الخطبة : 0491 - قوة الإرادة2 - التغلُّب على أهواء النفس - الأمانة والقوة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0491 - قوة الإرادة2 - التغلُّب على أهواء النفس - الأمانة والقوة .


1994-08-12

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله سيِّد الخَلْقِ والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم ارحمنا فإنَّك بنا راحم ، ولا تعذِّبنا فإنَّك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير . اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

من قوي إيمانه بالله قويت إرادته :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في الخطبة السابقة تحدَّثت عن قوة الإرادة التي يحتاجُها المؤمن ليحمل نفسه على طاعة الله واجتناب نواهيه ، وبيِّنت لكم أن الإنسان إذا عرف ربَّه واستقام على أمره فهذا أمرٌ طبيعي ؛ لأن المقدِّمات تتناسب مع النتائج ، وأن الإنسان إن لم يطع ربه لأنه ما عرفه ، أيضاً هذه المقدمات تتناسب مع النتائج ، ولكن هذا الذي يعرف ربَّه ثم تراه يعْصيه ، ما الذي يفتقر إليه ؟ إنها قوة الإرادة .
 وقد كان موضوع الخطبة السابقة عن قوة الإرادة ، وكيف أن قوة الإرادة تقوى بالإيمان بالله ، فكلَّما قوي إيمانك بالله عز وجل قويت إرادتك ، كلما عرفت الله ، وعرفت عظمته، وعرفت رحمته ، وعرفت عدالته ، وعرفت أنه المتصرِّف في السماء والأرض ، وأن الأمر كله بيده ، وأن الحياة الدنيا دار ابتلاء ودار عمل ، وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى ، وأن عذاب النار عذابٌ شديد ، إذا قوي إيمانك بالله وبما جاء في هذا الدين القويم ، تقوى إرادتك على طاعة الله . واليوم ننتقل إلى موضوعٍ متعلقٍ بالإرادة ألا وهو : تربية الإرادة على التغلُّب على أهواء النفس .

الجهل و هوى النفس أكبر عدوين للإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يجب أن نعلم جميعاً أن أكبر عدوٍ لنا على الإطلاق هو هوى النَفْس ، لأن الهوى يهْوي بصاحبه ، ولأن الهوى يردي صاحبه ، ويجب أن نعلم أيضاً أن هناك عدواً أخطر من الهوى هو الذي مكَّن الهوى من إهلاكنا ألا وهو الجهل ، فالجهل يمكِّن الهوى ، والهوى يهوي بالإنسان إلى أسفل سافلين ، فالعدو الأول هو الجهل ، والعدو الثاني هو الهوى ، إن اتباع الهوى هوان . .

واخجـلـتــــــــي من عتـاب ربـي  إن قيل أسرفت يا فـــــــلان
إلى متى أنت في الملاهـــــــي  تصيـر مُـرخى لـك العنــــان
عندي لك الصلح وهو بــــــــرِّي  وعـندك الســيـف والسِنــــان
ترضى بأن تنقضي الليالــــــــي  وما انقضت حربك العــوان
فاســـتح من كـتـــــــــابٍ كـــــــريم  يُحصى به الفعل واللســـان
فاسـتح من شــيبةٍ تراهـــــــــــــــا  في الـنـار مـسجونةً تُهـان
* * *

 أيها الأخوة الكرام ؛ آيةٌ دقيقةٌ دقيقة يُستنبط منها أشياء كثيرة ، وهي قوله تعالى :

﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النازعات :37-41]

 أما في قوله تعالى :

﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾

  فهذا بيانٌ واضحٌ جليٌ إلى أن الإنسان مُخَيَّر .

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾

[ سورة فصلت :17 ]

 إنهم مخيَّرون ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النازعات: 40-41 ]

 معنى ذلك أن هناك هوى ، وقد يكون هذا الهوى ضاغِطاً ، وأن هناك نوازع و اتجاهات تدفعُك إلى المُتعة ، وهناك عقلٌ راجح ، وهناك هدىً من الله عز وجل .

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النازعات: 40-41 ]

الإنسان بين قوَّتين ضاغطتين قوة العقل وقوة الهوى :

 أيها الأخوة ؛ متى ينهى الإنسان نفسه عن الهوى ؟ إذا خاف مقام ربِّه ، متى يقع في هوى نفسه ؟ إذا جهل مقام ربه . إذاً مَن أعدى أعداء الإنسان ؟ هو الهوى . مَن أشد عداوةً من الهوى ؟ الجهل .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الآيةٌ أصلٌ في وجوب مقاومة هوى النفس :

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النازعات: 40-41 ]

 الثمرة كبيرة جداً ؛ لمجرد أن تتعرَّف إلى الله ، وأن تنهى نفسك عن الهوى الذي لا يرضي الله ، عندئذٍ تستحق الجنة ، ولمجرَّد أن تبقي نفسك جاهلةً ، عندئذٍ يستيقظ الهوى ويقوى الهوى فيتغلَّب على عقل الإنسان فيقوده إلى النار ، أنت بين خيارين لا ثالث لهما ؛ إما أن يضعُف العلم فيقوى الهوى وينتهي بصاحبه إلى الهلاك ، وإما أن يقوى العلم فيضعف الهوى فينتهي بصاحبه إلى الجنة ، أنت بين قوَّتين ضاغطتين قوة العقل وقوة الهوى ، فإذا رَجَحت قوة العقل غلَبت قوة الهوى .
أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الآية أصلٌ في ضرورة مخالفة الهوى .

 

اجتناب الهوى المذموم الذي لا يتقيد بهدى الله :

 شيءٌ آخر، الله سبحانه وتعالى لم يذُم كل أنواع الهوى ، الهوى المذموم الذي أمرنا أن ندعهُ هو الهوى الذي لا يتقيد بهدى الله عز وجل ، مثلاً : لو أن الإنسان أراد أن يكون ربَّ أسرة ، هذه حاجةٌ طبيعيةٌ أودعها الله في الرِجال ، فإذا بحث عن فتاةٍ مؤمنةٍ وعقد قرانَه عليها ، وأسس بيتاً إسلامياً ، هذا فيه شيءٌ من الهوى ، لكنه منضبطٌ بمنهج الله عز وجل ، ليس هذا هو الهوى المذموم ، لو أن الإنسان أراد أن يكون ذا مالٍ وكسب المال من أشرف وجوهه ؛ من الجهات الشرعية التي سمح الله بها ، وأنفق المال تقرُّباً إلى الله عز وجل ، وحِفاظاً على أهله وأولاده ، فهذا الهوى ليس مذموماً ، لذلك قال الله عز وجل :

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص: 50]

 فالهوى المذموم هو أن تنساقَ وراء الميول والغرائز من دون منهجٍ يضبِطها ، من دون أحكام الكتاب والسُنة ، هذا الذي ينطلق وراء شهواته من دون ضبطٍ لهذه الشهوات وفق الكتاب والسُنة هذا الذي يهلَك بهواه .

 

من يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص: 50]

 أَيْ ليس هناك ضالٌ أضل من هذا الإنسان الذي يتبع هواه بغير هدىً من الله ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة آل عمران : 14 ]

 هذه الميول التي أودعها الله في الإنسان بمثابة القِوى المحركة ، قوى محركة تحتاج إلى ماذا ؟ تحتاج إلى مِقْوَدٍ يوجّهها ، هذا المقود هو العِلم ، من دون مقود يصبح هذا المحرك وبالاً على صاحبه ، أن تنطلق مركبةٌ بأقصى سرعتها من دون مقود ؛ فهذا المحرِّك الذي ينطلق بأقصى سرعةٍ سينتهي بصاحبه إلى الهلاك . تماماً هذا شأن الشهوات، والمِقود شأن العِلم ، والطريق منهج الله عز وجل ، فالمقود مهمَّته أن يبقي المركبة على الطريق ، فإذا تعطَّل المقود أو سها صاحب المركبة انطلقت السيارة إلى وادٍ سحيق فأهلكت صاحبها .

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ ﴾

  أي ليس في الأرض .

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص: 50]

 أَيْ أن هذا الذي يتبع هواه من غيرٍ هدىً من الله عز وجل يقع في شر أنواع الظُلم ، ومن أظلم أنواع الظلم أن يظلم الإنسان نفسه ، وأن يخسرها في الحياة الأبدية ، وأن يُرِدها موارد الهلاك .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لكن هذه الشهوات التي هي الأهواء التي أودعها الله فينا ، إنها قوى محركة نرقى بها إلى رب الأرض والسموات ، نرقى بها مرتين ، مرةً صابرين ، ومرةً شاكرين ، إذا استلهمنا في حركتنا معها منهج الله عز وجل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسير خلالها ونرقى بها ، لذلك هذه الشهوات ؛ شهوة النساء ، إذا طُبِّقَ فيها منهج الله انتهت إلى أسرةٍ ، وأنجب الأب أولاداً صالحين ، وكانت هذه الأسرة لبنةً أساسيةً في المجتمع ، هذه الشهوة قادت إلى أسرة ، أما إذا قادت إلى الزنا وإلى الانحراف فالمجتمع يفْسُد عن آخره.
 أيها الأخوة الكرام ؛ كسبُ المال إذا اكتسب من مظانِّه المشروعة وأنفق في وجوهه المشروعة كان المال قوام الحياة ، وكان رحمةً للناس ، وسمَّى الله المال خيراً . .

﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾

[ سورة البقرة : 180 ]

 وسماه نعمة . .

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ﴾

[ سورة الضحى : 6-8]

 المال نعمةٌ ، والمال خيرٌ إذا اكتسب من مظانِّه المشروعة ، وأنفق في وجوهه المشروعة .

 

أخطار اتباع الهوى :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من الآيات الدقيقة الدالة على خطورة اتباع الهوى قال تعالى :

﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[ سورة ص : 26 ]

 الهوى يضل صاحبه عن سبيل الله ، وسبيل الله هو سبيل السلامة ، وسبيل الله هو سبيل السعادة ، وسبيل الله هو سبيل الأمن ، الإنسان متى يطمئن ؟ إذا كان مع الله ، ومتى يسعد ؟ إذا كان قريباً من الله ، ومتى يسلم ؟ إذا كان على منهج الله . فالهوى يبعدك عن سبيل الله ، وسبيل الله هو كل شيء .
في الكون حقيقة واحدة حقيقة الذات الإلهية ، أيّ شيءٍ يقربك منها فهو حق ، وأيّ شيءٍ يبعدك عنها فهو باطل ، لذلك الهوى يبعدك عن سبيل الله ، إذاً هو أعدى أعداء الإنسان ، والذي يمكِّن الهوى من الإنسان - كما قلت قبل قليل - هو الجهل ، إذاً أكبر أعداء الإنسان هو الجهل ، والجهل كيف يكافح ؟ بطلب العلم ، والعِلم مبذول ، والحمد لله رب العالمين، مبذولٌ بلا ثمن ، لا يستطيع الإنسانُ أن يدخل عيادة طبيب إلا وفي جيبه النقود ، ولا أن يدخل مكتب محامٍ إلا وفي جيبه النقود ، ولا أن يستشير إنساناً في شأن الدنيا إلا وفي جيبه النقود ، لكنه بإمكانه أن يطلب العلم الشرعي ، وأن يفهم كتاب الله عز وجل ، وسنة نبيه ، وأحكام الفقه ، يكفي أن يرتاد بيوت الله عز وجل ، وأن يحضر مجالس العِلم ، فهو يطلب العلم بلا ثمن .
 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[ سورة ص : 26 ]

 كلُّكم يعلم أن آيات القرآن الكريم لها معنىً سياقيّ ، وإذا نُزِعَت من سياقها لها معنىً آخر ، لها معنىً شامل . .

﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[ سورة ص : 26 ]

 آيةٌ ثانية تبَيِّن أخطار اتباع الهوى :

﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾

[ سورة الروم : 29 ]

 لماذا وصِفَ الإنسان بأنه ظالم ؟ لأنه اتَّبع الهوى ، الإنسان حينما يؤثِر شهوته ينطلق إلى إروائها بوجهٍ مشروع ، وبوجهٍ غير مشروع ، بحقٍ أو بباطل ، اتباع الهوى يحملُك على الظُلم ، اتباع الهوى يحملك على الطُغيان ، اتباع الهوى يحملك على أن تأخذ ما ليس لك، اتباع الهوى يحملك أن تتجاوز الحدود .
 فلذلك أحد أسباب الظلم ، وأحد أسباب الطُغيان ، وأحد أسباب الفجور أن يتبع الإنسان الهوى ، فالمؤمن الصادق في صراعٍ دقيقٍ دقيق بينه وبين نفسه ، في كلِّ كلمةٍ ، في كل نظرةٍ ، في كل حركةٍ ، في كل سَكَنَةٍ ، في كل موقفٍ ، في عطائه ، في منعه ، في صلته، في قطيعته ، في رضاه ، في غضبه ، يلاحظ أنه يتَّبع الحق ويتبع الشرع وأنه يضع هوى نفسه تحت قدمه ، أما إذا سمح الإنسان لهوى نفسه أن يتحكَّم به فقد انتهى .

 

اتباع الحق يبعد عن الهوى :

 أيها الأخوة الكرام ؛ آيةٌ دقيقةٌ دقيقة تفسِّر لماذا لا يستجيب الناس لله عز وجل ؟ لماذا لا ينساقون لطاعته ؟ لماذا لا يأتمرون بأمره ؟ لماذا لا ينتهون عما عنه نهى وزجر ؟ لماذا لا يسلكون سبيله ؟ لماذا لا يتقربون إليه ؟ لماذا ؟!! يقول الله عز وجل :

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[ سورة القصص : 50 ]

 بمعنى أن الإنسان لمجرَّد أن يدع هواه يجد نفسه مع أهل الحق ، يجد نفسه مُنساقاً إلى المؤمنين ، يجد نفسه يرتاد بيوت الله ، لمجرد أن يضع هواه تحت قدمه ، لمجرد أن يسيطر على نفسه ، أن يملك ذاته ، لمجرد أن يتحرَّك وَفْقَ منهج الله ، يلتقي مع أهل الحَق ، ويلتقي مع إجماع المؤمنين ، ويلتقي مع من كان على حقٍ مثله ، ويرتادُ بيوت الله ، لماذا ؟ لأن إضعاف الهوى تماماً لو أن هناك نقطتين متباعدتين وأنت بينهما ، كلما اقتربت من إحدى النقطتين ابتعدت حُكْمَاً عن الثانية ، وكلما اقتربت من الثانية ابتعدت حُكماً عن الأولى ، فاتباع الحق يُبعدك عن الهوى ، واتباع الهوى يُبعدك عن الحق ، حقيقةٌ رياضيةٌ هندسية .

 

الشهوات حيادية :

 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص : 50 ]

 هذه الآية فيها إشارة دقيقة ، هذه الشهوات التي أودعها الله فيك ، ما أودعها فيك كي تَكْبِتَهَا ، أودعها فيك كي تُحَقِّقها وفق منهج الله ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

[ البخاري عن أنس بن مالك ]

 أي أنه ليس في الإسلام حِرْمان ، لكن الإسلام فيه نظافة ، فيه وضوح ، فيه نظام ، فيه بِناء ، فهذه الشهوات لا ينبغي أن تُحارب ، ينبغي أن يحارب من الشهوات ما كان مُنحرفاً ، لأن الشهوات قوةٌ محركة ترقى بك إلى الله ، كنت سابقاً أضرب عليها مثلاً : إنها كالوقود السائل في المركبة إذا وضع في مستودعاته المحكمة ، وسال في الأنابيب المُحكمة ، واحترق في الوقت المناسب ، وفي المكان المناسب ، ولَّد حركةً نافعة ، حركةً مفيدة جداً ؛ إلا أنه إذا خرج عن مساره ، وجاءت شرارةٌ ، تحرق المركبة ومن فيها ، فالوقود السائل حياديّ ليس الهلاك به ، الهلاك في سوء استخدامه ، وليس به أصلاً .

 

الناس رجلان لا ثالث لهما :

 أيها الأخوة الكرام ؛ تفسيرٌ آخر لإعراض الناس عن الحق :

﴿وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾

[ سورة القمر: 2-3]

 لماذا كذَّبوا ؟ لأنهمُ اتبعوا أهواءهم ، لماذا لم يستجيبوا ؟ لأنهم اتبعوا أهواءهم ، إذاً أنت بين اتجاهين ؛ اتجاه الحق ، واتجاه الهوى ، والناس رجلان لا ثالث لهما ، مؤمنٌ تقي كريمٌ على الله ، وفاجرٌ يطغى هَيِّنٌ على الله عز وجل ، مؤمنٌ تقي كريمٌ على الله ، وفاجرٌ شقي هينٌ على الله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان حينما يتَّبع الهوى ، بعد حين تَنْطَمِسُ بصيرته ، وتختل موازينه ، ويصبح في حالةٍ لا يُحسد عليها ، يقول الله عز وجل :

﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴾

[ سورة محمد : 14]

 أي هذا الذي يفعل المعاصي والموبقات ، ويتجاوز حدود الله ، ويخرق منهج الله ، هذا الإنسان إن فعل هذا مغلوباً ومتألِّماً له مكانة ، أما إن فعل هذا متباهياً مُعلناً ذلك بصراحة ، قانِعاً بما يفعل ، فهذا هو الشَقِيّ الحقيقي ، لأنه في الناس من يدري ويدري أنه يدري فهذا عالمٌ فاتبعوه ، وفي الناس من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا شيطانٌ فاحذروه ، ومنهم لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهلٌ فعلِّموه . فهذا الذي يرتكب الموبقات وهو يحسب أنه يحسن صنعَاً، هذه المصيبة التي ما بعدها مصيبة ، هذا الضلال الذي ما بعده ضلال .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الله سبحانه وتعالى يبيِّن أن الإنسان إذا استمع إلى موعظة ، أو إذا حضر خطبة ، أو استمع إلى كلمة ، أو استمع إلى شريط ، أو استمع إلى محاضرة ، أو قرأ كتاباً ، أيْ إذا اتصل بالحق بشكلٍ أو بآخر ؛ إما في خطبة ، أو في مجلس علمٍ ، أو في كتابٍ ، أو في شريطٍ . .

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفاً ﴾

[ سورة محمد : 16 ]

 لم يذكُر شيئاً مما قاله النبي ، لم يذكر شيئاً . .

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾

[ سورة محمد : 16 ]

 لماذا ؟ قال :

﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾

[ سورة محمد : 16 ]

 اتبعوا أهواءهم فطبع الله على قلوبهم ، والحقيقة هذا طبعٌ حُكْمِيّ بمعنى أن القلب له منفذان ؛ السمع والبصر نافذتان للقلب ، وحُبُّك الشيء يعمي ويصُم ، فالذي يهوى ويتبع الهوى يضع على عينيه غشاوة وفي أذنه وَقْر ، فإذا سُدَّت الأذن وغشيت العين أصبح القلب مغلقاً ، هذا الإغلاق كما فسره العلماء إغلاق حكمي ، أيْ إذا أغلقت الباب الخارجي للمسجد إغلاقاً محكماً ، فهذه الأبواب الداخلية مُغلقة حُكماً ، ولو أنها مفتوحة ، المنفذ الكبير مُغلق ، لذلك لماذا طبع الله على قلوبهم ؟ لأنهم اتبعوا أهواءهم ، اتباع الهوى يسُدُّ منفذي القلب ، البصر نافذة والسمع نافذة ، فإذا سُدَّ منفذا القلب أصبح القلب مغلقاً ، مطبوعاً عليه ، عندئذٍ الإنسان لا يعي على خير ولا يفهم شيئاً . وهذا شيء ملاحظ ؛ قد تلقي كلمة في عقد قران ، إنسان يتأثَّر بها أشد التأثير ، وربما ساهمت في تغيير مجرى حياته ، وإنسان آخر لا يبالي ولا يفهم ولا يقيم قيمةً لما سمع ، لأن اتباع الهوى يجعل القلب مُغلقاً .

 

اتباع الهوى يجعل الإنسان أصمّ أبكم أعمى :

 وفي آيةٍ أخرى يبيِّن الله جل جلاله أن اتباع الهوى يجعل الإنسان أصمّ أبكم أعمىً قال تعالى :

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 171]

 الشيء الدقيق جداً في هذه الآية :

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

[ سورة الفرقان : 43 ]

 أنت أيها الإنسان ، إلى من ينبغي أن تنقاد ؟ إلى خالق السموات والأرض . .

﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

[ سورة الأعلى: 2-3]

 الذي بيده كل شيء ، الذي :

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

[ سورة هود : 123 ]

 الذي . .

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

[ سورة الزخرف : 84 ]

 الذي . .

﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة المائدة : 18]

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

[ سورة الغاشية : 25-26]

 القوي ، الغني ، القدير ، الرحيم ، العليم ، هذه الجهة التي يمكن أن تنقاد إليها ، فإذا انقاد الإنسان انقياداً شديداً إلى هوى نفسه ، فكأنما اتخذ هوى نفسه إلهاً ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان: 43]

 الإنسان مخيَّر . .

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

[ سورة القصص : 56 ]

﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة الفرقان: 44]

 سمعهم فيه وقرٌ ، وأبصارهم عليها غِشاوة ، وحبُّهم لأهوائهم جعل من هذه الأهواء وقراً وغشاوة . .

﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان: 44]

من غفل عن آخرته و مصيره لا يعيا على خير :

 آية ثانية :

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 23]

 الإنسان أحياناً قد يكون متفوِّق الذكاء في اختصاصه ، يحمل شهادة عُليا ، أحياناً في اختصاصه ، في علمه ، فيما هو فيه متفوِّق جداً ؛ ولكن في شأن آخرته ، وشأن مصيره ، وفلسفة وجوده لا يعيا على خير ، فهذا قد يعلم الجزئيَّات ولكنه غفل عن الكليات ، قد يعلم ما في الحياة الدنيا . .

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾

[ سورة الروم: 7]

 أيها الأخوة الكرام ؛ موضوعنا اليوم تربية إرادة النفس في التغلُّب على أهواء النفس ، تربية الإرادة في التغلُّب على الهوى ، وملخَّص هذه الخطبة : يجب أن نعلم أن العدو الأول ، الذي يمكن عن طريقه أن يقضي على سعادتنا ، وعلى هنائنا ، وعلى دُنيانا ، وعلى أُخرانا هو الهوى ، وأن العدو الأكبر منه الذي مكَّنه منا هو الجهل ، لذلك العدو الأول هو الجهل ، والعدو الثاني هو الهوى ، والهوى من شأنه أن يصُدَّ عن سبيل الله ، وأن يوقع الإنسان في الظلم ، وأن يجعله أعمى ، وأن يختم على قلب الإنسان . أما في السنة فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

[ الترمذي عن شداد بن أوس ]

 العاجز هو الغبي ، العاجز هو الإنسان . . . . والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الأمانة و القوة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه عيَّنَ والياً وقال له : " خذ عهدك وانصرف إلى عملك ، واعلم أنك مصروف رأس سنتك ، وأنك تصير إلى أربع خلال فاختر لنفسك ، إن وجدناك أميناً ضعيفاً استبدلناك لضعفك ، وسلَّمت مِن معرَّتنا أمانتك ، وإن وجدناك خائناً قوياً استهنا بقوَّتك ، وأوجعنا ظهرك ، وأحسنا أدبك ، وإن جمعت الجُرْمين جمعنا عليك المضرَّتين ، وإن وجدناك أميناً قوياً زدناك في عملك ورفعنا لك ذكرك وأوطأنا لك عَقِبَك ".
 إن وجدناك أميناً قوياً . . لعله استنبط هذا المقياس الدقيق من قوله تعالى :

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

[ سورة القصص : 26]

 وكأن بالقوة إشارةٌ إلى الخصائص الفنِّية ، وكأن بالأمانة إشارة إلى الخصائص الخُلُقية ، فالإنسان عقل وقلب ، فقمة نجاح العقل إتقان مهارةٍ معينة ، وقمة طُهر النفس أن يكون القلب سليماً من كل خيانة ، ومن كل انحراف ، لعل القوة والأمانة هي الكفاءة والإخلاص بمقياس العصر .
 وسيدنا عمر رضي الله عنه مرةً سأل أحد ولاته : ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب ؟ فقال : أقطع يده . فقال رضي الله عنه : إذاً فإن جاءني من رعيَّتك من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك ، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسُد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفِّر لهم حرفتهم ، فإذا وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شُكرها ، إن هذه الأيدي خُلِقَت لتعمل ، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية .
 لذلك كما قال سيدنا عمر : " لست خيراً من أحدكم ، ولكنني أثقلكم حملاً " .
 ورد في كَنز العمال بعض الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( من ولي عملاً وهو يعلم أنه ليس لذلك العمل أهلاً ، فليتبوأ مقعده من النار))

[ كنز العمال عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ]

 و . .

(( من ولي من أمر المسلمين شيئاً فاحتجب عن ضعفة المسلمين وأولي الحاجة ، احتجب الله عنه يوم القيامة ))

[ كنز العمال عن معاذ بن جبل]

 و . .

(( من ولي من أمر المسلمين شيئاً فلم يحطْهُم بنصحه كما يحوط أهل بيته فليتبوَّأ مقعده من النار ))

[ كنز العمال عن معقل بن يسار]

 أي هناك أعمال يظنها الناس تشريفاً إنما هي تكليف ، وإنما هي مسؤولية ، وإنما هي خزيٌ وندامةٌ يوم القيامة ، فالإنسان ينبغي أن يُقْدِم على عمل وهو واثق من أنه أهلٌ له ، وأنه بإمكانه أن ينفع المسلمين ، وأن يجعل من حياتهم حياةً رَغيدة ، وأن يُنصف ضعيفهم ، وأن يوقف قويَّهم عند حده .

 

على الإنسان أن يفحص نفسه قبل أن يقدم على أي عمل :

 هذه الأحاديث أيها الأخوة توجِّه الإنسان إلى أنه ينبغي قبل أن يُقْدِم على عمل أن يفحص نفسه هل هو أهلٌ لهذا العمل ؟ هل بإمكانه أن يصلح ؟ هل بإمكانه أن يحق الحق ؟ هل بإمكانه أن يزيل الباطل ؟ هل بإمكانه أن يكون جريئاً ؟ هل بإمكانه أن يكون مُنصفاً ؟ هل بإمكانه ألا تأخذه في الحق لومة لائم ؟ هذه الأحاديث أيها الأخوة بينها النبي عليه الصلاة والسلام لمن يريد أن يصل إلى شيءٍ ما في المجتمع .
 وأما عامَّة الناس فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(( من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ))

[الحاكم عن ابن عباس]

 أيْ أنَّ الاختيار العشوائي محاسبون عليه ، والسلبية أيضاً محاسبون عليها ، لأن المؤمن إذا كان سلبياً ما الذي يحصل ؟ يظهر الأسوأ ، أما إذا كان إيجابياً واجتهد فعلى الله الباقي ، لذلك :

(( من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ))

[الحاكم عن ابن عباس]

 و :

((من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين ))

[ مسلم و أبو داود عن ابن عباس ]

 فيا أيها الأخوة الكرام كل حركةٍ تتحرَّكها محاسبٌ عليها ، وأنت مسؤول . .

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

 والمسؤولية كلما ارتفع حظك من الدنيا ازدادت مسؤوليتك ، ازدادت قدرتك على فعل الخير ، وازداد بالتالي الخطر الذي يمكن أن تنزلق فيه ، كلما نلت حظاً من حظوظ الدنيا ، هذا الحظ الذي نِلته زيادة على الآخرين يمكنك من أن تفعل خيراً أكثر ، وإن لم تفعل كذلك ربما كان منزلقاً خطيراً ، فلذلك الحظوظ إذا آتاها الله بعض خلقه سوف يحاسبهم عليها حساباً دقيقاً وعسيراً ، فالإنسان عليه أن يقف الموقف الشَرعي ، عليه أن يختار الأصلح ، عليه أن يختار الأكثر إيماناً ، والأكثر علماً ، والأكثر جرأةً ، والأكثر حكمةً ، هذا من قبيل أداء الأمانة .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018