الخطبة : 0403 - سلسلة الأخلاق8 ، رحمة الخلق - الورقة الخضراء. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0403 - سلسلة الأخلاق8 ، رحمة الخلق - الورقة الخضراء.


1992-08-07

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ، ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا ، وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

إيثار المؤمن الحق لاتصاله بالله تعالى :

 أيها الأخوة المؤمنون ، أمْضَينا خطبًا عديدةً في موضوعٍ واحدٍ ، وهو أنَّ من سماتٍ المؤمن العميقة حُبَّه للحقّ وإيثاره له ، وهذه السّمة العميقة تتبدّى في صِدقهِ ، وفي الوفاء بِوَعْدِه ، وفي إنجازِ عهْدِه ، وفي أمانته ، وفي رُجوعهِ إلى الحقّ كلّما حاد عنه .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لأنّ الله تعالى هو الحقّ ، ولأنّ كلّ من اتَّصَلَ به اقْتبَسَ ، واشْتَقَّ شيئًا قليلاً أو كثيراً بِحَسب نوْعِ هذه الصِّلة ، لذلك يتميَّزُ المؤمن بأنَّه موصول بالله عز وجل ، موصول بالحق ، يتميَّزُ بأنَّهُ يؤثِرُ الحقّ ، ويعُود إليه ، إذًا هو منْصِف ، هذه السِّمَة الأساسيّة التي تتبدَّى في عِدَّة أخلاقٍ ، منها الصِّدق في الأمانة ، والوفاء بِالعَهْد ، وإنجازُ العهْد، منها الرُّجوع إلى الحقّ ، هناك سِمَة أساسيّة فانِيَةٌ لا تقلّ خُطورة عن الأولى إنَّها الرحمة ، لأنّ الله رحمنٌ رحيم ، فكُلّ من اتَّصَل به اصْطبغَ قلبهُ بالرّحمة ، فالقلب القاسي مَقطوعٌ عن الله عز وجل ، والقلب الرحيم مَوْصول بالله عز وجل ، فإذا أردْت أيها الأخ الكريم مؤشِّرًا حقيقيًّا صادقًا دقيقًا للإيمان فهو إيثار الحق والرحمة التي في قلب المؤمن ، ما لم تكن رحيمًا فلَسْت مؤمنًا ، وما لم تؤثِر الحقّ فلسْت مؤمنًا ، ولو صلَّيْتَ ، وصُمْتَ ، وزعمْت أنّك مسلم ، هذه حقيقة ، ولو أنّها مرّة ، ولكنّها مفيدة .

 

الرحمة شيءٌ يودِعُه الله في قلب الإنسان ولكن ظواهرها بادِيَةٌ للعَيان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الرحمة شيءٌ يصْعُب تفسيرهُ ، إذا اشْتُقَّت من الله عز وجل وهو الرحمن الرحيم ، واسْتَكَنَّتْ في قلب المؤمن ، تبدَّتْ بِرًّا لِوالديْه ، تبدّت صِلةً للرَّحِم ، تبدّتْ إكرامًا لليتيم ، تبدَّتْ عطفًا على الفقراء والمساكين ، عطْفًا على المرضى ، عطفًا على الضّعفاء، عطفًا على ذوي الحاجة ، تبدّتْ رحْمة بذوي المصائب ، تبدّتْ تعاطفًا بين المسلمين ، تبدّتْ في الشفاعة الحسنة ، تبدّتْ في لينِ الجانب ، تبدّتْ في العفْو ، تبدّتْ في الصّفْح ، تبدّتْ في المُشاوَرة . الرحمة التي تُشتقّ من خلال الصلاة ، لأنّ الصلاة عماد الدّين ، جهازٌ كهربائي بالغ التعقيد ، ولكنّه مقطوع عن مصدر الطاقة ، إنّه كالشيء الأشلّ ، عبءٌ على صاحبه ، ولا يعمل ، كتلةٌ من الحديد ، أما إذا اتَّصَلتْ بِمَصدر الطاقة أصبحَتْ مُكَيِّفًا ، أو ثلاجةً ، أو أصبحَت مصباحًا .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ مؤشّران أساسيّان ؛ إن كنتَ تؤثر الحقّ ، ولو على نفسك، إن آثرْت جانب الحق ، ولو على حِساب مصالحك ، فأنت مؤمن وربّ الكعبة ، وإن خفقَ قلبكَ بِمشاعر الرحمة اتّجاه الضّعفاء والمساكين ، اتّجاه المرضى وذوي العاهات ، اتّجاه ذوي الحاجات ، اتّجاه الفقراء ، إن شعرْت بألمٍ نحوهم ، من أجلهم ، فأنت مؤمن وربّ الكعبة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الرحمة كما قلتُ قبل قليل يصْعُب تعريفها ، لأنّها شيءٌ يودِعُه الله في قلب الإنسان ، ولكن ظواهرها بادِيَةٌ للعَيان ، فَمِن بعض تعاريفها المعتمدة على آثارها ؛ أنّها رِقّة في القلب ، يرافقها ألَمٌ يُدْركُ بالحواس ، أو يُتصوَّرُ بالفِكر ، حينما تجدُ شخصًا أمامك متألّماً ، إن عايَنْتَ بِحَواسّك ، أو تصوَّرْت بفِكْرك إنسانًا متألِّمًا ، وتألّمْت لألَمِهِ فهذا من مظاهر الرحمة التي أوْدَعَها الله في قلبك من خلال اتّصالك به .
 وإن رأيْتَ شخصًا تبْدو عليه علائم السُّرور ، تُسرّ بِسُروره ، بِشَكل أو بآخر مشاركة الإنسان أخوه الإنسان في أفراحه وفي أتْراحِهِ ، في آلامه وفي مسرّاته ، هذه المشاركة هي التي ترفعُ الإنسان عن مستوى الحيوان ، هذه المُشاركة هي التي تؤكّد في الإنسان إنسانيّته ، هذه المُشاركة هي التي تؤكّد في الإنسان اتِّصاله بِمَصدر الرحمة ؛ الله جلّ جلاله .

 

للرحمة درجات :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه الرحمة ، أو هذه المُشاركة - إن صحّ التعبير - لها درجات ، ولها دوائر ، فأدنى درجاتها أن تعطف على أولادك ، وأن تعطف على أهل بيتك ، وأن تعطف على من يلوذُ بك ، لكنّك إذا مررْتَ بإنسانٍ لا تعرفهُ ، أو ليس بينك وبينه قرابة ، لو كان في أشدّ حالات العذاب والألَم تقول : ما لي وله ، لهُ ربٌّ !! فهذه الرحمة تضيقُ حتى تقتصر على الأقارب المقربين ، وفي المناسبة ، وهذه حقيقة خطيرة ، وهي أنّ الله جلّ جلاله ، من أجل أن تستمرّ الحياة ، من أجل أن يعطف الآباء على الأبناء ، ومن أجل أن يتربّى الأبناء، من أجل أن تستمرّ الحياة ، أوْدَع في قلوب الآباء والأمّهات جزءاً من الرحمة ليس كسْبِيًّا ، هذا الجزءُ من الرحمة الذي هو الحدّ الأدنى كي ينشأ الابن في أحضان والِدَيه ، وكي يأكلَ ممّا ينتجون ، ولكي يَرْعَوْهُ ، هذا الحدّ الأدنى من الرحمة أغْلبُ الظنّ أنّه لا أجْر لك به ، لماذا ؟ لأنّه ليس كسْبيًّا ، فأيّ أبٍ وأيُّ أمّ ، ولو أنّ الأمّ من أدنى درجات التديّن ، ولو أنّ الأب من أبْعَد الناس عن مبادئ الدِّين تراهُ في الأعمّ الأغلب إلا ما ندر يرْحمُ أولادهُ ، يرحمهم على طريقته ، وفْق قِيَمِهِ ، وفْق معتقداته ، ولكنّ الرحمة التي نتحدّث عنها هي الرحمة العامّة الكَسْبيّة، التي كسبتها من خلال معرفتك بالله أوّلاً ، ومن خلال اتِّصالك به ثانيًا ، النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى هذا المعنى ، ولكنّها رحمة عامّة ، حينما ترحمُ الأباعد ، حينما ترحمُ إنسانًا لا تعرفه ، حينما ترحمُ حيوانًا لا تُجهدهُ ، حينما ترحمُ أبْعد الناس عنك ، فهذه الرحمة التي اكْتسبتها من خلال اتّصالك بالله عز وجل ، وهذه الرحمة التي ترقى بها عند الله عز وجل ، فالدوائر تضيقُ حتى تشملَ أسرتك ، وتتّسع حتى تشمل قومك ، وشعبكَ ، والإنسانيّة جمْعاء ، بل إنّها تتّسِعُ حتى تشمل جميع المخلوقات ، المؤمن يعْطِفُ على حيوان ، يعطفُ على حيوان مؤذ فلا يقتلُه تعذيبًا ، ويرحمهُ إذا قتلَهُ . فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ إِذَا ذَبَحَ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ))

[النسائي عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ]

 حتى لو أردت أن تقتل عقربًا مؤذيًا ، ينبغي أن تقتلهُ بِضَرْبَةٍ واحدة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ تتّسعُ هذه الرحمة حتى تشمل الإنسانيّة كلّها ، وحتى تشمل المخلوقات كلّها ، وتضيقُ حتى تبقى رحمةً أوْدَعَها الله فيك من دون كسْبٍ منك ، هي ما يُسمّيها العلماء بالطَّبْع .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ وترتفع درجات الرحمة حتى تُشارك المعذّب مشاركةً جزئيّة ، أما إذا بلغَتْ هذه المشاركة درجةً شعَرْتَ فيها بآلام المعذّب تمامًا ، فهذه أعلى درجات الرحمة ، لذلك الله عز وجل قال :

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة التوبة : 128]

 قال العلماء : إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أرحَمُ الخلق بالخلق ، أرْحَمُ بِكَ من نفسك ، لذلك إن اتَّبَعْتَ سنَّتهُ سَعِدْت في الدنيا والآخرة .

 

الرحمة فِطْرةٌ وصِبْغة :

 أيّها الأخوة الأكارم ؛ هذه الرحمة فِطْرةٌ وصِبْغة ، فالفِطرة أن تحبّ الرحيم أليْسَ الدّين موافق للرحمة ؟ أنت مُصمّم على حُبّ الرحمة ، وعلى حُب الإنصاف والعَدل ، وعلى حُبّ الأمانة والصّدق ، وعلى حبّ كلّ القِيَم التي أمرك الله أن تكون عليها ، هذه هي الفِطرة ، فأن تحبّ الرحمة شيء ، وأن تكون رحيمًا شيءٌ آخر .
 الرحمة التي بين جَنْبيْك ، والتي يخفق بها قلبك هي ثمرة اتّصال بالله عز وجل ، وهي صِبْغة ، أما أيّ إنسان يحبّ الفِعل الرحيم ، ويُكبرُ الرحمة لأنّها فطرتُه ، فالفطرة أن تحبّ الرحمة ، والصِّبغة أن تكونها ، أن تتمثّل به .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ، الدِّين القويم جاء لهذه الفِطر ليُوَجِّهَها الوِجهة الصحيحة، ففي مواطن الرّحمة مؤذِيَةٌ أشدّ الإيذاء ، فلو أنّك عَطَفْتَ على مُجْرمٍ ، ولم تُنزل به العِقاب الذي أمر الله به ، استشْرت جريمته ، وتفاقم خطرُه ، لذلك قال الله عز وجل حينما وصَف حدّ الزانيَة والزاني ، قال تعالى :

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾

[ سورة النور : 2]

 حينما ترحمُ في الموطن الذي ينبغي أن تُقيم فيه الحدّ ، فهذه رحمةٌ مُؤْذِيَة ، وحينما لا ترحمُ في الموطن الذي ينبغي أن ترحم فيه ، فهذه قَسْوَةٌ مؤذِيَة ، لذلك جاء الّردْعُ لِيُوجِّه هذه الفطرة الوِجْهة الصحيحة ، لذلك ربّنا جلّ جلاله هو أرْحمُ الراحمين من دون خلاف ، ولكن قال عز وجل :

﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾

[ سورة المؤمنون :118]

 رحمتك يا ربّ تعودُ بالخير ، كم من أمٍّ رحيمة رحِمَتْ ابنها ، فأطْلقَتْ له العنان ، ولم تُرِدْ أن تؤذِيَهُ بِمَوقفٍ تَرْبَوِي ، فنشأ منْحرفَ الأخلاق ، لذلك رحمة الأمّهات التي لا تُبنى على علْمٍ رحمةٌ مؤْذِيَة ، وأيَّةُ رحمةٍ أيّها الأخوة إن لم يُرافقها عِلْمٌ انقلَبَتْ إلى ضدّها .

 

توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام عن قسوة القلب :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام ، روى الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ :

((امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ ، وَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ))

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أيها الأخوة ؛ مؤشِّرٌ دقيق ، إن كان في القلب قَسْوَة فهذه علامة خطيرة ينبغي أن تُليِّنَهُ بذِكر الله ، وباتّصالك بالله ، لأنّ القلب القاسي بعيدٌ عن الله ، فقال له كما روى أبو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ :

((امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ ، وَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ))

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 النبي مربّي ، بل هو سيّد المربّين وإمام المعلّمين ، يبْدو أنّك إذا مارسْتَ سُلوك الرحمة بِشَكلٍ مستمرّ تتسرّبُ إلى قلبك الرحمة ، قال له : امسَح رأس اليتيم وأطعم المسكين ، أيْ إذا عملْتَ عملاً صالحًا ، ابْيضَّ وجهك أمام ربّك فأقْبلْتَ عليه ، فأخذْت منه الرحمة ، كنت تتصنّع الرحمة فإذا هي صبغةٌ ثابتةٌ فيك .
 عن أبي الدرداء قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يشكو قسوة قلبه ، قال:

((أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ؟ ارحم اليتيم ، وامسح رأسه ، وأطعمه من طعامك ، يلن قلبك وتدرك حاجتك))

[ الطبراني عن أبي الدرداء]

 وقد يسأل سائلٌ ، لماذا نحن في رمضان فرضَ علينا زكاة الفِطر ؟ تجبُ على من يملكُ قوتَ يومه ، من يملكُ خمسين ليرة تجبُ عليه زكاة الفِطر لماذا ؟ لِيَتَعَوَّد الإنسان ، ولِيَذوق طعم العطاء ، طعْم الإكرام ، طعْم أن تمسَحَ آلام البائسين ، فإذا ذُقْتَ طعْم العطاء مارسْتَهُ ، واسْتمررْتَ عليه .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ بالمقابل الانغماسُ في الملذّات ، والمبالغة في السّرف والتّرف، والبُعْد عن مواطن الضّعف في الناس ، والانجذابُ نحو المترفين ، وأن تعيشَ عيشَتهم ، هذا ممّا يُقسّي القلب ، ويُبعدُه عن الله عز وجل ، لذلك قال : " يا عائشة إذا أردْت اللّحوق بي ، فلْيَكْفكِ من الدنيا كزاد الراكب ، ولا تسْتخلقي ثوبًا حتى ترقعيه ، وإيّاك والدّخول على الأغنياء ".
 أيها الأخوة الأكارم ؛ لذلك المستكبرون المنحرفون العُصاة الذي غمسوا في الملذّات الدنيئة ، ماتت كلّ مشاعر الرحمة من قلوبهم ، لذلك من علامات قيام الساعة أن يذهب الحياء من وُجوه النّساء ، وأن تزول النَّخْوَة من رؤوس الرّجال ، وأن تُنْزَعَ الرحمة من قُلوب الأمراء ، قال تعالى :

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾

[ سورة الحديد : 16]

 الفِسْق إذا طال أمدُه أوْرثَ قسْوَةً في القلب ، فالفِسْق يُسبّب بعدًا عن الله عز وجل، والبعد عن الله يُقسّي القلب ، والعمل الصالح يقرّب من الله عز وجل ، والقُرْب من الله عز وجل يليِّنُ القلب ، وهذا قانون .

 

ارتباط رحمة الله برحمة الخلق :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ روى البخاري :

((لا يرحم الله من لا يرحم الناس . . .))

[البخاري عن جرير]

 وفي حديث قدسي يقول الله عز وجل :

((إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي ))

[الديلمي عن أبي بكر]

 روى الإمام مسلم في صحيحه :

((أهل الجنّة ثلاثة . . .))

[مسلم عن عياض بن حمار]

 هؤلاء يدخلون الجنّة بغير حساب .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ هَذِهِ الْحُجْرَةِ يَقُولُ :

((لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ))

[أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 فالذي شقي بالبُعْد عن الله عز وجل تنزعُ الرحمة من قلبه ، والذي رزقهُ الله عملاً صالحًا أقبل به على الله يمتلئ قلبه رحمةً ومشاعر إنسانيّة .
 وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ))

[أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

من الرحمة أيضاً الإصلاح بين المسلمين :

 شيءٌ آخر ، وهو أنّ الله جلّ جلاله حينما قال :

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[ سورة الحجرات: 10]

 أي إذا أردْتُم رحمة الله عز وجل فأصْلحوا بين أخوَيْكم ، لا يُرضي الله أن يتمزّق الناس ، لا يُرضي الله أن يتباغض الناس ، لا يُرضي الله أن يتعادى الناس ، قال تعالى :

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[ سورة الحجرات: 10]

 ورحمة النبي عليه الصلاة والسلام رحمةٌ عامة ، لِقَول الله عز وجل :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 107]

 ولقول النبي عليه الصلاة والسلام : " إنما أنا رحمة مُهداة "، وكذلك المؤمن إنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، المؤمن حينما يصُبّ رحمتهُ على من يلوذ به ، ولا يعْنيهِ عامّة الخلق ، هذا بعيدٌ عن سنّة النبي عليه الصلاة والسلام ، يجب أن ترحمَ الأقارب والأباعد، من يلوذ بك ، ومن لا يلوذُ بك ، من تعرفُه ، ومن لا تعرفُه ، وربّنا سبحانه وتعالى :

﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾

[ سورة غافر : 7]

 كيف أنّ الله عز وجل قرَنَ العلْم بالرّحمة ، لأنّ الرحْمة من دون علمٍ مؤذيَة جدًّا ، كهذا الأب الذي يُطعمُ ابنهُ الطّعام الطيّب ، ومعِدَتُهُ مريضة ، إنّه بهذا الطعام يؤذيه ويزيد مرضهُ ، ولكنّ الأب الرحيم هو الذي يمْنعُ ابنهُ بعض الأكلات ليستقيم جهازُه الهضمي ، لذلك قرنَ ربّنا عز وجل الرحمة بالعلم فقال في الدعاء القرآني :

﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾

[ سورة غافر : 7]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ روى الدارمي والنسائي :

((إنما أنا لكم مثل الوالد لولده . . .))

[الدارمي والنسائي عن أبي هريرة]

حجم الرحمة في الإسلام :

 والآن إلى توجيهات من نوعٍ آخر ، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم :

((عُذّبت امرأة في هرّة حبستها . . .))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن ابن عمر]

 امرأةٌ تدخل النار ، لأنّها عذّبَتْ هرّة إلى أن ماتَتْ . وروى البخاري ومسلم :

((قد نصبوا طيرًا وهم يرمونه . . . .فيه روحٌ غرضًا . . .))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن عبد الله بن عمر]

 والحديث الذي تعرفونه جميعًا ، وقد رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ : لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا ي: َا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ : فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن أبي هريرة]

 وفي حديث آخر رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 امرأة تدخل النار لأنّها عذَّبَتْ هِرَّة ، وامرأةٌ يُغفرُ لها لأنَّها سقَتْ كلبًا كاد يموتُ عطشًا .
 أيها الأخوة ؛ من هذين الحديثين الشريفين يتّضحُ لكم حجْم الرحمة في الإسلام ، إن لم ترْحم فلسْتَ مؤمنًا ، إن قسا قلبك فهذا مؤشّر خطير على أنّك مقطوع عن الله عز وجل ، لأنّ الله رحيمٌ ، وكلّ من اتَّصَل به يرْحَمُ الخلق ، ولأنّ الله حقّ ، وكلّ من اتَّصَل به يؤثِرُ الحقّ .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هؤلاء الغربيّون الذين يتشدَّقون بالقِيَم الإنسانيّة ، ويتحدّثون بالرّفْق بالحَيوان ، لو أنّ مصالحَهم السياسيّة والاقتصاديّة اقْتضَتْ هلاكَ شعْبٍ ، أو تجْويع شعبٍ، أو افتعال حربٍ أهليّة بين شعْبَين ، لا يتورّعون عن هذا أبدًا ، لذا رحمتُهم كاذبة ، وهم يدَّعُونها ادِّعاءً ، ولو أنّهم رحِموا الحيوان لرحِموا الإنسان قبلهُ .

 

أنواع البر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ لا شكّ أنّ الآية الكريمة التي في سورة البقرة :

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 177]

 هذه الآية لو حلَّلْناها لوَجَدنا أنّ أنواع البرّ أربعة أنواع ؛ نوعٌ متعلّقٌ بالإيمان ومظاهره ، من أداء الصلاة والزكاة ، ونوعٌ يتعلّق بالرحمة ، وتتمثّل في إيتاء المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرّقاب ، ونوعٌ يتمثّل في الصّدق والمحافظة على شرف الكلمة ، والوفاء بالعهد ، ونوعٌ يتمثّل بالصّبر . إيمانٌ وعبادة ، وصدقٌ في الكلمة ، وصبْرٌ على بلْوى الله عز وجل ، ورحمةٌ للخلق متمثِّلَةٌ بإنفاق المال على حبّه تعالى ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرّقاب .
 أيها الأخوة المؤمنون ، أصبَح لدينا مؤشِّران ؛ الأوّل هو حبّ الحق وإيثارُه ، والثاني رحمة الخلق ، فما لم ينبض قلبك بِحُبّ للحق ، وإيثارٍ له ، ورُجوعٍ إليه ، وما لم ينبض قلبك بِمَشاعر الرحمة اتِّجاه المعذّبين من بني البشر ، فمعنى ذلك أنّ اتِّصالك بالله لا يرقى إلى المستوى المقبول .
اللهمّ علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا ، وزدنا علماً ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الورقة الخضراء :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ قرأْتُ مرَّةً كلمةً في كتابٍ علمي ، يقول مؤلّف هذا الكتاب وهو يتحدّث عن النبات : إنّ أعظمَ معمَلٍ صنَعَهُ الإنسان لا يرقى إلى ما يجري داخل الورقة الخضراء ، إنّ الورقة الخضراء في النبات معملٌ يُعدّ أعظم معملٍ صنعهُ الإنسان تافهًا أمامه ، فماذا في الورقة ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ في الورقة مادّة اسمها اليخضور ، هذه المادّة إذا تعرّضَت إلى أشعّة الشمس ، تحوّلَتْ جُزْئيّات اليخضور إلى مُفاعلٍ حراريّ جبّار ، هذا المفاعل الحراري يقوم بِشَطْر جزئيّات الماء التي في الورقة ، وإذا شُطِرَت جزئيّات الماء في الورقة تحوَّلَت إلى أكسجين وإلى هيدروجين ، وبالمناسبة لو أردْنا أن نشطِرَ نحن بالوسائل الماديّة جزَيْئًا من الماء إلى الهيدروجين والأكسجين لاحتَجْنا إلى طاقةٍ تُساوي تَسْخين الماء ، تساوي ألفين وخمسمئة درجة !!
 أيها الأخوة الأكارم ؛ بعض الإحصائيات العلميّة أنّ المجموع الخضري في الأرض يُحوّل مئة بليون طنّ من الفحم ، مع خمسة وعشرين بليون طن من الهيدروجين ، إلى مواد غذائيّة ، وإلى مئة بليون طن من الأكسجين ، من أجل أن يبقى الهواء ذا نِسَبٍ نظاميّة من حيث الأكسجين والمازوت وغاز الفحم ، لأنّ الإنسان يتنفّس الأكسجين باستمرار ، والنبات والحيوان ، فكيف تبقى النِّسَب ثابتة ؟ إنّ مئة بليون طنّ من الفحم مع خمسة وعشرين بليون طن من الهيدروجين تصنعُ أعدادًا لا حصْر لها من الثّمار والخضار والفواكه والحبوب والقمح والشعير والمواد الغذائيّة ، ومئة بليون طن من الأكسجين ، فالمعادلة : ثاني أكسيد الكربون مع اليخضور مع أشعّة الشمس يعطون المواد الغذائيّة على اختلاف أنواعها ، والأكسجين .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ من الثابت أنّ الطاقة التي تُنْتِجُها عمليّات التحليل اليخضوري تساوي عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها الإنسان في العالم كلّه ، الطاقة التي ينتجها المجموع الخضري في الغابات ، والمساحات الخضراء في العالم ، تعادل عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها الإنسان كلّ عام .
فأوراق شجرةٍ واحدةٍ متوسّطة العمر ، هذه الأوراق تصنعُ في الساعة الواحدة كيلو غرام من المواد الغذائيّة ، فكلّ شجرة في الساعة الواحدة تصنع كيلو غرام من المواد الغذائيّة ، هذه التفاحة حَمَلتْ التفاح ، بِمُعَدَّل كيلو غرام في الساعة تصنعهُ ، وفي أثناء الليل يتحوّل هذا الناتج الغذائي إلى سكّر يغذّي النبات ، أو يُخَزَّن على شَكل نشاء احتياطي في النبات .
أيها الأخوة الأكارم ؛ قال تعالى :

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾

[ سورة يس : 80]

 كلمة نارًا هنا تفيد اليخضور ، لأنّ هذه الورقة في كلّ شجرة معملٌ عظيم يؤدّي عملاً جبّارًا لا يستطيع الإنسان تصوُّرهُ .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018