الخطبة : 0173 - العزة - الطيران . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0173 - العزة - الطيران .


1987-06-05

الخطبة الأولى :
  الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر
 اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تمهيد :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الكبرياء لله رب العالمين ، قال تعالى :

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

[ سورة الأعلى الآيات : 2-3]

 والذي إذا ظهر قهر ، وإذا تجلّى طاشَت لأنوار جلاله ألباب البشر ، فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض ، ورب العالمين ، وله الكبرياء في السماوات والأرض ، وهو العزيز الحكيم .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ ذلّة العباد لربّهم بالحقّ لا بالباطل ، فإنّ الخلق والأمر والغنى والملك له وحده ، ومصايِرُ العباد رهْنُ مشيئته ، وطوْعُ إرادته وهم إنّما يكونون في أذكى أحوالهم ساعة تعْنو جِباههم لربّ العزّة ، أما ذلّة العبد لعبدٍ مثله فباطلٌ لا ريب ، والمتكبّر هنا متطاوِلٌ مبطلٌ ، يزعمُ لنفسه ما ليس فيه ، ، والوضيع المستعبد جاهلٌ بقدره تحمّل من الأوزار ما لا يطيق ، وقد حرّم الإسلام الكِبْر والذلّ ، وأوْجَبَ العِزّة ، وهذا هو محور الخطبة .

 

العزة :

 عن ابن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، كبه الله على وجهه في النار ))

[ رواه البيهقي ]

 وكما ثبت في الصحيح :

(( بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ))

 وقد نهى الإسلام على المسلم أن يهون أو أن يستذلّ أو أن يستضعف ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعِزّه استغناؤُه عن الناس ))

 ويقول أيضًا :

(( من أصبح حزينًا على الدنيا أصبحَ ساخطًا على ربّه ، ومن تضَعْضَعَ لِغَنِيّ لِيَنال لما في يديه أسخط الله تعالى ))

 وفي رواية :

(( من جلس إلى غنيّ فتضَعْضَع له لِدُنيا تُصيبه ذهب ثلثا دينه ، ودخل في النار ))

 أيها الإخوة الأكارم ؛ إنّ التألّم من الحرمان ليس ضَعفًا ، ولكن أن يتحوّل الحِرمان إلى هوان هو الذي يستنكره الإسلام ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( من أعطى الذلّة من نفسه طائعًا غير مُكرهٍ فليس منّا ))

 إنّ اعتزاز المؤمن بنفسه ودينه وربّه هو كِبرياء إيمانه ، وكبرياء الإيمان غير كبرياء الطغيان إنّها أنَفة المؤمن أن يصغُر لإنسان أو أن يتّضِعَ لمكان ، أو أن يكون ذنبًا لإنسان ، قال تعالى :

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾

[ سورة فاطر الآية : 10]

 رضي الله عن سيّدنا عمر الذي كان يقول : أُحِبّ من الرجل إذا سيمَ خطّة خسفٍ أن يقول بملء فيه : لا ، عَلى ما يصيح المؤذّن كلّ يوم خمس مرات ؛ الله أكبر ، إنّ كلّ متكبّر بعد الله ذليل ، وإنّ كلّ متعاظمٍ بعد الله حقير .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ العزّة حقّ يُقابلها واجب ، لن تكون عزيزًا إلا إذا أدّيت هذا الواجب ، وليس يسوغُ لامرئٍ أن يطالب بما له قبل أن يؤدِّيَ ما عليه ، ولا يستطيع الرّجل أن يكون عزيزًا إلا إذا قام بكلّ واجباته ، فإذا كُلِّفْت بِعَملٍ وأدَّيْتهُ على أحسن وُجوهه ، فلا سبيل لأحدٍ عليك ، ولا يستطيع من فوقك ، ولا من دونك مرتبةً أن يُوجِّهَ إليك كلمةً محرجة ، وعندئذٍ تستطيع أن تحتفظ بِعِزّة نفسك أمام من هم فوقك ، حين تسدّ الثّغرات التي ينفذون منها إليك ، إنّ ألدّ أعدائك يتهيّبُك إذا قمْت بواجبك ، دقّق في قوله تعالى ، وهي آيةٌ تؤكّد هذا المعنى :

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[ سورة يونس الآيات : 26-27]

 من أين تأتي الذلّة ؟ حينما يسيءُ الإنسان العمل ، إن كنت في عمل ، أو في وظيفة ، أو في مُهِمّة ، إذا أسأْتَ تنفيذها فيجبُ أن تتحمّل كلمات اللّوْم والتقريع ، ويجب أن تتحمّل الكلمة القاسية التي تجرحك ، أما إذا قُمتَ بِوَاجبك خير قيام ، عندئذٍ لا أحدَ يستطيع أن ينال منك ، وعندئذٍ تُحقّق العزّة ، فالعِزّة ليْسَت ادِّعاءً فارغًا ، إنّما هي عملٌ دؤوبٌ ومُتقَن نافعٌ ومخلص ونظيف ، إن كنت كذلك رفعَكَ الله عز وجل ، وهابكَ من حولك ولمْ يستطيعوا أن يصلوا إليك ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنّ الله يحبّ من العبد إذا عمِلَ عملاً أن يُتقنهُ ))

 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إيّاك وما يُعتذر منه ))

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لمّا كان في النفس الإنسانيّة ضَعفٌ وقلق ، وربّما حملها هذا الضّعف والقلق على الخنوع لمن يملك الفصل في أمورها ، وقضاء مطالبها ، وربّما انزلقَت إلى مواقف تخدشُ كرامتها ، وعِزّتها ، لذلك علّمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن لا نستكين ، وأن نُبقي جباهنا عاليَةً ، ونحن نسعى إلى ما نبغي ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس؛ فإن الأمور تجري بالمقادير ))

[ أخرجه ابن عساكر ]

 وقد بيَّنَ لنا ربّنا سبحانه وتعالى أنّ البشر لو اجتمعوا بأسْرهم أذلّوا وأضعف من أن يمنعوا شيئًا أعطاك الله إيّاه ، وإن اجتمعوا على منعك شيئًا هم أضعف وأذل عن أن يستطيعوا منعك شيءٍ أعطاك الله إيّاه ، ولو اجتمعوا على أن يُعطوك شيئًا منعَكَ الله منه لا يستطيعون .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ قال الله تعالى :

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[ سورة فاطر الآية : 2]

 هذه الآية فصْلٌ في الموضوع ، كلّ من في الأرض لو اجتمعوا لا يستطيعون أن يمنعوا شيئًا منحَكَ الله إيّاه ، ولا أن يُعطوا شيئًا حرمَكَ الله منه ، قال تعالى :

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة يوسف الآية : 21 ]

 أيها الإخوة الأكارم ؛ الأدنى إلى الحق ، والأقرب إلى النفع ، والأرشد في علاج المشكلات أن يضلّ المؤمن منتصب القامة ، رافع الرأس ، مرتفع الهامة ، لا تُدنيه حاجة ، ولا تطويه شدّة ، يلتجأُ إلى مولاه بالدّعاء ، ويكشف انكسارهُ لِرَبِّه وحده ، فلا يُبدي صفْحة وجهه لِمَخلوق ، فاقهًا قول الله عز وجل :

﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة يونس الآية : 107]

 لقد علَّم النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه الاستغناء والاكتفاء ، وحجب النفوس عن أن تسأل الناس شيئًا ، حتى في التافه الذي لا يضير ، فكان أحد أصحابه ينزلُ عن ناقته لِيَلتقِطَ سوطهُ ، ويرفضُ أن يكلّفَ أحدًا أن يناولهُ إيّاه .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ إنّ الناس يُذلّون أنفسهم ، ويقبلون الدَنِيَّة في دينهم ، ودُنياهم لواحدٍ من أمرين ؛ إما أن يُصابوا في أرزاقهم ، أو في آجالهم ، والشيء الغريب العجيب الواقع أنّ الله سبحانه وتعالى قطَعَ سُلطان البشر عن الآجال والأرزاق جميعًا ، فليس لأحدٍ إليهما سبيل ، والناس في الحقيقة يستذلّهم الحِرصُ على الحياة ، والخوف على القوت ، والناس في خوف الذلّ في ذلّ ، ومن خوف الفقر في فقر ، يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ﴾

[ سورة الملك الآيات : 20-21]

 يا من ألوذ به فيم أؤّلـــــهُ ومن أعوذ به ممّا أحــاذره
 لا يجبرُ الناس عظمًا أنت كاسرُه ولا يهيظون عظمًا أنت جابرهُ
 هذا هو التوحيد ، وما تعلَّمتْ العبيد أفضل من التوحيد .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لقد أراد الإسلام أن يجتثّ عوامل القلق من النفوس وأن يكشف عنها الضّيق حتى تتنفَّس في جوّ طليق ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله ))

[رواه البزار]

 إنّ هذا ليس معناه أن يقعد الناس عن طلب الرّزق ، كما يظنّ بعض الجهلة ولكنّه يحملُ المسلم على أن يجمل في الطّلب ، ويُقلّل من الإلحاح والتملّق المعيذ ، وفي السماء رزقكم وما توعدون ، قال تعالى :

﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾

[ سورة الذاريات الآيات : 22-23]

 عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا قد أمرتكم به، ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه، فلا يستبطئن أحد منكم رزقه، إن جبريل ألقى في روعي أن أحدا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه، فلا يطلبه بمعصية الله، فإن الله عز وجل لا ينال فضله بمعصيته ))

 لا تقل : الطّرق كلّها مغلقة ، ولابدّ من هذا الكسْب الحرام ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيَتِك ، وبفضلك عمّن سواك .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لقد حرص الإسلام على أن نعرف أنّ هؤلاء الذين نتردّد عليهم في حاجاتنا إنّما هم ممرّ للعطاء ، أو مظهرٌ للمنْع ، ولكنّ الله وحدهُ هو المعطي وهو المانع .
 روي عن ابن مسعود رضي الله عنه :

(( لا ترضين أحدا بسخط الله، ولا تحمدن أحدا على فضل الله، ولا تذمن أحدا على ما لم يؤتك الله، فان رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهة كاره، وإن الله بقسطه وعدله جعل الروح والراحة في الرضا، واليقين، وجعل الهم والحزن في السخط والشك ))

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذا الحديث الشريف لا يعني أن تنكر فضْل الناس فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( من لا يشكر الناس لا يشكر الله عز وجل ))

 أيها الإخوة الأكارم ؛ من أُعطيَ عطاءً فليجزِ به ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام ، هذا إن وجد ، فإن لم يجد فليُثن به ، فإنّ من أثنى به فقد شكره ومن شتمه فقد كفره .
 إذا أُسْدِيَ إليك معروف فكافئ الذي أعطاك هذا المعروف ، فإن لم تجِد فأثْن عليه ، فإن لم تُثْن عليك فقد نفرْت صاحب المعروف .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الطّفيل ابن عمرو الدوسي سيّد قبيلة دَوس ، وشريف من أشراف العرب المرموقين ، وواحد من أصحاب المروءات المعدودين ، لا تنزل له قِدْرٌ عن نار ، أي كان كريما ، ولا يوصد له باب أمام طارق ، يطعم الجائع ، ويؤمِّنُ الخائف ، ويجير المستجير ، أديب أريب لبيب شاعر ، هذا الرجل ؛ الطفيل بن عمرو الدوسي قدِمَ مكّة ، فلمّا قدم مكّة قال : قدمتُ مكّة فما إن رآني سادةُ قريش حتى أقبلوا عليّ فرحّبوا بي أكرم ترحيب ، وأنزلوني أعزّ منزل ، وقالوا : يا طفيل ؛ هذا الرّجل ويعنون محمّدًا صلى الله عليه وسلّم ، الذي يزعمُ أنّه نبيّ قد أفسدَ أمرنا ، وفرَّق شمْلنا ، وشتَّتَ جمْعنا ، ونحن إنّما نخشى أنْ يحِلّ بك ، وبِزَعماتك ما حلّ بنا ، فلا تكلّم الرجل ، ولا تسمعنّ منه شيئًا ، فإنّ له قولاً كالسّحر يفرّق بين الولد وأبيه ، وبين الأخ وأخيه ، وبين الزوجة وزوجها ، فقال الطّفيل : فلمّا غدوتُ إلى الكعبة حشوْتُ أذني قطنًا ، ثمّ رأيتهُ أي النبي عليه الصلاة والسلام قائمًا يصلّي فهزَّني منظره ، وهزَّتني عبادته ، ووجدْتُ نفسي أدنو منه شيئًا فشيئًا ، رغم التحذير ، فقلتُ لنفسي : ثكلتك أمّك يا طفيل ! إنّك رجلٌ لبيب شاعر ، ولا يخفى عليك الحسَن من القبيح ، وما يمنعك أن تسمع من الرجل ما يقول : فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلتهُ ، وإن كان قبيحًا تركتهُ ، لا تكُن مقلِّدًا ، ولا تقل : سمعتُ عن الرّجل ، اسْمَع منه قبل أن تحكم عليه ، فلمّا انصرف النبي إلى داره ، تبعتهُ وقلتُ له يا محمّد ، إنّ قومك قالوا عنك كذا وكذا ، وقد سددْتُ أذني لئلاّ أسمع قولك فأبى الله إلا أن يُسمعني منك شيئًا ، فإن وجدتهُ حسنًا قبلته فاعْرِض عليك أمرك ، فقرأ النبي عليه الصلاة والسلام عليه بعض السُّور ، فقال الطّفيل : والله ما سمعتُ قولاً أحسن من قولك ، ولا رأيتُ أمرًا أعدل من أمره ، يقول الإمام عليّ كرّم الله وجهه : بين الحق والباطل أربعة أصابع ، بين أن تقول سمعتُ عنه ، وبين أن تراه بعينك ، كيف تحْكُم على إنسانٍ لم تسمع منه ؟! وكيف تفتري عليه الكذب وأنت لم تسمع منه ؟ هكذا فعل الطّفيل بن عمرو رضي الله عنه ، سمع الحق فآمن ، ولو اكتفى بما سمع عنه لكفر .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الطيران :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في موسوعة تتحدّث عن الطيران ، مقدّمة قصيرة لفتَتْ نظري ، تقول هذه المقدّمة : إنّ توليد القدرة بِكِفاية عالية ، والهيكل المتين الخفيف شرطان أساسيان لابدّ من تظافرها في أيّة طائرة ، فلو لخَّصْت خصائص الطائرة في كلمات ؛ توليد القدرة بِكِفاية عالية ، وهيكل متين خفيف .
قال علماء الحيوان : كلى الشرطين متحقّق بشكلٍ فذّ في الطيور ، كفاية عالية في القدرة ، ووزنٌ خفيف متين ، فحجمها أقلّ ما يمكن ، بل إنّ بعض عظامها أجوف ، من أجل خفّة الوزن ، والشكل الأسطواني الأجوف أخف وأمْتَن من الأصمّ الملآن ، وأجنحتها أقوى بالنسبة لوزنها من أيّ هيكل جناح طائر ، فأيّ جناحٍ إذا وزنّاه وحسبنا متانته بالنسبة لوزن الطائرة فإنّ جناح الطائر أمتن وأقوى وأكفأ بالنسبة لوزن الطائر من أيّ جناحٍ صنعه الإنسان ، وهي صالحةٌ بشكل لا مثيل لها لمُواجهة ضغوط الهواء المتغيّرة ، وتأتي القدرة المحرّكة من عضلات صدرٍ قويّة وقلبٍ كبير مرتفع النبض ، وذي معدّل ضخٍّ سريع ، ويمكن لهذه الطيور أن تطير لفتراتٍ طويلة ، بل هي أسرع الحيوانات قاطبةً ، ويتحكّم جهاز التنفّس الذي هو أعلى أجهزة تنفّس الفقريات كفايةً في الحرارة المتولّدة من العضلات الدافعة ، مُصَمِّمو المحرّكات يواجهون أكبر عقبة ، وهي عقبة تبريد المحرّك ، لو أساؤوا في التبريد لاحترق المحرّك ، وهذا الطائر الذي يطير ما يزيد عن خمسة آلاف كيلو متر بلا توقّف ، أيّ قلب له ؟ وأيّ ضخٍّ له ؟ وأيّ نبضٍ له ؟ وأيّة عضلات لا تكلّ ولا تعب ؟ قال : هذا جهاز تنفّس يُعدّ أكفأ جهاز تنفّس في الفقريات ، فهناك قنواتٌ من الرئتين إلى كلّ مكان في جسم الطائر ينفذ الهواء إلى كلّ أنحاء جسمه حتى أطراف أظلافه ، من أجل تبريد عضلاته أثناء الطيران ، شيءٌ لا يصدّق ! جهاز التنفّس متشعّبٌ في كلّ جسم الطائر ، الهواء الذي يستنشقُه يتخلخل في كلّ عضلاته كي يبرّدها .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ استخدام الوقود الذي هو بعض الشحوم المتوضّعة على جلده يتِمّ بكفاية عالية ، فالطائر الذي يُسمّى الكردان الذهبي يطير بلا توقّف مسافة خمسة آلاف وخمس مئة كيلو متر من دون توقّف ، ولا يفقد من وزنه إلا وزنًا يسيرًا جدًّا ليس بشيء إذا قيس بوزنه العام .

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعلي كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018