ، لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ : مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ...))

[النسائي عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 قال تعالى :

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3 ]

 فالقضايا التي عالجها الدِّين من حيث العدد تامَّة ، ومن حيث النوع كاملة ، وأيَّة إضافةٍ على الدِّين إن في عقائده ، أو عباداته ، بدعة ، والبدعة في النار ، أما إذا جاء موضوع من سنَّ سنَّة حسنة فالمقصود البدعة اللّغويّة ، أيْ يسَّرنا على المسلمين دُنياهم ، وطلب العلم ، طبعنا الكتب ، وعمَّمنا العلم بِوَسيلة لم تكن معروفة من قبل ، هذه السنّة الحسنة التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام :

((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ))

[مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي]

 أضاف شيئًا لم يكن من قبل ، شوَّه معالم الدِّين ، جعل الدِّين رقْصًا ، جعل الدِّين طربًا ومباهاةً ، من غيَّرَ مجرى العقيدة ، أو مجرى العبادة عن الطريق الصحيح فعليه وزرها ووزْر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا .

 

الخازن المسلم الأمين الذي ينفّذ أمر الله هو أحد المتصدِّقين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وانْسِياقًا مع هذه المعاني من أنَّ الذي يدعو إلى هدى له مثل أجر من اهتدى ، والذي يدعو إلى ضلالة عليه مثل آثام من ضلّ عن طريقه ، انْسجامًا مع هذا الخطّ ، روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الْأَمِينُ الَّذِي يُنْفِذُ وَرُبَّمَا قَالَ : يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبًا بِهِ نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى]

 وهذا الحديث موجَّه خصيصًا لأُمناء الصناديق ، هذا الخازن إذا أنفق تنفيذًا لأمر وليِّهِ مبلغًا من المال لإنسان ما ، أمانته وطيبُ نفسِهِ وعِفَّتهُ تجعلهُ أحد المتصدِّقين ، ما قولكم ؟ أليس هذا حديث يبعث الفرح في قلوب الذين يعدُّون الأموال الكثيرة وليس لهم منها شيء ؟ هذا الخازن المسلم الأمين الذي ينفّذ أمر الله عز وجل ، أو ينفِّذ ما أمر به ، فيُعطيه كاملاً موفورًا طيِّبَةً بها نفسه ، فيدفعُهُ إلى الذي أمر له به هو أحد المتصدِّقين .

 

الشّفاعة الحسنة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا من قبيل التعاون الفكري ، الدعوة إلى هدى ، أما الباب الثاني في التعاون فهو عن الشفاعة الحسنة ، روى الإمام البخاري ومسلم عن أَبي بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ :

(( اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاء))

[البخاري عن أَبي بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ]

 حقيقة الشفاعة أيها الأخوة أنّ طالب حاجة ضعيف الشأن ، وضعيف الحجّة ، مجهول لا يعرفه أحد ، مذنب ، هناك خصومة بينه وبين من عنده حاجته ، أو ذنب ، أو مجهول ، أو ضعيف التأثير في قوله ، هذه العناصر تعيقه عن نيل حاجاته ، جاء لِرَجل له دالّة على من عنده حاجته ، فاسْتَشْفعهُ ، والكلام بالحق لا يجوز أن تشفع في باطل ، ولا أن تؤدّي شفاعتك إلى ظلم ، هذا شيء بديهي ، لكن له حق عند هذا الإنسان ، وهذا الإنسان هناك خصومة بينهما ، أو هذا الإنسان لا يملك القدرة على بيان حقّه ، ضعيف ومجهول ، ولا أحد يعرفه ، وضعيف الحجَّة ، أنت جئتَ إلى هذا الإنسان الذي عنده حاجته فأطْلقْت لسانك بالحق، وكنت صاحب حجّة ، وكنت مُقنعًا ، فقَنِعَ المسؤول وأعطى أخاك حاجته ، أنت ماذا بذلْت ؟ بذلْتَ من قوّة إقناعِكَ ، إذا سِرْتَ معه ماذا بذَلْت ؟ بذلْتَ من جهدك ، إذا أنْفقْت شيئًا من مالك كي تصل بهذا الإنسان إلى بغيته ، أنت ماذا بذلْت ؟ بذلْتَ مالك ، إذا بذلْت من عقلك ، أو من منطقك ، أو من قوَّة إقناعك ، أو من جهدك ، أو من مالك ، أو شاركْته في مشاعره ، وواسيْتَهُ ، هذا كلّه في صحيفتك يوم القيامة ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ))

[البخاري عن أَبي بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ]

 لكن هناك شفاعة عند الله فقد تشفع لأخيك المسلم عند قويّ ، عند مسؤول لك عنده دالّة ، ولك له دالّة ، أو بينكما مودَّة أو صداقة أو قرابة ، لكن هناك من يشفع لأخيه عند الله ، أليْسَ دعوتك لأخيك بِظَهر الغيب شفاعة لك عند الله ؟ تشفع له عند الله بِدَعوة صالحةٍ ، الذي يدعو لأمِّه وأبيه يشفع لهما عند الله ، الحيّ إذا دعا لمَيِّت يشفع له عند الله ، قال: عندئذٍ الشفاعة عند الله عبادةٌ محضة ، الشفاعة عند الله بدعوة خالصة ، صالحة لأخيك ، أو بدعوة صالحة لأمّك وأبيك ، أو دعوة الحيّ للميّت ؛ هذه الدعوة كما قال عليه الصلاة والسلام :

((دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب لا يرد ))

[البزار عن عمران بن حصين]

 إذا دعوت لأخيك بالشفاعة فقد شفعْت له عند الله ، إذا دعوْت لأخيك بالتوفيق فقد شفعْت له عند الله ، إذا دعوت لأخيه بالتوفيق في أعماله ، وفي زواجه ، وفي شهادته العليا، وفي مشروعه ، وفي تأسيس عمله ، فقد شفعْت له عند الله ، والشفاعة عند الله عبادةٌ محْضة ؛ أيْ خالصة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الشيء الذي يلْفت النَّظر أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:" يعطي الله الشفعاء أفضل مما يعطي لشُفعائِهِم " أي إذا شفعت عند الله لأخيك بتوفيق في عمله ، الله جلّ جلاله إكرامًا لك ، ولهذه المشاعر النبيلة ، ولهذا الحرص على أخيك المؤمن ، إكرامًا لك يعطيك أكثر مما يعطيه ؛ يعطي الله الشفعاء أفضل مما يعطي لشُفعائِهِم ، قال تعالى:

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾

[ سورة النساء : 85]

 وشتَّان بين النصيب وبين الكِفْل ، أي إذا شفعْت بين اثنين على معصيَة ، فكلّ الآثام التي تقع بين هذين الشَّخصين لك منها كفل ، أنت متكفّل أن ينالك مثل آثامهم جميعًا ، أما إذا شفعْت بين اثنين في نكاحٍ مثلاً ، وظهر من هذا النِّكاح خير كثير ، أسرةٌ طيّبة أنْجبَت أولادًا طيِّبين فهذه الشفاعة في النكاح في صحيفتك ، والأسرة كلّها في صحيفتك ، هل هناك من نصوص تحثّ المؤمن على فعل الخير كهذه النصوص ؟ قال تعالى :

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾

[ سورة النساء : 85]

 أيها الأخوة الكرام ؛ أرجو الله عز وجل ألا يفهم أحدٌ منكم أنَّه يمكن أن تكون الشفاعة في باطل ‍، أو في ظلم يناله أحد الأشخاص ، لذلك سيّدنا أُسامة بن زيد حينما جاء النبي صلى الله عليه وسلّم يشفع في المرأة المخزوميّة التي سرقَت ، يشفع ألا يُقام عليها الحدّ غضب النبي غضبًا شديدًا ، وقال : " يا أسامة أتشفع في حدّ من حدود الله ؟ والله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها " شفاعة في الباطل منهيّ عنها ، شفاعة تُسبِّب ظلمًا مَنْهِيّ عنها ، إذا تحدَّثنا عن الشفاعة أن تعين ضعيفًا على بلوغ حقِّه ، أن تعين عيِيًّا لبُلوغ حقِّه ، أن تعين إنسانًا بينه وبين من بيَدِهِ الأمر جَفْوَة للوصول إلى حقّه ، أن تعين إنسانًا مجهولاً لا يُعبأ بكلامه لبُلوغ حقِّه ، أن تعينه على جلْب خير دون أن يكون على حساب الآخرين ، جلْب خيرٍ أو بلوغ حقٍّ دون أن يكون هذا على حساب أحد ، ودون أن يكون فيه ظلمٌ لأحد .
الشيء الأخير في الشفاعة أيّها الأخوة أنَّ أجر الشفيع ثابت ولو لم يتحقّق المطلوب استنباطًا من قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ))

[البخاري عن أَبي بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ]

 كأنَّه يقول لأصحابه : لو شفعتم إليه تؤجروا ، وأنا أقضي ؛ إما أن آذن ، وإما ألا أعطي ، ويقضي الله على لسان نبيّه الذي شاء .

 

ضوابط التعاون :

 أيها الأخوة الكرام ؛ آخر شيءٍ في الموضوع أنَّ للتعاون ضوابط ، وهي أخطر ما في الموضوع ، فالإمام البخاري روى عن أنس بن مالك عن رسول الله :

(( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا))

[البخاري عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ الحقيقة قد تنصر أخاك بِشَهادة تشهد لها أمام المحكمة ، هذا نصر ، أنت كنت شاهدًا ، والشهادة مقبولة ، والشهادة مرجِّحَة في الحكم ، فإذا دعاك إلى أن تشهد له ، وهو مُحِقّ ، ومظلوم ، اذْهب واشْهَد ، وضيِّع من وقتك يومًا فإنّ لك به أجْراً كبيراً ؛ شهادة ، أو عن طريق الشفاعة ، أو عن طريق العمل ، أو عن طريق المكانة التي تحتلّها ، لك أن تنصر أخاك مظلومًا ، لك أن تنقذه من عقابٍ ظالم ، لكنّ الشيء المُشْكل في الحديث كيف تنصرهُ ظالمًا وهذا أسلوب تربوي ؟ الإنسان قد يتلقّى العلم وهو غافل ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال : انْصُرهُ ظالمًا ! أحْدَثَ إشكالاً عند أصحابه ، كيف ننْصرهُ ظالمًا ؟ النبي يريد يقظة العقول ، لا يريد التَّلَقِّي العَفْوي ، قالوا : كيف ننْصرهُ ظالمًا يا رسول الله ؟ هذا أسلوب تربوي ، دائمًا الكلام الواضح والسهل الإنسان يألفهُ ، ويُعطِّل فكرهُ معه ، فجاء هذا التوجيه وأحدث إشكالاً عند أصحاب النبي ؛ كيف ننْصرهُ ظالمًا ؟ قال : تنصره ظالمًا ؛ أن تحجزه عن الظلم ، إذا حجزته عن الظلم نصرْته على نفسه ، ونصرْته على شيطان الإنس والجنّ ، وإذا نصرته على نفسه وعلى شيطانه أنقذته من عذاب الله ، أليس هذا نصْرًا مؤزَّرًا أن تنصره على نفسه وعلى شيطانه كي تنقذه من عذاب ربّه ؟ إذًا هذا هو الأسلوب التربوي، انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ، قالوا : ننصرهُ مظلومًا ؛ هذا واضح ، فكيف ننصرهُ ظالمًا ؟ قال : بالأخذ على يده.
 أيها الأخوة الكرام ؛ المفهوم الجاهلي أنّ الإنسان ينصر قريبه على حقّ أو على باطل ، ينصر ابنه على حقّ أو على باطل ، ينصر شريكه على حقّ أو على باطل ،أحيانًا شريكان الشريك مع شريكه دائمًا ولو كان ظالمًا ، وهذا مفهوم جاهلي ، أن تنْحاز مع جهةٍ ما ؛ مع أخ ، مع ابن ، مع قريب ، مع شريك ، مع أفراد أسرة ، مع قبيلة ، مع جماعة انْحِيازاً كاملاً دون تبصّر ، هذا مفهوم جاهلي ، لكنّ المؤمن مع الحقّ لا ينْحاز إلا إلى الحقّ ، لذلك الله عز وجل قال :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة: 8]

 أي لا يحْمِلَنَّكم بغْض قوم على أن تظلموهم ، يا عبادي إذا توهَّمْتُم أنَّكم إذا ظلمتم الكفار ترضونني فأنتم واهمون ، هؤلاء الكفار الذين هم أعداؤُكم الطَّبيعيُّون ولو أنَّكم تُبْغضونهم فلا يرضيني إلا أن تعدلوا معهم ، إنَّكم إذا عدلْتم معهم قرَّبتموهم إليّ ، واقْتربوا منكم ، ولعلّ عدلكم معهم سبب إيمانهم ، وسبب توبتهم ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

[ سورة المائدة: 8]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنَّ ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلْنتَّخِذ حذرنا ؛ الكيّس من دان نفسه وعمل إلى ما بعد الموت ، والعاجز من أتبَع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

فوائد العسل العلاجيّة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ تحدَّثت في الأسبوع الماضي عن آية من آيات الله الدالة على عظمته ألا وهي آية النحل ، وكيف أنَّ النحل خُلِقَ بِنِظام اجتماعي بأمر الله التكويني ، بينما الإنسان خلق بأمر الله التكويني ، لكنّه بأمر الله التكليفي أُمر أن يتعاوَن ، وأُمر أن يكون اجتماعيًّا ، وأن يكون مخلصًا ، وأن يكون وفِيًّا ، وأمينًا ، لكنّ هذا قد يقع ، وقد لا يقع ، فالأمر تكليفي ، وهناك من يطيع ، وهناك من لا يطيع ، لكنّ النحل خلق على نظام اجتماعيّ مُعْجِز ، فيه أعلى درجات التعاون ، وفيه أعلى درجات الانضباط ، وفيه أعلى درجات الاختصاص ، وفيه أعلى درجات المرونة للمصلحة العامّة ، ولكن بأمرٍ تكويني لا بأمر تكليفي ، فكان من آيات الله الدالة على عظمته مجتمع النحل ، وقد فصَّلتُ هذا في الخطبة السابقة ، وذكرتُ أنَّني سأشير إلى بعض فوائد العسل العلاجيَّة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ بادئ ذي بدء من الآيات التي تنطوي تحت الإعجاز في القرآن الكريم ، أو ما يُسمِّيه بعض علماء القرآن السَّبْق العلمي في القرآن الكريم ، هو أنَّ الله سبحانه وتعالى ذكر أنَّ العسل شفاءٌ للناس ، قال تعالى :

﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾

[ سورة النحل : 69]

وحينما نزل القرآن الكريم عليه أتّم الصلاة والتسليم لم يكن العسل في نظر الناس إلا قيمة غذائيَّة ، وليسَت علاجيَّة ، فالقرآن أشار إلى هذا قبل آلاف السّنين ، أو قبل ألف وخمسمئة عام .
 وقد قال بعض العلماء إنَّ قيمة العسل العلاجِيَّة أساسها وجود أنزيمات نشيطة ، هذه الأنزيمات لها خاصَّة أنَّها سريعة التأثّر والتَّلَف بالتسخين ، فلو خزِّن العسل شهرًا بدرجة ثلاثين يفقد معظم خصائصه ، وبدرجة عشرين فوق سنة يفقد معظم خصائصه ، يجب أن يحافظ على وضعه الطبيعي دون أن يُسَخَّن ، دون أن يُخزَّن بِمَكان حارّ .
 أيّها الأخوة الكرام ؛ وينبغي أن يُفَرَّق بين العسل الحقيقيّ ، الذي هو جني رحيق الأزهار ، وبين العسل المزيّف الذي هو جني الماء والسكر الذي يوضع للنحل على مقربة من الخلايا ، تأثير هذا العسل المزيّف ضعيف جدًّا ، حتى الإنسان لا يقع بِخَيْبة الأمل ، إله الكون يقول : فيه شفاءٌ للناس ، ولا نرى هذه النتائج الباهرة !! العسل الذي هو جني رحيق الأزهار فيه الخصائص التي ذكرها العلماء ، أما هذا الذي يكون من نتاج الماء والسكر الذي يوضع إلى جانب الخلايا في موسمٍ مديد ، فهذا عسل مُزيَّف لا يحتوي على عشرين بالمئة من خصائص العسل الحقيقي .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الموضوع الذي وعدتكم به وجدته لا يتَّسِع لا لِخُطبة ، ولا لخُطب عامٍ بأكمله ، بحوث ، ودراسات ، وتجارب دقيقة جدًّا أجْريَت على آثار العسل في الجهاز الهضمي ، والجهاز العصبي ، والجلد ، والكبد ، والأمعاء ، وعلاقته بمرضى السكر ، وعلاقته بالتوتّر العصبي ، وبالأرق ، وبأمراض الحساسيّة ، وبجهاز التنفس ، وجهاز القلب والدوران ، إذا راجعتم المراجع التي تتحدَّث عن قيمة العسل العلاجيّة لوجدْتم أنَّ كلّ أجهزة الجسم من دون استثناء تتأثَّر تأثُّرًا إيجابيًّا وسريعًا بالعسل الحقيقيّ الذي يؤخذ من رحيق الأزهار .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ من باب التقريب ؛ الْتهابات الأمعاء الحادَّة يشفيها العسل لأنَّه سريع الامتصاص ، ويمنع التَّعفّن في الأمعاء .
 التَّحكّم بعضلات المثانة البوليّة ، العسل لو دوْرٌ إيجابيّ فيها ، وتحسين نموّ العظام من آثار العسل ، و العسل علاج ممتاز للمصابين بتقرّحات المعدة والأمعاء ، ومعظم أمراض الجهاز الهضمي ، والعسل لا يؤذي مرضى السكر لأنَّه سكّر أحادي سهل الهضم ، التوتّر العصبي يتأثَّر إيجابيّا بِتَناول العسل ، والأرق يزول بتناول العسل ، أمراض الحساسيّة ، وأمراض الجلد ، حتى أنَّ الأطبّاء الآن يضعون على الجروح العسل قبل أن تلتئِم لأنّ سرعة التئام الجروح عن طريق العسل ثلاثة أضعاف عن التئامها العادي .
أيها الأخوة الكرام ؛ موضوع وعدتكم به لا تتَّسع له عشرات الخطب ، ولكن أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الموضوع ملخَّصٌ في كلمة ، قال تعالى :

﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾

[ سورة النحل : 69]

 والإنسان بدل أن يأخذ الأدوية الغالية عليه أن يستعين بهذا الشراب الصافي الذي أوْدَعَ الله فيه هذه الخصائص المذهلة ، وطبعًا قال العلماء في العسل : سبعون مادَّة دوائيَّة تكاد تكون لعْقة العسل صيدليّة كاملة ‍! غير السكّر ، أنزيمات ، معادن ، فيتامينات ، اثنا عشر نوعًا من السكر ، وكلّ نوع له فوائد خاصَّة ، ولا يزال هذا الموضوع قيْد البحث ، والعلماء قدَّموا شيئًا، وغابَت عنهم أشياء .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018