الخطبة : 0501 - الولاء والبراء - التيارات المائية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0501 - الولاء والبراء - التيارات المائية.


1994-10-21

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الولاء و البراء :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ من الموضوعات التي طُرِحَت في خُطَبٍ سابقة أنَّ الإنسان في حياته اليوميّة بين أن يتولاّه الله سبحانه وتعالى وبين أن يتخلّى عنه ، فإذا افتقر إلى الله ، وأعْلنَ عبوديّتهُ لله عز وجل تولاّه الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 123 ]

 أي فقراء ، مستضعفون ، مفتقرون ، عابدون ، قال تعالى :

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 25]

 فالإنسان أيّها الأخوة إذا اعتمد على نفسه ، على قدرته ، على ماله ، على حسبه، على قوّته ، على شبابه ، على كماله ، تخلَّى الله عنه ، ولو كان أقوى الأقوياء ، ولو كان أغنى الأغنياء ، وإذا افتقر إلى الله عز وجل وهذا هو الحق ، تولاَّه الله بالرعاية ، فأنت في اليوم الواحد بين حالين ؛ حال التَّولي ، وحال التخلي ، يتولاَّك الله إن افتقرت إليه ، ويتخلّى عنك إن اعتمدت على نفسك ، إن أشركْت معه ذاتك ، هذا موضوع عولِجَ في خطبٍ سابقة .
 اليوم المؤمن أيّها الأخوة بين حالين لا ثالث لهما ، حال الولاء ، وحال البراء ، الولاء والبراء أصلان من أصول الدِّين ، ولا بدّ للمؤمن من أن يتفهَّم المعاني الدقيقة للولاء ، الولاء هو القرب ، والولاء هو المناصرة ، والبراء هو البُعد ، والبراء هو التخلي ، فيا أيها الأخوة الأكارم الولاء والبراء أصل عظيم من أصول الإسلام ، وهو من لوازم شهادة أن لا إله إلا الله ، إذا قلتَ : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله ، من لوازم هذه الشهادة أن توالي أولياء الله ، وأن تتبرَّأ من أعداء الله ، أما إذا كنت مع أعداء الله في علاقات حميمة ، وفي مداهنةٍ وخيمة ، وفي قرب شديد ، فهذا يدلّ على أنّ إعلان الشهادة إعلانٌ مُزيَّف ، المؤمن أيها الأخوة بين الولاء لأولياء الله ، والبراء من أعداء الله .
 قال أهل العلم : ليس في كتاب الله حكمٌ فيه من الأدلّة أكثر ولا أبْيَنُ من هذا الحكم بعد وُجوب التوحيد ، وتحريم ضدِّه ، أنت إذا قلت : لا إله إلا الله وحَّدْت الله ، ومعنى أنّك وحَّدْت الله أي أنَّك آمنْت أنَّ الله هو المحيي ، وهو المُميت ، وهو الرازق ، وهو المُقيت ، وأنَّه لا رافع إلا هو ، ولا خافض إلا هو ، ولا معطي إلا هو ، ولا مانع إلا هو ، ولا معزّ إلا هو ، ولا مذلّ إلا هو ، ولا قابض إلا هو ، ولا باسط إلا هو ، وأما الخلق فهم أدواتٌ بيَدِ الله عز وجل قد يأتيك الخير من الله عن طريق زيد ، وقد يأتيك التأديب من الله عن طريق عُبيْد ، إذا وحَّدْت ونفيْتَ الضدّ ؛ الشِّرْك ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبدهُ ورسوله ، فإنَّ الشيء الذي يأتي بعد التوحيد أن توالي أولياء الله ، وأن تتبرَّأ من أعداء الله ، وإليكم الأدلّة من كتاب الله .

 

أدلة من كتاب الله عن الولاء و البراء :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة آل عمران: 28]

 وحينما يأتي التوجيه والأمر بأسلوب الخبر فهذا أبلغ ، فليس من شأن المؤمنين أن يُوالوا أعداء الله عز وجل :

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْء﴾

[ سورة آل عمران: 28]

 أي أنَّه مُزَيَّف الإيمان ، وأنَّ الله بريء منه ، وليس فيه شيءٌ من آثار الإيمان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ آيةٌ ثانية ، الأولى :

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْء﴾

[ سورة آل عمران: 28]

 أيْ إنَّك إن أقمْتَ علاقة حميمة - وهذا الموضوع مُتعلّق بالموضوع السابق - واندماجًا شديدًا ، وقربًا متينًا من غير المؤمنين فلا بدَّ من أن تتأثَّر بتفكيرهم ، وتصوّراتهم ، وعقيدتهم ، وسُلوكهم ، وانحرافهم ، ولا بدَّ من أن تنحرف إليهم ، وعندئذٍ تدفع أثْمَن شيءٍ في حياتك ألا وهو دينك .
 وفي آية ثانية يقول الله عز وجل :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ﴾

[ سورة الممتحنة : 1]

 الإنسان الذي لا يُصلي ، والمقيم على المعاصي ، والذي يشرب الخمر ، والإنسان الإباحي والمتفلّت من أمر الدِّين ، هذا لا ينبغي أن تصادقه ، ولا ينبغي أن تقيم معه علاقةً حميمةً ، ولا ينبغي أن تسْتنصحَهُ ، ولا ينبغي أن تسألهُ ، ولا ينبغي أن تقلِّدهُ ، إنَّك إن فعلْت فلسْتَ من الله في شيء ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ﴾

[ سورة الممتحنة : 1]

 وفي آية ثالثة يقول الله جلّ جلاله :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 118]

 أيها الأخوة الكرام ؛ آيات ثلاث تحضّنا على أن نلتقي مع المؤمنين ، وأن نلتزم جماعة المؤمنين ، وأن نمحض وُدَّنا للمؤمنين ، وأن نقيم مع المؤمنين ، وان نتعاوَنَ مع المؤمنين ، وأن نُعْطِيَ ولاءنا للمؤمنين ، هكذا المؤمن ، إذا أعطى ولاءهُ لغير المؤمن فهذا شكّ في إيمانه ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾

.
 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام في الموضوع نفسه : " أوثَقُ عُرى الإيمان الحبّ في الله ، والبغض في الله ".

 

الإسلام حبّ و ولاء و التزام :

 أيها الأخوة ؛ ليس الإسلام أفكارًا فحَسْب ، وليس الإسلام ثقافةً محْشُوَّةً في عقولنا، ليس الإسلام قراءات نقرؤها ، وانتماءاتٍ ننتمي إليها ، إنَّه حبّ ، وولاء ، والتزام ، إنَّه اندماجٌ مع المؤمنين ، وتعاوُنٌ معهم ، أوْثقُ عُرَى الإيمان الحبّ في الله ، إذا رأيتَ مؤمنًا لا يمدّ إليك بِصِلَة هل تحبّه ؟ هل تتمنَّى أن تكون معه ؟ هل تبذل كلّ ما تستطيع من أجل أن تعاونهُ ؟ هذه علامة الإيمان ، إذا شعرت أنَّ هذا المؤمن الذي لا يمت إليك بقرابة ، ولا بصلةٍ ، ولا بتجارةٍ ، ولا بِصَفْقةٍ ، ولا بِمَصْلحةٍ ، إذا شعرْت أنَّك تحبّه لا يحملُكَ على حبّه إلا إيمانك فأنت مؤمن وربِّ الكعبة ، أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله ، وأوثق عُرى الإيمان البغض في الله ، إن رأيْت إنسانًا يستهزئ بالدِّين ، ويقيم على المعاصي ، ويشرب الخمر ، ولا يصلّي لا بدّ من أن تنكر عمله ، وأن تبغض عملهُ ، لا أقول : تبغض ذاته ، ولكن تبغضُ عمله ، لأنَّ سيّدنا عمر رضي الله عنه حينما دخل عُمَير بن وهْبٍ على رسول الله ، وكان من أعدى أعداء الإسلام ، وقد جاء ليقتل النبي وعلى عاتقه سيْفهُ ، فلمَّا أسْلمَ في حضْرة النبي يقول عمر : " دخل عُمَير بن وهب على رسول الله ، والخنزير أحبّ إليّ منه ، وخرج من عنده وهو أحبّ إليّ من بعض أولادي ‍" إذًا لم يكن يبغض ذاته ، ولكن عملهُ ، المؤمن لا يحقد ، ولا يبغض الشخص بذاته ، يبغض العمل ، والانحراف ، والمعصيَة ، والتَّجَنِّي ، والعدوان ، والبغي ، لذلك أوثق عُرَى الإيمان الحبّ في الله ، والبغض في الله ، إذا رأيت إنسانًا ولو كان شديد الصّلة بك ، ولو كان أخًا نسبيًّا ، إذا رأيْتهُ مقيماً على معصيَة ، متجرّئاً على حدود الله ، ويسخر من أهل الحق ، ويقترف المعاصي والآثام ، وقلبك يميل إليه ، وتمحضهُ الودّ ، وتتمنَّى أن تكون معه ، فهذه علامة خطيرة على أنَّ الإيمان الذي تدَّعيهِ مُزَيَّف ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة المائدة : 51]

 وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام :

((أوثق عُرَى الإيمان الموالاة في الله ، والمعاداة في الله ، والحبّ في الله ، والبغض في الله ))

[ الطبراني عن ابن عباس]

 النبي عليه الصلاة والسلام كان يغضب ، ولكن متى يغضب ؟ ما غضب في كلّ حياته لنفسه ، يغضب إذا انتهِكَت حرمةٌ من حرمات الله ، فمُؤمنٌ يُجاملُ الجميع ، ويثني على الجميع ، ويمدح الجميع ، ولو كانوا مقترفين للمعاصي والآثام ، هذا المؤمن ضاعَت معالم إيمانه ، وضاعَتْ هويَّته ، ولم يتّضح للناس مبدؤُه ، من علامة الإيمان الحبّ في الله ، والبغض في الله ، الموالاة في الله ، والمعاداة في الله .

موالاة المؤمن و الإنكار على الكافر و العاصي :

 يا أيها الأخوة ؛ هذا الذي ينحرف ، وهذا الذي اجترأ ، وهذا الذي يطغى ، وهذا الذي يبغي ، وهذا الذي يظلم ، وهذا الذي يعصي ، وهذا الذي يأثم ، إذا والاه الناس ، وأثنوا عليه ، وتقرّبوا منه ، كيف يصْحو ؟ وكيف يتوب ؟ يستمرّ في طغيانه ، ويتابع انحرافه ، سمعتُ قصّة لا زلْت أُردِّدُها كثيرًا ، وهي قصّة بسيطة ؛ هي أنَّ سائق سيارة أجرة ، ركب معه شابّ ، واقترف هذا الشابّ جريمة بِحَقّ أبيه ، كان هذا الأب يحمل له محفظةً ، وتأخّر في جلبها له ، فوكزهُ ، ما كان من هذا السائق على بساطته إلا أن أنزل هذا الراكب لأنَّه اجترأ على أبيه ، فلو أنّ الناس تواصوا بالحق ، وتناصحوا ، وأنكر بعضهم على بعض الانحراف ، التَّجَنِّي ، الآثام ، لصَلُحَ المجتمع ، كيف تنصر الله أنت ؟ هل الله بحاجة كي تنصرهُ ؟ حاشا لله عز وجل ، ولكن إذا أمرت بالمعروف ، ونهيْت عن المنكر ، وأنكرْت على المنحرف انحرافه ، وعلى الباغي بغْيَهُ، وأنكرْت على الفاسق فسْقه ، فقد نصرت دين الله عز وجل ، إذا كان هناك من ينكر المنكر ، ومن يأمر بالمعروف ، وهناك من يوالي في الله ، ويعادي في الله ، ومن يحبّ في الله ، ومن يعادي في الله تتَّسِع دائرة المؤمنين ، وتنحسر دائرة الفاسقين ، أما إذا مدِحَ الفاسق ، وقد ورد في الحديث الشريف :" إنَّ الله ليغضب إذا مدح الفاسق . . ." فإذا مدح الفاسق ، وأثنى الناس على العاصي ، فإنَّ معالم الدِّين تضيع ، وإنّ الناس يضطربون .
 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول أحد العلماء : من كان مؤمنًا وجَبَت موالاتهُ ، ومن كان كافرًا أو فاسقًا وجبَ الإنكار عليه من أجل أن تقيم دين الله في الأرض ، على مستوى أسرة ، شابّ منحرف ، أحد أفراد الأسرة لو تلقّى مديحًا ، وثناءً ، وإطراءً مِمَّن حوله لوصلَهُ الأقرباء وأثْنَوا عليه ، وهو تارك صلاة ، وشارب خمر ، ومنحرف ، والصغار عندما يَرَون أخاهم يقترف المعاصي والكلّ يحترمهُ لغِناه ، حينها تضيع معالم الحق ، عندئذٍ يغضب الله عز وجل، وإنّ الله ليغضب إذا مُدِح الفاسق ، فالمؤمن لابدّ أن ينكر على العاصي معصيته ، ولا بدّ من أن ينكر على المنحرف انحرافه ، ولا بدّ من أن ينكر على الفاسق فسقه ، وعلى الباغي بغْيَهُ ، وإلا تضيعُ معالم الحق ، عندئذٍ تضطرب الأمور ، وتتداخل الأوراق ، وعندها ينشأ الناشئة على جهالة بمن هو على حقّ وعلى باطل .

الحق أساس الولاء و البراء :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الموالاة ، وتلك المعاداة مناطها الحقّ ، فالمؤمن مع الحق ، ولو كان صاحب الحق كائنًا من كان ، وليس مع الباطل ، ولو كان أقرب الناس إليه ، مناط الولاء والعداء ، ومناط الحبّ والبغض ، ومناط الصلة والقطيعة هو الحقّ .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الولاء للحق وحده ، فلا يكون الولاء على أساسٍ آخر في حياة المؤمنين الصادقين ، الحبّ والبغض ، والصّلة والقطيعة ، والولاء والبراء أساسه الحقّ ، أنت مع المؤمن ، ولو كان أبعد الناس عنك ، المؤمنون بعضهم لبعض نصَحَة متوادُّون ولو ابتعَدَت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعض غشَشَةٌ متحاسدون ، ولو اقتربَت منازلهم .

 

الاعتصام بحبل الله و الانتماء إلى مجموع المؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُو﴾

[ سورة آل عمران: 103]

 يجب أن يكون ولاؤُك للمؤمنين ، يجب أن تكون مع جماعة المؤمنين ، يجب أن تعاونهم ، يجب أن تناصرهم ، يجب أن تساعدهم ، يجب أن تكون بين أظهرهم ، يجب أن تكون في مساجدهم ، وواحدًا منهم ، قال تعالى :

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُو﴾

[ سورة آل عمران: 103]

 وفي آية ثانية :

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 105]

 حينما تُمَزَّق الأمّة ، وتصبح الولاءات لبُؤرٍ صغيرةٍ ، وكلّ بؤرةٍ تُعادي الأخرى فهذا من علامة هلاك المسلمين ، لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

 يجب أن تحسّ بالانتماء إلى مجموع المؤمنين ، ويقول الله عز وجل :

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 159]

 أعْلنَ الله سبحانه وتعالى براءة النبي صلى الله عليه وسلّم من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شِيَعًا ، إلهنا واحد ، وقرآننا واحد ، ونبيّنا واحد ، ومنهجنا واحد ، وينبغي أن نكون مجتمعين لا متفرّقين ، متعاونين لا متنافسين ، متحابّين لا متباغضين .

 

الالتزام بالجماعة و الابتعاد عن الفرقة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ))

[ابن ماجه عن أنس بن مالك ]

 وهذه حقيقة أساسيّة ، أمَّة محمّد صلى الله عليه وسلّم ، وأعني بها أمَّة الاستجابة، إذا قلت : أمَّة النبي فهناك أمَّتان للنبي ؛ أمَّة التبليغ ، وأمَّة الاستجابة ، فكلّ إنسان وُلد في بلاد المسلمين ، ويحوي هويّة كتب عليها مسلم من أبٍ مسلم وأمٍّ مسلمة فهذا من أمَّة التبليغ ، أما إذا أدَّى الصلوات الخمس ، وحجّ البيت ، وأدَّى زكاة ماله ، وكان مع المؤمنين ، واستقام على أمر الله ، فهذا من أمَّة الاستجابة ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ))

[ابن ماجه عن أنس بن مالك ]

 النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بِمُفرده ، وأمَّته معصومةٌ بِمَجموعها ، لذلك في حديث آخر :

((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ ...))

[ابن ماجه عن أنس بن مالك ]

 إذا كنت مع المجموع ، فيد الله مع الجماعة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ ))

[الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ ]

 هذا الحديث صحيح رواه الإمام الترمذي . لذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا فَقَالَ :

(( أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ))

[الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ ]

 عليكم بالجماعة - أي الْزموا الجماعة - وإيَّاكم والفرقة ؛ الفرقة التي بين جماعات المسلمين ، هذه المهاترات ، وهذا الطَّعن ، وهذا الإنكار ، هذا ليس من أخلاق المؤمنين ، وليس من صفات المسلمين .

(( عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ))

[الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ ]

الظواهر الخطيرة التي يقع في مطبِّها من ترك جماعة المؤمنين :

 من الظواهر الخطيرة التي يقع في مطبِّها من تركوا جماعة المؤمنين أنَّ الإنسان يجعل عقلهُ في كلّ شيء ، يُفتي لنفسه ، وينحرف أشدّ الانحراف ، أما إذا لزم جماعة المؤمنين فهو في حصن حصين ، دائمًا يسأل ، ويرى الجواب الصحيح المؤيّد بالدليل القطعي من كتاب الله ، وسنَّة رسوله .

(( مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ ))

[الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ ]

 رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح .
 الحديث الأوَّل :

(( إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلَالَةٍ ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ ))

[الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ ]

 والحديث الثاني :

(( ...عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ))

[الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ ]

 وفي حديث ثالث :

((عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً))

[ البخاري عن ابن عباس]

 أنت في مسجد مثلاً ، شيءٌ لم يعجبك من أحد الأخوة الكرام ؛ أهذا مُبَرِّر أن تتْرك جماعة المؤمنين ؟ أهذا مُسَوِّغ أن تعْرض عن الدِّين كليًّا ؟ فإنَّه من فارق الجماعة شبْرًا فمات ، مات ميتةً جاهليّة .

 

الدِّين أخطر شيءٍ في حياة الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك حديث دقيق جدًّا ، فقد حدَّث أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ :

(( كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ ، قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ : قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ، قُلْتُ : فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا ؟ فَقَالَ : هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ، قُلْتُ : فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ ؟ قَالَ :تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ، قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ ؟ قَالَ : فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ))

[ البخاري عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ]

 سأله هل بعد هذا الخير ؛ خير الهدى ، وخير التمكين في الأرض ، وخير الاستخلاف ، وخير معرفة الله من شر ؟

(( ... فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ ، قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ : قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ...))

[ البخاري عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الحديث يؤكِّد أنَّ الإنسان أحيانًا قد يهْلك لأنَّه تابع أناسًا على خطأ ، قد يهلك ، وقد يشقى ، لأنَّه لم يقيّم الذين هو معهم وفق أسسٍ صحيحة .
 أيها الأخوة الكرام ؛

(( كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ ، قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ : قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ))

 قوم مبتدعون ، هناك أشياء صحيحة ، وأشياء غير صحيحة قال :

((قُلْتُ : فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ))

 المبادئ الهدَّامة ، وإنكار وجود الله ، والدعوة إلى الإباحيّة ، هؤلاء يدعون إلى جهنَّم ، فحينما تُلغى القيَم ، وتفرّغ ، وتُداس المبادئ بالأقدام ، وحينما تُبتغى الدنيا ، ولا يلتفت إلى الآخرة ، هؤلاء الذين يحملون هذه المبادئ الهدَّامة هم دعاة إلى النار .

(( ..قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا ؟ فَقَالَ : هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا))

 ألم يُدعَ إلى أُسَر ذات هياكل ثلاثة ؟ هناك مؤتمر عُقِدَ في القاهرة ، هيكل من رجل وامرأة ، وهيكل من رجلين ، وهيكل من امرأتين ‍‍!!! هؤلاء الذين أباحوا كلّ شيء ، ورفضوا كلّ قيمة ، وكلّ مبدأ ، هؤلاء يدعون إلى النار ، ومن أجابهم قذفوه فيها .

(( ...قُلْتُ : فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ ؟ قَالَ : فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ))

[ البخاري عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ]

 معنى ذلك أنّ الدِّين هو أخطر شيءٍ في حياة الإنسان ، فالجماعة إذا سبَّبَت في هلاك الإنسان في دينه ينبغي أن تبتعد عنها ، الجليس الصالح خير من الوحدة ، ولكنّ الوحدة خير من الجليس السوء .

 

تعريف الجماعة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ بقي أن نسأل هذا السؤال ؛ حيثما وردت كلمة جماعة المؤمنين فماذا تعني بالتعريف الدقيق ؟ قال العلماء : الجماعة هي جماعة أئمَّة علماء المجتهدين ، لأنَّ العلماء هم نخبة الأمَّة ، هم فكرها ، وأصحاب معرفة الأمر والنَّهي ، فإذا قلنا الجماعة ، لا نعني بها الدَّهماء ، لا نعني بها السوقة ، لا نعني بها الجهلة ، لا نعني بها الفسقة ، لأنَّه كما قال الله عز وجل :

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة يوسف : 103]

 قال تعالى :

﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾

[ سورة يونس : 36]

 لا تعني الجماعة الخطّ العريض في المجتمع ، هؤلاء أتباع كلّ ناعق ، ألم يقل الإمام عليّ كرَّم الله وجهه : " الناس ثلاثة ؛ عالمٌ ربّاني ، ومتعلّم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق " المقصود بجماعة المؤمنين الأئمّة المجتهدون ، وما هم عليه هو الحق ، وينبغي أن تكون على شاكلتهم .
وبعضهم قال : الجماعة هي الطريقة والمنهج ، ما كان عليه النبي وأصحابه ، هذان التعريفان اللّذان إذا أُطلقت كلمة جماعة في الكتاب والسنّة فنعني بها هؤلاء ؛ جماعة الأئمَّة العلماء المجتهدين ، أو الطريقة والمنهج الذي كان عليه صلى الله عليه وسلّم ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ))

[ البخاري عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ]

 هذه الحقّ لا يضيع في الأرض أبدًا ، لا بدّ أن يكون للحق أُناسٌ مُتمسِّكون به في كلّ زمانٍ ومكان ، هذه حقيقة ثابتة ، فما عليك إلا أن تبحث عن أهل الحقّ ، وأن تتمسَّكَ بهم ، وأن تكون معهم لتَنْجُوَ من عذاب الدنيا ، وعذاب الآخرة ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا ، وزدنا علمًا ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

التيارات المائيّة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لهذه الخطبة تتِمَّة في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى ، والآن إلى موضوع علمي كما هي العادة .
 الإنسان أيها الأخوة إذا نزل إلى البحر فإنَّ قطرات الماء التي تعلق على جلده ربّما تكون وصلت من توّها بعد رحلة استغرقَت عدَّة سنين ، لأنّ الماء يجري في تيارات من خطّ الاستواء إلى القطبين ، ومن القطبين إلى خط الاستواء ، وقد يقطع مسافةً تزيد عن خمسة عشر ألف كيلومتر ، فهذا الماء الذي تجده في البحر ماءٌ متبدّل يقطع رحلات طويلة بعضها إلى الشمال ، وبعضها إلى الجنوب ، وبعضهما إلى الشرق ، وبعضها إلى الغرب ، وهناك قوانين معقّدة جدًّا تحكم حركة الماء في المحيطات ، ولكنّ الذي يعنينا أنَّ سبب هذه الحركة في أصلها أنَّ أشعَّة الشمس تسخِّن الماء الذي في خطّ الاستواء فيتمدَّد ويرتفع قرابة عشرين سنتمتراً ، وهذا الارتفاع الطفيف يساهم في تشكيل تيار نحو الشمال ، وأنّ الماء في القطبين يبرد ، ومع برودته يثقل فيغوص في الأعماق ، ويتَّجه نحو خطّ الاستواء ، فهناك تيارات سطحيّة ، وتيارات عميقة، هذه المقدّمة نريد أن نصل منها إلى أنّ من آيات الله الدالة على عظمته تيار الخليج ، هذا التيار سرعته ثمانية كيلو مترات في الساعة ، أي إذا دخلت فيه السفينة وأطفأتْ محرّكاتها فإنَّها تسير ثمانية كيلو مترات في الساعة دون أن تعمل محرّكاتها .
 عرضُ هذا التيار يزيد عن ثمانين كيلو متراً ، وعمقه يزيد عن أربعمئة وخمسين متراً ، وهذا التيار كثافته أربعة ملايين طنّ من الماء في الدقيقة ، هذا التيار ماذا يفعل ؟ يُذيب مئة وثلاثين ألف طن من الكُتَل الثلجيّة في عشرة أيّام ، من كُتَل ثلج القطبين ، ولهذا التيار فوائد لا تعدّ ولا تحصى ؛ إنَّه يجعل المنطقة الباردة في أوروبا منطقةً معتدلة ، الأجواء اللطيفة في دول اسكندنافيا سببها تيار الخليج .
 وهناك تيارات تجري في أعماق البحر ، على عمق ثلاثة آلاف متر ، والغواصات إذا أطفأت محرّكاتها تنتقل من مكان إلى آخر عبْر هذا التيار ، وهذا شيءٌ يلفت النَّظَر ، لكنّ الآية الثانية الدالة على عظمة الله في هذا الموضوع هي أنّ هناك تيارًا باردًا ، يتَّجِه نحو شواطئ أمريكا الجنوبيّة لِيَصل إلى البيرو والتشيلي ، ماذا يفعل هذا التيار ؟ هذا التيار يحمل كمّيات كبيرة من الأعشاب البحريّة ، هذه الأعشاب البحريّة تجتذب أعدادًا فلكيّة من أسماك السردين ، هذه الأسماك هي غذاء لعشرات الملايين من طيور تعيش على شواطئ هذه البحار ، اسم هذه الطيور غراب البحر ، وهذه الطيور لها مخلّفات ، مخلّفات هذه الطيور تُعدُّ المادَّة الأولى لِدَخل تلك الشعوب ، أرقى أنواع الأسمدة في العالم من مخلّفات هذه الطيور ، خمسون مليون طائر تؤخذُ مخلّفاتهم بالجرافات ، وتصدَّر إلى شتَّى أنحاء العالم ، وهذه الأُمم والشعوب في شواطئ أمريكا الجنوبيّة دخلها القومي الأوّل والأخير مخلّفات الطيور التي تعيش على أسماك السردين ، وتلتهم في العالم بِتَقدير العلماء ما يزيد عن ثلاثة ملايين طنّ من هذه الأسماك ، وهذه الأسماك تجتذب إلى هذا المكان بِفِعْل الأعشاب التي يحملها هذا التيار ، ولحكمةٍ يريدها الله من حينٍ لآخر هذا التيار يغيّر مساره ، فإذا غيَّرَ مساره ولم يأت بهذه الأغذية لهذه الأسماك فالأسماك تموت ، والطيور تموت ، وعندئذٍ يعاني الشعب من حينٍ إلى آخر من مجاعات قاتلة بسبب ضعف إنتاجه القومي ، أليْسَت هذه آية دالة على أنَّ الله هو الرزاق ذو القوَّة المتين ؟ يسوق هذا التيار بما فيه من أعشاب مغذِّية ، تأتي بهذه الأسماك بأرقام فلكيّة ، ثلاثة ملايين طنّ تستهلك الطيور من هذه الأسماك في العام ، وهذه الأسماك هي طعمة الطيور ، والطيور لها مخلّفات ، ومخلّفات هذه الطيور أرقى أنواع الأسمدة ، تصدّر إلى مختلف بلاد العالم ، فيكاد دخل هذه الشعوب ينحصر في مخلّفات الطيور ، وهذا من بركات هذا التيار البارد الذي يأتي إلى شواطئ أمريكا الجنوبيّة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك من يقدّر أنّ أكثر من خمسين مليون طائر يعيش على هذه الشواطئ لِيَلْتَهِمَ هذه الأطنان المُمَلْينة من أسماك السردين ، وهذه المخلّفات تُصدَّر إلى أكثر بلاد العالم ، هذا تيار الخليج الحارّ ، وذاك التيار البارد ، وهذا تيار السطح ، وهذا تيار الأعماق ، ولحركة الماء في البحار موضوع دقيق وطويل ومعقَّد ، وقد ذكرتُ لكم نتفًا من هذا الموضوع ويمكن أن يلقى من على منبر بهذه العجالة السريعة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ في كلّ شيء له آية تدلّ على أنَّه واحدُ ، من رزق هذه الأسماك ؟ وتلك الأعشاب ؟ الله جلّ جلاله ، من رزق هذه الطيور تلك الأسماك ؟ من رزق الناس بِمُخلّفات الطيور وعاشوا على دخل كبير ؟ هذا تقدير الرزاق العليم .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ مرَّة ثانية وثالثة ورابعة أقول : إذا أردت أن تقف وجهًا إلى وجه أمام عظمة الله عز وجل فهذا الكون أمامك بسمائه ، وأرضه ، وبِحاره ، وأسماكه ، وأجوائه، وأطياره ، وجباله ، ووِدْيانه ، وِنَباتاته ، وِحَيواناته ، وخَلق الإنسان ، أقصر طريق إلى الله ، وأوْسعُ باب إلى معرفته .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018