الخطبة : 0499 - الغضب نزغ من الشيطان - الطيور. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0499 - الغضب نزغ من الشيطان - الطيور.


1994-10-07

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحَد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله سيِّد الخَلْقِ والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبَر . اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم ارحمنا فإنَّك بنا راحم ، ولا تعذِّبنا فإنَّك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير . اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الغضب نزغةٌ من نزغات الشيطان :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يُعاني المجتمع الإسلامي من مشكلاتٍ تُسبب مشكلاتٍ أكبر ، من هذه المُشكلات سرعة الغضب ضمن البيوت ، أو في الأعمال ، أو في النشاطات الأخرى ، فالغضب أيها الأخوة ربما كان سبباً لمجموعةٍ كبيرةٍ جداً من المآسي ، كيف أن خبراء السير لو عاينوا ألف حادثٍ من حوادث السير معاينةً دقيقةً علميةً ، وأعادوا هذا الحادث إلى أسبابه ربما قالوا : إن تسعمئة حالةٍ من هذه الحالات تردّ إلى السرعة الطائشة ، إذاً وبعض هذه الحالات تردّ إلى خلل في المركبة ، وبعضها إلى النوم ، ولكن معظم هذه الحالات المدمرة القاتلة تردّ إلى السرعة .
 وقياساً على هذا المثل يمكن أن نقول : إن مآسي لا تعد ولا تحصى ، مآسي متعلقة بالأسرة ، مآسي متعلقة بالعمل ، أسرةٌ تهدم ، أولادٌ يشرَّدون ، شركةٌ تنفصم ، عملٌ طيِّب يتوقَّف ، كلُّ هذه المآسي أسبابها الغضبُ المذموم ، لذلك إذا عالجنا هذه الظاهرة المرضية ربما تلافينا مآسي كثيرة ، وقد قالوا : الوقاية خيرٌ من العلاج .

 أيها الأخوة الكرام ؛ بادئ ذي بَدء الغضب نزغةٌ من نزغات الشيطان ، الشيطان هذا المخلوق الذي يريد أن يُغوي الإنسان ، أن يحمِله على المَعصية ، يريد أن يوقع بين الناس العداوة والبغضاء ، يريد أن يخوِّف الناس من طاعة الله عز وجل . .

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾

[ سورة آل عمران : 175 ]

 ليوقع بينكم العداوة والبغضاء .
 أيها الأخوة ؛ الغضب نزغةٌ من نزغات الشيطان ، يقع بسببه من السيِّئات والمصائب ما لا يعلمها إلا الله ، لذلك ورد الغضب في الشريعة الإسلامية ، وذُكر هذا الغضب ذِكْراً واضحاً وواسعاً في السُنة المطهَّر ، وورد العلاج له .

 

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في علاج الغضب :

1 ـ الاستعاذة بالله قلباً و لساناً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في علاج الغضب .
 الهدي الأول : الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم . فعن سليمان بن سُرَّد قال : كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ورجلان يستَبَّان ، فاحمر وجه أحدهما وانتفخت أوداجه ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((إني لأعلم كلمةً لو قالها ذهب عنه ما يجب ، لو قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ))

[البخاري عن أبي بن كعب ]

 هذا هدي النبي ، إذا شعرت بالغضب ، إذا احمرت وجناتك ، وانتفخت أوداجُك ، وشعرت أن النار تسري في عروقك ، وشعرت الغليان في صدرك ، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، لأن الغضب نزْغةٌ من نزغات الشيطان . واستمعوا أيها الأخوة إلى قوله تعالى :

﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة الأعراف : 200]

 لكن العلماء لهم وقفةٌ لطيفةٌ جداً عند قول الله عز وجل :

﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

 أيْ لا يكفي أن تستعيذ بلسانك ، وكم من رجلٍ قال لي : نفَّذت وصية رسول الله فلم يذهب عني الشيطان ، استعذت بالله .
 الجواب : يجب أن تجمع بين استعاذة اللسان و خشوع القلب ، إنه سميعٌ لاستعاذة اللسان ، عليمٌ بخشوع القلب ، يجب أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، وأن يكون قلبُك حاضراً مع الله ، وأن يكون قلبك مُنيباً إليه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا هو العلاج الأول ، علاجٌ جاء في القرآن الكريم ، وورد في السنة المطهرة ، والله سبحانه وتعالى هو الخالق الخبير ، وهذا هو التوجيه الحكيم..

﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة الأعراف : 200]

 وقد ورد في السُنَّة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( إذا غضب الرجل فقال : أعوذ بالله سكن غضبه ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

 الحديث الأول الذي قال فيه النبي :

((إني لأعلم كلمةً لو قالها ذهب عنه ما يجب ، لو قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ))

[البخاري عن أبي بن كعب ]

 هذا الحديث صحيحٌ وورد في صحيح البخاري ، والحديث الثاني :

(( إذا غضب الرجل فقال : أعوذ بالله سكن غضبه ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

 هذا الحديث ورد في صحيح الجامع الصغير . ماذا قال سيدنا سعد بن أبي وقاص ، قال : " ثلاثة أنا فيهن رجل - أيْ بطل - وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس - من هذه الثلاثة - ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عملت أنه حقٌ من الله تعالى ".
 فالإنسان يغضب في البيت ، ويغضب في العمل ، ويغضب في الطريق ، قد يقودُ مركبته ويهجُم عليه إنسان غير متقيدٍ بقواعد السير ، إذا غضبت إن في البيت ، وإن في العمل ، وإن في الطريق ، وإن في أيّ مكان ، إذا شعرت أن النفس تغلي من الغضب ، وأنك اضطربت ، وتهيجت ، ورجفت أعضاؤك ، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، لأن الغضب نزغةٌ من نزَغات الشيطان ، ولا تُقبل هذه الاستعاذة ، إلا إذا جمعت بين اللسان والقلب .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا هو التوجيه الأول ، الاستعاذة بالله قلباً ولساناً .

 

2 ـ السكوت عند الغضب :

 التوجيه الثاني : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(( إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ ))

[ أحمد عن ابن عباس ]

 لأن أية كلمةٍ تتفوهُ بها ربما أدَّت إلى مضاعفات خطيرة ، إذا تكلَّمت ربما طلَّقت زوجتك ، إذا تكلمت ربما فصمت شركة ، إذا تكلَّمت ربما سببت إنساناً ، إذا تكلمت ربما توصَّلت إلى إيقاع الأذى بالآخرين فكالوا لك الصاع صاعين . فمن توجيه النبي صلى الله عليه وسلم أنك إذا غضبت فاسكت ، لأن كلام الإنسان جزءٌ من عمله ، ولا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه . لذلك المؤمن يتغاضب لكنَّه لا يغضب ، يتغاضب ، التغاضُب تصنُّع الغضب وهو مالكٌ لزمام نفسه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ بعضهم أراد أن يلخص الحضارة الغربية في كلمة ، فقال : سيطرةٌ على الطبيعية . وبعضهم أراد أن يلخِّص الحضارة الإسلامية بكلمة فقال : سيطرةٌ على الذات . وبعد قليل سيرد تفصيلٌ لهذه الكلمة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ التوجيه الثاني أنك إذا غضبت فاسكت ، لأن أية كلمةٍ تتلفَّظها وأنت غاضب ربما أدت إلى نتائج لا تُحمد عقباها ، ربما أدت إلى أن تتسكع على أبواب المُفْتِين تسألهم هل وقع هذا الطلاق ؟ ربما أدت إلى أن ترى زوجتك التي تحبها بعيدةً عنك ، ربما رأيت أولادك قد شُرِّدوا من أجل لحظة غضب رعناء تفوهت بها بكلمة الطلاق .
 وأشهدكم الله عز وجل أن معظم الحالات التي أُسْأل عنها والمتعلقة بالطلاق لا ترجع إلى سببٍ خطير ، ولا إلى مشكلةٍ عويصة ، إنما ترجع إلى حالة غضبٍ طارئة ، إن أخذ فتوى بأن هذا الطلاق لم يقع ، وداخله الشك بهذه الفتوى ، فإن أخذ بالأحوط فقد زوجته ، وكلُّ هذا من أجل ساعة غضبٍ هو في غنىً عنها . إذاً : إذا غضبت فاسكت . قال عليه الصلاة والسلام :

(( إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ ))

[ أحمد عن ابن عباس ]

 جراح السنان لها التئامٌ ، أما جراح اللسان فلا تلتئم ، لو أنك في ساعة غضب قلت كلمةً لصديقك ، هذه الكلمة لا تُنسى ولو بعد ستين عاماً ، الكلمة القاسية ، الكلمة المُتَّهِمَة، الكلمة غير المدروسة ، إذا تلفَّظت بها لمن تحب أو لأقرب الناس إليك هذه الكلمة لا تُنسى.

 

3 ـ الابتعاد عن مكان و موضوع الغضب و اللجوء إلى الوضوء :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أما التوجيه الثالث للنبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( إذا غضب أحدكم وهو قائمٌ فليجلس ، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضَّطجع))

[الجامع الصغير عن أبي ذر]

 مفسرو الحديث الشريف يرون أن الغاضب عليه أن يبتعد عن مكان الغضب .
 التوجيه الأول الإنسان القائم أقدر على الحركة من القاعد ، والمضطجع أبعد عن الحركة من القاعد ، فإذا غضبت فاجلس ، فإن لم يسكن غضبك فاضطجع . وقد يفهم من هذا الحديث أنه ليس بإمكانك أن تضطجع في أي مكان ، إذاً غادر المكان الذي نشِب فيه الغضب ، أيْ أنَّ الإنسان إذا غضب فليخرج ، إذا غضب فليبتعد عن مكان الغضب ، عن موضوع الغضب ، عن الشخص الذي أغضبه ، لأنه إذا بقي أمامه تفجَّر الموقف ، وإذا تفجر الموقف خرج من السيطرة .
 أيها الأخوة الكرام ؛

(( إذا غضب أحدكم وهو قائمٌ فليجلس ، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع))

[الجامع الصغير عن أبي ذر]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك توجيهاتٍ أخرى :

((... فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ ))

[ أبو داود عن جدي عطيَّة ]

 أَيْ يجب أن يتجه وجهةً أخرى ، يتجه نحو العبادة ، يجب أن يبتعد عن موضوع الغضب ، لأن الابتعاد عن موضوع الغضب من شأنه أن يبرِّد الغضب ، فإذا برِد الغضب استيقظ العقل ، والعقل والغضب لا يجتمعان .

 

4 ـ تجنب أسباب الغضب :

 أيها الأخوة الكرام ؛ التوجيه الرابع لمعالجة ظاهرة الغضب ، تنفيذ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما هذه الوصية ؟ هي وصيةٌ جامعةٌ مانعة قوامها كلمةٌ واحدة ، قال عليه الصلاة والسلام :

((..لا تغضب ..))

 سأله أحد أصحابه :

((عظني يا رسول الله . قال له : " لا تغضب " قال له : غير ذلك ؟ قال : " لا تغضب " أعاد عليه الكرة مراتٍ عديدة ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول له : لا تغضب))

[ البخاري عن أبي هريرة ]

 فبربكم هل الغضب شيءٌ إرادي نفعله أم لا نفعله ؟ الغضب شيء عَفوي ، الغضب في أصله خروج عن سيطرة الإنسان عن ذاته ، فكيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((..لا تغضب ..))

 العلماء قالوا : معنى الحديث تجنَّب أسباب الغضب . فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( الجهالة تُفضي إلى المنازعة ))

[ من تخريج أحاديث الإحياء عن السيدة صفية ]

 ففي عقد البيع والشراء إذا كان السعر مجهولاً ، أو تسلُّم البضاعة مجهولة ، أو التاريخ كان مجهولاً ، أو صفات البضاعة مجهولة ، فأيّ جهالةٍ في البيع والشراء تؤدِّي إلى الغضب ، أنت متَّجه إلى هذا الموضوع ثم تفاجأ بهذا السعر ، أو بهذه المواصفات ، أو بهذا الموعد في التسليم ، فكل جهالةٍ في الأصل تفضي إلى المُنازعة ، فالذي يريد ألا يغضب ينبغي أن يبتعد عن أسباب الغضب ، من أسباب الغضب ألا تبالغ في ذكر التفاصيل في كل عقدٍ تعقده مع الآخرين ، إذا بالَغت في ذكر التفاصيل تجنَّبت أسباب الغضب ، إذا بيَّنت للناس حقيقة وضعك الراهن تجنَّبت أسباب الغضب . النبي عليه الصلاة والسلام كان مع زوجته رضي الله عنها مرّ صحابيان جليلان فقال عليه الصلاة والسلام :

((عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ))

[ البخاري عن صفية ]

 البيان يطرُد الشيطان ، أنت إن لم تبيِّن ، لم توضِّح ، الأمر غامض ، واتهمك الناس باتهاماتٍ شتى إذاً غضبت ، إنك لم تتجنب أسباب الغضب ، تجنب أسباب الغضب ، أقرضت إنساناً قرضاً ، اجعل له إيصالاً واضحاً مُحدداً ، مع شاهدين ، مع موعد التَسديد ، إذا تعاملت مع الناس بالإيصالات والسندات والعقود المُبرمة المصدقة لا يفكر الطرف الآخر أن يطعن بك ، إذاً جنبته الشيطان وجنبت نفسك الغضب . معنى لا تغضب : أي تجنب أسباب الغضب . إذا كنت واضحاً مع أهل بيتك ، بينت لها الأمر بوضوحٍ تام ، بادئ ذي بَدء ، لا تطالبك بما لا تستطيع ، أما إذا ظهرت أمامها بمظهر عظيم ، مظهر الغني ، ثم طالبتك بحسب ادّعائك ، وأنت لا تستطيع أن تنفِّذ هذه الوعود ، فيقع الشجار بينك وبينها ، إذاً أنت بهذا تغضب ، قد تسيءُ الكلام ، أنت لماذا غضبت ؟ لأنك لا تستطيع أن تفي بما أوهمتها أنك قادرٌ عليه . إذاً دقة الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال :

((..لا تغضب ..))

 أراد من هذا القول أن تجنَّب أسباب الغضب في العلاقات الزوجية ، في علاقاتك مع أولادك ، في علاقاتك مع جيرانك ، في علاقات بيعك وشرائك ، كن واضحاً ، واضحاً وضوحاً لا حدود له ، كن واضحاً واكتب هذا الاتفاق على ورق ، ووقع ، وأشهد ، وثبِّت هذا في الدوائر الرسمية ، عندئذٍ لا يفكر الطرف الآخر أن ينقض عهده معك ، فإن لم يفكر أنت لا تغضب الآن ، أما إذا نقض عهده معك ، كان اتفاقاً شفهياً ، وكان الطرف الآخر ضعيف الإيمان ، وفكَّر أن ينقُض العهد ، عندئذٍ تغضب ، وترغي ، وتزبد ، وتثور ، وتقيم القيامة وأنت السبب .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الحديث شرحه يطول ، مرةً ثانية أؤكد لكم أن تسعة أعشار المُشكلات التي نعاني منها بسبب قرارٍ مرتَجلٍ ، بُنِيَ على ساعة غضبٍ طارئة ، وهذا الغضب الطارئ ربما كان لأسباب أنت طرفٌ فيها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حينما سأل الصحابي النبي عليه الصلاة والسلام قال : يا رسول الله أوصني ؟ قال له : لا تغضب . فردد ذلك مراراً . فقال له : لا تغضب . قال هذا الصحابي في تتمةٍ لهذا الحديث : ففكرت حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله .

 

السيطرة على الذات ثمنها الجنة :

 وفي صحيح الجامع الصغير يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا تغضب ولك الجنة ))

[جامع العلوم والحكم عن أبي الدرداء]

 لأن الجنة في الأصل ثمنها أن تسيْطر على ذاتك ، كلُّكم يعلم أن التكليف سُمي تكليفاً لأنه ذو كلفة ، لأنه يحتاج إلى جهد . وفي حديثٍ آخر :

((الإيمان هو الصبر))

[ورد في الأثر]

 فالذي يقمع نفسه عند الغضب ، الذي يسيطر عليها ، الذي يضبطها بالشرع يستحق دخول الجنة ، لأنه حقَّق الهدف ، سما بنفسه ، وزكت نفسه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ورد في الحديث الصحيح :

(( من كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا ))

[ا بن أبي الدنيا فى ذم الغضب عن ابن عمر]

 وفي روايةٍ :

((ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً ))

[ من تخريج أحاديث الإحياء عن أبي هريرة ]

 الذي يعفو ، الذي لا يغضب ، الذي يميل إلى التسامح ، الذي يميل إلى الحلم ، طريقه إلى الله سالك ، لم يقترف معصيةً ، ولم يوقع أذىً بمخلوق ، سماحته ، وحلمه ، وكفُّ غضبه عن الناس ، جعل له سلوكاً إلى الله عز وجل ، هذا ملأ الله قلبه إيماناً . وأما ملأ الله قلبه أمناً معنى ذلك أن الإنسان حينما يعفو عن الآخرين ، ولا ينفذ غضبه عليهم ، يكبرونه ويوقرونه عندئذٍ يشعر أنه بين أحبابه لا بين أعدائه ، بين أصدقاء لا بين خصوم .

 

الشديد من يملك نفسه عند الغضب :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إليكم هذا الحديث الشريف ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ليسَ الشديدُ بالصّرعَةِ ...))

[ من الأذكار النووية عن أبي هريرة ]

 إنسان بطل في الملاكمة ، بطل في المصارعة ، آتاه الله قوةً في الجِسم ، هذا عند النبي ليس شديداً :

((ليسَ الشديدُ بالصّرعَةِ ، إنما الشديدُ الذي يملكُ نفسَهُ عند الغضب ))

[ من الأذكار النووية عن أبي هريرة ]

 هذا هو الشديد ، هذا هو البطل ، وفي حديثٍ آخر يقول : رواه الإمام أحمد :

((الصُرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه ويقشعر شعره فيصرع غضبه ))

[ أحمد عن حصبة أو ابن أبي حصين عن رجل ]

 هذا هو الإنسان . .
 أيها الأخوة الكرام ؛ بعض المخلوقات إذا جاءها مؤثِّر أعطت رد فعل بشكل آلي، لكن الإنسان مكرَّم لو جاءه استفزاز لا ينبغي أن يكون رد فعله آلياً ، هناك محاكمة ، هناك تبصُّر ، هناك تأمُّل ، هناك مراقبة لله عز وجل ، فالمؤمن لو استفز ، ولو وجِّهت له كلمات تدعوه إلى الغضب ينبغي أن يحاكم ، ماذا يرضي الله عز وجل ؟ ما الذي يرضي الله أن أفعله؟ يفعل ما يرضي الله ولا يستجيب لهوى نفسه .
 وروى البزَّار بإسنادٍ حسن عن أنسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بقومٍ يصطرعون فقال : ما هذا ؟ هذا سؤال العارف ، سؤال تعليمي ، مرّ بقومٍ يصطرعون فقال : ما هذا ؟ قالوا : فلان الصريع - على وزن فعيل - ما يصارع أحداً إلا صرعه . أي بطل ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( أفلا أدلكم على من هو أشد منه ؟ - من هو أقوى منه ؟ من أكثر بطولةً منه؟- رجلٌ ظلمه رجلٌ فكظم غيظه فغلبه ، وغلب شيطانه ، وغلب شيطان صاحبه ))

[ من مجمع الزوائد عن أنس ]

 ثلاث معارك انتصر فيها ؛ معركته مع ذاته ، انتصر بها ، معركته مع شيطانه انتصر عليه ، معركته مع شيطان خصمه ، انتصر عليه ، قال :

((ألا أدلكم على من هو أشد منه رجلٌ ظلمه رجلٌ فكظم غيظه فغلبه ، وغلب شيطانه ، وغلب شيطان صاحبه ))

[ من مجمع الزوائد عن أنس ]

 الذي لا يغضب ينتصر على ثلاث جِهات في ثلاث معارك ؛ معركة مع ذاته ، معركة مع شيطانه ، معركة مع شيطان صاحبه .
أيها الأخوة الكرام ؛ هذه سُنة النبي : إذا غضبت فاسكت ، وإذا غضبت فاجلس ، وإذا غضبت فغادر مكان الغضب ، ولا تغضب في الأصل الوقاية أفضل ، لا تفعل شيئاً يسوق بك إلى الغضب ، وضِّح الأمور ، كن واضحاً ، البيان يطرد الشيطان .

(( لا تغضب ولك الجنة ))

[جامع العلوم والحكم عن أبي الدرداء]

((ليسَ الشديدُ بالصّرعَةِ ، إنما الشديدُ الذي يملكُ نفسَهُ عند الغضب ))

[ من الأذكار النووية عن أبي هريرة ]

التأسي بهدي النبي في الغضب لأنه قدوتنا :

 وفي حديثين آخرين :

(( كاد الحليم أن يكون نبياً ))

[ من الجامع الصغير عن أنس ]

 والحلم سيد الأخلاق ، لكن هذه أقوال النبي فما أفعاله ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ عن أنسٍ رضي الله عنه قال :

(( كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بردٌ نجراني ، غليظُ الحاشية ، فأدركه أعرابي ، فجبذه بردائه جبذةً شديدة ، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي - ما بين العنق والكتف هنا العتق- وقد أثَّرت بها حاشية البُرد ، ثم قال : يا محمد- باسمه مباشرةً - مُر لي من مال الله الذي عندك . فالتفت النبي عليه الصلاة والسلام إليه وضحك وتبسَّم ثم أمر له بعطاء ))

[عن أنس ]

 ما أمرنا بأمرٍ إلا وكان سباقاً إلى تنفيذه ، أعرابيٌ ، مجافٍ ، فيه غلظة ، يمسك ببرد النبي ويشده شدةً تؤثِّر على عاتقه الشريف ، ويقول له باسمه : يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك . فيلتفت له النبي ويتبسَّم ، ويأمر له بعطاء . مرةً أخرى قال له أعرابي :" يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك ، فهو ليس مالك ولا مال أبيك . فقال عليه الصلاة والسلام : صدق إنه مال الله ".
 هل في الأرض إنسان قوي يتربَّع على قمة مجتمع ، ويأتي إنسان ويعامله هذه المعاملة فيعفو عنه ؟! النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا وكان قدوةً لنا وأسوةً حسنة .

 

أنواع الغضب :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لكن هل معنى ذلك أن المؤمن لا يغضب أبداً ؟ هناك قول للإمام الشافعي :" من استغضب ولم يغضب ليس من بني البشر" . المؤمن يغضب ، لكن المؤمن يتأسَّى برسول الله ، لا يغضب إلا لله ، امرأةٌ مخزومية زَنَتْ ، فجاء أهلها إلى سيدنا حب رسول الله - أسامة بن زيد يرجونه أن يشفع لهم عند رسول الله ، فيوقف إيقاع هذا الحد بها ، فلما كلم النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن المرأة المخزومية ، غضب النبي ، وحينما يغضب النبي تظهر عروقٌ في جبهته الشريفة ، وقال :

((أتشفع في حد من حدود اللَّه تعالى ؟! ثم قام فاختطب ثم قال : إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأَيْمُ اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ))

[ البخاري عن عائشة رضي الله عنها ]

 إذاً الغضب محمود هنا ، الغضب المذموم أن تغضب لذاتك ، أن تغضب لمصالحك التي ضاعت ، أن تغضب لشيءٍ فاتك ، أن تغضب لدُنياك ، أن تغضبَ إن لم يحقق لك ما تصبو إليه ، هذا الغضب المذموم ، أما أن تُنْتَهَك حرمةٌ من حرمات الله ولا تغضب ؟ !! أما أن يؤكل حق امرئ وأنت قادرٍ أن ترده إليه ولا تغضب ؟! أما أن يهان عندك المؤمن وأنت قادرٌ على أن تنصره ولا تغضب ؟!! الغضب المحدود أن تغضب لله ، النبي عليه الصلاة والسلام كان يغضب ، وإذا غضب يعلم أصحابه أنه غضب ، متى ؟ حينما تنتهك حرمات الله عز وجل .

 

الجهل و الغضب أعداء الإنسان :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ألا يكفيكم فخراً أن المُتَّقي من لوازمه أنه لا يغضب . قال تعالى :

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 133-134]

 ولعلَّ في الآية تدرُّجاً رائعاً ؛ المرتبة الأول : أن تكظم الغيظ ، ربما تغلي من الداخل ، ربما تتمنى أن تقطِّع الطرف الآخر قطعاً قطعاً ، لكنك تسيطِر على ذاتك . والأرقى من ذلك أن تعفو عنه ، أن يكون في قلبك سلامٌ وعفوٌ لهذا الإنسان . والأعظم من هذا وذاك أن تفاجئه بالإحسان إليه ، ألم يقل الله عز وجل حينما قال يصف :

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة فصلت : 33-35]

 أيها الأخوة الكرام ؛ الآن لو أن أخاك غضب أمامك ماذا ينبغي أن تفعل ؟ ينبغي أن تُذَكِّرَهُ والمؤمن الصادق إذا ذُكِّرَ ذَكَرَ . عن ابن عباسٍ رضي الله عنه أن رجلاً استأذن على عمر رضي الله عنه فأذن له ، فقال هذا الرجل : " يا بن الخطاب والله ما تعطينا الجزية - العطاء الكثير - ولا تحكم بيننا بالعدل " سيدنا عمر بالأساس يغضب ، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به ، فقال الحُر بن قيس وكان من جلساء عمر : يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قال لنبيِّه :

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 199]

 فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان عمر وقَّافاً عند كتاب الله .
 هذا توجيه آخر ، إذا غضبت ، وإنسان ذكَّرك ، يجب أن تقف عند الآية ، هناك أشخاص إذا ذَكَّرته بالله ربما تلفَّظ بكلمات توقِعه في الكفر . إذا إنسان غضب ، وإذا قلت له : صلِّ على النبي . ربما وقع بالكفر بكلمةٍ يقول فيها كلاماً لا يرضي الله عز وجل ، لكن الأنسب أيها الأخوة إذا إنسان طائش ، متفلِّت ، جاهل ، في ساعة الغضب إذا توقعت أنك إذا ذكَّرته يكفر ينبغي ألا تُذَكِّرَهُ ، إذا توقعت وغلب على ظنك أنك إذا ذكرته يكفر ينبغي ألا تكون أنت السبب في أن يقع في الكفر ، لكن مؤمناً راقياً غضب ، ذكَّرته بالآية :

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 199]

 ينبغي أن يقف عند الآية كما كان عمر وقَّافاً عند حدود الله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ عن علقمَة بن وائل أن أباه رضي الله عنه حدَّثه قال : " إني لقاعدٌ مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجلٌ يقود آخر بنسعةٍ - حبل مضفور- فقال : يا رسول الله هذا قتل أخي . فقال عليه الصلاة والسلام : أقتلته ؟ قال : نعم . قال : كيف قتلته ؟ قال : كنت أنا وهو نحتَطب - نضرب الشجر ليسقط ورقه من أجل العلف - من شجرةٍ فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قَرنه - جانب الرأس - فقتلته . . . " والقصة لها تتمة .
 أيْ هل من الممكن كلمة قاسية تؤدي إلى القتل ؟ ممكن ، ولا أبالغ أنكم إذا ذهبتم إلى ملفَّات القضاء ، لوجدتم العجب العجاب ، لوجدتم جريمة قتل ، جعلت أحد الطرفين في القبر ، والثاني في السجن ، وحُرِمَت أسرتان من مُعيلهما ثلاثين عاماً أو أربعين عاماً بسبب غضبٍ طارئ ، ونزوةٍ طارئة ، وموقفٍ طائش ، فالعدو الأول هو الجهل ، والعدو الثاني هو الغضب ، الجهل أعدى أعداء إنسان ، والغضب أعدى أعداء الإنسان ، بالغضب بالإنسان يصبح شيئاً آخر كالوحش .

 

الإيمان يقضي على الشّدة النفسية لأنه يهدي إلى سواء السبيل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الآن العلماء يقولون : الغضب له تعبير علمي - الشدة النفسية - هذه الشدة تؤدي إلى تجلُّط في الدم ، تؤدي إلى ارتفاع الضغط ، تؤدي إلى تسرُّع القلب ، وارتفاع الضغط يسبب أحياناً سكتة دماغية ، شللاً كاملاً ، سكتة قلبية . فالإنسان إذا غضبَ غضباً شديداً ربما انتهت حياته ، وهناك قصص كثيرة إنسان غضبَ غضباً شديداً مات من فوره ، فالإنسان لهذه الدرجة هينٌ على الله عز وجل أن تنتهي حياتك لسببٍ تافه ؟ أنت أكبر من ذلك ، وإيمانك يهديك إلى سواء السبيل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ من باب الطُرفة : لو قُدِّر لإنسان أن يصوَّر تصويراً حيّاً وهو يغضب ، ثم عُرِضَ عليه منظره وهو غاضب ، لكرِه نفسه أشدّ الكراهية ، فحينما يرى تغير لونه، وشدة رعدته ، وارتجاف أطرافه ، وتغيِّر خِلقته ، وانقلاب سِحْنته ، واحمرار وجهه ، وجحوظ عينيه ، وكيف أنه تحرَّك كالمجانين ، وكيف أن قُبح الباطل أشدّ من قُبح الظاهر ، لو أتيح لإنسان يرى صورته المتحركة بالألوان وهو يغضب ، لرأى نفسه وحشاً ، الإنسان لا يرى نفسه حينما يغضب ، يتكلَّم ، يحرِّك يديه ، يعلو صياحه ، لو نظر إلى المرآة ، الإنسان ينبغي أن يستحي من هذا المنظر القبيح .
 أيها الأخوة الكرام ؛ من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم :

((اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبِ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ وَالْعَدْلَ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى ، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لا يَبِيدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ ، وَأَسْأَلُكَ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ ، واجعلنا هُدَاةً مُهْتَدِينَ ))

[ الجامع الصغير عن عمار بن ياسر ]

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الطيور آية من آيات الله الدالة على عظمته :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أنتم حينما تقرؤون القرآن وتقرؤون هذه الآيات مثلاً :

﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة النحل : 79]

 وحينما تقرؤون قوله تعالى :

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾

[ سورة النور : 41]

 وتقرأ الآية الثالثة :

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾

[ سورة الملك : 19]

 هذه الآيات حينما نقرؤها ماذا نفعل بها ؟ ألا يقول الله عز وجل : أو لم يروا . أليس هذا حضاً على أن نرى هذه الآية الكونية ، لماذا أيها الأخوة نظن أن أوامر الدين هي الصلاة والصيام ولا نظن أن هذه الآيات تأمرنا أن نفكِّر في آيات الله الدالة على عظمته ؟ من منا يصدق مثلاً ؟ أنا قرأت كلمة عن الطير قبل أن آتي إليكم ، لم أجد مصدرها - ضاع عني مصدرها - لكن أذكر مضمونها ، ما من طائرةٍ صنعها الإنسان ترقى إلى مستوى الطائر ، أية طائرةٍ مهما بدت لكم عظيمة صنعها الإنسان لا ترقى أبداً إلى مستوى الطائر .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك صقرٌ يقطع في الساعة مئة وثمانين ميلاً ، وهناك صقرٌ آخر يقطع في الساعة الواحدة ثلاثمئة وستين كيلو متراً ، وهناك الخَطَّاف الذي يقطع في الساعة الواحدة مئة وعشرة كيلو مترات ، هذه سرعة الطائر . ضربات قلب الطائر تزيد عن ستمئة ضربةٍ في الدقيقة ، لقلب الطائر تصميمٌ خاص ، لعِظامه تصميمٌ خاص ، عظام الطائر يقلُّ وزنها عن وزن ريشه ، متينةٌ إلى أبعد الحدود ، مسامية القوام ، كالإسفنج من أجل خفة الوزن .
 أيها الأخوة ؛ الطائر يقوم بجهدٍ كبير ، قد يطير سبع عشرة ساعة متواصلة ، الآلة إذا عملت عملاً متواصلاً تحتاج إلى تبريد ، مَنْ منا يصدِّق أن الهواء الذي يستنشقه الطائر لا يصل إلى رئتيه ، يصل إلى كُل خلاياه ، القصبات الهوائية في الطائر متغلغلة في كل جسمه وحتى عظامه ، فالتبريد في أعلى مستوى ، والجُهد في أعلى مستوى ، ومَنْ منا يصدق أن الطائر يرى ثلاثمئة وستين درجة ، نحن نرى بعينينا مئة وثمانين درجة تقريباً ، والتركيز على أقل بكثير ، لكن الطائر لتصميمٍ رائع في رأسه عيناه تغطي دائرةً بأكملها ، يرى كل ما حوله ، والطائر يرى الأشياء بدقةٍ تفوق دقة الإنسان بثمانِية أضعاف ، لأنه يحلِّق على ارتفاع عال ، لا بد من أن يرى غذاءه وهو في ارتفاعه العالي ، لو كانت عيناه كعيني الإنسان يضطر إلى أن ينزل إلى الأرض ليرى غذاءه ، فإن لم يجد عليه أن يصعد ثانيةً ، هو يرى بدقةٍ تزيد عن دقة رؤية الإنسان بثمانية أضعاف .
 أيها الأخوة ؛ هناك موسوعات علمية ، ريشة الطائر عالمٌ قائمٌ بذاته ، عِظام الطائر عالمٌ قائمٌ بذاته ، أسلوبه في الطيران شيء لا يصدق ، صوَّروا الطائر وأبطؤوا الفيلم ، فرأوا تسلسل حركات أجنحة الطائر ، الله عز وجل يأمرنا ، قال :

﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة النحل : 79]

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾

[ سورة النور : 41]

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾

[ سورة الملك : 19]

 وهذه الآية من السَبْقِ العلمي للقرآن حتى هذه الساعة ، لا يعلم العلماء كيف أن الطائر يقطع رحلةً تزيد عن سبعة عشر ألف كيلو متر ، ويصل إلى هدفه الدقيق ؟ فمثلاً طائر غادر دمشق ، غادر حي الصالحية ، غادر بيتاً في حي الصالحية إلى جنوب إفريقيا ، في رحلة العودة لو أخطأ في زاوية الحركة درجة واحدة لجاء في مصر ، درجة نحو اليمين لجاء في العراق ، ما الذي يجعله يصير إلى هدفه بالتمام والكمال ؟ ظنوا معالم الأرض . هذه النظرية لم تصح ، ظنوا هناك توجيهاً مغناطيسياً . هذه النظرية لم تصح ، ما من فرضيةٍ وضعت إلا ونقضت ، حتى أن العلماء استسلموا وقالوا : هناك إلهاماتٌ تقع في الطائر يتحرَّك من خلالها ، هذا معنى قول الله عز وجل :

﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾

  عزا ربنا إلى ذاته تسيير الطائر ، هذه آياتٌ كثيرة .
 أخواننا الكرام ؛ أيَّةُ آيةٍ كونية في القرآن الكريم هذه تقتضي البحث والدرس ، تقتضي التأمُّل ، ما دام الله يقول لك :

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ﴾

  كذا وكذا ، إذاً أنت عليك أن تفكر فى كذا وكذا .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018